تيامات

 أبحثُ عن قصِيدة

لأردِمَ هذا الفراغ

الجحيمي

الّذي يقتنِصُ سَكينتي

لأرتمِي في أحضَانِها

وأرسُمَ مِن أمواجِها

بيتاً لقافيتي

وللقذيفة

لأزيحَ عَنّي همَّ

هذا الوجودِ العَدميّ

وأتلاشى

داخِلَ ثنايا هذا الحُضورِ

الورقي المُتهالِك.

وحيدةٌ

أودُّ لو ألجَ

حلاوةَ عدم الاكتراث

بأعباء اللّقاء

والبقاء

واللّقب

وحيدةٌ

أفترِشُ

السُّحبَ الرَّقميّة

العَابرة للقارّات

المُرقّعة بالإعلانات

دونَ حقائبَ

أو بِطاقة سَفر

مُجرّدةٌ

مِنَ الاسمِ والهُويّة

والبقعة الجغرافيّة

أنسَلُّ مِن أظافرِ

بني جنسي

مِثلَ النّسيان

أسَافرُ

في مَطاراتٍ

تترَاكمُ

فجأةً

أسْفلَ هذه الشّاشة

وفقَ لوائحِ المَلائكة

ووقوعِ التّزامُن؛

أتورّط في لعبةِ

التّساؤلات اللاّمُتناهية

عن كينونتي والكَون

وكُنه هذه الرّسائل

والمُرسلين:

ما كلُّ هذه البَوابات المَفتوحة؟

ومتى سيكونُ عُبوري؟

وبأيّ هَيئة؟

وحيدةٌ

تخترقني سُحبُ أحَدِهم

فأمضي لا مُباليَة

لمَا حدَثَ لسَكينتي

أعبثُ بقُصاصاتِ

أسلافي مِن المُسافرين

موسى في سيناء

عبرَ الأحمر

إيليّا في مَركبةِ النّار

الآب في الابن

والابن في الآب

وحيدةٌ

أفترشُ

رُقعةَ التاروت

أقامِرُ النّجومَ والكواكب

أعاقرُ النّيازك

ألاطفُ قارِئة الحَظ

علّي أتخلّصُ مِنَ النوازل

أمامَ أعيُن العَابرِين

أرصُدُ حَالَ الرّقيب والمُسافِر

على حَواجِز التّفتيش

أغامِرُ ببضعَة كلِمَات واستعَارَات

مِن باب التّنفيس الأدبيّ

لأستثيرَ القارئ

وقد أرقُصُ من شِدّة الألم

 

أبحثُ عنّي في حُروفيَ الهائِمة

وجُمَلي المُفككة

وأفكاري المُشتتة

المُنتشيَة

من حِبر العَبَث.

هل أنا المَصلوبة دَوماً

على خشبِ الكلِمات

العارِية تماما ً في يدِ القارئ

تُداعِبني كيفما تشاء

فأتلوّى

وأتشظّى

وأنثني.

هل أنا المَصلوبة هنا

فوقَ أعمِدة الشعر

العَارِية تمَاماً في يدِ القارئة

تجذبني فأستقيمُ وأنحَني

أتوه وأتأوّه وأختفي.

هل هذه حقيقتي

تتجلَّى واضِحَةً

بعدَ أن قذفَها القلَم

مِن  قعرِ الألم؟

هل هُنا مَوتي وانبعاثي؟

 

أبحثُ عن قَصيدةٍ لأواجِه بِها العَالم

تكونُ وسَادتي سَاعَة المَمات

أهمِسُ لها خبايا النفس

وأفكُّ لها أزرارَ الرّوح

دونَ خَجلٍ أو خَوفٍ

مِن أنْ يَرانا أحَد

أبحثُ عنّي في سطوِر الآن

بعدَ أن أتلفتُ كتبَ الأمس

واقتلَعتُ عَقارِبَ القلق

مِن أعشاشِ الغد

خارجَ قُطعَان الهُويّة

ودفاتِرها المُسيَّجة

بدِماء الإنتماء.

 

أبحثُ عن القَصيدة

وعَن الإله المَولود مِن أنثى

قبلَ خُروجِ ليليث مِن الجنّة

وتحوُّلِ الضلع إلى رَحم

والرّحم إلى لعنة!

أبحثُ عنّي في القَمر المُستدير

عندَ حلولِ الإله في عَذراء

وكيفَ على العودِ تعَالى واتّضَع

ثمّ نزِلَ إلى الجحيم

ليُطفئ لهيبَ الانتظار

ويرتَوي المَوتى

فوصلَ بصعوده ما انقطع

واستعادَ بجراحه الخَمسَة

حُلمَنا الطفولي

بالفردَوس المَفقود.

أعلمُ أنّي القَصيدة القَمر

وأنّي آرتميس

العَروس الّتي لا عَروسَ لها

وأعلمُ أنَّ حُرّاسَ السَّماء

ماثِلونَ لدَيها

الشيروبيم والسيرافيم

ذوي الأجنِحة الستّة

والعيونِ الكثيرة

مُحلّقين وطائرين

مع الأجرَام العُلويَّة

مُنشِدين وصَارِخين

هاتفين وقائلين

ليليث ليليتو لوليتا.

 

أبحثُ عن القَصيدة الفُلك

الحُبلى بالثنائيّات المُسافِرة

الّتي في إثرِها حَلّقت تيامَات

وكانت الوِلادة

بإجهاض الكائنات.

القوس الّذي في فُلكِه

تربَّعت مَثنى وثلاث

سَابحةً في فضاءِ الخُرافَة

وسْطَ قناديلَ نورانيّة خاطِفة

ومَخلوقاتٍ أسطوريّة

تشقُّ صَدرَ السَّماء

بأصواتٍ ناريّة

أشبَه بالصّاعِقة.

القوس اللّيل والليلكي

وجرحُ فمي

يلثمُ رؤوسَ سِهَام

سيبيل وسيلين

المُتهافِتة

المُرَصّعة بالنجوم.

أنا قوسُ آرتميس

والزّاحِفون في إثرِها

والمُهَلّلون لجبَروتها

والسَّاجِدون لخصوبَتها

مِن الرَّحم إلى الرَّحم

وما دونَه التراب

أنا أعنَاقُ الزّنابق السَّافرة

وانعكاسي في المَاء.

وأنا حِجَاباتُ سَالوميه السَّبعة

والحَمامتان العَاريتان من فضّة

على إيقاعِ الطبول

أشدو وأترنَّح

مُناشِدةً الأمَّ الأولى

غايا المُقدَّسَة

عَشتار القدِّيسَة العَاهِرة

على مَذبَحِها الكَريم

أرفعُ صَلاتي

واستدارَةُ القَمر

تُزنِّرُ رَأسي

عابِرةً بينَ عَوالِم

الجِنِّ والإنس

أتلو مَا بقيَ مِن أنشودَةِ

العَندَليب والمَاء.

أغامِر

أعَاقِرُ الليل

أقامِر

فهل للقصَائدَ مِن نِهايات؟

وهل نتركُ أختامَنا

عَالقةً مُعلّقة

على أوراقِ

الخَريف

الجَّافّة

المُتطايرَة؟

ولماذا لا نَكسِرُ الأقفال

ونتعَرَّى

مُفترِشين السَّحاب

على امتِداد سَواعِد الشجر

الفاغِرة

الضَّارِبة

جُذورَها في الأرضِ

والهَواء؟

وهل تتهَاوى القصَائدُ

مِثلَ قُلفَةٍ تجُفُّ

بَعدَ الخِتان؟

أم هَل نُصدِّقُ صُعَودَنا

بَعْدَ أفولِنا

في بُحورِ ما رَسَمَت أيدينا

مِن كلمَات؟

ثمَّة نبضٌ يَنسَلُّ مِنّا

معَ قُبلةِ القلَم

لسَطحِ القَمر

وسُطوعِ

حُروفنا

الأولى

حَارقة

وشَائكة

وشَاقّة.

جُرْحُ حُروفيَ المُشتعِلة المُتثائبة الكَسْلى

إيقاعُ نزوحي إلى قاعِ الرَّغبة

وبَراكينٌ تحتَ المَاء؛

أمْطِرني أيُّها الليلُ

بمَا لديكَ من كائنات

وتعالَ انهَمِرْ فوقَ دفاتري

مُجتاحاً سَماواتي الرَّماديّة النديَّة

جاعِلاً من عُيوني

مَرافِئ لبَواخرِ الشّتاء!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. Majd Hamsho

    تيامات ألهة المحيط وفوضى الخلق البدائية الّتي تعجّ بالأنوثة والجمال، تلك الّتي تحوّلت إلى تنين بحرٍ عملاق في مواجهة إله العواصف مردوخ. إنَّها رمز انهيار بنى النّظم الأنثويّة وصعود المجتمع الأبويّ.
    تبدأ الشّاعرة قصيدتها بالحيرة والبحث عن ملاذٍ ما وعن آخرٍ ما محمّلةً بألمٍ وجوديٍّ واقعيٍّ جرّاء الحروب البشريّة المُدمِّرة ثمّ توصّف واقعاً ما مقيّداً باللّقب وعبئه حالمةً بعالم بلا حدود وخالٍ من الجغرافيا.
    ومن جهة أخرى، نرى أنّ الكتابة العدميّة هي المسيّطرة على النّصّ وأنّ التّساؤلات الوجودية غير المتناهية لا تنفك عن الانهمار في دهاليز القصيدة أضف إلى أنّ الشّاعرة تحدّد حدثاً جللاً في القصيدة قادها للدّخول إلى بوابات جديدة وعوالم متفرعة فتشير الشّاعرة إلى ذلك: “تخترقني سحب أحدهم فأمضي لا مبالية لما حدث لسكينتي” ممّا حدى بها لتعبث بكلّ ما هو قابل للعبث، فتلعب لعبة التّبديل والتّغيير، وتمدُّ سلاح الشّكّ المنهجيّ إلى كلّ ما هو قابل للشّكّ، لكن الشّاعرة تتلوّى في أماكن أخرى وتفرش حزنها في ثنايا النّصّ؛ فلا ملاذ لها إلّا الكلمة والاستعارة من جهة، ومن جهة أخرى تعود للحيرة والتّساؤل باحثةً عن الآلهة الأنثى الّتي طُردت من التّاريخ المُعاد هيكلته بشكلٍ ممنهجٍ ليكون ذكريّاً بطرياركيّاً لا همسةَ فيه لصوت الأنثى الأمّ الأولى (رحمنا الأكبر).
    والجدير بالذّكر أنّ القفزة النّوعيّة الّتي نراها في القصيدة هي قتل المؤلِّف لنفسه دون انتظار قتله من الآخر؛ فالشّاعرة تصلب نفسها بنفسها، وتتساءل عن موتها في خبايا القصيدة، ثمّ تنتشي نفحات التّغيير وتحتضن الإنسانيّة برمّتها، فهي الباحثة عن نفسها في سطورٍ أتلفتها في الأمس وخرجت من صندوق الواقع الأليم لتتنفس الصّعداء بعيداً عن أصوات الماضي القابع داخلها.
    وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ المثيولوجيا واللّاهوت لا يفارقون الشّاعرة فتتماهى معهما دون هوادة؛ فهي آرتميس وسالوميه الّتي حطّمت الحجابات المرئيّة وغير المرئيّة وتارةً نراها تتطلّع لاحتضان غايا (الأمّ الأرض)، فنرى فسيفساء لاهو-مثيولوجيا في نصّها تجعلنا نسافر عبر الأسفار والأحقاب وندخل في متاهات الوجود وتساؤلاته الّتي لا تموت.
    وتودّعنا الشّاعرة في نهاية قصيدتها في امتزاجٍ مع الطّبيعة ومكوّناتها عبر مدّ سلاح الأمل والتّفاؤل ليصل عقر دارنا فتطلب من اللّيل أن يمطرها جاعلاً من عينيها مرافئ لبواخر الشّتاء.

أضف تعليق