الغيطاني ومواجهة الفَناء / شريف الشافعي

بعيدًا من المسميات والتصنيفات الموروثة الراسخة من قبيل أدب “السير” و”التراجم”، والمستحدثة الوافدة مثل أدب “الاعتراف” و”التعري”، لا شك أن بإمكان قارئ المبدعين المؤثرين غزيري الإنتاج، خصوصًا الروائيين، اسكتشاف الكثير من الملامح الذاتية والنفسية والعقلية لهؤلاء المؤلفين، بل والحياة الشخصية لهم، والآراء ذات الصلة بالفكر والفن والكتابة، من خلال نتاجهم الإبداعي الزاخم وحده، بلا شريك.

تحقق ذلك الأمر على نحو أوضح في حالة اقتران الروائي ببيئته المحلية، وتربته التي نشأ فيها، إذ يغدو المكان الأصيل المتجذر هنا نقطة ارتكاز محورية تكاد تتخذ وضعية الثبات، يطل عليها الدهر وهو يضرب كفًّا بكفّ، بحسب تعبير نجيب محفوظ في “الحب فوق هضبة الهرم”، في حين يأتي الزمان “المكان المنصهر بالتعبير الصوفي” ليشكل عنصرًا ديناميًّا، مواكبًا حركة الأحداث، وملاحقًا تطورات الشخصيات الدرامية والتاريخية ومصائرها المتعاقبة.

المؤلف، هنا، لا يمكنه أن يظل خارج الموضوع، فليس بمقدوره فصل ذاته وحياته ومعتقداته عن أبطاله ووقائعهم وأفكارهم، فهو مرآة لهم، وهم مرايا له. وما ينشأ بين هؤلاء الأبطال من صراعات وحوارات، ولو في عصور قديمة أو حتى في الخيالات والأحلام، هو وجه من وجوه تناقضات الكاتب واختياراته الداخلية الحرة ومواقفه الفردية. أما المكان الروائي، فإنه الأرض الأم، والمظلة الجامعة دائمًا، التي تحتمي تحتها الذوات جميعًا من ريائها، وتتكشف سمات الشخصيات وملامح المؤلف في آن.

ربما يُعدّ المخضرم نجيب محفوظ ، ثم من بعده المحنّك جمال الغيطاني (مايو/أيار 1945 – أكتوبر/تشرين الأول 2015) من أكثر الروائيين المصريين والعرب التصاقًا بالمكان المحلي، القاهرة الشعبية تحديدًا، على مدار حياتهما الشخصية، وامتداد عالميهما الإبداعيين، ومن ثم فإن كلًّا منهما استطاع أن يرسم خريطة أمينة لذاته من خلال هذا الانتماء الصارم للمكان، الذي يستوعب خرائط الآخرين، وبوصلة الزمن، وانصهارات البشر في حركة الحياة، وهذا المكان قد يصير بحد ذاته متحفًا حضاريًّا مكتملًا كما يقول الغيطاني: “الجمالية خاصة والقاهرة القديمة عامة متحف مفتوح للعمارة العربية الإسلامية، أينما ولى الإنسان بصره سيجد مدخلًا أو مقرنصًا أو عقدًا أو زخرفة”.

لم يكن محفوظ بحاجة إلى كتابة سيرة ذاتية صريحة تكسبه خلودًا إضافيًّا أو تمنحه شروحًا هامشية، فالرجل حاضر بوضوح في كافة أعماله، منذ تأسيسياته الواقعية الريادية حتى فانتازيا “أحلام فترة النقاهة”. وكذلك الحال في أعمال الغيطاني، التي أغنته عن كتابة مذكرات أو اعترافات، وضمنت له الغلبة في معركة البقاء.

تحت عنوان “مواجهة الفناء”، قدّمت أسبوعية “أخبار الأدب” القاهرية إصدارها الخاص مؤخرًا، متضمنًا “شهادات في الأدب والفن والحياة” كتبها جمال الغيطاني في مراحل ومناسبات ومواقف مختلفة من حياته، من إعداد محمد شعير، وذلك باعتبارها إضاءات “يمكن أن تقدم للنقاد مادة خصبة لمناقشة مشروع الغيطاني”، وتضم هذه الشهادات رؤيته حول عوالم الكتابة، ومفاهيمها، ومشروعه الأدبي، وبداياته، والتأثيرات التي انعكست عليه، وشكلت وعيه.

جاء الإصدار توثيقي الطابع، هادئًا، فلم يدّعِ اكتشاف مقالات نادرة أو إذاعة أسرار مجهولة، كما دأبت الصحيفة في إصدارات سابقة، بل إنه “أخذ من قريبه” كما يقال، فلم تخرج الشهادات المجمّعة عما نشره الغيطاني في مجلتي “الهلال” و”إبداع” ذائعتي الصيت، مع تقدمة اعترفت بدورها بأن سيرة الغيطاني الذاتية هي تلك المنثورة في أعماله السردية الإبداعية الخالصة.

لعل ما تثيره شهادات الغيطاني، القديمة الجديدة، من تساؤلات عامة حول المكان والزمان في تجربته الإنسانية والإبداعية هو ما يمنح إعادة نشرها قدرًا من المعنى، وإن كانت هذه المقاربات المباشرة التي أريد لها (وفق تقدمتها) أن تثري النقاد بـ”مادة خصبة”، لا تطاول ما تطرحه أعمال الغيطاني الإبداعية من خصوبة حقيقية وقيم إنسانية وعمق في طبقات الوعي والتحليل والتناول الفني والفلسفي.

استمدّ الإصدار عنوانه “مواجهة الفناء” من شهادة الغيطاني المفتاحية المنشورة في مجلة “إبداع” (أغسطس 1995)، وهي تبسيط فلسفي لجدلية المكان والزمان (أبرز مرتكزات الغيطاني في إبداعاته وثيقة الصلة بالتاريخ)، حيث يتساءل: “إذا يممت الوجه صوب نقطة معينة في المكان، ثم أمعنت السير، هل أصل إلى لحظة منقضية؟!”.

إن الكاتب الذي ابتعث “الزيني بركات” من مرقده واستعاد أجواء القهر والطغيان والقمع في العصر المملوكي للإسقاط على العهد الناصري، لم يكن ليفعل ذلك بمثل هذه الطاقة وهذا العنفوان لولا إيمانه بدائرية الزمان والمكان، فالحركة بين نقطتين مكانيتين قد تكون استشرافًا للمستقبل أو اعتبارًا من الماضي، والتنقل بين نقطتين زمنيتين قد يكون تلمُّسًا لأنقاض كانت، أو تشييدًا لأبنية ستكون.

لقد أدرك الغيطاني، وفق شهادته، “أن الدهر أو الوقت أو الزمن أو العصر أو الآن أو الماضي أو المستقبل، إلى آخر هذه التسميات، ما هي إلا رموز لتلك القوة التي تدفعنا باستمرار إلى الإمام”، ومن أجل هذا “الأمام” تأتي الكتابة، التي ترغب في أن يواجه الإنسان الفناء، ويحتشد لمقاومة الظلم السلطوي بكافة صوره.

هكذا، تحولت شخصية “الزيني بركات” من مجرد شخصية غريبة انتهازية محيرة كما وردت أخبارها في “بدائع الزهور في وقائع الدهور” إلى محور رواية عن عالم البصاصين، وكما يعترف الغيطاني: “هي رواية عن وسائل قهر الإنسان، كيف يُوَظَّف جهاز قمعي هائل لتغيير إنسان، لتحويله من إنسان نقي، شفاف، ثوري، إلى عميل يأتمر بأمر هذا الجهاز. إن مصادرة حرية الإنسان هي المدخل المؤدي إلى مصادرة حرية الوطن، وتدمير البشر يؤدي بشكل طبيعي إلى تدمير أوطانهم أيضًا”.

إن استحضار الزيني بركات على هذا النحو الحي الطازج ليس وليد ثقافة معرفية وقراءت مجرّدة بقدر ما هو ثمرة معايشة الكاتب (قارئ التاريخ النهم في الآن ذاته) لروح المكان وخميرة البسطاء والعاديين والمهمّشين، فربيب “حارة الطبلاوي” في منطقة الجمالية بالقاهرة الفاطمية، يدرك جيدًا أن جوهر التاريخ كامن في قلوب الناس، وهو ليس بالضرورة التاريخ الرسمي المُرضي للسلاطين والحكام، لكنه المسرود بتلقائية الحكّائين الشعبيين، وصُنّاع الرموز والأبطال الأسطوريين.

ويفلسف الغيطاني رؤيته في شهادته المتسقة مع إبداعاته: “الزمن فعل أبدي، كوني سرمدي. التاريخ مفهوم بشري نسبي. ليس انشغالي بالتاريخ بقراءته، بمطالعة مصادره إلا شكلًا من أشكال همي الدائم بالزمن، من خلال تلك المصادر التي كتبها مؤرخون رحلوا، أو شعراء، أو رحالة، أو رحالة مجهولون، أحاول أن أستعيد بعضًا من ملامح تلك اللحظات الفانية، أحاول الإمساك بالماضي من جديد، الإحساس بالتاريخ أهم عندي من فهمه. ما يعنيني أولئك البشر المجهولون”.

وإذ يتأمل صاحب “متون الأهرام” أعظم بناء بشري، وأقدم عمارة أنشاها الإنسان على سطح كوكبنا، لا تدور أفكاره حول خوفو، الملك الذي شيد الأهرام في عصره، إنما حول “أولئك المهندسين الذين خططوا وصمموا، والعمال الذين قطعوا الأحجار، ودفعوا الأثقال ومات بعضهم تحت الردم. من يذكر هؤلاء؟ إنه الإبداع!”.

جمال الغيطاني، كما يرى ذاته، هو كاتب تعوّد أن يطوف في عصور التاريخ المختلفة، وبخياله يخلق العصر من جديد، محاولًا أن يبعث الحيوية إلى السطور المجففة التي اختزلت زمنًا بأكمله، وهذا ما تبرهنه وتثبته أعماله الإبداعية المتعددة، التي “نقلت أشواق الإنسان، وآلامه، وأحاسيسه، وتفاصيل حياته، التي كان مصيرها إلى العدم لولا الفن”، فهل كانت شهادات الغيطاني “المتوقّعة” غير هوامش صغيرة على متون أهرامه “المدهشة”؟

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق