ميشال سيريس يرحل متمسكاً بفلسفته : لا علم بلا أخلاق .. / أحمد عيساوي

“كان ميشال سيريس عارفاً ومتبحّراً في شخصية “تان تان” وكان، لسبب معروف، يتخيّل موته كموت تلك الشخصية الخيالية في الألبوم السادس من مغامراته (l’oreille cassée)، بضربة مجذاف في نهر مملوء بسمك البيرانا. في مرحلة أولى نرى تان تان، وفي مرحلة تالية نرى الدوائر في الماء. هكذا كان يرغب ميشال سيريس في مغادرتنا. نراه ثم يختفي على شكل دوائر في الماء”. بهذه الكلمات، نعى مقدّم البرامج والكاتب رفائيل انتوفين، الفيلسوف الكبير ميشال سيريس الذي غادرنا مطلع شهر حزيران/يونيو عن عمر ناهز الـ89 سنة.

ومن بين سيل التحايا التي انهمرت من كل حدب وصوب، يميناً ويساراً، في السياسة والأدب والعلوم والسينما والرياضة، حضر طيف ميشال سيريس في بعده الذي لا يموت، الشباب الذي لازم وجهه المألوف وصوته الدافئ ولهجته الغاسكونية (منطقة فرنسية) المحبّبة.

رئيس الجمهورية ايمانويل ماكرون، وزراء التربية والثقافة والاقتصاد، أعلام أدبية وكتّاب ومفكّرون استذكروا ميشال سيريس “العالم الإنسان”، الذي قدّم نموذجاً استثنائياً في محاولة الربط بين المسألة العلمية وأخلاقيات التعامل مع آثارها. تجرأ، جرّب، فشل مرات، نجح مرات، لكنه بقي شاباً طيلة حياته، لأنه لم ينظر يوماً إلى الماضي، كان شاغله المستقبل وكيف سيوفّق في تزاوج الأزمة الإيكولوجية وحبّ الاختراع العلمي.

كان سيريس مهجوساً بفكرة “التشارك” بين إنسان الأمس (مع مجايليه) وإنسان اليوم وكيف بإمكانه أن يجعل ما هو معقّد وغير مفهوم متاحاً لجميع الناس، فلا عجب في أن يكون الرجل الذي ناقش أطروحة دكتوراه علميّة بحتة حول “نظام لايبنتز ونماذجه الرياضية”، هو نفسه الذي سيكتب بعد أربعة عقود كتاباً أطلق عليه اسم petite poucette، (الإبهام الصغير) الذي تناول فيه الثورة الرقمية وتغيّر عالم اليوم وجانب فيه مسألتي المدرسة والمجتمع.

ولد ميشال سيريس في مدينة أجان (Agen) في جنوب غربي فرنسا وتلقى تربية كاثوليكية في صغره قبل أن ينجح في الدخول إلى “نورمال سوپ” (Ecole normale supérieure) ويحصّل دبلوم دراسات عليا تحت إشراف غاستون باشلار. في جامعة بليز- باسكال عاصر سيريس ميشال فوكو وكان كتاب فوكو “الكلمات والأشياء” ثمرة نقاشات طويلة حول ابستيمولوجيا العلوم. وبعد مسيرة ناجحة في التعليم بين السوربون وجامعات أميركية (جون هوبكنز في بالتيمور وستانفورد في سان فرانسيسكو)، بدأ سيريس يعمل على دراسة أوسع لتاريخ العلوم منطلقاً من مبدأ أنّ فلاسفة اليوم يحتقرون المعارف ولا يعيرون أهمية للإطلاع على الفيزياء والكيمياء والعلوم الرياضية والبيولوجية على عكس الفلاسفة القدامى. ويضرب مثالاً في ماركس الذي كان يعرف ألفباء الاقتصاد والاجتماع، وأرسطو الذي كان متبحّراً في علم الأحياء، كذلك الأمر بالنسبة إلى باسكال ولايبنتز، في ما يخص الرياضيات.

تركّزت أعمال سيريس، الذي كرّمته الأكاديمية الفرنسية عام 1990، ومنحته شرف الدخول إليها ليحتلّ الكرسي 18 مكان رئيس الوزراء الأسبق ادغار فور، على فلسفة العلوم ودراستها في سياقاتها الإيجابية والسلبيّة. يقول سيريس إنّ “العلم مسؤولٌ عن توليد الأخطار، لكنّه في الوقت عينه هو الذي يعالجنا من الأخطار بشكل أو بآخر. والمخاطر التي أتحدث عنها هي في الواقع خيارات سياسية. أنا أستطيع اليوم أن أحوّل صحراء قاحلة إلى حديقة فراولة. هذا أمر يمكن أن يحدث لكنه ممنوع سياسياً”.

رفض سيريس مبدأ “الحتمية العلمية” واعتمد على مبدأ الريبة/ الشك أو اللايقين الذي اكتشفه الفيزيائي الألماني ڤيرنر كارل هايزنبيرغ، ورأى في إعادة قراءته “دروس الفلسفة الإيجابية” لعالم الاجتماع أوغست كونت، أنّ من واجب الفيلسوف أن يكون علمياً قبل كل شيء. واستنتج لاحقاً في قراءته سيمون ڤايل وبيرغسون وماركس، أنّ الاختصاصات الأدبية والعلمية تصبّ في اتجاه واحد: المعرفة.

عام 1977، انكبّ سيريس على دراسة “ولادة الفيزياء في نصّ لوكريتيوس” معتمداً على تحليل لقصيدة “في طبيعة الأشياء”، تحتوي على كل معاني الفيزياء الأبيقورية. وسأل سيريس في دراسته عن تعارض العمل العلمي مع القصيدة الميتافيزيقية، ما جعله يعيد الشكّ في مفهوم “الاستراحة المعرفية” coupure épistémologique، وتعريفها.

بموازة دراسته لتاريخ العلوم، حاول سيريس فهم تجاوز صناعة التصنيع الناتجة عن تطوّر أدوات التواصل وفورة الاكتشافات العلمية. وبدأت تظهر اهتماماته بمقاربة أخلاقية للنتاج العلميّ بعد زيارته إلى اليابان مطلع عام 1990، على هامش قمة الدول السبع (G7)، برفقة جان دوسيه (نوبل في الطب) وفرانسوا غرو (مدير معهد لويس باستور). الفشل في التوصّل إلى قوانين أخلاقية عالمية دفعه إلى البحث عن الجذور المؤسسة لتلك الأخلاق. وطرح سيريس آنذاك سؤالاً استنكارياً: لماذا لا تنصّ شرعة حقوق الإنسان (1948) إلا على حقوق الإنسان؟ هل نسي المشرّعون أنّ ما هو للإنسان هو كذلك للحيوان والنبات والنظم الإيكولوجية؟

تعرّض ميشال سيريس لانتقادات لاذعة من عالمي الفيزياء آلان سوكال وجان بريكمونت على خلفية فضيحة social text (مجلة علمية بوست-مودرنيست كانت تصدر بشكل دوري عن جامعة ديوك الأميركية)، التي نشرت مقالاً لسوكال في مجال الفيزياء الكمية، تبيّن لاحقاً أنّه خدعة وليس من أساس علمي تجريبي له، وأنّ سوكال تعمّد إرساله بالشكل الذي ورد فيه -بصفته مغرياً أدبيا وفلسفياً- ليرى ما إذا كان سينشر. في كتابهما impostures intellectuelles، اتّهم كلّ من سوكال وبريكومنت الفلاسفة وعلماء الإجتماع بأنهم باتوا يسيئون استخدام العلوم “الصعبة” في دراساتهم، ما ترك أثراً كبيراً وردود فعل في الساحتين الفلسفية والعلمية.

على أنّ سيريس، الهادئ والمنفتح على كل نقد، استمرّ في دعوته العلنية لقراءة فلسفية للعلوم، وحذّر من مخاطر إغفال مقاربة بعض الظواهر والأحداث في ميدان الفلسفة، تحت ذريعة أنّها ذات أساس علميّ ويضرب مثلاً في الزراعة في المجتمعات الأوروبية الحديثة “حيث تراجعت نسبة المزارعين من 60 في المئة عام 1900، إلى 4 في المئة عام 2016. هذا حدث لا يقلّ أهمية عن نهاية العصر الحجري الحديث، وآثاره واضحة في علاقات الأفراد والجماعات على مستويات عائلية وبيئية وسوسيولوجية ودينية”.

في مقابلته الأخيرة التي أجرتها معه La Grande Libraire، ردّ سيريس على كلّ الأصوات التي تدعو الفلاسفة وعلماء الاجتماع إلى الكفّ عن التدخّل في مجالات العلوم الرياضية والطبيعية بالقول “قبل كتابتي 5 مجلّدات حملت عنوان Hermès، قلت عام 1961 إنّ الاتّصالات ستصبح العمود الفقري لعالم الغد. كانت العلوم الصعبة (علوم الطبيعة كالبيولوجيا والكيمياء والعلوم الشكلية كالمعلومات والمنطق والرياضيات…) تحوّل مجتمعاتنا وتصنع نتائج ايجابية في كل المجالات. كان لا بدّ من نقل الفلسفة إلى ملعب العلوم الصعبة، لكن للأسف كانت الميديا تركّز دائماً على الفلسفة التي تتمظهر في ملعب العلوم الإنسانية”.

لم يتوانَ سيريس عن محاولته التوفيق بين الثقافة والطبيعة. في كتابه contrat naturel، يخلص الرجل – الذي كانت له تجربة متواضعة جداً في التمثيل (ceci est mon corps,2014) – إلى أهمية تسييس رجل العلم وإعطاء بعد علمي لرجل السياسة لما في ذلك من تبعات على كل الخطط السياسية في المجالات العلمية.

حافظ سيريس على إنسانيته في مقاربته المواضيع العلمية والفلسفية، واجتهد في أعماله وطروحاته على إنصاف النظم الإيكولوجية، منطلقاً من إيمانه الواسع بمبدأ المشاركة والتفاعل بين كل مكونات الكوكب الذي نعيش عليه. وعندما دعا إلى أنسنة العولمة لأنها “تقتل وتفقر الشعوب الأكثر فقراً”، كان يعبّر عن حلمه اللامتناهي بمستقبل أفضل في هذا العالم القاسي. كان دائم التفاؤل وربما هذا ما جعله شاباً طيلة حياته.

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق