“سيدتان جادتان” لجين بولز: السعادة والقداسة والخطيئة / ناصر كامل

كأن التعريف برواية “سيدتان جادتان” وبمؤلفتها، جين باولز، الوارد فى الغلاف الخلفي من نسخ الترجمة العربية(*)، أراد إخفاء، أو تجاهل واقع أن الخطوط العريضة لشخصية “جين”؛ المثيرة للغاية، طغت على فنها في كثير من الأحيان، لكن العبارة الافتتاحية في التعريف لفتت إلى فشل هذا المسعى، أولا، ثم أكدت الرابط القوي بين الرواية والجوانب الأكثر أهمية في سيرة مؤلفتها، ثانيا، ذلك أن إشارة الكاتب المغربي، محمد شكري (1935- 2003)، صاحب “الخبز الحافي” إلى أنه “عندما كانت تذكر كلمة “السعادة” في حضور جين، فإن عينيها تتسعان ضاحكة وتقول بسخرية: “السعادة، ما السعادة؟ أين السعادة؟” وطبعا لم يكن أحد يجرؤ على أن يجيبها!”، ما يستدعي بالضرورة ذكر أن جين باولز (1917- 1973) أقامت لسنوات فى المغرب برفقة الموسيقي والكاتب بول باولز (1911- 1999)، الذي تزوجته في العام 1938، وأقام منذ العام 1947 وحتى وفاته بصورة شبه دائمة في المغرب، وأن ظلال حياتها، ونزوعها الشخصي، مطبوعة بقوة في الرواية، كما نجدها أيضا في رواية “السماء الواقية” لبول بولز، التي اقتبسها المخرج الإيطالي برناردو برتولوتشي في فيلم بعنوان “شاي في صحراء” عام 1990.

Video Player
يصف شكري سخرية جين بأنها “محيرة، ويصل الروائي ترومان كابوتي (1924- 1984) إلى حد وصفها بـ”الأسطورة المعاصرة” رغم قلة إنتاجها الأدبي؛ على تنوعه، فقد كتبت فقط: هذه الرواية، الصادرة في عام 1943؛ والتي يعتبرها تينيسي ويليامز (1911- 1983) “كتابه المفضل”، ومسرحية “في البيت الصيفي”- عُرضت للمرة الأولى عام 1901، وعرضت في برودواي بعدها بعامين، بموسيقى ألفها بول باولز، وعرضت بعدها مرات بموسيقى لآخرين، أخرها عام 1994-، ومجموعة قصصية بعنوان “متع عادية”، ومع ذلك فقد حظيت بتقدير وإشادة من قبل بعض معاصريها، وبلغ الشاعر جون أشبيري (1927- 2017) الذروة حين كتب: “أنها واحدة من أرقى كتّاب الأدب الحديث في أي لغة”، تنتج باستمرار “المفاجأة التي هي العنصر الأساسي الوحيد للفن العظيم”، تقدير بعض معاصريها وأقرانها هذا، لم يفِض إلى مجمل التعاطي النقدي مع الرواية، ففور صدورها لم يكن مرحبا كثيرا بها. وقد كانت “جين” قلقة للغاية من مستوى إنتاجها الأدبي، وتركت مخطوطات غير مكتملة لمشاريع فى الأنواع الأدبية الثلاثة، ويبدو غريبا للغاية أن تفضي الحفاوة الكبيرة بالبدايات إلى توقف “ورهاب” من المواصلة، وربما كان المرض الذي اختلط فيه العضوي بالنفسي بالعقلي الذي عانت منه طوال العقدين الأخيرين من عمرها سببا فى توقفها نهائيا عن الكتابة.
وربما تضيء الرواية والسيرة الذاتية إحداهما الأخرى بصورة جلية، أكثر كثيرا من النظر لكل منهما بمعزل عن الأخرى. ففي السيرة الذاتية لجين (A Little Original Sin: The Life and Work of Jane Bowles ) التي كتبتها ميليسنت ديلون، والصادرة عام 1980، نتعرف على العلامات الفارقة للطفولة: الولادة لأسرة يهودية في مدينة نيويورك، المرض، الذهاب للعلاج في سويسرا، والالتحاق بمدرسة داخلية هناك، العودة إلى نيويورك في سن المراهقة، الزواج من بول، وشهر العسل في أميركا الوسطى؛ حيث تذكر أن جين احتشدت بتفاصيل المكان وهي تعد لكتابة “سيدتان جادتان”، ثم ذهب الزوجان إلى باريس، حيث اكتشف كل منهما الميول الحسية “المغايرة” لكل منهما، وتذكر أن “العلاقة الحسية بين الزوجين استمرت لمدة عام ونصف تقريبًا، بعد ذلك كان بين جين وبول حب “أفلاطوني”. كانا كلاهما قد أقر بقوة ميولهما كثنائي الجنس، وكانا يفضلان ممارسة الجنس خارج زواجهما. لم يكونا قلقين من نزوعهما هذا، وشكل إطار الزواج مساحة حرية لكل منهما لممارسة حريته وفرادته”، ثم تعدد ديلون عشيقات جين، بداية من هيلفيتيا بيركنز، التي أغرمت بها في المكسيك، إلى المغربية “شريفة”.

تبدأ الرواية بالتعرف على طفولة كرستينا جويرنج: والدها رجل صناعة أميركي من أصول ألمانية، ووالدتها سيدة نيويوركية من عائلة مرموقة جدا. وكانت- على عكس أختها، صوفي؛ التى تثير إعجاب الجميع في المدرسة- طفلة “مكروهة جدا من الأطفال الآخرين، لها سيماء نوع محدد من المتعصبين ممن يعتبرون أنفسهم قادة من دون أن يكونوا قد نالوا، ولو مرة واحدة، احترام أي إنسان”، قضت الآنسة جويرنج النصف الأول من حياتها فى بيت جميل جدا (لا يبعد عن المدينة بأكثر من نصف ساعة) ورثته عن والدتها. وفي هذا البيت أصبحت الآنسة “جيملون”، مرافقتها، تقيم معها بصورة دائمة.

في حفلة نظمتها إحدى صديقاتها تظهر السيدة فريدا كوبرفيلد، إنهما: كرستينا وفريدا الموصوفتان بأنهما “سيدتان جادتان”، إنهما: برجوازيتان- على قدر معقول من الثراء- لا تعملان (في الواقع لا تملكان أية معرفة متميزة أو تمارسان مهنة ما)، لا تلتقيان خلال الرواية إلا مرتين، هذه المرة، حين يتقدم “أرنولد” للتعرف على الآنسة جويرنج، ويدعوها “خفية” للذهاب معه إلى بيته؛ حيث تكتشف أنه يقيم برفقة والديه، والمرة الثانية التي تتقابل فيها “السيدتان” ستكون في المشهد الختامي للرواية.

عقب خروجهما معا: الآنسة جويرنج وأرنولد، وذهابهما إلى بيته (بيت له طابع مجد قديم يفتنى) تتبين الملامح الرئيسية لشخصية كل منهما، تصارحه قائلة: “أردت أن أكون قائدة دينية حين كنت صغيرة والآن فقط أقيم في بيتي وأحاول ألا أكون تعيسة أكثر من اللازم. عندي صديقة تقيم معي، وهو ما يجعل الأمر أيسر”، وهو يصارح نفسه بأنه “يشعر أن عليه أن يبقى قريبا من الآنسة جويرنج بأي ثمن وفي أي عالم تقرر أن تنتقل إليه”.

هنا يترك الراوي عالم الآنسة جويرنج ليتتبع رحلة السيدة كوبرفيلد وزوجها إلى بنما، الرحلة التي وصفتها لصديقتها بأنها “خطة هائلة”، ونبدأ بالتعرف على “السيدة”: “كان السيد كوبرفيلد يتحكم فيها تماما، كما يفعل تقريبا أي أحد كانت على اتصال به. ورغم هذا أكد أناس معينون يعرفونها جيدا أنها قادرة على أخذ خطوة جذرية ومستقلة فجأة بدون دعم من أي أحد”.

الوصف العام لبنما سلبي للغاية من الجميع، والسيدة كوبرفيلد تجد متعتها بعيدا تماما عن مفاضلات واقتراحات زوجها: تروق لي النساء كثيرا جدا.. ذات مرة كنت واقعة في حب امرأة أكبر سنا. قالت السيدة كوبرفيلد بلهفة. كانت قد فقدت جمالها، لكن في وجهها وجدت شذرات من جمال كان أكثر إثارة بالنسبة لي من أي جمال عرفته فى ذروته”، وحين تتعرف على المراهقة “باسيفيكا”، تشعر بأنها فعلا في سبيلها للخطوة الجذرية، ويتعزز هذا الشعور بتعرفها على السيدة كويل، صاحبة الفندق المتواضع الذي تقيم فيه “باسيفيكا”، وتختلط كلمات المراهقة والسيدة كويل لتجذبا السيدة كوبرفيلد إلى عالمهما: “افعلي ما تودين فعله بحياتك الخاصة.. لا نهاية للمتعة.. رقص، شرب… كل ما هو مبهج في هذا العالم. أقول لكِ إن هذا المكان هو بلدة الرب ذاته، أو ربما بلدة الشيطان”.

كانت السيدة كوبرفيلد حتى نزولها إلى شاطئ بنما وتعرفها على “باسيفيكا” والسيدة كويل مغرمة بزوجها كثيرا، لكنها الآن تشعر أنها “تعيسة. تائهة تماما وبعيدة تماما ومرعوبة بشدة”. لكنهما – كل منهما على حدة، ودون قصد أو غاية مباشرة- يمنحانها، عرضا، حافزا للخطوة الجذرية: “كل واحد يروق له أن يفعل أمورا مختلفة عن الآخرين”، لتصل إلى الشعور بأنها: “مرعوبة جدا من أنكما قد تختفيان فجأة. أي متعة أن أكون معهما. إنهما مصدر طمأنينة كبيرة”.
وأخيرا وبعد تجربة حاسمة حيث تتلامس حسيا مع “باسيفيكا” التي كانت تعلمها السباحة وهما عاريتين تماما، بدا أن السيدة كوبرفيلد قد خطت خطوتها الجذرية دون رغبة مطلقة في العودة، وهي تخبر زوجها برغبتها في البقاء مع المراهقة والسيدة في ذلك الفندق المتواضع: “ما يثير اهتمامنا أكثر، بالتأكيد، هو أن نكتشف طبيعتنا”.

تمر شهور، ويعود بنا الراوي إلى الآنسة جويرنج، وقد عاشت والآنسة جيلمون، وأرنولد لما يقارب الأسابيع الأربعة في البيت الجديد؛ الأصغر والأكثر تواضعا والذي يقع في جزيرة، وقد اختارته الآنسة جويرنج بديلا عن بيتها القديم الكبير، ثم أنضم لهم والد أرنولد، وإذ تقرر الآنسة جويرنج ترك هذا الحشد والذهاب بمفردها لزيارة البلدة الواقعة على اليابسة بدت وكأنها في سبيلها لخطوة جذرية أخرى بدورها، وإن كانت في اتجاه معاكس نسبيا لخطوة السيدة كوبرفيلد.

في اليابسة كانت البلدة مزهوة، تشكل فضاءً تختبر فيه الآنسة جويرنج ذاتها، التي كانت قبل هذه اللحظة تفضل ألا تغادر بيتها. وحين يصل الاختبار إلى “آندي”، المتبطل، يتصارحان، فيصف المكان بالـ”موحش”، ويعبر عن حاله بتعبيرات كثيفة للغاية: في زمن بعيد كان عندي كلب ومستقبل، وفتاة، لكن لم يعد هذا هو الحال، لم أستطع النظر إلى علم بلادي، “المواطن الحقير”، اسم خاص أطلقه على نفسي”. وتبادله التصريح: “غنية، خفضت مستوى معيشتي عمدا، تركت بيتي الرائع”.

كانت الآنسة جويرنج تفكر بجدية شديدة، وقد راقها اقتراح آندي (بالذهاب معه إلى بيته) إلى حد كبير. وقالت لنفسها: “على المرء القبول أن قدرًا ما من اللامبالاة في طبيعته يحقق أحيانا ما لا تستطيع الإرادة أن تحقق”.

وقررت القطيعة التامة مع حياتها الماضية بعد أن قال لها والد أرنولد “الطبيعة الإنسانية غامضة وجميلة جدا”، وأخبرته أنها لن تعود إلى بيتها “لأنني أعتقد أن أصعب شيء لي هو الانتقال حقا من أمر إلى آخر، جزئيا”، وقضت ثمانية أيام مع آندي “الذي بدا الآن خاليا تماما من أي شيء شرير”. ثم شعرت برغبة في مغادرته لأن شخصا غير مألوف بدأ في التردد على البار. ثم تذهب لتكون عشيقة ذلك الشخص المريب للغاية، وهو يعاملها بفظاظة بالغة، ويشك في تصرفاتها، ويعتبرها “عاهرة”، وتمضي معه وفق شروطه حتى تجد نفسها متروكة بمفردها جالسة إلى مائدة مطعم لساعتين بينما هو برفقة رجال غامضين يناقشون شؤونا تجهلها، على بعد أمتار منها، حينها تتذكر السيدة كوبرفيلد، وتهاتفها، لتأتي وبرفقتها معشوقتها “باسيفيكا”.

فى مشهد النهاية هذا تكون السيدة كوبرفيلد قد علقت بصورة نهائية في رعب أن تغادرها معشوقتها، بينما الآنسة جويرنج متروكة مهملة من قبل ذلك الشخص المريب، ذكرتها باسيفيكا بالآنسة جيملون رغم أن باسيفيكا كانت بالتأكيد ألطف كثيرا وجسدها أكثر جاذبية”، وتختتم الآنسة بعد أن نبذت تماما: بالتأكيد أنا أقرب إلى أن أصبح قديسة، لكن هل من المحتمل أن يكون جزء مني مخفياً عن نظري يراكم خطيئة فوق خطيئة بنفس سرعة السيدة كوبرفيلد؟

(*) صدرت الرواية عن دار الكتب خان(القاهرة)، بترجمة أنجزها وائل عشري..

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق