فلسفة المعنى عند الفيلسوف ناصيف نصّار*

من النادر أن تجد بين أعلام الفلسفة العربية المعاصرة، علماً مسكوناً “بفعل التفلسف”، قادراً على “إبداع المفاهيم”، فليست مهمة الفيلسوف معرفة “المبادئ الأولى”، “ذلك التعريف الإغريقي الأرسطي الذي لم تزحزحه أعتى ثورات العقل وانعطافاته الكبرى”[1]؛ بل عليه أن يكون مبتكراً. يقف ناصيف نصّارمبدع المفاهيم“، في ذروة الإبداع الفلسفي؛ فتراه اليوم وبعد مرور عقود على “جهاده الفكري” في التأليف والتنظير الفلسفيين، أكثر توهجاً، بـــامتلاكه ـ”عقلاً سجالياً/ نقدياً صارماً“، لا يخذله الزمن، بل يضفي عليه إشعاعاً وقوةً وتفاؤلاً وسعادة غامرة.

يمكن طرح ثلاثة مسارات حددت أعمال الفيلسوف ناصيف نصّار، الذي جمع بين الفلسفة والاجتماع، بدءاً من أطروحته للدكتوراه “الفكر الواقعي عند ابن خلدون” (La Pensée Réaliste d’Idn Khaldun)[2] وحتى كتابه الأخير “النور والمعنى: تأملات على ضفاف الأمل“؛ المسار الأول: التنظير الاجتماعي الفلسفي أو مقاربة الإشكاليات الاجتماعية والسياسية من زاوية البناء الفلسفي، خصوصاً في كتاباته عن ابن خلدون والنقد السوسيولوجي للمجتمع الطائفي، كما تبدى في “نحو مجتمع جديد” و”منطق السلطة: مدخل إلى فلسفة الأمر” و”باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل” و”مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ“؛ المسار الثاني: التأسيس لشروط الاستقلال الفلسفي والنهضة العربية الثانية في سفره “طريق الاستقلال الفلسفي: سبيل الفكر العربي إلى الحرية والإبداع“، وقد حرص فيه على “الوعي بدور الفعل الفلسفي”[3]، واضعاً ثلاثة شروط للاستقلال الفلسفي: الأول: رفض الانتماء إلى أي مذهب فلسفي، الثاني: تعيين المشكلة الرئيسة وتحديد طريقة معالجتها مع مشكلات رئيسة أخرى ومع المشكلات الفرعية الواقعة تحتها؛ والثالث: النقد، “فالنقد الفلسفي”، وعلى الأخص نقد النظريات الفلسفية، فن عزيز المذهب، صعب المسالك، يضاف إليه النقد المنطقي والنقد التاريخي الحضاري[4]. إن الاستقلال الفلسفي عنده “ليس رفضاً لتاريخ الفلسفة ولكنه رفض للتبعية المذهبية الاغترابية واستيعاب نقدي للأفكار والنظريات التي تكونت تباعاً فيها”[5]، معتبراً أن “فعل التفلسف هو النظر في الوجود الإنساني من حيث هو وجود تاريخي”[6]. أما المسار الثالث: التأسيس لـــ”فلسفة الوجود التاريخي وفلسفة المعنى” في “الذات والحضور: بحث في مبادئ الوجود التاريخي[7]، و”النور والمعنى تأملات على ضفاف الأمل”[8].

تهدف هذه الورقة إلى الإضاءة على “فلسفة المعنى عند الفيلسوف ناصيف نصّار“، فتحاول إبراز مراتبها ومبادئها، مع السعي إلى تبيان أهم أفكاره الفلسفية، رداً على أطروحات “ما بعد الحداثة” وتحديداً ما اصطلح على تسميتهم بفلاسفة النهايات؛ والتي اتضحت بشكل أعمق في تنظيره حول “الحقيقة الميتافيزيقية“.

  • المعنى في اللغة

يحتل المعنى مكانة أساسية في كثير من المباحث المهتمة باللغة، وذلك مهما تكن الأطر النظرية التي يندرج ضمنها هذا الاهتمام، من فلسفة اللغة ولسانيات ومنطق وعلوم عرفانية. وقد يكون مرد هذا الاهتمام أن معنى الأقوال اللغوية هو أسّ تخاطب البشر، فكل قول يفيد معنى، على أن حدود ذلك المعنى قد تكون موضوع اختلاف. فالقول الواحد قد يسند إليه أكثر من معنى مما ولّد إمكان الحديث عن الاشتراك وعن سوء الفهم وتعدد المعاني والتأويل (…) يُقال إن “المعنى هو ما يرتسم في ذهن المتكلم أو السامع من صور وأفكار يُحيل عليها القول”[9]. إن التعريف بالمعنى ودلالاته وأنساقه، يعتبر مسألة معقدة وصعبة، “فشعور الناس بمعرفتهم لمعنى كلمة “معنى” دون القدرة على تعريفها يذكرنا بما قاله القديس أوغسطين من أنه يعرف معنى الزمن بينما يعسر عليه التعريف به إن سُئِّل ذلك”[10].

يرد في لسان العرب “ومعنى كل شيء: مِحْنتُه وحاله التي يصير إليها أمره. وروى الأزهري عن أحمد بن يحيى قال: المعنى والتفسير والتأويل واحدٌ. وعَنَيْتُ بالقول كذا: أردت. ومعنى كل كلام ومعناتُه ومَعنِيَّته: مقصده، والاسم العناء. يعرف معجم كامبردج الفلسفي المعنى بقوله “المعنى هو المغزى الاصطلاحي العام والمعياري لعبارة أو جملة في لغة ما، وقد يكون المعنى لرمز غير لساني، كما من علامات المرور ومعانيها المختلفة”[11]. إن جذر كلمة “معنى” بالعربية أتى من الفعل الرباعي عانى: عانى الشيء ومنها المعاناة، وأظن أن اقتران كلمة المعنى بالمحنة “محنته وحاله”، إنما يدل على المعاناة العقلية، ليس بالفهم السلبي، إنما مما يعانيه الإنسان المفكر من ألم ومخاض عقلي لإخراج المعاني وفهم العالم. طبعاً، لا معرفة عندي بفلسفة اللغة وفقهها، ولكن من المفيد الإشارة إلى دالٍ من دلالات “المعنى” لغوياً ولسانياً، وقد وضعت في هذا المجال كتب كثيرة نذكر منها كتاب الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو (Umberto Eco) (1932-2016) (Sémiotique et Philosophie du Langage)[12].

إن المعنى الذي يرمي إليه صاحب “الإشارات والمسالك من إيوان ابن رشد إلى رحاب العلمانية” هو التصور الفلسفي حول المراتب والمبادئ التي تخص مسألة معنى الحياة في عالم الإنسان، المسكون بالأمل، والذي يمر اليوم بعصر من الاضطرابات الذي ينعكس على عوالمه ودواخله، في ضوء الطلب الوجودي والعقلي الملحيين، على ضرورة أن تساعد الفلسفة، الإنسان على الخروج من العبثية والعدمية والإفراط في رفع “مقولات الأفول والنهايات”، التي بشر بها بعض أقطاب فلاسفة ما بعد الحداثة وعلى رأسهم فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche) (1844-1900)، إلى جانب اهتمام نصّار بمعاناة الذات وإشراكها في الآخر والإنسانية، وقد اتضح ذلك بأبهى صوره في مفهومين فلسفيين أساسيين عنده: “الوجود بالمعيّة” و”التفردن“.

  • من فلسفة الوجود التاريخي إلى فلسفة المعنى

ذكّرنا “النور والمعنى: تأملات على ضفاف الأمل” بكتاب الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل (Viktor Frankl) (1905-1997) “الإنسان يبحث عن المعنى[13]، الذي تميز بطابعه التجريبي القاسي الناتج عن محنته داخل المعتقل الذي عانى منه مع العديد من السجناء من الذين درسهم، فأسس للعلاج بالمعنى من الزاوية النفسية أو العلاج النفسي الوجودي.

ومع اختلاف النظريات والنتائج بين علم النفس والفلسفة في فهم معاناة الإنسان، المعاني في العالم، وإن لاحظنا تقاطعات بينهما لجهة البُعد الإنقاذي، فإن “فلسفة المعنى” التي أسس لها نصّار ترتكز بالدرجة الأولى على “الاعتناء بفلسفة المعنى من داخل مقتضيات الوجود التاريخي، بلا تردد في توظيف مفهوم التأمل توظيفاً جديداً”[14] وقد عمل في كتابه على أربعة تأملات: التأمل الأول: الفرد ومسألة المعنى، التأمل الثاني: المجتمع ومسألة المعنى، التأمل الثالث: البشرية ومسألة المعنى، التأمل الرابع: المعنى والأفق الميتافيزيقي. يمكن القول: إن النص على امتداد صفحاته شكل بنياناً متراصاً تميز بدقة التعبير والتوظيف وبلغة مفتوحة على المعاني، لغة أصيلة/ حديثة.

من الصعب تجاوز “الذات والحضور: بحث في مبادئ الوجود التاريخي” إذا تطرقنا إلى “فلسفة المعنى” عند نصّار، فالكتاب الأول يهدف إلى إثبات حضور الذات، وكيف تصنع الذات هويتها وماهيتها، وعلى حد تعبير محمد المصباحي: “إذا ترجمنا هذه الغاية بلغة أرسطية، أي إذا ترجمنا الحضور بالفعل، أو بالخروج من القوة إلى الفعل، فإنه يحق لنا أن نقول: إن موضوع الكتاب هو النظر في إخراج الذات لنفسها من القوة إلى الفعل”[15].

يتحدث نصّار في كتابه “الذات والحضور” عن “الكائن الذاتي” المنخرط في الوجود فـــ”الكائن الذاتي لا يعيش حضوراً مكتفياً بذاته، لأنه كائن زمني طالب (…) والكائن الذاتي لا يملك طبيعة مكتملة ومنغلقة على نفسها، بل طبيعة منفتحة من داخلها على الانبناء بأفعالها”[16]. واستكمالاً لتنظيره الفلسفي ينظر نصّار إلى الإنسان في كتابه “النور والمعنى” على أنه “كائن في العالم“، “كائن مهموم” أي كائن يسكنه الهم في يومياته ويدفعه دوماً إلى خارج ذاته، وهو كائن متناهٍ، أي كائن نحو الموت، وخلفية هذا كله أنه كائن زمني، محكوم بالتزمّن والاشتراط التاريخي. وقبل هذا كله وبعده، أنه كائن يسأل عن كائنيته المعطاة هكذا، وعن الأفق الكياني المحيط بكينونته، ولا يجد سبيلاً للإجابة عن سؤال إلاّ بالرجوع إلى الكينونة وحقيقة الكينونة”[17].

إن حضور “الآخر” شكل أحد أسس “فلسفة الوجود التاريخي” عند نصّار، فالوعي “ليس كياناً منفصلاً عن الذات، وإنما هو الذات عينها في حال اليقظة وفاعلية الشعور بوجودها”. ومع ذلك، فإن “وحدة الحضور ليست كاملة ومطلقة، لأن الرائي لا يتطابق تطابقاً مطلقاً مع المرئي (…) على هذا النحو تعيش الذات حال الها – أنا – ذا بينها وبين ذاتها” وعلى الرغم من ذلك فـــ”الحضور إلى الآخر تجربة وجودية، مصاحبة لتجربة الحضور إلى الذات”[18]. في مقابل القراءة النصارية يطرح هيغل (Hegel) (1770-1831) قراءة موازية أو مضادة –إذا جاز التعبير- فيقول في “فينومينولوجيا الروح“: “إن لمواجهة الآخر أهمية مزدوجة بالنسبة للوعي الذاتي، فهو –أولاً- يفقد ذاته لأنه يجدها في كائن آخر، وهو –ثانياً- يحل محل الآخر إذ لا يرى فيه كائناً جوهرياً مختلفاً عنه بل يرى ذاته في الآخر”[19]. نظر الفيلسوف الألماني العظيم إلى نشوء الذات بوصفها وعياً ذاتياً يقع ضمن صيرورة عملية الاعتراف وفي خضم العلاقة سيد/ خادم، معتبراً أن الوعي الذاتي الأول لا يستطيع أن يتمتع بتأثير أحادي على الوعي الذاتي الآخر، بما أنهما كليهما متشابهان بنيوياً، فإن فعل أحدهما يتضمن فعل الآخر. يوجد الآخر عند هيغل في الخارج دائماً، على الأقل هو يوجد –أولاً- في الخارج ولا يُعترف به مكوِّناً للذات إلاّ فيما بعد. ترد الفيلسوفة الأميركية جوديت بتلر (Judith Butler) في “الذات تصف نفسها” على هيغل وتستعين بالمفكرة الإيطالية أدريانا كافاريرو (Adriana Cavarero) التي تساجل الطرح الهيغلي فتقول: إن الذات ليست عالماً مغلقاً على النفس، ذاتاً أنانوية، أنا موجودة بمعنى مهم بالنسبة لك، وبفضل وجودك. إذا كنتُ قد خسرتُ شروط المخاطبة، وإذا لم يكن لدي أنت أخاطبه، إذاً فقد خسرت نفسي. ولا يمكن -بحسب كافاريرو- للمرء أن يسرد سيرته الذاتية إلاّ لشخص آخر، ولا يمكن للمرء الإحالة على “الأنا” إلاّ في علاقة مع “أنت”: دونما أنت تصبح قصتي مستحلية[20].

اهتم العديد من الفلاسفة وعلماء النفس في الغرب بالذات في أبعادها الوجودية والنفسية، من بينهم تيودور أدورنو (Theodor W. Adorno) (1903-1969) وإيمانوئيل ليفيناس (Emmanuel Levinas) (1906-1995) وجان لابلانش (Jean Laplanche) (1924-2012). رأت بعض الخلاصات الفلسفية أن الآخر يشكل حضوراً مزعجاً ومقلقاً للذات، وهنا نتساءل: كيف بإمكان الذات/ الأنا أن تبني حضورها ونفسها دون النظر إلى الآخر/ الأنت؟ ألا تُعد العزلة عن العالم وعن الآخرين بوصفهم أنوات تشكل أناي خياراً عقابياً للذات الساعية لملاقاة الآخر حتى في اختلائها؟ أجدني هنا أستحضر خلاصة جوديت بتلر حين تعتبر: “أن الانحلال في الآخر ضرورة أولية، نكدٌ بالتأكيد، لكنه فرصة أيضاً، فرصة أن أكون مخاطبة، مطلوبة، مرتبطة بما هو ليس أنا، لكني أجد أيضاً من يحركني، يدفعني إلى الفعل، وإلى أن أخاطب نفسي، في مكان آخر، وبالتالي أن أخلي الـ”أنا” المكتفية بذاتها اكتفاء امتلاك”[21].

وتطويراً لمفهوم الاختلاء مع “الذات المفكرة” أو “الذات المتأملة” الحاضرة في العالم حضور امتلاء، تقدم حنة آرنت (Hannah Arendt) (1906-1975) في كتابها “المسؤولية والحكم” (Responsibility and Judgment)[22] مطالعة فلسفية طليعية تقول: “يتجلى ويتحقق مفهوم أن أكون مع نفسي وأحكم عليها عبر عمليات التفكير، وكل واحدة من تلك العمليات نشاط أتحدث فيه مع ذاتي بخصوص أي شيء يقلقني. سوف أطلق على نمط الوجود هذا والذي هو حاضر في الحوار الصامت عن نفسي ومعها بـــ”الاختلاء“. إذاً الاختلاء أكبر من أنماط الانفراد الأخرى ويختلف عنها، خصوصاً فيما يتعلق بــ”الوحدة والعزلة”. معنى الاختلاء أنه بالرغم من انفرادي فإني برفقة آخر (أي ذاتي)، بمعنى أنني اثنان في واحد. لا تحتويان (الوحدة والعزلة) على هذا الانشقاق، هذه الثنائية الداخلية التي يمكنني فيها توجيه أسئلة لذاتي وتلقي الإجابات. يمكن أن يُقاطع الاختلاء كما التفكير، وهو النشاط المتوافق معه، إما بمخاطبة أحدهم لي، أو حين القيام بفعل آخر، أو بالإنهاك التام. في أي من تلك الأحوال، يؤول الثنائي الذي كنته إلى واحدة مجدداً من خلال التفكير. أي في حال مخاطبة أحدهم لي فإنه علي التحدث معه، وليس مع ذاتي، وفي الحديث معه أتغير، أصير واحدة، مالكة بالطبع وعياً ذاتياً، أي إدراكاً، بيد أني لم أعد أمتلك ذاتي بشكل تعبيري وكامل. إذا تمت مخاطبتي من قبل شخص واحد، وإذا فقط كما يحدث أحياناً، بدأنا بالحديث في صيغة حوار يخص الأمور نفسها التي كانت مقلقة لكلينا حين كنا لا نزال في الاختلاء عندها يكون كأني أخاطب نفساً أخرى، التي عرفها أرسطو بالصديق”[23].

اعتمد نصّار في “النور المعنى” على مناهج عدة: الجدل والتحليل والتأويل، وتعدد مقارباته “جعلت ممارسته الفلسفة تجمع بين الهدم والتشييد، بين انتقاد الأفكار وتوليدها وتحليلها وبعث الروح فيها والربط بينها والبرهنة على خلاصاتها”[24]. لقد ظهرت منهجية انتقاد الأفكار وتوليدها وتحليلها عندما ناقش أفكار عدد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع من بينهم: كارل بوبر، هيغل، زيغمونت بومان، نيتشه، ريتشارد تايلور، هايدغر.

يركز نصّار في تنظيره الفلسفي حول “أنا أحيا” على “الوجود بالمعيّة” انطلاقاً من معنى العيش مع الآخر لفهم الذات المتكونة/ المتكورة فـــ”الفرد الفريد يبني هويته وفرادته وهو محكوم بالوجود بالمعيّة”. تأتي “فلسفة المعيّة” هنا رداً على بعض وجهات النظر الغربية التي تعلي من الفردانية والأنانوية على حساب الكائن البشري/ العاقل والفردي والمتشكل مع الجماعة الذي يبني عبرها وعبر مسالكه العقلية والذاتية، هويته، كالمرآة المنعكسة في الجماعة والعاكسة لها. إن حقيقة “أنا أحيا” عند فيلسوفنا جزء من حقيقة أوسع تقول: “نحن نحيا معاً”، وهنا يخلص إلى أن “كل شخص بشري يحيا كـ(أنا) ولكنه لا يحيا على هذا النحو إلاّ مع أنوات أخرى، أياً كانت المسافة أو العلاقة، بينه وبينها. وبالطبع، فإن من حق كل شخص بشري أن يعطي تشكل الحياة كـ(أنا) أقصى إمكانيات التحقق العيني. ولكن ليس في وسعه أن يلغي المنطق التعددي والعلائقي لهذا الشكل، بما فيه من تواصل وتشارك وتبادل”[25].

تأتي خلاصة نصّار رداً على بعض الاتجاهات الفلسفية المعاصرة التي تُعلي من شأن الفردانية والأنانية على حساب التواصل الحي والبقائي والوجودي مع الآخر. ولا ريب أن التحولات التي تنتجها المجتمعات الاستهلاكية والطفرات المخيفة للتكنولوجيا تركت وتترك تأثيرات هائلة في علاقة الفرد مع ذاته ومع الجماعة، خصوصاً على مستوى الانتماءات الصغرى والكبرى والروابط التضامنية والاجتماعية التراحمية. قد ترعبنا النتائج التي وصل إليها زيغمونت بومان (Zygmunt Bauman) (1925-2017) في سلسلة كتبه عن السيولة، تحديداً “الحياة السائلة” و”الحب السائل[26]. نبّهنا عالم الاجتماع البولندي البريطاني إلى مخاطر الفردانية الموحشة وتبعات “اللايقين” الذي يلف حياة الأفراد في ضوء تضاؤل القيم الأخلاقية وصقيع المشاعر إزاء المآسي البشرية.

عاين نصار مخاطر هذا التشظي في نقاشه لكتاب الفيلسوف النمساوي البريطاني كارل بوبر (Karl Popper) “المجتمع المفتوح وأعداؤه[27]، منتقداً التصور الفرداني، ومشدداً على المخاطر الكامنة في جدلية الديمقراطية والفردانية التي يختص بها المجتمع المفتوح، فرأى أنه “كلما جرى التركيز على الديمقراطية وحدها، دفاعاً عن المجتمع المفتوح، كلما خسر هذا الأخير من أسباب وحدته وقوته ومنعته، وأفسح في المجال لطغيان الفردانية الأنانية وعواقبها المشؤومة”. ويلفت صاحب “مقالة في الوجود” إلى أن بوبر ألمح إلى هذا الإمكان “بل وأشار إلى ظواهر متحققة منه في المجتمع الحديث، فقال، في الفصل العاشر من “المجتمع المفتوح وأعداؤه”: إن المجتمع المفتوح معرض، بفعل فقدان الطابع العضوي، للسير تدريجياً نحو ما يمكن تسميته “المجتمع المجرد“، أي إنه معرض للتوقف على أن يكون “تجمعاً حقيقياً لأفراد“. ففي المجتمع المجرد، الناس يتلاقون، ولا يتعارفون. يتعاملون في ما بينهم بواسطة البطاقات والأرقام والوسائل الآلية المختلفة، وقلما يقيمون علاقات تواصل وتفاهم وتعاون مباشرة، حميمة، حسية وحارة”.[28]

مقابل “الفردانية المتطرفة[29] يجترح نصّار مفهوم “التفردن”، فماذا يعني به؟ “التفردن البشري عملية تجري في التاريخ الاجتماعي للإنسان بفعل الشعور بالهوية الخاصة للفرد والحرص على خصوصيته وإرادة التميز عن الآخرين. إنه مسار مفتوح، ولكن ليس على خط مستقيم ووتيرة واحدة، مسار متعرج متشعب متدرج، متباطئ حيناً ومتسارع حيناً آخر، ومحوره العام إنما هو استقلالية الفرد بالنسبة للآخرين الذين يعيش معهم ولا يمكنه إلاّ أن يعيش معهم (…) فالقضية –إذن- هي قضية تحقيق استقلاليته على القاعدة الجدلية التفاعلية الحاكمة لوجوده مع الآخرين، وليس على قاعدة المبدأ الفرداني المطلق”[30].

من بين القضايا الجوهرية التي يطرحها نصّار في تأملاته عن المعنى: “البشرية ومسألة المعنى” (وهو التأمل الثالث) حيث يضعنا أمام أسئلة فلسفية كبرى: ماذا تعني البشرية، وكيف تواجه مسألة المعنى في هذا العصر؟ ما العوامل الرئيسة التي تحمل البشرية على البحث عن معنى لحياتها؟ هل المعنى المنشود لتاريخ البشرية كامن بكليته في طبيعتها؟ كيف يمكن توظيف هذه أو تلك من الرؤى المتكونة قبل الطور الراهن من تاريخ البشرية حول معنى الحياة والتاريخ في البحث المستجد عن البشرية ومعنى التاريخ؟ مع تشديده على ضرورة وحدة البشرية يرى نصار أن ثمة ظاهرتين “تشتغلان معاً لتوليد وحدة البشرية: روابط الحضارة المادية؛ والوعي الأنثروبولوجي المشترك، وهما تفرضان إرادة تحقيق الإنسان التي اضطلعت بها “الحركة الإنسانوية”.

يقترح نصّار مفهوم “الإنسان الكامل” مقابل الإنسان الأعلى (المتفوق) الذي بناه نيتشه، والإنسان الكامل عنده: هو الإنسان الذي تفتحت قدراته الاختراقية/ التجاوزية، في انشداده إلى القيم الكونية العليا، تفتحاً تاماً ومتناسقاً، فنال من الخير الأقصى المتناسب مع تلك القدرات”[31]. يأتي ذلك في إطار الرد على التعظيم المفرط للتفوق المرتبط بمنظومة العلوم والصناعة والتكنولوجيا، والتي وجدت جذورها في فلسفة القوة عند نيتشه.

يبحث نصّار في الصلات بين المعنى والميتافيزيقا[32] تحت ثلاثة عناوين: خصائص الأفق الميتافيزيقي، الأفق الميتافيزيقي والعدم، والأفق الميتافيزيقي والمطلق. في التأمل الأخير ينتقل إلى المستوى الأعلى في التنظير الفلسفي لناحية الأفكار التي عالجها والتي تتدرج من “الكائن الذاتي” والكائن بالمعيّة إلى الكائن الكامل الموجود في الكون.

يضعنا نصّار في قلب الأسئلة الفلسفية الميتافيزيقية الكبرى عن الوجود والعدم في تأمله الرابع، فيعود إلى هيغل وإلى رؤيته حول الوجود بوصفه “وجوداً محضاً” وإلى عده “العدم هو التعريف الآخر للمطلق”[33]، دون أن يتفق معه في تفسيره الفلسفي لمسألة العدم، إلى أن ينتهي به المطاف بعد نقاش معمق للعدم وأشكاله في الوجود والفكر والشعور، إلى ما يطلق عليه “الحقيقة الميتافيزيقية” القائلة: “وراء عملية العدمنة في الوجود الإنساني، وهي أن أصلها، خلافاً لما توحي به أطروحة عبثية الحياة، إنما هو إرادة الحياة المتسامية نحو القيم الأساسية العليا من أجل تحقيق الإنسان الكامل[34]. يرى نصّار أن “ثمة روحاً في الكون والعقل ملكة من ملكاته”، فيتحدث عن الطاقة الكونية والطاقة الفيزيائية والروح في الكون، دون أن يحدد لنا بشكل أكثر تفصيلاً ما الذي يقصده بروح الكون: هل هو الله؟ إله الفلاسفة، أي الله خالق الكون وواجب الوجود (أي إن وجوده ثابت بالضرورة العقلية)؟ أم إله الفيزيائيين؟ أم إله الديانات؟

  • فلسفة المعنى وفلاسفة النهايات

إن القراءة الهادئة لكتاب نصار “النور والمعنى” تبين أن فيلسوفنا كرس أحد انشغالاته الفلسفية بنقد النظريات المؤسسة لفلسفة ما بعد الحداثة[35]، تحديداً ما يرتبط بــ”زمن النهايات” وموت الإنسان وموت الله وسقوط السرديات الكبرى؛ وقد عبرت مقالة الفيلسوف والناقد الأدبي الفرنسي رولان بارت (Roland Barthes) (1915-1980) المعروفة بــ”موت المؤلف” (La Mort de L’auteur)، عن المناخ الفكري العام لمرحلة ما بعد الحداثة، التي شاعت فيها فكرة الموت والنهايات، والتي أصبحت فكرة حاضرة باستمرار في فلسفات النصف الثاني من القرن العشرين، على نحو يعكس حالة من فقدان الثقة في المقولات الرئيسة التي تأسست عليها الحداثة. أخذ هذا المنحنى بالظهور بشكل بارز في الفكر الغربي في البداية لدى فردريك نيتشه الذي أعلن عن “موت الإله” وهو تعبير قصد به نيتشه التعبير عن تهاوي الدين وأفوله في الواقع الأوروبي الحديث، ونجد أيضاً الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر يعلن نهاية الميتافيزيقا، كما يعلن ميشال فوكو عن “نهاية الإنسان” والذي تبعه “نهاية الفلسفة النسقية” لدى عالم الاجتماع الفرنسي جان فرانسوا ليوتار (Jean-François Lyotard)[36].

وجّه نصّار سهام النقد للأفكار الفلسفية ما بعد الحداثية المبشرة بموت الله وموت الإنسان وانسداد الأفق، مستنداً إلى الإرث العقلاني الحداثي؛ وإذا أردنا أن نحدد هدفاً من أهداف مشروعه في “فلسفة المعنى”، فهو الدعوة إلى تصحيح مشروع الحداثة الذي لم يكتمل بعد. وبمقدورنا القول: إن فيلسوفنا يوافق الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) المنتمي إلى مدرسة فرانكفورت بشأن تصحيح مسار الحداثة و”أن هذا التصحيح لا يستدعي أبداً تقويض المشروع الحداثي المبني على الأسس العقلانية”[37].

يمكن التمييز بين رأيين متعارضين في ما يتعلق بالحداثة: الأول يرى أن “حركة ما بعد الحداثة تنتهج نهجاً ينفي الحداثة ويعلن رفضه لكل أسسها ومبادئها”؛ والثاني يرى أن ما بعد الحداثة نوع خاص من التأزم داخل حركة الحداثة. فحجم الاستمرار هو أكثر بكثير من حجم الاختلاف بين التاريخ الممتد للحداثة والحركة المسماة ما بعد الحداثة؟ ويمثل الرأي الأول الناقد الأدبي البريطاني تيري إيجلتون (Terry Eagleton) والأميركي فريدريك جيمسون (Fredric Jameson)؛ أما الثاني فيمثله ليوتار ودولوز وفوكو. الرأي الأول يستند في دعواه إلى أن الخطاب ما بعد الحداثي هو نقيض الخطاب الحداثي، فهو خطاب يتبنى مبادئ تقوم أساساً على هدم القيم التي أورثتها الحداثة مثل الواحدية والنقاء والشعور بامتلاك اليقين وأحكام القيمة والسلطة الأبوية بكل صورها، لا سيما أشكال السلطة التي أفرزها المجتمع الرأسمالي كالعقل الأداتي واللوغوس. وكنقيض لهذه القيم، تبنت ما بعد الحداثة خطاباً رافضاً الكلي ومكرساً النسبي واليومي، مقابل الحتمي والتاريخي، متحرراً من الزمن الخطي، وهادماً التمايزات بين الاجتماعي والثقافي، وداحضاً ومهمشاً الحدود الفاصلة بين الحقول المعرفية (…) وكان قد تبنى معظم منظري ما بعد الحداثة مفاهيم جديدة تحل محل مفاهيم الحداثة مثل الوعي بالفردانية واستقلال الذات عوضاً عن النزوع الجمعي الشمولي القديم، وتكريس مفهوم سقوط السلطة بكل أنواعها. أما الرأي الثاني فيرى أن المشروع الحداثي الغربي هو مشروع متأزم في الأساس بحيث يحتاج إلى تصحيح مسار، وأن نهايات هذا المشروع جاءت نتيجة طبيعية لما آل إليه المشروع الحداثي في القرن الثامن عشر (عصر التنوير). وهذا الفريق يرفض الرؤية التاريخية لما بعد الحداثة بوصفها شيئاً يأتي بعد الحداثة، فما بعد الحداثة كامنة في قلب المشروع الحداثي، بحيث إنها لا تمثل انقطاعاً عنه، إنما هي تفعيل لبعض المقولات والأفكار المتضمنة في الحقبة الحداثية[38].

والحال، هل الفلسفة المعاصرة تحتاج إلى استعادة الميتافيزيقا في سبيل “إنقاذ المعنى” وخلاصه؟ رداً على فلاسفة النهايات؛ في مقالة له تحت عنوان “ماذا عن الميتافيزيقا اليوم؟” قدم الراحل الكبير موسى وهبة المعادلة الآتية “”الميتافيزيقا الكلاسيكيّة برمّتها تتهاوى كنصّ، إلّا أنّ مطالبها، إلّا أنّها كرغبة عليا باقية وملازمة لطبيعة العقل: وهذا ما يفسّر كون تاريخها مسرحًا لصراع الجبابرة، ساحة حربٍ فعليّة، إنّما بالكلمات؛ والرّهان ليس أقلّ من انتزاع عرش الأقاويل جميعًا، وربّما ليس أقلّ من تغيير العالم”[39].

الخاتمة

انشغل ناصيف نصّار بالمعنى وتجلياته الإنسانية والفلسفية، مدفوعاً بإمكان الميتافيزيقيا باعتبارها حاجة وجودية، فلا غنى للعقل البشري عن إضفاء المعنى على مسيرته بأشكال عدة. أراد تحفيز الوعي الفلسفي لاستعادة إرثه الحداثي/ العقلاني، بعيداً عن مقولات النهايات والشك والقطيعة ونسيان الإنسان – في موازاة الحديث عن ما بعد الإنسان- وتلاشي الروابط التعاضدية الاجتماعية بين البشر، في ظل مهدِّدات كثيرة تقف بوجه “التأنسن الحضاري” يتقدمها ضعف القيم وغياب المعنى في “المجتمعات السائلة”.

طرح نصّار في فلسفة المعنى قضايا عالمية ترتبط بالكينونة والوجود والدين والمجتمع والسياسة والبيئة والحب والآخر والأخلاق، مستنداً إلى منهجية فلسفية رصينة في حجاجه مع فلاسفة النهايات، ومؤسساً لفلسفة متفائلة بالمستقبل، على الرغم من عصر النكوص الذي نمر به وانتشار الفوضى وانفجار العنف وغياب اليقين.

سجل التاريخ دائماً ارتكاسات وانقطاعات لكن البشرية نجحت في تجاوز مشاكل ضخمة في ملحمة تطورها الهائلة. هذا ما يحاول أن يقوله لنا الفيلسوف المهموم بالمعنى وضفافه العابقة بالأمل؛ “فالتاريخ المتخم بالفظائع هو نفسه حافلٌ بالروائع، والحياة ليست لعبة توضع معادلاتها تعسفاً واعتباطاً، وإنما هي مغامرة (التأنسن العظيم) بانتصار القيم العليا كمنظومة حضارية متكاملة”.

********

*    نشرت هذه الورقة في مؤتمر “منازل المعنى في الفكر العربي، المعنى بين الفهم وإعادة الإنتاج” الذي نظمه الاتحاد الفلسفي العربي (المؤتمر الفلسفي التاسع) برعاية وزارة الثقافة في لبنان بين يومي 15 و16 فبراير  (شباط) 2019 .

[1] – دولوز، جيل؛ غتاري، فليكس، ما هي الفلسفة؟، ترجمة ومراجعة وتقديم: مطاع الصفدي، المركز الثقافي العربي، مركز الإنماء القومي، بيروت، الطبعة الأولى، 1997، ص5.

[2]– 1967 صدرت الطبعة الفرنسية وفي 1981 صدرت الطبعة العربية عن دار الطليعة بيروت.

[3]– انظر: نصّار، ناصيف، طريق الاستقلال الفلسفي: سبيل الفكر العربي إلى الحرية والإبداع، دار الطليعة، بيروت، 1975.

[4]– المرجع نفسه، 210-215.

[5]– المرجع نفسه، ص11.

[6]– المرجع نفسه، ص42.

[7]– صدر عن دار الطليعة، بيروت، 2008.

[8]– نصّار، ناصيف، النور والمعنى: تأملات على ضفاف الأمل، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2018، (399 صفحة).

[9]– يوسف، ألفة، تعدد المعنى في القرآن، بحث في أسس تعدد المعنى في اللغة من خلال تفسير القرآن، كلية الآداب منوبة، دار سحر للنشر، تونس، الطبعة الثانية، د.ت، ص5.

[10] – المرحع نفسه، ص8.

[11] – عثمان، عفيف، النور والمعنى عند ناصيف نصّار، الشروط الفلسفية لإمكان العيش مع الأمل “الآن وهنا”، مجلة اتجاه، العدد 42/ 43، خريف 2018 وشتاء 2019.

[12] Eco, Umberto, Sémiotique et Philosophie du Langage, Presses Universitaires de France – PUF; Édition : 4e édition (2013).

[13]– فرانكل، فيكتور، الإنسان يبحث عن المعنى، مقدمة في العلاج بالمعنى.. التسامي بالنفس، ترجمة: طلعت منصور، مراجعة: عبدالعزيز القوصي، دار القلم، الكويت، الطبعة الأولى، 1982.

[14]– نصّار، ناصيف، النور المعنى، ص6.

[15]– ناصيف نصّار من الاستقلال الفلسفي إلى فلسفة الحضور، مجموعة من الباحثين، تحرير وتقديم: عبدالإله بلقزيز، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الحسن الثاني، المغرب، الطبعة الأولى، 2014، ص108.

[16]– راجع: نصّار، ناصيف، الذات والحضور: بحث في مبادئ الوجود الفلسفي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2008، (636 صفحة).

[17]– نصّار، ناصيف، النور والمعنى، مرجع سابق، ص235.

[18]– راجع: نصّار، ناصيف، الذات والحضور: بحث في مبادئ الوجود الفلسفي، نقلاً عن، المصباحي، محمد، ناصيف نصّار من الاستقلال الفلسفي إلى فلسفة الحضور، مرجع سابق، ص112.

[19]– بتلر، جوديت، الذات تصف نفسها، ترجمة: فلاح رحيم، جامعة الكوفة، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى، 2014، ص19.

[20]– المرجع نفسه.

[21]– بتلر، جوديت، الذات تصف نفسه، مرجع سابق.

[22]– Arendt ,Hannah, Responsibility and Judgment, Schocken; Reprint edition (August 9, 2005).

[23]– الاختلاء والوحدة والعزلة عند حنة آرنت، موقع حكمة من أجل اجتهاد ثقافي فلسفي، 12/3/2016.

 [24]- ناصيف نصّار من الاستقلال الفلسفي إلى فلسفة الحضور، مجموعة من الباحثين، مرجع سابق، ص105.

[25]– نصّار، ناصيف، النور والمعنى، مرجع سابق، ص23.

[26] انظر: بومان، زيغمونت، الحياة السائلة، ترجمة وتحقيق: حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2016. أنظر أيضاً: الحب السائل، ترجمة وتحقيق: حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث، بيروت، الطبعة الأولى، 2015.

[27] – انظر: بوبر، كارل، المجتمع المفتوح وأعداؤه، ترجمة: حسام نايل، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى، 2014.

[28]– المرجع نفسه، ص102-103.

[29]  مقابل مفهوم “التفردن” الذي نظَّر له نصّار، رداً على التأثير الهائل لأنظمة ما بعد الحداثة، وفي مقدمتها التقدم التقني، في المجتمع والفرد، هناك مفهوم  “التفرّدية” ((Singularity  ، تقدم به الباحث في علم المستقبليات راي كيرزويل  (Ray Kurzweil) في كتابه (The Singularity Is Near: When Humans Transcend Biology)، والذي يعني به “تحديداً تلك الحالة التي لا يمكن فيها للإنسان متابعة استمرارية وجوده من غير دعمٍ (جزئي أو كلي) من الوسائط الرقمية التي ستتجاوز مرحلة الوسائط الخارجية (مثل الذاكرات الحافظة للبيانات، والهواتف النقالة، وقارئات الكتب والنصوص… إلخ)، لكي تصل مرحلة التداخل البيولوجي مع وظائف الكائن الحي (الرقاقات المزروعة في الدماغ البشري، وأجهزة تدعيم السمع أو الرؤية، والوسائط التي تسمح بخلق بيئات افتراضية ذات سمات محددة، ولأغراض محدّدة هي الأخرى… إلخ). إلى ذلك هناك مفهوم “ما بعد الإنسان”  (Posthuman )  وهو مفهوم ناشئ في مجالات الخيال العلمي والمستقبليات، حيث تحكم حياتنا عن طريق التقنيات مما يتيح للتقدم التقني التدخل في الدماغ البشر. فهل يمكننا الحديث عن الإنسان الكلاسيكي وما بعد الإنسان؟  راجع: الدليمي، لطيفة، “ما بعد الإنسانيّة”… من يوتوبيا غلغامش إلى رؤية كيرزويل، صحيفة الشرق الأوسط، الخميس – 23 شوال 1440 هـ – 27 يونيو 2019 مـ رقم العدد  [ 14821] . راجع أيضا:

Kurzweil, Ray, The Singularity Is Near: When Humans Transcend Biology, Penguin Books (September 26, 2006).

[30]– المرجع نفسه، ص106-107.

[31]– المرجع نفسه، ص282.

[32]  تُعد الميتافيزيقا من بين أكثر المصطلحات الفلسفية تعقيداً من ناحية التعريف والدلالة، وما زال يُثير تعريفها أقلام الفلاسفة والدارسين، نشير هنا إلى كتاب الفيلسوف الأميركي بيتر فان انواجن “ميتافيزيقا” والذي تبني في مقدمة كتابه هذا التعربف لها: “الميتافيزيقا هي دراسة الحقيقة النهائية”. انطر: مقدمة في الميتافيزيقا: كيف نتعامل مع المينافيزيقا اليوم؟ ييتر أنواجن، موقع حكمة، 27 – 3-2016. انظر أيضاً:

Inwagen, peter van, Metaphysics, Westview Press; 4 edition (August 12, 2014).

[33]– المرجع نفسه، ص314.

[34]– المرجع نفسه، ص330.

[35]– يشير مصطلح ما بعد الحداثة إلى أسلوب وطريقة التفكير أو الحركة الفكرية والثقافية التي انبثقت من هذا الوضع التاريخي الذي يُطلق عليه “ما بعد التحديث”. تشير البادئة Post)) في مصطلح (Postmodernism)، في الإنجليزية والفرنسية إلى ما يأتي “بعد” كلازمة تعبر عن الزمان، كأن نقول “ما بعد الكلاسيكية، ما بعد الرومانسية، ما بعد البنيوية”. غير أنها لا تتوقف عند العلاقة الزمنية ولكن تتجاوزها للعلاقة الفكرية، إذ تشير إلى ترك الإطار أو الأنموذج السابق عليها. يعود استخدام المصطلح لأول مرة إلى الإسباني فيدريك دي أونيس، وذلك في كتابه “مختارات من الشعر الإسباني والإسباني الأمريكي” الصادر عام 1934. لقد نشأ المصطلح في حقل النقد الأدبي، ثم وُظِّف في حقول معرفية أخرى كالفلسفة والاجتماع والسياسة والتحليل النفسي واللغويات والدين. لكن المصطلح اكتسب مدلولاً لأول مرة في كتاب فيلسوف التاريخ الإنجليزي أرنولد توينبي “دراسة التاريخ”، عندما استخدمه ليشير إلى ثلاث خصائص رآها تميز الفكر والمجتمع الغربيين منتصف القرن العشرين، وهي اللاعقلانية والفوضوية واللامعيارية، بسبب أفول البرجوازية في التحكم بتطور الرأسمالية الغربية منذ نهاية القرن التاسع عشر، وحلول الطبقة العاملة الصناعية محلها، وهو ما رآه انقلاباً بل انحطاطاً، للقيم البرجوازية التقليدية (…) بدأت ثقافة ما بعد الحداثة في سبعينيات القرن العشرين تتلاقى مع المشروع الفرنسي ما بعد البنيوي. وبمعنى أدق تجد المناخ النظري الملائم لها من خلال أعمال رولان بارت وفوكو وجيل دولوز وجاك دريد وجاك لاكان، وسيكون هذا التلاقي هو البداية الحقيقية لما عُرف بحركة ما بعد الحداثة الفلسفية. مصطفى، بدر الدين، دروب ما بعد الحداثة، مؤسسة هنداوي، 2017، ص21-22.

[36]– ممدوح، معتز، عصر النهايات القصوى، مدخل إلى فهم “ما بعد الحداثة”، موقع إضاءات، 17 ديسمبر (كانون الأول) 2018.

[37]– مصطفى، بدر الدين، دروب ما بعد الحداثة، مرجع سابق، ص23.

[38]– المرجع نفسه، ص25-26.

[39]  وهبة، موسى، ماذا عن الميتافيزيقا اليوم؟ جريدة النهار اللبنانية، 20 تموز (يوليو) 2017.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. أحمد عزيز الحسين

    شكرًا على هذه المساهمة القيمة، وحبذا لوقدمت لنا قراءة لكتاب الدكتور نصار ” منطق السلطة”، ووقفت عند أهم المفاصل الرئيسة فيه .

أضف تعليق