تأويل الذّات في كتاب تجربة الألم(1 من2)

دافيد لوبروطون الباحث الفرنسي الأنتروبولوجي الّذي تخصّص في دراسة الجسد حيث قدّم الكثير من الكتب في هذا المجال نذكر منها على سبيل المثال: أنتروبولوجيا الجسد والحداثة، سوسيولوجيا الجسد، أنتروبولوجيا الألم…

إسم الكتاب: تجربة الألم بين التّحطيم والانبعاث.

إسم المؤلّف: دافيد لوبروتون.

إسم المترجم : فريد الزّاهي.

دار النّشر: توبقال للنشر.

تاريخ النشر: الطّبعة الأولى 2017.

قراءة كتاب “تجربة الألم”  تجعلك كما لو أنّك تخوض إحدى تجاربه الممتعة في الانتصار على ألمك في شموليته، يعني أن تتخطى عذابات جهلك الّتي تجعلك أسير المعنى الضيق الهارب من فاعلية إيجابيتك في الفعل والفكر والممارسة والتّحكم في زمام مسارات ألمك المتحوّل إلى عذابات مرهقة ومهدّدة لإنسانيتك. ومع صفحات الكتاب تدرك أنّك لم تعد أعزلا كما كنت في خوض غمار مجابهة جدلية الألم والعذاب الرّهيبة والمغيبة لإنسانيتك ” المعجزة” في التّغلب على الألم ليس فقط في تفكيكه وتقويضه، بل أيضا في اكتساب القدرة على مجاوزة بعده التخريبي كعذاب في تفكيك كينونتك ووجودك كفعالية إنسانية قادرة على قلب الطاولة في وجه الألم بامتلاك سحر سرّ التّحكم في المعنى وجعله متعة ولذّة، و أساسا لبناء الذّات والانخراط في التّحول بشكل إرادي إلى درجة اكتشاف ما يختبئ في عمق الذّات من موارد مجهولة في المقاومة والتّحمل، وبما يسمح بإلغاء اي تعارض بين الألم واللّذة.

هكذا نتعرّف على مختلف التّصورات والنّظريات والمقاربات للألم، فإذا كانت المقاربة الخصوصيّة الفزيولوجيّة المحضة، ” تتفادى كلّ اهتمام جدي بالكلام والتاريخ الخاصين للمريض، كي تتفحص الآليات الجسدية الّتي تندرج في المرض”1 ، ففي عام 1965، قام باحثان من معهد (ماساتشوستس) للتكنولوجيا هما (باتريك وال) و(رونالد ميلزاك) بطرح نظريّة جديدة تدعى ”نظرية التحكم ببوابة الألم“ الّتي مازال معمولا بمعظمها إلى يومنا هذا. إذ نتعرف من خلالها على مقاربة تأخذ مختلف الأبعاد في سيرورة الألم بعين الاعتبار بحيث ” تندّد بمفهوم للألم يكون حسيا محضا ويتمّ تمريره في خط مستقيم إلى الدماغ”2 من هنا تلح على ضرورة استحضار جملة من المعارف والعواطف الّتي تشكل تاريخيّة الانسان المريض بعيدا عن اختزاله في بعده البيولوجي. لذلك ” فإنّ الفعل ضدّ الألم يكف عن أن يكون جراحيا أو صيدليا أساسا، أنّه لا يكتفي فقط بردع الانشطة الجسمانيّة بالفعل فيها، وإنّما يعبئ موارد أخرى بدعوة المريض إلى المساهمة في التّخفيف من ألمه”3هكذا برزت الكثير من العمليات الّتي توجه اهتمامها لأبعاد أخرى في الانسان المريض كالكلام وتقنيات الجسد والتّصورات والاسترخاء والتّنويم المغناطيسي…الشّيء الّذي يستلزم حضور مباحث وتخصصات لها قوّتها وفاعليتها في مقاربة الألم. وهذا ما يجعل من الصّعب الحديث عن الألم وفق الثنايات التقليديّة بين الجسد والنّفس لأنّه يتجاوز أي بعد اختزاليّ عضويّ جسديّ ضيّق في تحديده” بل هو يسم الفرد ويفيض على علاقته بالعالم، وهو من ثمّة عذاب.”4 أي دلالة تمّ الاشتغال في بنائها فكريا ووجوديا من خلال التاريخ الشخصيّ للفرد. وبهذا المعنى فالعذاب متجاوز للتّفكير الثنائي النّمطي السّائد قصد الانفتاح على معطيات  تتعلّق بالإدراك والإحساس والعاطفة في سيرورة تفكير الانسان في عملية بنائه لمعنى الألم الّذي يقف في إصابته عند حدّ الجسم، ممّا يجعل من مقاربة الطبيب الموضوعيّة  لأسبابه عائقا لإدراكه في بعده الاجتماعيّ الثقافيّ والشخصيّ ” هناك ألم فريد مدرك وموسوم  بكمياء التاريخ الفرديّ ودرجة الإصابة. فالشّخص في حالة ألم هو الوحيد الّذي يعرف مدى ألمه، وهو وحده ضحية العذاب الأليم”5. من هنا خطورة الألم الّتي لا تقف عند سقف أحد القطبين الجسدي أو المعنوي فقط، بل  يقلب حياة الانسان رأسا على عقب في علاقته مع نفسه والآخرين والعالم. ” الإنسان يتعذّب ويعاني في كثافة وجوده وسعته. وهو لا يتعرّف على نفسه، والنّاس المحيطون به يكتشفون بدهشة أنّه توقّف عن أن يكون هو نفسه”6 رازحا تحت وطأة المعنى/العذاب الّذي يؤسّسه وجوده التاريخي الشّخصي و الثقافي الاجتماعي للألم. ” العذاب ليس امتدادا لتشوّه عضوي، وإنّما هو نشاط للمعنى لدى الانسان الّذي يتعذّب”7 . وبناء على هذا الفهم والتّحليل تتّضح لنا حقيقة العذاب المهدّد لوجود الذّات الّذي يتورّط فيه الانسان حين يفقد القدرة على التّحكم به بسبب استسلامه لدلالات ولمعنى سلبي لما يعانيه من ألم.

وتجربة الألم ليست تجربة واحدة ووحيدة بل في الألم يعيش الانسان تجارب مختلفة إلى حدّ التناقض: من التّفكك والتّهديد الوجودي، إلى بناء واستكشاف الذّات في مواردها الداخليّة وقدرتها البنائيّة في التّحول، وبين هذا وذاك هناك تجارب كثيرة في العلاقة بسيرورة الألم تبعا للدلالة الّتي يكونها الفرد حوله بين انحسارها في بعد الألم المتحكم فيه متعة ولذّة ونشوة…، وبين انفلاتها لتصير عذابا مدمرا لهوية وكينونة الانسان.

غالبا ما ننتبه إلى تغيّر حياة الانسان الّذي يعيش حالة من الألم الجسديّ لكن دون أن ندرك تطوّر الألم إلى سيرورة من العذاب الّتي تسحق الفرد وهي تعزله وتقصيه من أية روابط إيجابيّة مع جسده والآخرين والعالم،” أنّه عذاب يجمد نشاط الفكر وممارسة الحياة”8. ويتحوّل الإنسان إلى شيء تافه عاجز أمام سطوة اليأس والقلق والإحباط المولد لوضعيات نفسيّة على حافة الانهيار ومحاولة الانتحار، خاصّة عندما يعيش الفرد ألمه غامضا بلا معنى. هكذا تجهد الأنظمة الدينيّة في منحه معنى مخففا وتطهيريا لحالات العذاب الّتي يكابدها الفرد، انطلاقا من صورة أقرب إلى قربان للرّب تبعا لتمثلات وتصاوير ذهنيّة تساعد على مقاومة عملية الانسحاق الّتي يتعرّض لها المرء. ” يصير الألم عذابا محبوبا وسبيلا للتّطهير وللتّجدد الروحاني من أجل حبّ إلهيّ.9 ووصولا إلى انفتاح القيم الدينيّة على بعدي الأمل والمحبة، وفي هذا كلّه بحث عن معنى وترميز للألم بما يجعله مفهوما وقابلا للتّفكير دون التّخلي عن المسكنات ومختلف أشكال الدواء الّتي يمكن الوصول إليها. لذلك يقول نيتشه ” إنّ ما يثير الغضب في الحقيقة ليس الألم في ذاته وإنّما اللاّمعنى الّذي يتدثر به الألم. فلطرد ألم العالم لجأ الانسان إلى ابتكار الآلهة…فبهذه الابتكارات، وصلت الحياة بالقوّة إلى تبرير ألمها ذاته”10 .لهذا لا يمكن للإنسان أن يهدأ له بال  ويتحمّل ألمه إلّا بعد ان يجد معنى له يجيب عن الاسئلة الحارقة التي تقض مضجعه وتؤثّر على حياته كليا، خاصّة إذا استحال طبيا وقف الألم ومعالجته ممّا يؤدّي إلى تفكك هويّة المعذب الّذي يغرق وحده في يمّ العزلة الّتي تتساقط فيها نفسيته وروابطه الاجتماعيّة كلّما غاب التّضامن ومختلف أشكال الدّعم النفسيّ الأسريّ والعائليّ…، ويمتدّ في وجهه جدار العجز المسيج بفوضى الزّمن معذبا بين مخالب ألم اعتباطي فجائي يمتدّ عميقا في سطوة الانتظار، وبين انتظار وآخر ألم يرحل لكي يهجم مرّة أخرى كما لو أنّ المريض يتعرّض لغزو همجي. ” يفرض الألم حدادا مؤقتا أو دائما على الذّات. فهو يمزق حدودا تجعله يواجه فكرا مستبقا للموت. إنّه يقبض على العزلة ويذكر بالموت المحقّق بالضّرب المباشر المسبق. بل هو تقدم للموت في قلب الوجود، وتذكير دائم بنهائيّة الإنسان، وهو يجبر على الإحساس بكون المرء كائنا في حالة سراح وهشا إلى درجة لا تتصوّر.”11وهذا ما يجعل الفرد تحت رحمة عذاب الموت إلى حدّ التّكيف معه والتّبخيس من رعبه، أو تخطيه بالإجهاز على النّفس دفعة واحدة، لأنّ الألم حطم معنى الحياة، خاصّة عندما يتجاهل الطبّ حجم العذاب الهائل الّذي يعانيه. وإذا ما قدر للمريض أن يتعافى من ألم بلا معنى كعذاب رهيب  فرضه الآخرون بتستر مقصود ومتعمّد، كبعض العمليات الجراحيّة الّتي يخضع لها الأطفال، فإن وصمته السيئة تنحفر في الأعماق مدى العمر كلّه. ومهما كانت اللّغة دقيقة ومعبرة فإنّها لا تطال حقيقة الألم وعذاباته الجهنميّة، ” وتلك هزائم كثيرة للكلام والفكر. الألم يفكّك أوصال اللّغة”12  ولذلك يتعرّض المريض لسوء الفهم من قبل الآخرين في الأسرة وفي دائرة الأصدقاء لأنّه ليس باستطاعتهم تقدير حجم الألم والعذاب الرّهيب الّذي يدفع ثمنه من لحمه الحيّ دون أن يستطيع قوله وفكّ التباسه إلّا عبر مكر المجازات الّتي تمنحه معنى.

غالبا ما يخسر الفرد مصداقيته ويتغيّر وضعه الاعتباري بشكل متفاوت حسب نوعيّة الألم الحاد أو المستعصي الّذي يسكن الجسد، وتزداد عذاباته عندما يتجاهل الجهاز الصّحي إنسانيته أثناء العلاج. ” الألم ليس معطى تقرره المظاهر البيولوجيّة، وإنّما أولا إحساس فرد. وتقويمه يتمّ انطلاقا من تصريحات المريض. وهو لا يخضع للبرهان بل للإحساس والتّجربة. إنّ ألما ولو كان شرسا، ليس له قوّة البداهة لدى الشّهود. فالإنسان المريض يعيش أحيانا مأساة عدم الاعتراف بألمه أو بحدته الّتي يضعها موضع شكّ الأطباء الّذين يفضلون تفحص الصور الراديوغرافيّة أو نتائج التّحاليل على النّظر في وجه مرضاهم الّذين دمرهم الألم.”13 ويظلّ يعاني من سوء الفهم المزدوج إذا لم يستطع الطبّ تشخيص مرضه كما لو كان الفرد مسؤولا عن هشاشته أو اعتباره ذنبا اقترفه بمحض إرادته أو ناتجا عن خيالاته النفسيّة، دون أن يحظى بمن يقدر معاناته إزاء اللاّمعنى الّذي يكتنف ألم عذاباته في استحالة تشخيص مرضه. ” ففي سياق الألم المستعصي يكون البحث عن المعنى أمرا أساسيا كي يستطيع المريض المواجهة. لكنّ الألم هنا يرتبط  بالأحرى بالسّبب الطبّي الوجيه للإحساس بالألم. إنّ تسمية الألم ومنحه اسما، يمكن من البدء في إعادة تنظيم العذاب. في الانزلاق من السّديم إلى الدلالة، نراه يفقد بعضا من طابعه القاصم، ويشرع في الدّخول في ما هو قابل للتّصور، ويغدو أساسا وسندا للتّواصل”14. لكن من جهة أخرى قد يتورط الفرد في شغف بعض الأطباء بجعل كلّ الاضطرابات عضويّة ممّا يجعله حقل تجربة لمجموعة من العلاجات التخمينية بما في ذلك الكثير من العمليات الجراحية دون جدوى، لان هؤلاء لا يعيرون اهتماما لبعد المعنى والعاطفة أثناء الفحص والتّشخيص. وخلال هذه المسارات فالفرد يعيش ألمه اليومي ومعاناة عذابه بين الكشف والاخفاء حسب الظّروف ونوع الجمهور حتّى لا يفقد مصداقيته وتقديره من الآخرين الّذين يعتبرون ذلك شأنا شخصيا لا ينبغي  أن يعكّر صفو حياتهم بشكواه، خاصّة في محيطه المهني الّذي يهدده بالتّقاعس والإهمال تمهيدا لطرده، ولقراءات خاطئة من قبل زملائه في العمل باعتباره تحايلا في العمل والإنجاز. وفي هذه التّفاعلات والسّياقات تتهشّم الكثير من علاقات الحياة المشتركة داخل الأسرة وخارجها مؤدّية إلى وضعيات العزلة والانكماش. ” الإنسان الّذي يتألّم يوجد في منفى الذّات، في استحالة الالتحاق بنفسه أو الاقتراب من الآخرين. أنّه لا يقتسم معهم سجل الواقع نفسه.”15 لأنّ لا أحد يستطيع أن يتقاسم معه ألمه على مستوى الإحساس بما يكابده من عذابات، إلّا أنّ المرضى يتقاربون فيما بينهم بشكل أفضل. ومع ذلك تلعب المصاحبة بالتماس الجسدي، أي اللّمسة كتواصل عاطفيّ، تعبيرا عن المساندة والتّعاطف، أو بالكلام الدافئ المفعم  بالتّفهم والانصات لعذابات الفرد دورا في إنقاذه من اليأس والعزلة والانهيار. لكن على الفرد أن لا يتماها مع ألمه ويستسلم للأمر الواقع، بل عليه نسيان الخضوع لعذاباته من خلال الانخراط الكليّ في مواصلة العمل وإنجاز الأنشطة اليوميّة تقديرا للذّات وحفاظا على تماسكها وتقوية للرّغبة في الحياة، لكسر طوق الألم المستعصي الّذي تعجز الفحوص الطبيّة الروتينيّة عن رؤيته، حين تتجاهل ولا تعترف بمحرقة حمم العذاب الهائل المتدفّق من فوهة بركان الصّفائح العميقة للأبعاد الشخصيّة والاجتماعيّة والثقافيّة للمريض. ” وأخذ العذاب بعين الاعتبار خلال الفحوص معطى أساس يمنح للمريض الاحساس بالاعتراف به في بلائه. وهو أمر يساهم في استعادة الذّات النرجسيّة الجوهريّة الّتي تمكن الفرد من الإمساك بمحنته.”16 وكلّما خرج الإنسان من محنة العذاب سالما فإنّ التجربة يكون لها مفعول إيجابي على تحوّل الذّات في خبرتها ومعرفتها وتفاعلها مع النّفس والآخر، وفي تنمية الذّكاء الانفعاليّ الاجتماعيّ للإحساس بمعاناة الغير، وأكثر إنصاتا للألم اللاّمرئي الّذي يعذّب الآخرين. ويعاني بشكل متفاوت  أولئك الّذي أحكم الألم قبضته على الّذين يغرقون في اليأس وتبخيس الذّات والاستسلام لتجربة الخراب كقانون قدري لا مفرّ منه، بينما يتمسّك آخرون بالمجابهة الموسومة بحرقة العذاب المكثف لكلّ ما يشكل كينونة المريض. ” الإحساس بالمحنة هذا وبالحياة المدمرة هو ما يضطرّ معه المرضى إلى القبول بعمليات بتر للأعضاء تبدو لهم حظهم الأخير في الحياة.”17

وصعوبة فهم الألم ومقاربة معناه تكمن في أنّه ليس مرتبطا فقط بآليات جسمانيّة بقدر ما أنّه تأويل مرتبط بسياقات ثقافيّة اجتماعيّة عاطفيّة، لذلك تعاش  عذاباته بشكل مختلف حسب المعنى الّذي يأخذه في وضعيات مجتمعيّة  تتمايز في تحمل عبء الحياة بين البؤس والغنى وما يطبعها من قسوة، أو راحة باذخة، كما لو أنّ الألم طبقي بامتياز كبير. ” إنّ تقريرنا إذا ما كان حادث جسدي طبيعيا أو مؤلما يعود إلى التّعلم الثقافيّ والاجتماعيّ لا إلى البداهة الطبيعيّة، فهو يفترض تأويلا ملزما لا إحساسا بالعذاب.”18 لهذا تختلف الطبقات الاجتماعيّة والشّعوب في مقاربتها لمعنى الألم على مستوى الشدّة والحدّة وما يتولّد عنه من قلق أو عذاب تبعا للمرجعيات الاجتماعيّة والثقافيّة وحسب المراحل التاريخيّة والنّوع الانسانيّ، (الجندر) لكن مع استحضار البعد الفرديّ في تجربة الألم مهما كانت سطوة هذه المرجعيات. ” ومن ثمّ يأتي تعلّق الأبحاث الأكثر معاصرة بتجربة الألم الّتي يحسّ بها كلّ شخص ويعبّر عنها باستعمال العناصر الثقافيّة الّتي تخترقه باعتبارها موارد ومن ثمّ الاهتمام بقصّة الحياة والحوارات المطولة مع المرضى، وأيضا دراسة الصّياغات اللّغويّة.”19  وهكذا ينجح الفرد الّذي يستطيع إدماج تجربته مع الألم في حكاية خاصّة لما يحسّه، تستقي مواردها من تجربة تاريخه الشخصيّ ومن الآخرين والأطباء ومن كلّ ما طالته يداه سماعا وقراءة للمرض باعتباره فاعلا  وشريكا في علاجاته لا شاهدا غريبا عن نفسه وهو يرى وجوده يفلت منه بتفكك هويّته .” القول هو مخرج من العجز ووسيلة أخيرة، كي لا يجرفه الألم، ومعارضة له بمقاومة عنيدة. إنّ منح معنى للألم يمكّن المريض من أّلا يظلّ في الهاوية ويتمسّك بنظرته للأشياء، فهو يحافظ على الانسان في عالم لا يزال متجانسا ومتوقعا.”20

ومن زاوية أخرى لفهم الفرد باعتباره هو من يعاني يمكن تبين ذلك من خلال التّاريخ الشخصيّ المتمثّل مثلا في الارتباط الحاصل بين الكثير من مشاكل الألم وبين المناخ العاطفيّ للطفولة باعتبارها القانون الأساس لبناء الشّخص، كما لو أنّ هناك نوع من جدل التّكامل بين الألم ومعاناة الطفولة. حيث تلعب دائرة الأسرة والعائلة والأقارب…، دورا كبيرا في تقوية الصّحة النفسيّة للطفل وفي استبطان الكثير من آليات وموارد الصّمود والمقاومة للألم وما يتولّد عنه من عذابات. ” يتعلّم الابن في تصرّفات الأم ألّا يترك الأشياء تتجاوزه وأن يطوّر موارده كي يصدّ الألم. وقدرته على مقاومة العدوان أو الألم رهين باحتواء الأقارب له ونوعيّة حضورهم معه، خاصّة إزاء اليأس الأصلي للرّضيع.”21 إلى جانب الأثر الحاسم، للتّخفيف من قلق الألم وتفعيل العلاجات، الّذي تلعبه الدّلالة والمعاني المحايثة  لظروف الحياة في شدّتها وحدة تجاربها القاسية والمؤلمة أو المريحة، تبعا لمختلف الوضعيات وما يصاحبها من تشرّد وتهميش وافقار عاطفيّ وماديّ ورمزيّ ولا مبالاة، أو من معلومات وموارد وعناية يحظى بها المريض،  وتبعا أيضا لسياقات سيرورة الحياة وما يميّزها من محطّات تسهم بشكل أو بآخر في الاحساس بخوف رعب الألم والشّكوى من عذاباته، أو في الصّبر والتّحمل خضوعا للمعنى الّذي يفرض نفسه في الشّرف والصّلابة والرّجولة…، أو في الانسحاب من الذّات والتّخلي عن جسد فقد قيمته ونرجسيته بحثا عن تبلّد ذاكرة وإحساسات الجسد،  كلّ هذا ” رهين بالسّياق وبالدّلالة الّتي تمنح للتّجربة. فالفرد يتعذّب أولا من معنى ألمه”22. وفي أفق المعنى هذا برز التّنويم المغناطيسيّ كتقنية فعّالة للحدّ من عذابات الألم بالتّركيز على إنتاج الوعي المغيّر الّذي يسمح بتجاوز الاحساس بالألم والانفتاح في الذّات على ما يمكن أن يغيّر ذاكرة الأحاسيس المؤلمة بحثا عن معنى ودلالة تجديد العلاقة بالعالم من خلال أدوات يسهم الفرد في تفعيلها علاجيا للنّهوض من جديد. ” يعتبر طبيب التّنويم المغناطيسيّ كإركسون(1990) أنّ اللاّوعي هو مورد أكثر من كونه فجّا عميقا أو صندوق باندورا. إنّه يسعى بالأخص إلى مصاحبة المريض وتحفيزه وتشجيعه. وهو يدفعه إلى أن يساعد نفسه ويعلمه تقنيات قابلة لأن تخفّف من ألمه في كلّ لحظة. التّنويم المغناطيسي تقنية لتطوير المؤهّلات، وهو من ثمّ وسيلة في يد الشّخص للوعي بموارده الخاصّة كي يواجه بشكل أفضل الصّعوبات الّتي تواجهه في وجوده.”23

*********

الهوامش:

  1. دافيد لوبروطون: تجربة الألم، ترجمة: فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، ط1، 2017، ص13.
  2. نفسه ص 13.
  3. نفسه ص 14.
  4. نفسه ص 14.
  5. ص 15.
  6. ص16.
  7. ص 18.
  8. ص23.
  9. ص 28.
  10. ص30.
  11. ص33.
  12. ص37.
  13. ص41و42.
  14. ص43.
  15. ص47.
  16. ص54و55.
  17. ص58.
  18. ص60.
  19. ص67.
  20. ص70.
  21. ص73.
  22. ص76.
  23. ص81.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق