تجربة فكريّة: قصّة واحدة كتبها عربي وروسي وأمريكي جنوبيّ

 

1

تعتبر قصّة (خالتي كدرجان) لأحمد السباعي أشهر قصص روّاد القصة السعوديّة، فهي عنوان لمجموعة قصصيّة، وترجمت إلى اللّغات الانجليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة والإسبانيّة والبرتغاليّة، واختيرت لكي تدرّس ضمن منهج المرحلة الثانويّة في ولاية من الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وهي في نظر بعض كتّاب القصّة القريبين زمنيا من الروّاد الأكمل فنيّا فيما كتبوه من قصص قصيرة. ثمّ إنّ السباعي من وجهة نظر النّقاد السعوديين يمثّل نقلة نوعيّة في كتابة القصّة القصيرة، فقد كانت القصّة قبل السباعي مجرّد رسائل أدبيّة هدفها الوعظ والإرشاد والتّنديد بالعادات السيّئة دون الاهتمام بالبناء القصصيّ والتّعمق في رسم الشخصيات وأبعاد ملامحها.

يتذكّر من قرأ هذه القصّة أنّها تنتهي بأن تتحوّل المرأة (كدرجان) إلى مادّة ثريّة لنمّ النّساء وسوالفهنّ؛ ذلك أنّها تحوّلت في آخر عمرها إلى عجوز متصابية عند بعض النّساء، ولأنّها كذلك فقد أصبحت مدعاة للرثاء عند نساء أخريات، ومدعاة للسّخرية عند فئة ثالثة.

تشي نهاية قصّة (خالتي كدرجان) بأنّ الماضي ليس أكثر من تراكم الأحداث، وأنّ الماضي حالات مستقلّة يمكن أن توضع جنبا إلى جنب، وأنّ الأحداث الّتي حدثت في الماضي يمكن أن تثبّت بالكتابة ليتأملها القارئ الّذي يرغب –فيما بعد- في أن يجد في الماضي العبرة والعظة.

ترتب على هذا أنّ قيمة الماضي في هذه القصّة هي: أنّه يهيئ المعطيات لما سيحدث في الحاضر أو المستقبل، وبالتّالي يساهم في تحديد هدف القصّة ومغزاها؛ فالقصّة توجد إطارا منتظما يمسك بعالم مستقرّ ومطمئن، وتشيد أجزاءه وتشدّ بعضها إلى بعض بسلسلة من العلاقات المنتظمة.

يستعيد الراوي ماضي (خالتي كدرجان)؛ وهذا يعني أنّ الماضي مازال كامنا في نفس (خالتي كدرجان)، وأنّ أحمد السباعي إذا ما أدرك (الحيلة) في استحضار ماضيها فإنّه يُعاش ثانية كما لو أنّه يحدث أمامها. كيف السّبيل إلى الوصول إلى ماضي (خالتي كدرجان)؟ الحلّ الّذي يقدّمه أحمد السباعي هو أن يستخدم راويا عليما يستحضر ماضيها، وأن يعيد سرد اللّحظات النّاشزة منه، وستكون النّتيجة كما يعتقد قصّة شيّقة؛ فتأمّل الماضي قد يساعد الرّاوي العليم على أن يستعيد تفاصيله، لكنّه حتما سيفشل في أن يعيد لحظاته كما لو كانت تعاش.

2

ماذا لو كتب هذه القصّة كاتب من غير جيل الروّاد، من الجيل الّذي تلا السباعي بعقدين من الزّمن أو أكثر كعبد الله باخشوين؟ لتبرير هذا السّؤال سأستعين بتجربة فكريّة. تبعا لهذه التّجربة الفكريّة في ميسوري أن أسأل وأجيب عن كيف سيكتبها باخشوين؛ لأنّني لا أستطيع أن أقوم في الواقع بهذه التّجربة؛ أي أن أطلب من عبد الله باخشوين أن يعيد كتابة قصّة (خالتي كدرجان) لكنّني في الوقت ذاته أستطيع أن أستخدم خيالي لإعطاء فكرة عمّا ستكون عليه هذه القصّة فيما لو كتبها. أن ألجأ إلى التّجربة الفكريّة فذلك يعني أن أستخدم مفهوما مجرّدا لكي أحصل على تصوّر واضح وبريء من الفوضى.

في وسعي القول استنادا إلى ” التّجربة الفكريّة ” فإنّ باخشوين سيجعل من نهاية قصّة (خالتي كدرجان) بداية للقصّة وليس نهاية لها، ذلك أنّ النّهاية الّتي اختارها أحمد السباعي، ومعها تقريبا أغلب نهايات القصص الّتي كتبها الروّاد في القصّة القصيرة، لم تعد تنسجم مع ما يعيشه المجتمع السعودي، ولا مع تصوّرات الكتّاب لأنفسهم وللحياة وللكون وللفنّ بشكل عامّ.

ليس هذا التّصور بلا أساس؛ فالتّغيرات الّتي طرأت على المجتمع السعوديّ، وضعت الشخصيات القصصيّة في وضع جديد، وقد خلق هذا التّغير عدم استقرار مواز في العلاقات الإنسانيّة، والدلالة الزمنيّة لمثل هذه الحالة واضحة في القصص الّتي كتبها جيل ما بعد الروّاد كسباعي عثمان، وعبدا لله باخشوين، وجار الله الحميد، وعبدا لعزيز مشري، وعلى هامش هذا الجيل عبده خال.

لقد اضطرّ هؤلاء القاصّون الجادّون إلى أن يتخلّوا عن العالم السّاكن والهادئ والمتناسق كما هو عند جيل الروّاد، ذلك العالم الّذي يخصّ إنسانا يعيش بين بشر لهم يقينياتهم الصلبة. إنّ المهم هنا هو الرؤيا لا الرؤية، وتخلّي هؤلاء القاصّين عن ذلك العالم يعني أنّ اتجاه الرؤية عند الروّاد في مجال القصّة القصيرة قد اعتراه التّحول لتصبح الرؤيا للفنّان.

سوف أرتب على هذا نزعتين جماليتين أميّز فيهما بين نوعين من القصّة: القصّة ” الهادفة ” الّتي كتبها جيل الروّاد، والقصّة “الإشكاليّة ” الّتي كتبها باخشوين وجيله. تتشبّث القصّة ” الهادفة ” مثلما تشبّث الروّاد بالمشكلات الإنسانيّة والاجتماعيّة الّتي يستطيع الإنسان أن يجد لها حلاّ.

أمّا باخشوين فقد تمسّك بالقصّة ” الإشكاليّة ” الّتي تهتمّ بالصدى الأخلاقيّ لأفعال البشر ومصائرهم. تسعى القصّة ” الإشكاليّة ” إلى إثارة القلق، أكثر من سعيها إلى إثارة الإعجاب كما في القصّة “الهادفة “. في القصّة ” الإشكاليّة ” يتراجع المنطق الّذي كتب به الروّاد، لذلك لم تعدد القصّة تسلية، ولا فضولا، إنّما أسئلة من غير أن تقدّم جوابا على ما تعرضه.

3

ماذا لو كتب تشيكوف قصّة خالتي كدرجان؟ ستكون طبيبة أو مدرسة. وسيكون زمن القصّة يوما حزينا من أيّام أواخر فصل الخريف في أحد أرياف روسيا، ستكون الأشجار عارية، والبيوت رماديّة. ستكون المرأة (كدرجان) في صحبة كلب، تقود كلبها وهي تحلم بروعة الحياة الّتي يمكن أن تكون، وتكرّس حياتها الّتي بقيت لتنسج (الدانتيلا). سيظهر لنا تشيكوف كدرجان غارقة في مسألة شائكة ثمّ يحلها لتظهر الفرحة الّتي تنمّ عن هذا الحلّ المنعش.

حين افترضت أنّ كدرجان طبيبة أو معّلمة؛ فلكي تكون من جماعة مغمورة كما عودنا تشيكوف. كتب فرانك أوكونور: ” والحقّ أنّ القصّة القصيرة لم يكن لها بطل قطّ، وإنّما لها بدلا من ذلك ” مجموعة من الناس المغمورين ” ، وأنا أستعمل هذا التعبير غير الجيد لأنني لا أجد أجود منه. هذه ” المجموعة المغمورة ” تغير شخصيتها من كاتب إلى كاتب. ومن جيل إلى جيل. قد تكون الموظفين العموميين عند غوغول، أو الخدم عند ترغنيف، أو العاهرات عند موبسان، أو الأطباء والمدرّسين عند تشيكوف. أمّا بخصوص كون أنّ (كدرجان) ستكون في الرّيف فيما لو كتب تشيكوف القصّة فقد خمنت هذا على ما نعر فه عن العلاقة الحميميّة بين الريف وشخصيات تشيكوف القصصيّة. ستحبّ كدرجان الخير رغم بؤسها. هذا هو فنّ تشيكوف مزيج من البؤس والفرح. يصرّ على أنّ حقيقة الإنسان العظمى هي الخير. تشيكوف الإنسان الخيّر بلا شرّ، رغم أنّ عمله الفنّي ارتكب كلّ أنواع الشّرور: خرق القانون، والأخلاق والعرف إلخ. لكنّ هذا العمل الفنّي نفسه هو الّذي أسّس عالما طيّبا خاليا من الشّرور.

لماذا لم يعد حبيب خالتي كدرجان؟ في المنظور الّذي نعرفه عن الكيفيّة الّتي يكتب بها تشيكوف قصّة كهذه سيكون السّبب “لعنة” حلّت بكدرجان بسبب ذنب صغير؛ ذلك أنّه يعتقد أنّ اللّعنة الّتي تحلّ ليست بسبب ذنوب كبيرة إنّما بسبب ذنوب صغيرة يخفيها البشر عن أنفسهم.

إنّ أفضل الملاحظات الّتي قرأتها هي الّتي نقلها مكسيم جوركي في مقدّمته لأعمال تشيكوف الكاملة، وتصرّفت فيها أعلاه. ينقل عن تولستوي أنّه قال عن قصّة من قصص تشيكوف. ” إنّها مثل الدانتيلا الّتي نسجتها فتاة عفيفة. كان هناك في الماضي أمثال هؤلاء الفتيات ناسجات الدانتيلا ” العوانس ” … كنّ يضعن في الزّخرف كلّ حياتهنّ، وكلّ أحلامهنّ بالسّعادة. وبالزّخارف كنّ يحلمن بالحبيب الغالي، وينقلن إلى رسوم الدانتيلا كلّ حبهنّ الطّاهر المبهم.

4

ماذا لو أنّ بورخيس كتب قصّة (خالتي كدرجان)؟ ستكون قصّة ميتافيزيقيّة أو فنتازيّة، وستأخذ شكل القصّة –المقال. سيكون هناك تدقيق وتوثيق. وأكثر من هذا مرآة أو متاهة أو كتاب أو موسوعة تقرأ فيها كدرجان. ستكون منهمكة في حلّ لغز مّا كوني أو أدبي أو فلسفي، وستكرّس وقتها لتناقش الكتب أو تعيشها أو تسافر فيها؛ حيث الكتب هي البديل عن الحياة.

سيدعم حبكة القصّة على حساب الشخصيّة. سيهتمّ بالأسلوب، وفيما لو بنى قصّته على شخصيّة كما في حالة كدرجان فإنّه لن يهتمّ بنفسيتها، وسيتفادى التّفاصيل غير الضروريّة لاسيّما التّفاصيل المحليّة الّتي تبرأ منها حتّى في قصصه الّتي نحت هذا المنحى.

5

من الممتع أن أستمرّ في افتراض من يكتب قصّة (خالتي كدرجان). هناك الكاتب الأمريكي أندرسون قصّة مشابهة لقصّة (خالتي كدرجان) عنوانها (مغامرة) وتجري أحداثها على النّحو التّالي: انتظرت أليس عودة الرّجل الّذي أحبّت، لكنّه لم يعد. خرجت عارية لتعرض نفسها على أوّل رجل تصادفه في الشّارع. ومن المؤسف أنّ الرّجل كان عجوزا وأصمّ، لم يفهم كلامها واكتفى بسؤاليه: ماذا؟ ماذا تقولين؟ عادت إلى البيت لتواجه الحقيقة وهي أنّ كثيرا من النّاس يعيشون ويموتون وحدين. إنّها لحظة رهيبة بالنّسبة لها ولخالتي كدرجان حين يتحوّل تفاؤلهما الواضح إلى يأس مساو له في الوضوح. لقد أوردت أندرسون استطرادا على نموذجي تشيكوف وبورخيس اللّذين يعتبرهما النّاقد الأمريكي هارلود بلوم نموذجين عالميين؛ فمن وجهة نظره أنّ القصّة بشكل عام إمّا تشيكوفية أو بورخيسية. وفيما لو افترضت أنّه توقف عند أندرسون فسيعتبره تشيكوفيا؛ ذلك أنّ القصّة القصيرة من وجهة نظره طالما بقيت تشيكوفيّة، لكن شيئا مختلفا جدا دخل إلى مجالها بالصورة أو المشاهد الوهميّة الّتي جاء بها كافكا وهو رائد سابق لخورخي لويس بورخيس الّذي يمكن أن يقال إنّه احتلّ مكان تشيكوف باعتباره المؤثّر الأعظم في القصص القصيرة في لنصف الثاني من القرن العشرين؛ فالقصص الآن إمّا أن تكون تشيكوفية أو بورخيسية ومن النّادر أن تكون كليهما.

هناك نموذج آخر يشبه بلوم في نصف تصنيفه القصص القصيرة وهو كوبارد الّذي قال لو أنّه استخرج كتاب مختارات من القصص فسيكون اختياره سهلا؛ ذلك أنّ نصف الكتاب سيكونون تشيكوف، ونصفهم الآخر سيكونون مورافيا. ومن جهته أعاد النّاقد والقاصّ فرانك أوكونور معظم كتاب القصّة القصيرة إلى غوغول منطلقا من مقولة ترغنيف الذائعة ” لقد أتينا جميعا من تحت معطف غوغول “، وقرأ معظم القصص في ضوء هذه القصّة، ويردد بين حين وآخر بعد قراءة قصص متنوعة ومتعدّدة قائلا ” صوت من عوالم أخرى شبيه بصوت ذلك النّساخ في قصّة المعطف أو ” يخيّل إلى أنّني أسمع عبر الوهدة الّتي تفصلني عنهم صوت النّساخ عند غوغول.

6

ماذا تعني هذه التّجربة الفكريّة لمقالتي؟ ما تعنيه يتضمن هذه الأسئلة: أي قصّة من القصص الّتي كتبها هؤلاء ستكون قصّة عالميّة؟ وما القصّة الّتي ستكون قصّة محليّة؟ هل نتمسّك بمفهوم العالميّة؟ أم نتمسّك بمفهوم المحليّة؟ هل نقبل سلّم جودة يبدأ بالمحليّة لينتهي إلى العالمية؟ هل يوجد بنية واضحة ومفهومة للعمل العالميّ؟ إنّ ما أراه هو أنّ هناك تعسّفا في فرض العالميّة على القصّ المتعدّد والمختلف كما ظهرت في تجربتنا الفكريّة. هذا ما يدفعني على الأقلّ إلى أن أتحفظ على وظيفة مفهوم العالميّة حين يركز على ما تعتقد ” نخبة ” أنّه عمل قصصي عالمي.

هل تفضّل أن تكتب قصّة محليّة أم تفضّل أن تكتب قصّة عالميّة؟ ليس مهما عندي أن تكون هذه أو تلك. المهمّ التعدّد. أنا أفضل القصّة الأمريكية الجنوبيّة، وأنت تفضّل القصّة الأوربيّة. وهو يفضّل القصّة الصينيّة، وهي تفضّل القصّة اليابانيّة. أنا أفضّل قصص يوسف إدريس، وأنت تفضّل قصص ماركيز، وهو يفضّل قصص كاوباتا، وهي تفضّل قصص بورخيس. تختلف الأذواق. يقال إنّ هذه هي نسبية الجمال، لكنّني أودّ أن أصفها بـ ” التعدّديّة “؛ أي الإقرار بتعدّد الأذواق. التعدّدية الأدبيّة هذه هي ما يجعل العالم الأدبي قادرا على أن يتقبّل العوالم الأدبيّة الّتي تكوّنه؛ فهو لا يتكوّن من أدب أوروبيّ فقط؛ إنّما من أدب عربي وهندي وإفريقي…. من كلّ آداب العالم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق