أفلاطون يحكي عن ذاته

محاولة في الرّسالة السّابعة لأفلاطون

 

مدخل:

إنّ فعل الكتابة عند أفلاطون هو مقامُ تذكر، كانَ ليكتب فيتذكر، ثم صار يتذكّر ليكتب، مقامانِ يتفصد منهما الجبينُ عرقاً، من خلال الفعلِ والمفعولِ بهِ، الكتابة سيراً على هدي أفلاطون وجع وحنينٌ، فجرهُ الحدث الأكبر في حياةِ أفلاطون ولما لا في حياةِ بنتِ المدينة[1]! لذا ما يحكيهِ أفلاطون في حواراته أو رسائلهِ إنّما هوَ سردٌ لسردية الذّات، ترتبط هذه الذّات بالأحداث الّتي تشكّل صياغة الحبكة، في ديمومة الزّمن وعبر نظام من التّنوع والتّغير والتّقطع وعدم الاستقرار. الكتابة الأفلاطونيّة نمطٌ متفرّد يرشح بأساليب شتّى تجعل من نصهِ أرضية رمال متحرّكة دائما، يقتضي الأمر في معالجة نصوصهِ حساسيّة بالغة في رصدِ إشاراتهِ وشواردهِ واحالتهِ الدّائمة لأنّها تكثيف لحدث في حركية الزّمان الماضي البعيدِ جدّاً عنا.

1-في مضامين الرّسالة السّابعة:

في رسالتهِ السّابعة المسماة بـ” الرّسالة السّابعة لأفلاطون، من أفلاطون إلى أقارب ديون وأصدقائهِ”، يقتربُ فيها أفلاطون من حياتهِ وهو لا زال في ريعانِ الشّباب، حينما قرّر الاقتراب من السّياسة والعمل على إصلاح المدينة بشكلٍ خاصّ، لكنّه سيتفاجأ بحدث الحكم على سقراط بتجرعه السّم، بعدَ أن اتّفقت الديموقراطيّة الأثينيّة على ذلك، وهو منذ ذلكَ الحين أخذ على نفسهِ ايجادَ طريقةٍ لحكمٍ يغيبُ فيهِ الجور وتحضر فيهِ العدالة، وأمثل هذه الطرق حسبَ أفلاطون: “أنّ الجنس البشري لن يتخلّص من البؤس حتّى يصل الفلاسفة الحقيقيون الأصلاء إلى السّلطة، او يصبح حكام المدن- بفضل معجزة الهية- فلاسفة اصلاء[2]“.

وهذا ما دفعَ أفلاطون تحديداً، إلى العمل السياسي، خصوصاً وأنّه تختمر وراء فكرتهِ هذهِ، تجاربَ عاشها وعانى منها الآمرين، بل كما يحكي أنّه تركَ التعليم في الأكاديمية بُغية تحقيقِ رغبة ديون، رغم أن أفلاطون كان يحتاط كثيراً من ميولات الشّباب وشجاعتهم، إلاّ أنّه أطاع دواعي العقل والعدل، ليسافر نحو سيراقوزاه مَوطن الطغيان، إيماناً من أفلاطون ذاته بأن سيرورة التّغيير والإصلاح في العمل السياسي، تستدعي مسألتين أساسيتين:

  • الأولى: القدرة على هندسة المدينة وفقَ منظور تربوي محض، ليؤدي إلى تعزيز دور السياسة في المدينة.
  • ثانياً: تقتضي عدالة المدينة، المشاركة السياسيّة للمثقف والإيمان بدورهِ في الشّأن العام وتدبيره.

ومن هذا المنطلق، يتّجه التّصور الأفلاطوني الّذي يخوض تجربة السياسة والسياسيّ نظراً وعملاً، وما تعكسهُ نصائحه لحلفاء ديون، تصدق ما ذهبنا إليهِ، في أنّ أفلاطون ينظر إلى السياسة كمجال قابل للتّغيير والإصلاح، ومدخل ذلك التربية، والتربية في نظر أفلاطون جزء أساس في التّهيئة السياسيّة للأفراد والجماعاتِ داخل المدينة، فاههما نموذجان كما يقص علينا أفلاطون في رسالتهِ هذه، “ديون” و”ديونيزوس”، الأول: حسب أفلاطون عملَ بالمبادئ والتوجيهات الّتي وجهها إليهِ أفلاطون، وَوفق ذلكَ حمل نفسه على نصيحة الثّاني ديونيزوس، لكنّه اتباع هواه وكانَ أمره فرطاً، ظنّ بديون ظنّ السوء فأودعه السّجن، وحينما خرجَ منَ السجن إنساق إليه الرعاع فقضوا عليهِ، فكان مآله حسنا لأنّه كان يريدُ إصلاح المدينة وفق مبادئ العدالة والخير العام، أمّا ديونيزوس فإنّه يحيَ حياةَ الأشقياء لأنّه اتّبع غريزة السّلطة وغاص في حياةِ الملذات الحسّية. في نظر أفلاطون أنّ هذين النموذجينِ يعتبران طرفي نقيض في مسيرة الإصلاح، فإذا ما أرادت السّلطة أن تنهجَ سير الإصلاح، عليها أن تتخلّى عن نزوات الجشع وحبّ التّملك، لأنّهما غريزتانِ، نابعتانِ منَ الجهل، وتصور أفلاطون السياسي يرفض تماماً أن يحكمَ المدينة جاهل أو يديرها جهال، لأنّ أساس السياسة هو نسقية المعرفة الّتي تبدأ في المدينة ويربى عليها الأطفال، لذا لا مجالَ للاّعقلانيّة والتّهور في الدولة الأفلاطونيّة.

2-في معنى السّياسة أو الفلسفة:

تكمنُ أهميّة الرسالة السابعة -في تقديري- إلى أنّها تنبهنا بأنّ لأفلاطون مشروعا سياسيا وهوَ لا زال في ريعانِ شبابهِ[3]، وأنّ هذا المشروع عولّ فيهِ كثيراً على صديقهِ الّذي في الحكم حتّى يتمكّن من انفاذِ مشروعه السياسي-الفلسفي، لكن هنا مسألة وهيَ على قادرٍ بالغٍ منَ الأهميّة.

راهنَ أفلاطون في مشروعهِ السياسي على الفلسفة كما راهنَ أيضاً على الفلسفة في إقامةِ وتدِ السّياسة، ما الّذي يرمي إليهِ أفلاطون؟ وما علاقة الفلسفة بالسياسة؟

ليسَ صعباً على المرءِ أن يكشفَ بكفاءةِ الحدسِ أو التّأويل حتّى، عن مكانة أفلاطون في المدينة، هل هذهِ المكانة آتية من دون اعتبار مهم؟

سقراط باعتبارهِ فيلسوفاً، هوَ ذلكَ الكائن الّذي يشكلُ توتراً للسّلطة السياسيّة في المدينة الأثينيّة، وكونهُ كذلكَ كانَ معرضاً للإغراءات وفي نفسِ الوقت للاستفزازات، اضطرهُ هذا في النّهاية إلى أن يدفعَ حياتهُ ثمناً لذلكَ، هذا يدل بصورةٍ أو بآخرى أنّ الفيلسوف كانَ لهُ اعتباره الخاص في المدينة، بل والمكانة السياسيّة في مجتمع السّلطة، لذا فدعوات صديق أفلاطون للمجيء إلى سيراقوزاه، تفسرُ هذهِ المكانة الاعتبارية الّتي كانت لدى الفيلسوف، فالفيلسوف هو مدبر المدينة وعقلها، وربما ما يمكنُ أن نستخلصهُ أيضا من الرّسالة السّابعة، تلكَ العلاقة الجدليّة بينَ الفيلسوف والسياسي، في رأي أفلاطون أنّ الفلسفة الحقّة هيَ الّتي تعيدُ ترتيبَ المنزل، أي تدبير شؤون عامة النّاس، وبما أنّ الفلسفة معنيةٌ بذلكَ فهنا العلاقة الّتي لا تنفكُ بينَ الفلسفة والسّلطة السياسيّة، إذ دونِ فلسفة ليست هناكَ سياسة حقّة أي عادلة، ولولا الفلسفة لما كانت السياسة، فهل تحقق هذا الشّرط؟ المعلوم أنّ أفلاطون يئسَ منَ السياسة بمنطوقِهِ في نهاية الجمهوريّة حينَ قال: “إنّ هذا النّظام السياسي الّذي عرضناهُ في المحاورة الجارية لا يمكنُ أن يتحقّق ويكتمل، وربّما لا يرى النّور[4]. هذا الإعلان الصريح يأتي من السيرة السياسيّة لأفلاطون كما نعلم، لكن هناكَ معنى ثاوٍ في ثنايا هذا الاقتباس، لمَ لا يكونُ هذا التّصور نابع عن رغبة المثقّف/ الفيلسوف في أن تحكمَ أيدولوجيته المدينة، أليسَ هوَ الطموح ذاته الّذي يدغدغُ أفكار المثقفين والمفكّرين، في أن تسوسَ إيديولوجيتهم الشّأنَ العام؟!

كثيرة هيَ الأمور الّتي نقرأها في هذهِ الرّسالة، فأفلاطون رغمَ معرفتنا برأيهِ هذا في نهاية الجمهوريّة، ظّل يكافحُ طيلة حياتهِ من أجل انجازِ مشروعهِ السّياسي، وكأنّما ينفذ وصيتهُ الخالدة، حينَ عرّف الفلسفة يوماً بكونها تدريبٌ على الموت[5] وكأنّ اقتران موت سقراط بالموت هوَ ذاتهُ التدريب الّذي يعنيهِ، أي حينَ تكونُ الفلسفة مستفزة لرغبة السّلطة السياسيّة.

لا تكون الفلسفة على الحقيقة إلاّ إذا قاومت رغبةَ السّلطة، هذا من بينِ ما يمكنُ فهمه من أفلاطون، حينما ننظر إليهِ في تصورهِ السياسي عامّة، جُعلت الفلسفة كي تُقوّمَ مسار السّياسة ولأنّ أفلاطون ينزعُ نحوَ تحرير العقل منَ الأغلال فإنّ أمثولة الكهف، هيَ التّصوير الفريد لما تكونُ عليهِ حياةُ النّاس حينما يسلمونَ ذواتهم، لرغبة السّلطة السياسيّة، ولعلّ شمس الفلسفة هي من يحررهم من أوهام السّياسة والسياسيّ، ولربّما أيضاً استماتة أفلاطون أتت من ايمانهِ الشّديد في أنّ الفلسفة هي تقويم لسياسة ولأنثروبولوجيا الرّغبة والتّملك عندَ للبشر.

خاتمة:

أفلاطون فيلسوف المفارقات، لا يضعُ يدهُ في شيء إلاّ وتركَ فيهِ أثرهُ الباقي، ومن هنا تأتي أهميتهُ فهوَ صيرورة متواصلة منَ المفارقات الفلسفيّة-الأدبيّة، تجتمعُ في دراستهِ عدّة أشكال منَ القراءات، هذهِ القراءة عادةً ما تكونُ عبارة عن إمكانيّة فسيحة لإعادة اكتشاف أفلاطون، ليسَ من منطلق القراءة التاريخانيّة، بل انطلاقاً من قراءة تأويليّة، نعيدُ فيها تحليل الماضي حاضراً.

*********

[1]  الإشارة هنا الى حدث اعدام سقراط، بتجرعهِ السم، بعدَ أن حكمت عليهِ الدّيموقراطية الأثينية بذلك.

[2] أفلاطون، الرسالة السابعة لأفلاطون من أفلاطون إلى أقارب ديون وأصدقائه، نقلها عن الألمانية د: عبد الغفار مكاوي، 128.

[3]  أفلاطون، الرسالة السابعة لأفلاطون من أفلاطون إلى أقارب ديون وأصدقائه، 125، يقول:” كنت لا أزال في ريعانِ الشباب عندما حدث لي ما يحدث عادة للكثيرين. فقد تطلعت الى الالقاء بنفسي في أحضان السياسة بمجرد بلوغي سن الرشد”.

[4] Platon, La République, (Paris: Flammarion, 2004) 437.

[5] أفلاطون، فيدون (في خلودِ النّفس)، ترجمها عن النص اليوناني مع مقدمات وشروح، عزت قرني، القاهرة- مكتبة الحرية الحديثة، 1979، 166. يقول سقراط: ما يصبوا إليه دائما وإلى أقصى درجة المشتغلون بالفلسفة على الحقيقة وهم وحدهم. وما يتدرب عليه هؤلاء الفلاسفة ليس شيئاً آخر غير هذا: التحرر والانفصال عن الجسد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق