الثقافة العربية المعاصرة وثنائية المثقف والسياسيّ (1) / أشرف الحساني

إشكالية الثقافي/المثقف والسياسيّ/السياسة فكرة خامرت العرب منذ مطالع القرن التاسع عشر، فنشأت حولها عمارة معرفية دشنها وأسس لمسارها الفكري مثقفون فطاحل، ثم خاضت فيها أجيال عديدة صراعات فكرية متباينة، بين من تمجد من قيمة الرأس المال الرمزي الثقافي على حساب السياسي والعكس أيضا، كما اختلفت طروحات ومنطلقات هذا التصور حسب كل مرحلة من مراحل التاريخ العربي. ومع ذلك ظلت ثنائية “الثقافي والسياسي” من الثنائيات الفكرية الكلاسيكية، التي ما تزال تستحوذ على الفكر العربي المعاصر في السنوات القليلة الماضية، خاصة بعد الفوران، الذي شهدته المنطقة العربية، فيما سمي داخل بعض الأدبيات الصحافية بالربيع العربي، أو الربيع الديمقراطي، حسب بعض الجهات الأخرى، التي تراءى لها الانفلات من هذه التسمية، التي يخيل إليها أنها قد تخل من كرامتهم وتحرجهم أمام الرأي العام الدولي وأمام التاريخ حسب زعمها، لذلك لم تتوقف عن تصويب متاريسها الفكرية الدعوية صوب هذه التسمية الجريحة، التي كشفت استبدادية أنظمتنا السياسية وعرت عورتنا الثقافية وبنياتنا الاجتماعية بفقرها وجهلها وعجزها المميت عن محاكاة حركات التحرر الشعبية، التي شهدتها بعض الدول منذ مطالع القرن العشرين.

في هذا الملف الخاص تعيد “ضفة ثالثة” ترميم بعض شروخ الذات ومزالقها من خلال محاولة إعادة طرح موضوع تبعية الثقافي للسياسي للنقاش ومساءلته بمعية عدد من الشعراء والنقاد والباحثين والكتاب العرب على اختلاف مشاربهم الكتابية والبحثية، لا للضغط على الجرح، وإنما لإعادة بناء تصورات هذه الثنائية المستعصية على الفهم داخل الثقافة العربية المعاصرة، ونقد أزعوماتها وأغاليطها وتشخيص بعض من أعطابها مع اقتراح حلول ناجعة للرقي بها.

هنا الجزء الأول منه:

 

محمد اشويكة، ناقد سينمائي مغربي:

كل فرد معني بالفعل السياسي

يصعب فصل المواقف السياسية عن الثقافة السياسية للأفراد، فكأي شكل من أشكال الثقافة، تخضع الثقافة السياسية للتنشئة الاجتماعية، أي لصيرورة الاكتساب والتفسيرات والتأويلات التي يقوم بها الفرد لأفعاله وسلوكاته ومواقفه وفق عدد من القواعد والقيم والمعايير، باعتبارها ممارسات خاصة بالمجموعة التي ينتمي إليها. ولذلك، فكل فرد في المجتمع معني بالفعل السياسي سواء أكان له وعي بذلك أو لم يكن. هذا فيما يتعلق بالمعنى الأنثروبولوجي للثقافة، ولكن علاقة السياسي بالثقافي ضمن سياقه العَالِم، تشير إلى تدبير مجموعة المعارف والفنون المرتبطة بالثقافة، والتي لها ارتباط وثيق بما سماه بيير بورديو بمفهوم رأس المال الثقافي.

يرتبط الثقافي بالسياسي بشكل وثيق، وهو الأمر الذي يعني إيجاد استراتيجية واضحة لتدبير المجال الثقافي بشقيه العام والخاص أو ما يصطلح عليه بثنائية الثقافة الشعبية والعَالِمة، وهنا يكون للمؤسسات دور كبير فتتداخل الأدوار، وتتشابك التوجهات، وتتباين الرؤى.. فهناك من يراهن على الدولة لإرساء الثقافي في قلب المجتمع كبوصلة مُوَجِّهَة ويقظة على كافة المستويات، وهناك من يضع المثقف في الواجهة بدعوى أن الدولة جهاز إيديولوجي يسعى للتحكم والنمذجة وقتل النقد، فهو الحَامِل للأفكار الموضوعية، المنافح عن الاختلاف والتنوع، المستمع لنبض الهوامش، المُشَخِّص للوضع، الضاغط الإيجابي على المؤسسات.. وأعتقد أن الدولة الديمقراطية تكون مُنْصِتَة لمثقفيها، ومستفيدة منها دونما ضغط عليها أو وضعها تحت الحجر.

يطغى الالتباس على علاقة السياسي بالثقافي في المجتمع العربي مع اختلاف كبير في التجارب، فغالباً ما تريد بعض الأنظمة أن يظل المثقف بعيداً عن دائرة السياسة، وإن طلبت خدماته فتكون على المقاس، وهناك دول للمثقف فيها هوامش مهمة لممارسة أدواره.. لكن التغيرات المتسارعة لتكنولوجيا التواصل وغيرها جعلت مفهوم المثقف يتعرض لهزات متوالية وعنيفة في ظل اختلاط الأصوات التي تتحدث في كل شيء، وبأية لغة، ودونما مراعاة للحوار ولا اتخاذ المسافة الضرورية لبلورة خطاب رصين وموضوعي.. وأعتقد أن هذه المسألة لعبت دوراً حاسماً في هيمنة السياسي على الثقافي، وبروز المتكلم عوض المفكر، والمنغلق عوض المنفتح، والمُنْقَاد عوض الناقد، والمتيقن عوض المرتاب.. لقد أوهمت التكنولوجيا البعض بأنه ذلك الشخص العارف، والحال أنه المستهلك للمكرور والنمطي، الموزع للجهل والخطأ، المتلذذ بالتفاعل الوهمي.

من مؤشرات أزمة الثقافة والمثقف في العَالَم العربي تلك التناقضات الصارخة فيما يخص البنيات التحتية، وانعدام الجمهور، وارتفاع الأمية، والانشداد إلى الوراء، وتكريس الميوعة، والإعلاء من صناعة المشاهير في مجالات الثقافة الجماهيرية، وخلط الفولكلور والشعوذة بالعلم والفكر، واستئصال الفكر العقلاني، وإشغال المثقف أو إرباكه أو تغيير دوره الاجتماعي وتحويله إلى تكنوقراطي أو مستشار أو مكلف بمهمة أو تجميعه في مراكز “بحثية أو علمية”.. وفي ذلك تكمن الهيمنة أو تتغير طرائقها ومساراتها.

 

عبداللطيف محفوظ، باحث وناقد مغربي:

دور المثقف مشروط بطبيعة فهمنا لشكل إنتاجه

لا بد لكي نصوغ رأيا مبنيا حول تبعية الثقافي للسياسي أو العكس، من التمهيد لذلك بتحديد مفهوم المثقف الذي يعد من بين المفاهيم الإشكالية التي عرفت تحديدات مختلفة، حيث كل تحديد يعين فئة محدودة من الفاعلين الذين ينتجون معارف نظرية، تتصل في الغالب بقضايا السياسات العمومية، وترتبط بقضايا المجموعة الاجتماعية التي ينتمي إليها هذا الفاعل الذي يصطلح عليه بمفهوم “مثقف”. لذلك فإن كل الحديث عن دور المثقف مشروط بطبيعة فهمنا لشكل إنتاجه، وموضوعه، ودائرة تأثيره.

تأسيساً على هذه الإكراهات، ولكي تكون فكرتنا واضحة، لا بد من التمييز، على الأقل، بين ثلاث فئات من منتجي المعرفة في شتى تمظهراتها، على أن لكل فئة استراتيجية لتشكيل الفعل الثقافي في علاقته الخفية أو الظاهرة بالسياسي.

وتتسم الفئة الأولى بإنتاج الخطابات التي تخلو من الإضافة، وتحاول، باستمرار، أن تبحث لكل حالة حادثة عن تفسير وجد مسبقا، ولكل سؤال مستجد عن إجابة من الموروث. إن الإنتاج الثقافي، لهذه الفئة، لا يتضمن إبداعاً يساير التحولات الاجتماعية ويتفاعل معها، وإنما ينتج إجاباته، على اختلاف مشاربها، بناء على قياس يكرس المتوارث اللازمني، لذلك يعد خطابها مجرد استعادة لحلول سابقة لقضايا مشابهة سجلها التاريخ الخاص بالمجموعة الاجتماعية، ويكون الهدف منه ضبط المعتقد الاجتماعي في بعده السياسي والقيمي، وفي هذه الحالة فإن الثقافي يعد تابعا للسياسي، لأن وظيفته تنحصر في حماية اللغة العامة التي تفرضها الأوفاق السياسية. وباختصار ووضوح، إن الخطاب الثقافي الذي تنجزه هذه الفئة هو الذي يقوم بوظيفة جعل لغة الحياة متناغمة مع لغة الطبقات السياسية المهيمنة، أي هو الذي تصدق عليه بدقة عبارة تبعية الثقافي للسياسي. وغالباً ما تتشكل هذه الفئة المنتجة له من علماء الدين، ومن منفذي البرامج الإعلامية، والبيداغوجية من مؤطرين تربويين وواضعي المقررات الدراسية ومنفذيها…

وهناك فئة ثانية تنشغل بالتأمل المجرد في قضايا الحياة الاجتماعية وتعالجها من طريق التجريد محاولة استكناه العوامل الخفية التي تعيق تطور مجتمعاتها فكريا وقيميا، وتعمل من ثمة على كشفها وفق خيارات تجريدية، مثل القول الفلسفي، أو تشخيصية تتوسل التخييل الأدبي، وتكون موضوعاتها، في الغالب، عبارة عن إجابات عن أسئلة عصية لا تبدو للعامة إطلاقا، أو إن بدت لهم لا تبدو مهمة حتى تكون مجالا للنقاش، وتسمح هذه المسافة بانفلات الفعل الثقافي من تأثير السياسي، بيد أنه فعل يؤثر ببطء من أجل تغيير الوعي بالعالم وبالذات وبالشروط الاجتماعية والسياسية المهيمنة. ومن يمارس هذا النوع من النشاط الفكري يحقق، فعلا، المعنى الأكثر انسجاما مع مفهوم المثقف، ولا يكون الرهان مرتبطا بتغيير المنظومة، بل بخلق الفضاء المتاح لتغييرها في الزمان…

بينما توجد فئة ثالثة، هي الأكثر اتساعا في واقعنا المغربي، وتهم الكُتَّابَ في مجمل المجالات الفكرية والإبداعية، وتعمل هذه الفئة، في الغالب، على إنتاج خطابات ملتبسة، تحاول من خلالها أن تعبر عن الموقف الموضوعي مغلفا بما يساير تصورات السياسات الوطنية والعربية والعالمية، خوفا ليس من السلطة، بل خوفا من الإبعاد من دائرة الضوء الإعلامي الذي تتيحه الجوائز المتعددة عربيا ودوليا…

 

علي الصفار، كاتب وصحافي سوري:

الأفكار السياسية وجدت ركائزها في التفكير الثقافي

الحقيقة أن الثقافي لا يكون تابعاً للسياسي، إلا إن أراد الفاعلون فيه أن يكونوا كذلك، فالأمور جرت وعبر التاريخ أن يؤسس الثقافي للسياسي، وأغلبية الأفكار السياسية وجدت ركائزها في التفكير الثقافي الذي جنح نحو بناء مدنه الفاضلة على الأرض، من خلال أفكار تلقفها مثقفون بحثوا عن مرتكزاتها الواقعية فنشأت الأفكار السياسية وباتت إيديولوجيا الأحزاب ومن بعدها الدول والأنظمة.

إذاً الأساس في الموضوع هو التفكير الثقافي الذي يبدأ متمرداً محاولاً القطيعة مع السائد، ويحوّله السياسيون لاحقاً إلى خطاب راسخ يهيمن على الواقع، ويحاولون من خلاله مصادرة أفكار المثقفين ذاتها.

هذه الترسيمة هي ما حدث في سورية طيلة العقود السابقة، فكل النتاج الثقافي الذي حاول مماحكة الواقع في بدايته تحوّل وبقدرات الذين اعتنقوه إلى إيديولوجيا قمعية، جرّت السوريين إلى لحظة الخراب التي يعيشونها راهناً.  يمكن لأي متابع أن يرى كيف تحولت أفكار البعثيين الأوائل إلى سلاسل حديدية ثقيلة تم تقييد عقول الأجيال بها، وفي المقابل كانت الأفكار التي تعارض النظام الشمولي، تبدأ يانعة ومفعمة بالبراءة ولكنها سرعان ما تمضي صوب القسوة والعنف في مواجهة استحقاق مواجهة النظام الذي لم يترك فرصة لأي فعل خارج عن إرادته لأن يغيّر في واقع البلاد..

الثورة على النظام تأسست ثقافياً عبر الإبداع متعدد الأشكال، قبل أن تجد نوابضها في نزول الشباب إلى الشوارع، وقبل أن تمضي الأمور في المسار الدموي الذي شهدناه وما زلنا نشهده مع توافد المحتلين ومن يناصرهم على الأرض السورية.

لنتذكر أن غالبية المثقفين السوريين واجهوا في لحظة ما قبل الثورة رقابة النظام، وحاولوا الخروج على خطوطه الحمراء، كانوا يكتبون في الخارج، ويجدون صدى أعمالهم خارج أوطانهم، كما كانوا يمارسون التقية خشية أن تسوقهم عربات الأمن إلى السجون، ولهذا حين قامت الثورة وجدتهم يؤيدونها، ما أفضى في المحصلة إلى مشهدين: ثقافة الثورة وفاعليها، وثقافة النظام وفاعليها أيضاً!

وبالعودة إلى أصل السؤال: لا ثقافي يتبع السياسي إلا إن كان لا يمتلك مقومات وجوده، فيسعى للحصول على شرعيته من خلال القرب والاقتران مع السياسي القامع السلطوي الذي يروجه ويدفع به إلى الواجهة رغم فراغه وعدم وجود قيمة له.

وضمن هذه المعادلة ثمة نص ومنتج ثقافي يكتب الآن على المستوى السوري يحاول تدمير الوعي الذي رسخه النظام، عبر تكريس قيمه المختلفة، ويدرك أنه في مواجهة ليست سهلة أبداً.

 

صلاح بوسريف، شاعر وناقد مغربي:

المثقف لا يتعاطى السياسة بوصفها مهنة

علينا، أولا، أن نميز بين “السياسة”La politique  و”السياسي”Le politique  بالمعنى الذي نجده عند حنه آرندت. وهنري ميشونيك سيعمل على توظيف هذا التمييز، في حديثه عن الشعر. يسمح لنا هذا التمييز أن ننأى بالمثقف عن السياسة، باعتبارها رؤية وموقف آنيين، مرتبطين بما هو عابر وزائل، لأن السياسة هي تدبير للآني، وتفاوض حول طبيعة القضايا والمشكلات التي تواجه المشتغلين في حقل السياسة. بمعنى أن السياسة، في أغلب حالاتها، تفتقد لبعد النظر، للرؤية المستقبلية، لأنها تسعى دائما لإخماد النيران، لا معرفة أسباب اشتعالها، والحلول الممكنة لاستباق اشتعالها. المثقف ليس سياسياً بالضرورة، لا يحترف السياسة، ولا يتعاطاها باعتبارها مهنة، أو عملاً يومياً. فهو مشغول بالسياسي، بما هو تدبير للفكر والنظر، ورغبة في التقصي والتفكيك والفهم، وتشقيق الأسئلة، وطرحها في سياق الأفق الذي يراه المثقف، من زاوية ثقافية، أو بنظارات المثقف، لا بنظارات السياسي، التي لا تسمح بالرؤية البعيدة. الثقافة نقد للسياسة، والمثقف غير متصالح مع السياسي، بل هو يعتبره موضوع مساءلة، في طريقة تفكيره ونظرته للأشياء. وهنا أود أن أميز، مثلاً، بين ستالين السياسي، وبين تروتسكي، باعتباره مثقفاً. فالخلاف بين الاثنين هو اختلاف في المقاربة، في مفاهيم الثورة، والاشتراكية، والسلطة… كل واحد رأى الأمر من زاويته، وهنا حدث انفصال السياسة عن السياسي، لأن تروتسكي، رغم انخراطه في الثورة، فهو انخرط فيها كمثقف، ونظارته كانت نظارة مثقف، لذلك لم يتحمله ستالين، وقتله، حتى وهو بعيد عنه، لأن أفكار المثقف كانت خطراً على رجل السياسة، وهي تمس جوهر معضلات السياسة. المثقف منخرط، إذاً، في السياسة، من زاوية المعنى السياسي، الذي هو أحد مكونات الوعي الثقافي والفكري، وأحد ضرورات فهم المثقف نفسه لما يدور حوله. لا يمكن نزع السياسة من وعي المثقفين، ومن انشغالهم، فهي موجودة في ما يكتبون ويقولونه، كما لا يمكن النظر إلى السياسة، دون وعي ثقافي، لأن السياسي، إذا ما تجرد من الثقافة، أو من الثقافي، فهو سيكون غير قادر على فهم السياسة نفسها، وما تقتضيه من وعي بمشكلاتها، وبالحلول الممكنة للمعضلات الطارئة. المثقف، بهذا المعنى، له منظار، وآليات استشعار، بعكس السياسي الغارق في السياسة بمعناها الواحد، وهو منظار وآليات استشعار ناتجة عن معرفة بتاريخ الوقائع والأحداث، والسياقات التي تجري فيها. ثمة، إذاً، فرق بين الاثنين، وهو فرق يكشفه فقر الوعي الثقافي عند السياسيين، بالدرجة الأولى.

 

فريد الزاهي، أنثروبولوجي ومترجم مغربي:

الممارسة الثقافية متشبعة بالإيديولوجي

سؤال تبعية الثقافي للسياسي نحمله على عواتقنا منذ السبعينيات. وكنت ممن ساهموا في النقاش فيه منذ أواخر السبعينيات، وممن كانوا أيضا من العالقين في شراكه والساعين للتحرر من شرنقته. بيد أن السؤال الذي يلزم أن يسبق اليوم هذا السؤال المزدوج والمركّب ويخلخله ويعيد من ثم صياغته هو: ما السياسي وما الثقافي في مغرب اليوم؟ وهل يمكننا الحديث عن تبعية؟

تعيش الثقافة العربية ومعها المغربية اليوم مجموعة من التحولات المتواترة والمتسارعة التي جعلت مفهوم الثقافة كما عشناه ومارسناه وتبنيناه منذ السبعينيات مجرد جزيرة في أرخبيل هائل من الممارسات الثقافية. وتتجلى هذه التحولات وبشكل تلغرافي في ما يلي:

– تطوّر الثقافة الأكاديمية التي عرفت مدّاً كبيراً مع توسع الجامعة المغربية. وهي ثقافة عوض أن تنبني على البحث والاكتشاف صارت تقوم على الاستنساخ والتكرار والتجميع compilation؛

– هيمنة المفاهيم الأكاديمية المتجاوَزة والتقنوية على الحقل النقدي كالسرديات وغيرها؛

– تضخم موقع ودور النقد والنقاد نظراً للتحولات السابقة مقارنة مع تطور المجال الأدبي شعراً ونثراً؛

– عدم تطور العلوم الاجتماعية والفكر الفلسفي؛

– تنامي دور الصحافة والصحافي بحيث صار هذا الأخير منذ بداية الألفية يأخذ دور المثقف والأديب؛

– تأثير وسائل التواصل في صياغة شخصية المثقف والكاتب؛

– تنامي سوق الفن بحيث صار هذا المجال من أكثر المجالات الثقافية حركية نظراً للتداولات التجارية التي يحظى بها بشكل علني أو مضمر…

فإذا كانت الممارسة الثقافية بجميع أشكالها في ما قبل متشربة بالإيديولوجي قبل السياسي ومتشربة بهذا الأخير، فقد كان ذلك يعود بالأساس إلى قوة اليسار سياسيا وثقافيا في البلاد. وبعد انهيار هذا اليسار وتحجّم دوره صارت الثقافة تابعة بالأحرى لوسائل الإعلام ولوسائط التواصل الاجتماعي، بحيث إن ما نلاحظه هو بروز ثقافة من نوع جديد تعتمد على التشذير والتواصل اللحظي والرغبة في التأثير المباشر والانتشار.

أما السياسي فقد صار يمارس باعتباره سياسة فقط لا في بعده الفكري والثقافي. فاندحار الثقافة السياسية واعتمادها الحالي على اللعبة البرلمانية وتوقها للحكم (مهما كانت التنازلات التي يفرضها) جعلها تتحول إلى مجموعة من الاستراتيجيات المتحولة التي تستهدف الربح السياسي.

لقد كانت الثقافة في الماضي تحمل مشروعا سياسيا وتتضمخ بثقافة سياسية واضحة (بالرغم من طابعها الاختزالي)، في حين صارت الثقافة اليوم استهلاكية (بالمعنى العام للكلمة) وتواصلية من غير أفق فكري، وصارت السياسة لعبة تتوخى التلاعب manipulation بالجماهير وبالتاريخ…

يصعب الحديث اليوم عن تبعية في غياب هوية ثقافية (بتعددها) وغياب هوية سياسية (بتعددها)… إننا لا ننتج اليوم مثقفين بل أعمالا فنية وأدبية وغيرها لا تصدر عن مثقفين بقدر ما تصدر عن أشخاص أو أسماء…

وهذه الوضعية تفرض علينا أن نراجع مفهومنا للثقافة والسياسة معا… فهذه التبعية صارت تأخذ أشكالاً أخرى أعدمت في نظري مفهومي الثقافة والسياسة نفسهيما…

 

سامر إسماعيل، فنان تشكيلي سوري:

الأنظمة الاستبدادية تجبر الثقافي على تبعية السياسي

يعتقد الجميع أن العلاقة ما بين السياسي والثقافي علاقة شائكة ومعقدة، وهي فعلا كذلك، ولها ألوان وأشكال كثيرة، وخاصة في العالم العربي بأنظمته الإستبدادية، التي تعمل جاهدة لإجبار المثقف على تبعية السياسي، في الوقت الذي يجب أن يكون العكس، لأن الثقافة هي وعاء والمثقف هو ناطق بخطاب يطور المجتمع ومؤسساته بمختلف المجالات، من هنا تأتي أهمية إقصاء أو تبعية أو عزلة المثقف بالنسبة للسياسي.

في السياسة ثمة إلتواء، ولعب، وكذب، من هنا جاءت أشكال كثيرة لجذب المثقف ليكون في وعاء السلطة، استغلال لحظة ضعف ما (معالجة المسرحي سعد الله ونوس من مرض السرطان في أواخر حياته من قبل النظام السياسي)، أو الاستمالة بالمال والإعلام لتحويل المثقف إلى بوق، وأيضاً من خلال تحويل المؤسسات الثقافية إلى مؤسسات تابعة للسلطة، والهيمنة عليها، وثمة دور آخر وخطير تم استخدامه هو الإنتماءات الدينية والمذهبية التي عملت على اصطفافات سياسية وخاصة في ظل ما حدث في سورية خلال سنوات الثورة والحرب، ومثلما أن المعارضة اشتغلت على هذه الاصطفافات للسلطة فالنظام السياسي استمال إليه الكثير من المثقفين من خلال الإنتماء الديني لهم واللعب على الأقليات الدينية وتخويفها من أي تغير قد يحدث، ولقد كان موقف أدونيس مثلا ملتبسا في بداية الأحداث، وليس بالضرورة أن يكون ذلك مبعثه الإنتماء المذهبي، لكنه كان واضحا في موقفه من خروج المتظاهرين من المساجد، وفي الوقت ذاته كانت تظهر احتجاجات من الجامعات ولم يرها الكثيرون. أعتقد أنه في ظل أزمات السلطة مع المجتمع، يقع محك المثقف في أن يكون صريحا ومتوازنا وأن يرى القضايا بطريقة صحيحة، ويحيلنا في هذا المنحى موقف المفكر الطيب تيزيني مما جرى والذي كان جريئا وواضحا في موقفه عما حدث بسورية وفي إمكانية تجنب المقتلة السورية.

أعتقد بوجود تواطؤ عالمي، أو من قوى خفية تعمل على خنق الحقيقة وعلى استبعاد العمل الثقافي الحقيقي على الأرض، وذلك من خلال السيطرة والتوجيه لوسائل الاعلام بكافة أشكالها، التي استبعدت الأصوات العاقلة في سورية مثلا من الظهور على مختلف وسائل الإعلام، ومن هنا أرى أن حال المثقف صعبة الآن، إن لم يتبع السياسي سيكون في حالة إقصاء وعزلة، وذلك بسبب أهمية دور المثقف وخاصة إن أتيح له الظهور والتعبير. ومن الأهمية بمكان الآن، وعلينا جميعا وعلى المثقف المؤثر بالمجتمع أن يرى بمنظور عين الطائر، لا أن يرى حيزا محددا كمن يرى من ثقب الباب، على المثقف أن يرى كل الأشياء والظواهر وجملة ما يحدث بموضوعية وبصرف النظر عن الانتماءات الدينية أو الإيديولوجية.

 

محمد جليد، كاتب ومترجم مغربي:

التاريخ يبين أن المثقف هو من أسس الأحزاب

هل يتبع المثقف للسياسي فعلا؟ هناك حكم خاطئ- أو سوء تقدير على الأقل- حول هذه المسألة. ذلك أن التاريخ يبين لنا أن المثقفين هم الذين أسسوا الأحزاب والمنظمات والتكتلات السياسية في العالم العربي (ميشيل عفلق في سورية، أنطون سعادة في لبنان، علال الفاسي والمهدي بنبركة في المغرب، إلخ). كما يكشف أن التنظير الفكري والحركية الإيديولوجية كان- وما يزال في بعض الحالات- يقف وراءهما مثقفون ينشطون فكريا داخل الجامعات ومراكز ومختبرات البحوث، وسياسيا في المؤتمرات واللقاءات والتجمعات الحزبية المختلفة. فهم الذين يصوغون خطاباتها وبلاغاتها ومناشيرها ومراسلاتها، إلخ.

يمكن للمتابع أن يسوق ملاحظة قد تكون بمثابة حجة على أن مقولة تبعية المثقف للسياسي خاطئة. ومفاد هذه الملاحظة أن المثقف انصرف عن العمل الحزبي، بعدما انفتحت أمامه آفاق وفرص ومنصات أخرى غير الحزب والتشكيلات التابعة له (الجامعة، الجرائد والمجلات، المختبرات ومراكز البحوث، الجوائز السخية، إلخ). نتج عن هذا الانصراف ضعف الخطاب السياسي والإيديولوجي، الذي كان يؤطره وينتجه المثقفون في السابق، ودخول الأحزاب مرحلة انحطاط وتخلف على مستوى إنتاج الأفكار والخطابات، بل واستراتيجيات وخطط العمل. من هنا يمكن تبرير العزوف عن العمل السياسي والحزبي لدى شريحة كبيرة من المجتمعات العربية، خاصة عند الشباب، لأن خطابها السياسي لم يعد قويا ومقنعا، مثلما كان في مراحل تعاون المثقف والسياسي.

وربما يكون من أسباب انصراف المثقف عن العمل السياسي انتهازية الفاعل السياسي، التي تقوت على الخصوص بعد انخراط هذا الأخير في تدبير الشأن العام. فهو يسعى إلى تحقيق نتائج مآرب معينة، شخصية في الغالب وجماعية في حالات نادرة، في آجال قصيرة، بخلاف المثقف الذي يشتغل على الآماد الطويلة، حتى تكون نتائج عمله أبدية.

من جانب آخر، يلاحظ في التجربة المغربية على الأقل أن العديد من المثقفين ما زالوا منضوين في حزبي “الاتحاد الاشتراكي” و”الاستقلال”، بل ويلتزمون بقراراتهما السياسية، لكن من دون أن يكون لهم أي دور ميداني، خاصة على مستوى التنظير الفكري والتأطير السياسي.

هكذا يمكن القول إن تخلي الأحزاب عن الشق الثقافي أضر بسمعة عملها السياسي وجديته وفعاليته وأثره. صحيح أن هذا التخلي حرم المثقفين من الاتصال بـ”الجماهير” وتشكيل وعيها وتوجيهها والتأثير فيه، إلا أنه أتاح للمثقف إمكان العمل الموضوعي والتزام الحياد تجاه القضايا والاهتمامات التي تشغل باله.

عن ملحق “ضفة ثالثة”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق