فاتح المدرس في ذكراه: عن لقاء الأسد وثياب البالة

بمناسبة الذكرى العشرين لوفاة الفنان السوري الكبير، فاتح المدرس (28 حزيران 2019)، أقامت مجموعة من تلامذته وأصدقائه، فعالية استمرت ثلاثة أيام متتالية في مكانين منفصلين. انطلقت الفعالية من مرسَم فاتح المدرس، في ساحة النجمة بدمشق، حيث عرضت 43 من أعماله ما بين لوحة ودراسة، وفي اليوم التالي انتقلت الفعالية إلى “غاليري مصطفى علي” حيث عرض فيلم وثائقي عن حياة المدرس، يعود للعام 1995، من إخراج عمر أميرلاي ومحمد ملص وأسامة محمد، يتحدث فيه الفنان شخصياً عن تجربته التشكيلية وبعض الملامح الإنسانية في شخصيته.

ويكشف الفيلم (50 دقيقة)، الكثير عن الأبعاد الخفية عن شخصية فاتح المدرس، وبعد عرضه عقدت جلسة حوار مع المخرج محمد ملص، ثم مع الفنان إلياس الزيات، الصديق المقرب للمدرس. أشار ملص في حواره إلى “عدم وجود فيلم وثائقي قادر على استيعاب هكذا قامة فنية”، منوهاً إلى وجود “تقاعس في إنجاز أفلام وثائقية تتناول حياة وإنجازات القامات التي تزخر بها سوريا، رغم وجود طاقات سينمائية شابة”. وعقّب بالقول “لم يعد تحقيق فيلم أمراً سهلاً، والحالة أشبه بكارثة، فكثير من القامات قد تختفي وترحل من دون أن تكون السينما الوثائقية قد أضاءت عليها، وهي الأكثر صدقاً في توثيق حياتهم حيث تأتي على ألسنتهم ومع نقل انطباعاتهم الحقيقية”.

بدوره وصف عميد التشكيليين السوريين، إلياس الزيات، فنّ المدرس بأنه “تصوير الغناء وتجسيد الخير والشر والحب والألم، والجدل الذي يسكن العقل”. واستذكر الزيات إجابة المدرس على سؤال يطرحه كثيرون حول “لماذا يرسم الإنسان؟ وإذا رسم ماذا يريد؟ فيقول: “إنه تحليل منطقي لما يراه المرء، فالإنسان كان يحلل الأشكال الكونية ويعيد تكوينها من جديد، وعندما أراد التأكد مما يجري داخل رأسه من رسوم تجريدية، رسم الشكل مرة ثانية وثالثة”. وبيّن الزيات أن “فاتح اعتمد على الهندسة لينظم سطح لوحاته، ويمتلك في الوقت نفسه روحانية كبيرة، تجلت بقربه من الطبيعة، فكان (كما جاء على لسانه في الفيلم) يرعى أغنامه ويتناول الأعشاب معهم، ويحادث الفراشات والأحصنة”.

في ثالث أيام الفعالية، عرض لقاء تلفزيوني نادر يعود للعام 1987، في برنامج “العرب والموسيقى”، تحاكي فيه أنغام آلة القانون التي يعزفها سعد الله آغا القلعة، مقدم البرنامج آنذاك، ريشة المدرس، في محاولة لاستكشاف العلاقة بين الموسيقى والتشكيل.

مواقف
وفي سياق ذكرى رحيل فاتح المدرس، يروي صديقه موفق قات، موقفاً له حين كان المدرس نقيب الفنانين التشكيليين في سوريا: بدعوة من نقابة الفنون الجميلة حضر الى سوريا ستويان ستويانوف، رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين البلغار، ومعه لوحة لحافظ الأسد يريد أن يهديها له. حُدد موعد اللقاء من القصر الساعة الواحدة ظهراً، وحضر الى القصر الفنان البلغاري وفاتح المدرس، نقيب الفنانين في ذلك الوقت، وبعض أعضاء مجلس إدارة النقابة. انتظر الشباب ربع ساعة ثم نصف ساعة ثم أكثر… وفجأة قام فاتح وقال انا تأخرت ولازم روح عندي شغل، وغادر. هذا الكلام سمعته من الزملاء الذين حضروا اللقاء، ومن ستويانوف الذي رافقته لمدة أسبوع في أرجاء سوريا بعد اللقاء… قال لي ستويانوف: حافظ لم يخسر شيئاً، وفاتح بالنسبة له لا شيء، وكذلك الامر بالنسبة لفاتح، لأن حافظ لا يعنيه في شيء… لكن النقابة التي يمثلها فاتح خسرت كل شيء، وفعلاً نقابة الفنون الجميلة كانت مهمشة لثلاثين عاماً، لا صندوق تقاعد، ولا صندوق وفاة ولا صندوق طبابة أسوة بباقي النقابات”.

البالة والحب..
ويروي الفنان موفق مخول ذكرياته مع المدرس، قائلاً: “أول لقاء بيني وبين المعلم الكبير فاتح المدرس كان في العام 1977، اجتمعنا صدفة على عربة لبيع الملابس المستعملة في مكان سوق الخجا الحالي، هذا المكان كان تجمعاً كبيراً للبالة… عرّفته بنفسي وقلت له: أنا طالب في كلية الفنون، سنة أولى، فدار حديث بيني وبينه وتمشيت معه الى مرسمه، كان هو يتكلم وأنا استمع اليه، هذه هي فرصتي في الاستماع لإنسان مهم.. فقال لي: لماذا تشتري من البالة؟ فقلت: لأنها رخيصة.. فقال لي: لا، للبالة خصوصية إنسانية لأن الناس تلبس من بعضها وهذا حب وعطاء… وفيها خصوصية وغرابة… بعكس ألبسة المحلات المتشابهة والمتكررة والتي لا جرأة في ألوانها، وقميص المحلات الذي ترتديه، ممكن أن تجد عشرات الأشخاص يرتدونه نفسه، مثل الدول الاشتراكية، وأحياناً تجد أشخاصاً غلظة، لا تحبهم، يلبسون القميص نفسه الذي ترتديه.. لكن قميص البالة لن يتكرر، فيه خصوصية، وتشعر فيه بحنان أكثر، لأنه مدعوك بجسم إنسان آخر، وأحياناً يحرك خيالك، فتقول من هو صاحب هذا القميص، من أي بلد؟ ماذا يعمل؟ وأنت كفنان يجب أن تكون لك خصوصية في لباسك، يجب أن يكون غريباً عن الناس.. بعد هذا اللقاء أصبحت البالة هي منتزهي الروحي، كل يوم أذهب إلى البالة و”ابحبش” بين أكوام الملابس، فأكتشف العجائب والغرائب من الألوان والموضة، وبات لباسي من تلك الفترة حتى اليوم كله من البالة، لربما أصبح فناناً يوماً ما. شكراً لك أيها المعلم الكبير لأنك ترى الجمال والإنسانية في الأماكن المغيبة عن عيوننا وأرواحنا…”.

سيرة
وينحدر فاتح المدرس من مدينة حلب، وتحوّلت علّيته الخشبيّة التي سكنها في بداياته في حي باب النصر، إلى ملتقى جمَع أهل الثقافة والأدب، وكان من أصدقائه آنذاك عمر أبو ريشة وأدونيس وسامي كيّالي وخير الدين الأسدي ومارون عبّود. سافر المدرس في بعثة إلى إيطاليا في 1957، وأكمل تعليمه لاحقاً في أكاديمية البوزار في باريس، وخلال دراسته في الخارج التقى مصادفةً المفكر الفرنسي جان بول سارتر فدعاه إلى مرسمه…

حين عاد فاتح المدرس من دراسته في الخارج، عُيّن معيداً في كلية الفنون في جامعة دمشق، ومن ثم شغل منصب أستاذ دراسات عليا في الكلّية نفسها. شكّلت هزيمة حزيران/ يونيو 1967 محطّةً مفصلية في تجربته، حيث تسّربت إلى لوحته تلك الكائنات الممسوخة، والتي وصفها ذات يوم بـ”الوحوش”، ولم تغادرها حتى رحيله، إذ ظلّت شاهدةً على انحطاط مرحلة ومجافاتها للمنطق. لم يغب السياق الاجتماعي والسياسي عن أعمال المدرّس منذ بدايتها. كانت بداياته في الخمسينيات، بمشاهد من قريته حربتا في ريف حلب، بواقعية تعبيرية يَظهر في بعضها جسد الفلاحة ممسوح الملامح ملتحماً بجذع شجرة معمّرة. ضمن مراحل تجريبه التي لم تتوقّف، رصد طقوس التصوّف التي تظهر في عدد من لوحاته مثل “ملاخانة” (1987) التي تتناول رقص الزار، حيث تبرز رؤوس الراقصين وكأنها تتطاير في الهواء وأيديهم تتبعثر هنا وهناك، يشبهون أعمدة حمراء وسوداء وزرقاء غير متناسقة تبدو ساكنة لسرعة دوران كل منها على ذاته.

المتأمل في مجمل تجربة المدرّس، يلمس ارتباطها الوثيق بتحوّلات المجتمع السوري، وبالمتغيرات العاصفة في المنطقة العربية، كالحرب الأهلية اللبنانية والانتفاضة الفلسطينية؛ وهي العناصر الأساسية التي تتبّعها المعرض في قراءة تعويضية لما يحدث اليوم في سوريا.

سُئل يوماً فاتح المُدرس: لماذا لم تشد الرحال إلى أوروبّا لتستقر في إحدى البلدان وتصبح أحد مشاهير الفن هناك؟ فأجاب: “لا أستطيع أن أفارق شجرة التّوت في داري، ولا صوت نقيق الضفادع في نهر قويق، ولا رنين طاسات “أبو كنجو” بائع العرقسوس، كما أنّي عاجز عن اصطحاب كل هذه الأشياء معي”. من مقولاته: “لست تعبيرياً في اتجاهاتي التشكيلية ولست سوريالياً ولست تجريدياً، بكل بساطة أنا رسام سوري عربي حديث، أرفض الأخذ بالمفاهيم المستوردة أو مسبقة الصنع. أنا شاهد على جمال الأرض والإنسان كما أنا شاهد على أحزان عصري”.

يذكر أن بعض لوحات فاتح المدرس معروضة في أشهر متاحف العالم.

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق