تأويل الذّات في كتاب تجربة الألم (2من2)

ومن جهة أخرى يمكن لواقع المريض الاجتماعيّ والعاطفيّ المتمثل في حضن دافئ في علاقاته الأسريّة والعائليّة…، أن يخلق نوعا من الاعتراف والتّضامن العاطفي المحفز للتّواصل الرمزي والتماس الجسدي، ممّا سيفجر طاقات الفعل والاهتمام بشؤون الحياة من جديد، كما تتشكّل  قدرة الصّبر والتّحمل والرّغبة في الحياة، وبهذا التّغيير في مبدأ الرّغبة والاهتمام تبتعد سيطرة الألم عن مركز الاهتمام، ويتراجع العجز لتخفّ حدّة الالم وقد تختفي اعتمادا على إرادة الفرد، أي أنّ الموارد التخيليّة الشخصيّة، ومدى القدرة على الانشغال بأنشطة مشوّقة بنوع من الإلهاء، كما لو أنّ الهدف هو التّحايل على الألم  بجديّة وحزم  في الشخصيّة، تساهم في تغيير الألم.” 24فانطلاقا من هذه القدرة الذاتيّة من التّخيل والتّفكر يمكن التّحكم في الألم مثلما يفعل البوذيون، وذلك من خلال الاشتغال على نظام الحواس والتّنفس وتقنيات الجسد. كما يمكن للمريض أن يكون فاعلا كلّما تقبّل وضعه كمريض ليس بمعنى الاستسلام، بل قصد التّفكير الهادئ للخروج من دائرة الأسر الّتي تفرضها عذابات الألم، بعيدا عن توترات الصّراع وجها لوجه مع الألم ممّا يسبّب عجزا وهدرا لطاقات الحياة. ” إنّ تغيير دلالة الألم يصفي أحيانا شحنته من العذاب. يعتبر تغيير التّصور أداة هامّة للتّحكم في الألم، غير أنّ ذاك لا يكفي للتّخفيف منه لأنّ الفرد ليس دائما شفافا مع نفسه، فإرادته تنفلت منه أحيانا، وتاريخه الشّخصي يتجاوزه ويجعله مضطرا رغما عنه إلى البحث عن التّخفيف من حاله وتحسينه.” 25 ولذلك على الإنسان ان يتعرّف كيف يستثمر موارده وتجاربه الخاصّة الّتي عاشها أو تعرّف عليها سمعا أو قراءة بحثا عن معنى للتّجربة دون قلق الخوف واليأس والعجز. لقد ” خرج العديد من الأشخاص من حلقة الألم المزمن، بتعلّم العيش مع ألم متحرّر جزئيا من الإيحاء بالعذاب. يجد آخرون في بواطنهم موارد المعنى كي يصدوا العذاب ويتابعوا العيش من غير كبير تأثر. ليس الألم هو الّذي يؤلم وإنّما الدّلالة الّتي يتّخذها.”26  من هنا ضرورة وضع المريض في قلب الاهتمام بعيدا عن المعايير البيولوجيّة فقط الّتي لا تستطيع رؤية عذابات الفرد في تكامله بين العضويّ والنّفسيّ. فقد تكون الآلام في حياة المريض ضرورة حياتيّة لإعلان الوجود وإثبات الذّات رغم ما يتبعها- الآلام- من عذابات البحث عن علاجات لتخفيف الألم، لأنّ من خلالها يمكن ربط الجسور بالعالم. فكم من الإحباطات النفسيّة  الّتي يكابدها المرء في تجارب ومواقف شخصيّة ملموسة  قد تمّ تحويلها إلى آلام بدنيّة. “الألم الجسماني يأخذ مكان عذاب وجودي. والعرض يغدو قاعدة لدلالة رمزيّة واشتغالا للمعنى ينفلت من بين أيدي الفرد. إنّه يضفي الطّابع المجازي على الصّراعات الموجودة في الحياة وينسي الفرد فيها. ليس هنا أي تعطيل للنّفسيّ  وإنّما الإقرار الأنثربولوجي بأنّ الإنسان موجود جسديا في العالم.”27  فهو يتّخذ جسده درعا وآلية دلاليّة لحماية وجوده من كلّ الانغلاقات الّتي تقف في وجه الاعتراف بمحنته كإنسان ملغى،  سواء من قبل الطّبيب أو من نظرات الآخرين وشكوكهم في بلواه. وهو فوق هذا كلّه شخص لا يقبل نفسيا وجسديا الانشطار، حيث يحيا جسمانيا في العالم. لهذا تأتي الآلام من كل صوب وحدب في التّاريخ الشّخصي وما يجتافه في أعماق كهوف مظلمة داخل اللاّشعور الثّقافي الاجتماعي لسيرته، تسكنها أشباح حوادث وصدمات وجراح الحياة في علاقاتها وتفاعلاتها ومآزمها عبر مختلف  مراحل العمر من الصّغر إلى الكبر. ” الألم يكون أحيانا توقيعا لملحاحية رابطة مّا، فهو الذّاكرة المنقوشة في البدن نفسه حتّى لو نسي المريض ظروف انبثاقه. إنّه يتغذّى من حدث هامّ أو صادم فاض عن قدرات البلورة الرمزيّة لدى الشّخص، وظلّ في ثنايا الجسد كشظية معنى تحت البشرة تظلّ تثير الألم…إنّ الاحتماء اللاّواعي في ألم يهدر الحياة هو مخرج لانفلات المرء من فصل من فصول حياته، أو من فترة طويلة تركت ندوبا لا تنمحي…الألم جدار رمزي يمكن من ديمومة هوّية آيلة للضّياع، وهو الملجأ الأخير لكي يبقى المرء موجودا.”28  لهذا يمكن القول بأنّ الألم ليس شرّا كلهّ رغم الثّمن الّذي يدفعه الفرد، فهو طريقة أخرى للتّفاعل وإثارة اهتمام وعواطف الآخرين نحو الذّات المتضعضعة، أو للتّنصل من مسؤوليات ثقيلة. كما لو أنّ الألم صوت وسلاح المغيبين والمقصيين من دائرة الحياة. والبعض منهم وفق تاريخه الشخصي يتحوّل إلى عدو نفسه في إصرار على عدم الشّفاء خوفا من الضّياع، خاصّة عندما يرتبط الألم بجرح نرجسي عميق، ممّا يؤدّي إلى  تفكيك هويّته وينال من شخصيته وروابطه الاجتماعيّة والمهنية، فلا يتبقى له لإعلان وجوده غير التّشبث بألمه حماية لنفسه من كلّ التّهديدات الّتي تنتاب تماسك هويّته، وما عليه إلا أن يدفع رغما عنه الثّمن من جسده الحيّ. والألم عند البعض الآخر يحدث بسبب قوّة هيمنة دلالة الفقدان، حيث يغيب الاعتراف بالدّفن والقيام بالحداد، ” يستعير الفرد ألما وسم حياته أو نهاية حياة شخص متوفّى، فيأخذ على عاتقه جزءا منه كي يحتفظ بالكلّ كما لو كان المتوفى لايزال بذلك على قيد الحياة. والألم يحافظ رمزيا في البشرة على الشّخص المفقود باعتبارها الطّريقة الوحيدة للاحتفاظ بأثر منه، إنّه عذاب الذّكرى…الألم يوقف الزّمن ويجسد الآخر.”29

ولألم التّعذيب عذاباته وبشاعته الهادفة إلى تهشيم الذّات وتشويهها لتصير مجرّد شيء مدنّس، كما أنّ مجراه وسياقه وظروفه لا تخضع كليّا لمنطق الجلاّد، فتاريخ الفرد يمكن أن يعمل في أحد الاتّجاهين، إمّا التّحطيم أو المقاومة، ورغم ذلك يبقى لصدمة الحدث وزنها في عمق الانسان خاصّة كلّما استحال ترميزها، ” لأنّ تصدع المعنى هو تصدع للحياة”.30 وألم التّعذيب يوجد خارج إرادة الضّحية ممّا يجعله تحت وحشيّة سلطة تتغذّي على الاخضاع من خلال التّعذيب الجسديّ والمعنويّ لغرض سحق الإنسان بتمزيق ما يشكّل نرجسيته وإنسانيته، إلى درجة يضطرّ السّجين إلى الخروج من جسده هروبا من ألم العذاب الّذي يستهدف نقاط هشاشته، بمختلف ألوان التّعذيب من خلق القلق والحرمان من الحواس والنّوم، أو بالاغتصاب…

ومع ذلك هناك من النّاجين من التّعذيب من استطاع من خلال تصاوير ذهنيّة، تخصّ الأفكار والمعتقدات الأخلاقيّة والفكريّة والسّياسيّة والقيم الاجتماعيّة والثّقافيّة كالشّرف والرّجولة والكرامة…، مقاومة العذاب الوحشي الرّهيب بفضل موارده الخاصّة الّتي اكتسبها سابقا وتبعا لظروف تكون وتطوّر تاريخه الشّخصيّ، ” فالرّعب المتكرّر في كلّ لحظة يؤدّي في هذه الحالة القصوى إلى بلورة عالم هلوسة يقتلع الألم من البدن ويمنح سبيلا للحلم يمكن من مواجهة العدوان واستعادة الدّلالة في العالم. إنّها تقنية للمحافظة على الذّات على حدّ العصاب، نابعة من قلب هويّة في طريق التّحلل بحيث تنجيه في آخر المطاف من التّفكك.”31 هكذا يتحرّر السّجين من سطوة جسده ويزدوج في وجوده حارما الجلاّد من إخضاعه والنّيل من تماسك هويّته. والرواية العربيّة في ما يعرف بأدب السّجون قدمت نماذج كثيرة ومختلفة الأساليب لمقاومة الإنسان لعنف الجلاّد، من العصابة والزّنزانة الانفراديّة، ومختلف أنواع التّعذيب الجسديّ والنّفسيّ…

وجدلية الجلاّد والضحيّة في منطقها الداخليّ هي صراع المعنى إزاء العذاب، أو الخضوع للاحتواء. ” الحدود الوحيدة الّتي تقبل الكسر لتحطيم الفرد هي حدود المعنى. فإذا مسّت فهو ينهار ويتكلّم ويغدو كائنا بين أيدي الجلاّدين…مقاومة التّعذيب ليست مقاومة جسمانيّة فهي تعود إلى القدرة على معارضة المعنى للعذاب لاحتوائه. إنّ تعلّق المرء بالحياة والإرادة في عدم التّخلي عن قيمه، والحفاظ على تقدير الذّات، والوفاء لقضية مّا، إلخ،…فهي تصدّ حدود ما لا يحتمل…هكذا تخلق الضحيّة لنفسها ملائكة في المتخيّل، ومخاطبين يحمونها.”32  وخطورة ألم التّعذيب لا تتوقّف فقط في لحظته الآنيّة وهو يمارس رعب تسلّطه على الفرد، بل يمتد في هويته الممزقة  بزلزال عميق توسّع من حجم معاناته مخلفات التّعذيب، ممّا يجعل من الصّعب عودة الذّات إلى نفسها بالسّهولة الّتي يستأنف بها المريض حياته بعد الشّفاء، لأنّ شروخ وجراحات الذّات تلتئم وفق التّأثير الرمزيّ لعنف التّعذيب. ” فالآلام الّتي يحسّ بها هؤلاء، إذا كانت نابعة من الآفات الجسمانيّة للتّعذيب، تتورم غالبا في تذكار الرّعب الّذي تعرّضوا له. بعض الجراح تترك آثارا تكون عبارة عن شروخ في ذاكرة معذبة ومكرهة على اجترار حاث الصدمة. والعلاج الّذي ينحصر في الجسماني أو في النفسيّ يخطئ هدفه ويصادق على الثنائيّة والكسر الّذي يلزم التّخلص منه.”33 ولا خلاص لسجين استعاد حريّته خارج دائرة الكلام الّذي يتجاوز وصف الصّدمة للاشتغال على تأويل إيجابي لدلالة عيش التّجربة. لذلك يكون من العسير على علاج الطبّ ذي المعايير البيولوجيّة فهم وإدراك شموليّة الإنسان كفرادة معذبة تمّ خرق ذاكرته بالحديد والنّار، وتشويه علاقته بالعالم، ذلك التّشويه الّذي طال محيطه الأسري والعائلي.  إنّ إقامة معنى للحدث هو نمط من الحلول ينزع فتيل جزء من الرّعب، أي ذلك الجزء الّذي لا يتصوّر، والّذي تقيم فيه الصّدمة…من المهمّ جدّا وقف تأثير الجلاّدين، وتحويل هالتهم الشيطانيّة وجعلهم أناسا يطبقون نوايا خاصّة. إنّ تحويل الحدث الصّادم إلى حادث قابل للتّصور يعني جعله أيضا قابلا للتّبليغ ومن ثمّ انتزاعه من الصّمت واللاّمعنى.”34 وفي ذلك سعي إلى نوع من المصالحة وتجديد الثّقة بين الذّات ونفسها، وبينها وبين الآخر والعالم بما يعيد بناء التّقدير الذّاتي في الإنسان الّذي صاره الآن، دون الالتفات إلى فردوس الذّات قبل الاعتقال وعيش محرقة التّعذيب، مع تشييد جسور المعنى الانساني الّتي تعرّضت للهدم والانكسار. وإذا كان التّعذيب يؤدّي إلى تدمير الذّات وتحطيم هويّتها في تشكلها الشّامل بما يتجاوز ثنائية الجسدي والنّفسي، فإنّ اشتغال الألم وفق رغبة وإرادة الفرد في تحقيق الذّات إلى درجة تخطي حدود قوّة تحمل الألم يصير المطمح والحلم الّذي يسعى إليه مثلا الرياضي في الفوز دون إقامة أي اعتبار لرعب الألم وعذاباته. إنّها معركة الذّات ضدّ الذّات، ومن لا ينتصر على ذاته لا ينتصر على أي شيء آخر، هكذا يفكّر الرياضي في تجاوز عائق الألم باكتشافه لذاته في حدودها القصوى، من خلال تحكمه في معنى اشتغال الألم. ” إنّ الألم حين يظلّ متحكما فيه يكون له الفضل المحترم في أن يوفّر للرياضي حدّا، ويرمز للتّماس الجسماني مع العالم.”35 هذا ما يمكن ملامسته إلى حدّ المتعة واللّذة عبر الكثير من تصريحات الرياضيين الّتي يتضمّنها الكتاب، وهي تبيّن لنا الأفق الأفضل للألم في تفجير طاقات الحياة الخلاّقة الكامنة في جوف الإنسان، والّتي كان يجهلها قبل خوض تجربة التّحدي الّتي نذر نفسه لها، ممّا يحفز رغبته للذّهاب في كلّ خطوة إلى أبعد من ذلك، إنّه جنون المغامرة الّذي لا يعرف التّوقف والحدود، تبعا لمعنويات ذهنيّة مشبعة بروح مديح الألم. ” يتعلّق الأمر بالإحساس بالعالم أخيرا ينبض في الذّات، وتحسّسه باليد وبكامل الجسد. إنّ ضرورة تأكيد الذّات باستمرار في مجتمع حيث المرجعيات لا تحصى والقيم في أزمة تقود الفرد إلى البحث عن علاقة المواجهة مع العالم باعتبارها سبيلا جذريا لاختبار موارده الشخصيّة. فالحدود الجسمانيّة تأتي لتعويض حدود  المعنى الّتي لم يعد يمنحها النّظام الاجتماعيّ.”36

ويتجلّى ذلك بشكل واضح في الممارسات الشامانيّة، و” الفقراء” في طعن أجسادهم بالسّكاكين والسّيوف، وفي بعض الطّقوس القديمة في التنشئة الاجتماعيّة والثقافيّة للفرد، وفق معايير للعبور تمنحه جدارة العضويّة المجتمعيّة. إلى جانب الطقوس المستحدثة كتعليق الفرد بمعالق حديديّة في الصدر أو الظهر…، في محاولة عيش وضع عدم الاحساس بالألم وصد العذاب من خلال قناعات وأفكار وتصوّرات ومعتقدات حاملة لمعنى يتلبس الألم، فإن لم تلغيه تخفف منه دون أي عذاب. “لحظة التّعليق تمّ الاحتفاظ بها للرّغبة في عيش تجربة روحانيّة معينة وتغيير علاقة الانسان بالعالم. إذا كان الهنود المندانيون أو الهنود السيو يبحثون عن رؤى كي يشاركوا أفضل في حياة قومهم، فإنّ الغربيين يرغبون في عيش شكل من الوجد وتوليد رؤى شخصيّة. فما كان ذا معنى لقوم متلاحمين حول رؤية للعالم تحول إلى شكل من أشكال استكشاف الذّات وبحثا عن روحانيّة حميمة.”37  وقد أتى الكتاب على نماذج كثيرة من عمليات استكشاف الأحاسيس وتملّك الذّات، والانسلاخ عن الجسد وعيش الألم بنوع من النّشوة واللّذة. وقد صارت مبتذلة إلى حدّ الاستخفاف حالات التّعليق المستحدثة عن أصلها الاعتقادي والطقوسي في بعض المواقف. والفرد لم يتوقّف اليوم عن تجريب أشكال مختلفة من الألم كالوشم وثقب البشرة رغبة في تغيير الجسد كأفق لبناء الذّات وتأسيس وجوده من جديد، تبعا لتأويل الذّات للألم وفق معنى يمنحها الفخر والاعتزاز بالتّشكل الجديد والمتميز لهويّة الفرد. ولا معنى عنده لتغيير الجسد وعيش لحظة التّحكم في وجوده دون حضور للألم، ” لو وضعوا  الآن لي وشما من غير ألم فلن أكون متأكدة من أني سأقدره كما الآن. فلو أنّه نزل عليّ من السّماء هكذا، لم يكن له أي أهمية (ليدي،24سنة، طالبة)” بخصوص الوشم أو ثقب الحلية، هناك حصّة من العذاب. والعذاب جزء من الآلية. نحن نعلم أنّنا سنتعذب لكنّنا نعرف النّتيجة. بشكل مّا نحن مسرورون بالعذاب، وعلينا استحقاقه”38. كلّ هذا لتصحيح وتحقيق الذّات، وتوكيد الهويّة الشخصيّة، وتجاوز حالات الخوف مع تخطي تعارض الألم واللّذة. ويكون لهذه الأشكال من التّحولات الجسديّة دور في تجاوز الكثير من الاضطرابات والمآزم والمأزق المترسبة في التاريخ الشخصيّ، والّتي تتخبّط فيها الذّات في عذابات لا تنتهي إلّا في تجربة ألم التّغيير الجسدي كنوع من استعادة الجسد وتملكه وترميم الهويّة الشخصيّة المفكّكة.

ولعلّ التّجربة الأروع لامتلاك الجسد في تجربة الألم هي عندما ينتج معرفة، كعمل فنّي حيّ، يتفاعل مع شهود تستهدفهم المنجزة الفنيّة في زرع الاضطراب والاعتداء، وتأزيم الفكر. وينفتح القارئ للصفحات الّتي خصّصها الكاتب للجرح باعتباره عملا فنيّا على رؤية الفنّان الجريئة في خلخلة الفكر، وتعرية بشاعة جمهور الرواق الفنّي والمجتمعيّ الغارق في تفاهة الشّر باستسلامه لسطوة روتين اليومي، وإعلان تمرّد الفرد على هذا الوضع، وهذا ما تبيّنه منجزات الجراح العارية لفنانة مثل “جينا بان” ” ينتج الفنّان اضطرابات في قلب الرّابطة الاجتماعيّة كي يقود إلى التّفكير في رتابة الحياة اليوميّة الثّقيلة بالتّسويات والعنف. وهو يقدّم نفسه ككشاف يؤدّي ثمن كشوفه مندمجا أحيانا اندماجا نهائيا في أعماله…أنّها حزت وجهها- جينا بان- قبل أن تتناول كاميرا وتصوّر طويلا الجمهور متوقّفة عند ملامح بعض الأشخاص، منددة بذلك بالسكونيّة الاجتماعيّة إزاء العنف، واللاّمبالاة أمام الرّعب وتخدير البصر”39 ، تجاه كلّ أشكال الظلم والحروب والاضطهاد الّتي تسود العالم، لهذا هي تهدف إلى رفع هذا التّخدير، خلق حالة من الصّحو والوعي يكون فيها ألم الجرح عطاء وتحررا من عذابات السكونيّة السلبيّة،  وخرقا للمحرّمات الأخلاقيّة فيما يتجاوز سطح التّشريطات والحروق إلى جعل السّؤال هاجسا مستمرا، من خلال منح روحها للمرضى.

والكثير من المجتمعات القديمة في قيمها الاجتماعيّة والثقافيّة تعتبر تجربة الألم آلية للتّحول الوجوديّ ولاستحقاق جدارة العضويّة في عالم اجتماعي آخر تكون فيه قيمة أخلاقيّة لشجاعة الفتيان إزاء الألم والعدوان، باعتبار ذلك طقس عبور نحو الرّجولة والفحولة كشيء يبنى باستحقاق ولا يقدّم مجّانا كبداهة الأنثويّة .

وفي المحور الأخير” الألم ضدّ العذاب” من الكتاب نقرأ صفحات جميلة لتجربة الألم باعتباره متعة تصل إلى حدّ النّشوة الجنسيّة، الشّيء الّذي يمنع ظهور العذاب، أو عندما يتمّ البحث عن الألم لترويض الصدمة، وهذا ما نجده في ممارسات أتباع السّادو مازوشيّة، وفق المعنى الّذي يسقطونه على أوضاعهم وليس حبّا في الالم ” من خلال ترويض معنوي صار فلسفة للحياة لا يكفّون عن إعادة صياغة وضعية عذابهم الأوليّة في شكل جلال شخصي. فهم يجعلون الضّرورة فضيلة باتّخاذهم مبادرة فرض تدابير أليمة وغيرها على أنفسهم. إنّهم يغيّرون جذريا الدّلالة، مزيحين كلّ عذاب، بل ومحوّلين كلّ ألم إلى لذّة…الألم المبحوث عنه تبعا لطرائق دقيقة هو وسيلة للحفاظ على هويّة منكسرة. وهو يبرهن من خلال العاطفة على إحساس ذاتيّ  صعب البلورة بشكل مغاير. يرى فيه م. دوموزان  طريقة فعّالة لمواجهة خطر فقدان الشخصيّة ففي نظره تملك المازوشيّة الشبقيّة وظيفة إعادة البناء واستعادة الاكتمال النرجسيّ.”40  ويتّضح ذلك بشكل يؤزّم النّفس والفكر، أي يخلخل الذّهن في الفقرات المتعلّقة بالألم بوصفه مقاومة، أو في الحز باعتباره سدا أمام العذاب، وذلك في نوع من تحدّي رعب العذاب والتّهديد بالموت، كشكل للبقاء والالتحام بالوجود.

الهوامش

24- دافيد لوبروطون: تجربة الألم، ترجمة: فريد الزاهي، ص 81و82.

25- نفسه ص 85.

26- نفسه ص 87.

27- نفسه ص 92.

28- نفسه ص 99و100.

29- نفسه ص 106و107.

30- نفسه ص 110.

31- نفسه ص 115.

32- نفسه ص 118.

33- نفسه ص 120.

34- نفسه ص 124.

35- نفسه ص 130.

36- نفسه ص 136.

37- نفسه ص 137.

38- نفسه ص 144.

39- نفسه ص 151و152.

40- نفسه189و190.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق