حين تتحوّل تغريدة عنصريّة إلى حملة منظّمة: ماذا يمكن أن يحصل بعد؟ / مايا العمّار

بسرعة قياسيّة، تطوّرت فصول الحملة التي افتتحتها تغريدة وزير الخارجيّة اللبناني جبران باسيل، والتي يشرح فيها نظريّة “الانتماء الجيني اللبناني”، لتتحوّل في غضون ساعات إلى حملة مرئيّة مبرمجة بادر إلى تنظيمها قطاع الشباب في التيّار الوطني الحرّ لمكافحة اليد العاملة الأجنبيّة في لبنان.

مع التغريدة “التيّاريّة” ومداهمات جهاز أمن الدولة والحملة الإعلاميّة المنظّمة التي ترافقها وتقودها بحماسة والتزام شديدَين الشاشة البرتقاليّة، ويشارك فيها غيرها من القنوات التلفزيونيّة، تنطلق رسميّاً في لبنان حملة التطهير العرقي، هذه المرّة من قلب أسواق العمل في عددٍ من البلدات التي يغلب عليها الطابع المسيحي، بهدف إقفال المحالّ التجاريّة المخالِفة وتوقيف العمّال الأجانب المخالفين للقانون.

أخذت رقعة المتحمّسين تتّسع شيئاً فشيئاً لتعلو معها موجة التباهي بأعراض التطرّف “للانتماء اللبنانوي” والأنظمة اللبنانيّة ووجوب حماية اليد العاملة المحليّة من منافسة الأجانب لها. ولكن بدايةً، لنتوقّف عن استخدام كلمة “أجانب” الفضفاضة، واللّطيفة بعض الشيء، ونستبدلها بكلمة “السوريّين”، علّنا نكون أكثر صدقاً مع أنفسنا وأكثر دقّةً في الاصطلاح، لأنّه من الواضح أنّ الفرنسيّين والألمان، وحتّى السعوديّين الذين شملهم باسيل في تغريدة أخرى أراد فيها تحدّي اتّهامه بالعنصريّة أو الانحياز لجنسيّةٍ دون أخرى، غير مهدّدَين بتاتاً بالإجراءات الأمنيّة والإعلاميّة التي تُتّخذ اليوم ضدّ العمّال الأجانب، ذلك أنّها تستهدف بشكل أساسي أولئك المُصنَّفين ضمن الفئتَين الثالثة والرابعة، أو المحرومين أصلاً من العمل بشكلٍ قانوني نتيجة إجراءات قانونيّة تقصّد المسؤولون تعقيدها ورفع كلفتها. لكن ما لا يدركه المتحمّسون هو أنّ حملة استعادة “الشرعيّة” المنشودة لا تنقلب على “الأجانب” حصراً، بل ترخي بظلالها على اللبنانيّين وأعمالهم التي تعتمد إلى حدّ كبير على اليد العاملة الأجنبيّة التي لا تُنتج وحسب، بل تستهلك أيضاً.

فمَن المتضرّر من شلّ قدرة اليد العاملة الأجنبيّة على العيش، وبالتالي، استهلاك السلع والبضائع من التجّار المحليّين الذين يملكون رأس المال، واستئجار المنازل، والاشتراك في خدمات الاتّصال؟ مَن المتضرّر من تفضيل اللبنانيّين عدم تأدية أنواع معيّنة من المهن، بصرف النظر عن قيمة الرواتب المخصّصة لها؟ مَن المتضرّر من تعطيل دور الوكالة الوطنيّة للاستخدام في تنظيم فرص العمل ومَن الذي يعرقل تفعيلها أصلاً؟ مَن المتضرّر من زيادة ما وصفه مستشار وزير الاقتصاد اللبناني، جورج عبد الساتر، المشارِك في الحملة، بحالات “الهروب الجماعي” للعمّال الأجانب، خوفاً من الاعتقال أو الترحيل أو الإذلال إثر توقيفهم عن مهنةٍ لا يحقّ لهم ممارستها، أو بسبب ورقة إقامة مكسورة لن يستطيعوا أصلاً تأمين المبلغ اللازم للاستحصال عليها إذا كانوا لا يعملون! بالطبع، العمّال هم المتضرّرون بالدرجة الأولى، ولكن من غير الصعب توقّع امتداد تداعيات هذه الإجراءات إلى فئات أكثر وأبعد من تلك التي تستهدفها مباشرةً، وانقلاب السحر على الساحر والمتفرّجين عليه.

وفي خضمّ هذه المعمعة، فاجأ التيّار الوطني الحرّ الجمهور بدفاعه عن حملته متسلّحاً بأساليب مناوئيها الحقوقيّين وأدواتهم، أبرزها “الاتفاقيّة الدوليّة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري”. هذا ما كان ينقص: أن تتحوّل المنظومة الحقوقيّة الدوليّة ومعاهداتها إلى سلاحٍ لتبرير ما وُجدت لإنهائه، وأن تستولي المنظومة السياسيّة والأمنيّة على لغة المجموعات الحقوقيّة التي ما كانت لتفوّت فرصةً لإخراسها أو إحراجها، لو أُتيح لها ذلك.

وفي التفاصيل، نشر موقع التيّار ردّاً فريداً من نوعه على اتّهامه بالعنصريّة حيال السوريّين وغيرهم من الذين لا يودّ رؤيتهم يعملون في المحالّ التجاريّة أو صالونات تصفيف الشعر الآمنة، إنّما فقط في الورش والمزارع التي من شأنها أن تفاقم المخاطر على صحّتهم وتقصّر عمر الإنسان. نعم، فهذا هو القانون.

اختار التيّار بتأنٍّ الفقرات التي تناسبه من اتّفاقيّة الأمم المتّحدة المذكورة، فوقع نظره صدفةً على الفقرة الثانية من المادّة الأولى التي تستثني تمييز الدولة أو تفضيلها بين المواطنين وغير المواطنين، والفقرة الثالثة التي تحظّر المساس بالأحكام القانونيّة السارية في الدول الأطراف والمرتبطة بمنح الجنسيّة والتجنيس والمواطنة.

أهمل التيّار عنوةً سائر مواد الاتفاقيّة اللّازم احترامها لتحقيق المرجوّ منها وخدمة جوهرها الأساس التي أُبرمت من أجله، ألا وهو القضاء على التمييز العنصري. فأشاح بنظره عن الشرط المذكور في الفقرة الثالثة من المادّة الأولى نفسها التي استند إليها في تبريره الحقوقي المتميّز، وهو وجوب أن تخلو “الأحكام من أي تمييز ضد أي جنسيّة معيّنة“.

إلى ذلك، بدا وكأنّ التيّار توقّف عند المادّة الأولى دون أن يتابع قراءة ما جاء في صلب المواد المتبقّية، كالمادّة الثانية غير البعيد موقعها عن المادّة الأولى، والتي تدعو الدول الأطراف إلى اتّخاذ التدابير اللازمة “لتعديل أو إلغاء أو إبطال القوانين أو الأنظمة التي تؤدّي إلي إقامة التمييز العنصري أو إلى إدامته حيثما يكون قائماً“.

حظرُ التجوّل ليلاً تحت راية الحفاظ على راحة سكّانٍ هم أصلاً يعتمدون بشكلٍ أو بآخر على مَن يُحظَّر تجوّلُهم. حظرُ تجوّل أكثر تطوّراً، يشمل “الليل والنهار” على أوتوستراد بلدةٍ عريقة تشجيعاً لسياحةٍ بيضاء اللّون. تقييد أو منع من العمل بحجّة قوانين وأنظمة قائمة، هي في الأصل مخالِفة لاتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري التي أعاد التيّار إحياءها مشكوراً. تكريسٌ لنظام الكفالة الذي يضع العامل الأجنبي تحت رحمة صاحب العمل. نشرٌ لخطاب كراهيّة مقيت متخفٍّ وراء شعارات شعبويّة لها منطلقات معيشيّة لا شكّ في أنّها تستحقّ الاهتمام الصادق والمعالجة الجديّة. تشجيعٌ على “عودة آمنة” إلى بلادٍ يعلم الجميع أنّها ستؤول حكماً إلى اعتقال، أو اختفاء، أو خدمة عسكريّة قسريّة، أو قتل، أو الموت قهراً على عقارٍ مسلوب. دفاعٌ عن أفتك نظامٍ على وجه المسكونة، اقترف ما اقترف أيضاً بحقّ ضحيّةٍ لبنانيّة يُخشى أنّ بعض طرائقه باتت تلقى استحسانها اليوم.

لو أردنا فقط تطبيق بعض فقرات اتفاقيّة القضاء على التمييز العنصري، لكان إطلاقُ الحملة واجباً علينا نحن الذين ما زلنا متمسّكين بشيء من المنطق، ضدّ المسؤولين عن الممارسات “غير الشرعيّة” المذكورة أعلاه، لا على إعلامٍ تسول له نفسه تعريض حياة العمّال “الآخرين” للخطر عبر فضح وجوههم وعرض تفاصيل وضعهم القانوني وإذلالهم على الهواء وسوقهم إلى مجهولٍ قاتم؛ ولا على تيّارٍ يروقه ثوب المواطن الضحيّة حيناً وتجذبه نصاعة بياض الكلوك كلوكس كلان حيناً آخر.

ماذا يمكن أن يحصل بعد؟

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق