“في رحابِ ما بعدِ الحداثة العربيَّة – فرقةُ مشروع ليلى أنموذجاً”

 

يتَّسم العالم الإنسانيُّ بسمة التَّغيُّر الحتميِّ والمُستمِر؛ فنحن لا نستحم بمياه النَّهر مرَّتين بل أنَّ مياهاً جديدةً تأتي من حولنا دائماً، كما يُؤكِّد الفيلسوف اليونانيُّ هيروقليطس. وممَّا تجدر الإشارة إليه أنَّ العالم العربيَّ – كجزءٍ من العالم الإنسانيِّ الأكبر- ليس بمنأى عن ذلك، ومن أهمِّ ريَّاح التَّغيُّر الَّتي تعصف بعالمنا الإنسانيِّ هم أولئك الَّذين يكسِّرونَ التَّابوهات باستمرار بشكلٍ لا هوادة فيه.

من هنا، سنُعرِّجُ على فرقةٍ موسيقيَّةٍ عربيَّةٍ تُدعى فرقة مشروع ليلى – كإحدى ريَّاح التَّغيير الَّتي تعصف بعالمنا العربيِّ في عشرينيَّات القرن الحادي والعشرين-  والَّتي تعدَّت مهمَة إنتاج الموسيقى لغاية الإمتاع، إلى تخديم كلماتها للتَّعبير عن القضايا الإنسانيَّة الكبرى وللولوج إلى دهاليز ما هو مُحرَّم ومسكوت عنه في الثَّقافة العربيَّة.

لقد ظهرتْ الفرقة عام 2008م في الجامعة الأمريكيَّة في بيروت من خلال حفلاتٍ كانتْ تُقام من قِبل طلَّاب الجامعة، فكانت مشروعاً لليلةٍ واحدةٍ تحت مُسمَّى “مشروع ليلة” ثمَّ تحوَّل الاسم إلى مشروع ليلى؛ ولهذه التَّسميَّة دواعي عديدة من ضمنها الدَّلالات الَّتي يحملها اسم “ليلى” في الثَّقافة العربيَّة، فهي المحبوبة الَّتي تغنَّى بها “قيس بن المُلوَّح” على سبيل المثال كما أدلتْ الفرقة في إحدى مقابلاتها التِّلفزيونيَّة.

والجدير بالذِّكر أنَّ الفرقة في بداياتها اعتمدت على التَّمويل الذَّاتيِّ لأغنياتها، وفيما بعد تطوَّرت وأصبحت ذائعة الصِّيت على المستوى العربيِّ والعالميِّ، ووصلت إلى أهمّ المسارح العالميَّة، أضف إلى أنَّ مسيرتهم لم تكن سهلة على الإطلاق بل كانت محفوفة بالمخاطر والعراقيل، فقد واجهتهم –ومازالت تواجههم- صعوباتٍ عديدةٍ في العالم العربيِّ؛ حيث أُلغيتْ، على سبيل المثال، العديد من حفلاتها في مصر والأردن بحجّة أنَّ موضوعاتها تتعارض مع عادات وتقاليد المُجتمَعين آنفي الذِّكر.

أضف إلى تناول أغنياتها لموضوعاتٍ غير مُعلَن عنها في السَّاحة العربيَّة كحقوق الإنسان، وحقوق مجتمعات الميم LGBTQI، وقضايا المرأة، وحيازة السِّلاح في المجتمع العربيِّ، والطَّبقيَّة، وقضايا التَّنوُّع الجنسيِّ والجندر (النَّوع الاجتماعيِّ) والمثليَّة الجنسيِّة وغيرها، واتَّسم تناولها لهذه الموضوعات بالغرابة والغموض وقوَّة التَّحرُّر والتَّخلُّص من المعايير والقواعد السَّابقة (انظر: حمداوي، 2012م، ص 108-110)، وهذه السِّمات خاصَّةٌ بتيار ما بعد الحداثة، وسنحاول في هذا المقال أن نسلِّط الضَّوء على أغنيتين من أغنيات الفرقة، واللتين تتحدَّثان بشكلٍ صريح عن قضيتي النِّسويَّة والمثليَّة الجنسيَّة.

ومن هنا، يظهر اهتمام الفرقة بالقضايا النِّسويَّة في العديد من الأغنيات ومن أهمِّها أغنية “رومان“، الَّتي يُعرَض فيها لنسوة من مختلف الشَّرائح الاجتماعيَّة يمثِّلن حركات ورقصات معيَّنة، وتحمل هذه الحركات والرَّقصات في ثناياها دلالاتٍ غامضة ومتنوِّعة تتأرجح بين لوم الضَّحية الأنثى، إلى النَّظرة المُختلِفة لكلِّ امرأةٍ خارجةٍ عن السِّرب وتوصيمها بالعهر والفسق، ثُمَّ تنتقل الفرقة من التَّشخيص إلى العلاج، ويظهر ذلك جلياً عِبر الرَّقصات الَّتي تُوحِّد بين النِّسوة المختلفات وعِبر اتِّخاذ الثَّورة على الواقع كأداةٍ للتَّغيير، إضافة إلى أنَّ الأغنيَّة تعرِّج إلى قضية تسليع المرأة وتشييئها، وفي ذلك نذكر من كلمات الأغنيّة:

“خلِّي الوقت اللِّي عطيته لك.

واقتل النَّفس الَّتي كنتها لك.

بسّ قبل ما تقبرني.

قلُ لي شو كان سعري؟!

عليهم، عليهم، عليهم، عليهم”.

أمّا فيما يخصُّ المثليَّة الجنسيَّة وشيوعها في أغنيات الفرقة، فيمكن القول إنَّ أغنيات الفرقة حول المثليَّة الجنسيَّة كانت عديدة ومتنوِّعة، ومن أهمّها أغنية “طيف  Ghost الَّتي تطرَّقت لحادثة اعتقال السُّلطات اللُّبنانيَّة لمجموعة من المثليِّين في إحدى الحانات اللَّيليَّة الَّتي تُسمَّى ب Ghost Bar؛ حيث يُلاحَظ في مطلع الأغنية تأثُّر المُغنِّي وحزنه على ما جرى، فنجده يُشارك الطَّبيعة والشَّارع من حوله آلامه ومعاناته، فيقول في مَطْلَع الأغنية:

“غنَّيت مع كورس أشباح تحت رصاص مدينتي

والدَّبكات رقصتها تحت إشارة السَّير

لأنتشيت ع الكهربا من أنخاع العمود

وصبَّيت دموع النُّيون ع سواد العيون

ثُمَّ يصف حادثة اعتقال المثليِّين في الحانة من قِبل السُّلطات، فيقول:

والطَّرابيش خدونا ع الحبوس عشان يخصونا ويعملوا أوسام

وفيما بعد تعيدنا الأغنية إلى الماضي عِبر مبضع المُغنِّي/ المُثقَّف “حامد سنو” الَّذي يُحفِّر أركيولوجيَّاً في عمق الماضي – على حدِّ تعبير عالم الاجتماع الفرنسيِّ ميشيل فوكو- ليُظهِر ما هو مكبوت في عمق الثَّقافة العربيَّة، ويجعله يطفو على السَّطح دون مواربة؛ فالتَّاريخ العربيُّ مليءٌ بأناسٍ بحثوا في المثليَّة الجنسيَّة أمثال أبو النَّواس، والصُّميريِّ، والنِّفزاويِّ، والتِّيفاشيِّ وغيرهم (انظر: بن سلامة، 2005م، ص 18) إلّا أن هنالك إعادة هيكليَّة أندروجينيَّة أحاديَّة الجانب للواقع العربيِّ من خلال إقصاء كلِّ التَّنوعات الأخرى الَّتي لا تتناسب مع ثنائيَّة الأسطورة التَّوارتيَّة “ذكر/ أنثى”، وهذا الإقصاء مُهيّكلٌ وممنّهجٌ لإرساء دعائمِ البطرياركيَّات الذُّكوريَّة الأبويَّة على مرِّ العصور، ومن هنا يعبِّر المُغنِّي بشكل لا مواربة فيه عن ذلك، فيقول:

وقضيت عمري مع حقِّي مرهون لأحاسيسك

ونمحيت من كتب التَّاريخ كأنَّها تاريخك

بأوراقنا ترجمنالن أبيات سافو وأبو نواس بلسان الآهات

وهكذا من خلال العرض المُوجَز والمُنتقَى لقضيتين من القضايا الَّتي تبحث فيها الفرقة – مع التَّأكيد على تنوُّع موضوعات الفرقة وعدم حصرها في هاتين القضيتين على وجه التَّحديد- وتحليلها في عينةٍ من أغنياتها نرى أنَّ موضوعات ما بعد الحداثة مُتجسِّدة في كتابات الفرقة، كما يُمكِن تلمُّس سِمة الفوضى الَّتي تسم مرحلة ما بعد الحداثة في كتابات الفرقة من خلال التَّنوُّع والغرابة الموجودين في كتاباتهما.

وفي الختام نؤكِّد أنَّه لمن الصَّعب تغيير العادات والتَّقاليد والبنى الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة بشكلٍ سريعٍ فهي بحاجة إلى تأنٍّ ومراس، إلَّا أنَّ وجود قفزات نوعيَّة تُكسِّر الحواجز المُتمهِّلة أمثال فرقة مشروع ليلى يُساهِم في تسريع التَّغيير على مستوى البُنى الذِّهنيَّة والفكريَّة للأفراد في المجتمع العربيِّ؛ فكسر التَّابوهات ليس بالأمر اليسير على الإطلاق، والتَّاريخ يُعلِّمنا أنَّ كسر المألوف هو مهمة العباقرة والعظماء وحدهم.

*******

المراجع:

  • بن سلامة، رجاء، (2005م): “بنيان الفحولة أبحاث في المذكَّر والمؤنَّث“، ط1، بترا للنَّشر والتَّوزيع، دمشق.
  • حمداوي، جميل، (2012م): “نظريَّات علم الاجتماع“، شبكة الألوكة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق