تحولات الإسلام السياسي.. براغما الإصلاح وأيديولوجيا العنف (3/3) / حسام أبو حامد

شكل انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك المنظومة الاشتراكية، وصعود الولايات المتحدة، بوصفها قوة مهيمنة تسعى للسيطرة والتوسع وفرض نظام عالمي جديد يضمن لها ذلك، تحولا بنيويا في الحقل الاستراتيجي الدولي، ودخلت الجماعات الجهادية، التي مثلت استمرارا راديكاليا للفكرة الإسلاموية، طور العالمية، في مواجهة ديناميكيات العولمة. وأعلن فرنسيس فوكوياما نهاية التاريخ بالانتصار النهائي للديمقراطية، وطرح صموئيل هنتنغتون نظريته حول صدام الحضارات، مفترضاً أن الصراع العالمي بعد الحرب الباردة لن يكون اقتصاديا، ولا جيواستراتيجيا، بل حضاريا بامتياز؛ حيث تحلّ الجماعات الثقافية مكان كتل الحرب الباردة، ويتركز الصراع في السياسات العالمية في خطوط التماس بين الحضارات، وبسبب “ظلامية” الإسلام سوف ينزع المسلمون نحو العنف، ليقوم الصراع الأهم بين الإسلام والغرب.
عقب هجمات 11 سبتمبر الإرهابية خشي برنارد لويس من أن يتحول المهاجم الانتحاري رمزاً لمنطقة الشرق الأوسط، ورأى أن على الأميركيين إما أن يكونوا حازمين أو أن يغادروا المنطقة، وتبنى رسالته بشأن “زرع الديمقراطية في الدول الشرق أوسطية الفاشلة للقضاء على الإرهاب” المحافظون الجدد الذين شكلوا الإدارة الأميركية بقيادة جورج بوش (الابن). ورأت المقاربة الاستشراقية الثقافوية للسياسات الأميركية في الأنظمة الدكتاتورية، والثقافة الدينية، في الشرق الأوسط، حوافز للتطرف والإرهاب، ليكمن الحل في إعادة هيكلة المجال السياسي، والحقل الديني، وإعادة تأهيل الأنظمة (دون تغييرها) في سبيل ضمان عبور آمن من السلطوية إلى الديمقراطية، يحقق مشاركة واندماج المجموعات المهمشة. وترافق مصطلح ما بعد الإسلاموية مع نظرية “الاحتواء – الاعتدال” التي تهدف إلى إقامة جدار واق من التطرف والإرهاب، لا سيما نسخته الجهادية، عبر دمج حركات الإسلام السياسي المعتدلة (المابعدية) في بنية الدولة الوطنية، وتقبلهم للديمقراطية والتعددية السياسية.
ووجد البحث عن بديل إسلامي معتدل للقاعدة، وللنصرة وداعش لاحقا، ضالته في الإسلام السياسي لا سيما الإخوان المسلمين الممثل التقليدي لفكرة الإسلاموية. فتصريحاتهم الرافضة للإرهاب، واستعدادهم المعلن للانخراط في اللعبة الديمقراطية الانتخابية، بدت مغرية إلى حد بعيد، ليسند إليهم دور في مكافحة الإرهاب، تحت عنوان إسلامي، يسد الفراغ الناجم عن
“عقب هجمات 11 سبتمبر الإرهابية خشي برنارد لويس من أن يتحول المهاجم الانتحاري رمزاً لمنطقة الشرق الأوسط، ورأى أن على الأميركيين إما أن يكونوا حازمين أو أن يغادروا المنطقة” “عجز الأنظمة” عن مكافحة الإرهاب.
مانعت الدول العربية المناهضة للديمقراطية التوجه الغربي المنفتح على حركات الإسلام السياسي، ليدعم بعضها في مرحلة الربيع العربي تمدد السلفية الجهادية التي تنادي بـ “الأمة” بدل الدولة الوطنية، ولا يشغلها الانخراط في أي عملية سياسية، على حساب حركات الإسلام السياسي التي قبلت الانخراط في اللعبة الديمقراطية، أو دعمت الثورات المضادة للإطاحة بهم(1).
فما هي العوامل الذاتية/ الداخلية، والموضوعية، الإقليمية والدولية، التي تحكمت في واقع ومستقبل تحولات الإسلام السياسي، بالتوازي مع التحولات التي تشهدها المنطقة ما بعد الربيع العربي؟ هذا هو ما تستكمله قراءتنا في كتاب “تحولات الإسلام السياسي في نظام إقليمي متغير” (مجموعة من الباحثين، تحرير محمد عفان، إسطنبول: منتدى الشرق، كانون الثاني/ يناير 2019) في الجزء الثالث والأخير.

الحدود الذاتية والموضوعية
لبراغما الإسلام السياسي
لم تتصرف حركات الإسلام السياسي بعد الربيع العربي دائما بوصفها قوى تغيير راديكالية تهدف إلى إسقاط النظام، ففي المغرب والأردن والكويت تبنت أجندة مطالب إصلاحية بسقف منخفض نسبيا، التي ربما كان سببها استراتيجيات الاحتواء التي اتبعتها الأنظمة أحياناً، أو نتيجة معارضة بقدرات محدودة وغير حاسمة، أو نتيجة السياق المحلي والإقليمي الذي لم يكن مؤاتياً.

1- الحالة المغربية: الموقف السياسي ومعضلة الرأي العام
في المغرب، كما تذهب انتصار فقير (الفصل الثالث)، مكّنت الاستراتيجية المحافظة الإصلاحية حزب العدالة والتنمية المغربي من الفوز بالانتخابات البرلمانية عام 2011، ومرة أخرى في 2016، ليتم تشكيل أوّل مجلس وزراء إسلامي في تاريخ المغرب، بعد أن كانت هناك خطوط حمراء فرضتها المؤسسة الملكية على حركات الإسلام السياسي، ممثلة بحزب العدالة والتنمية (وجناحه الدعوي حركة التوحيد والإصلاح)؛ وحركة العدل والإحسان، لتضيق المساحة السياسية لعملها ونشاطها.
وترى فقير أنه بالرغم من أن للحركتين مشتركات أيديولوجية وعملية كثيرة، إدانة العنف،

“في المغرب والأردن والكويت تبنت جماعات الإسلام السياسي أجندة مطالب إصلاحية بسقف منخفض نسبيا، ربما كان سببها استراتيجيات الاحتواء التي اتبعتها الأنظمة أحياناً، أو نتيجة معارضة بقدرات محدودة وغير حاسمة، أو نتيجة السياق المحلي والإقليمي الذي لم يكن مؤاتياً”
العمل في مستويات سياسية واجتماعية مختلفة، والدعم الشعبي الواسع، إلا إن موقفيهما تباينا من المؤسسة الملكية؛ فبينما يرى حزب العدالة والتنمية وجوب دعم تلك المؤسسة، كونها الخيار المناسب الوحيد للمغرب، ترى حركة العدل والإحسان أن المؤسسة الملكية مسؤولة عن مشاكل المغرب الاجتماعية والسياسية. ورؤيتها تلك تسببت بمحدودية مشاركتها في العملية السياسية، مما أثّر في جماهيريتها، في وقت تحتاج فيه المقاربة حلولاً سياسية فعاّلة أكثر من حاجتها إلى مواقف أخلاقية، لكن الجماعة حافظت على إيمانها أن المشاركة في العملية السياسية ستبتلع المشاركين، وتقوي دور المؤسسة الملكية، ورأت في الاحتجاجات فرصة مهمة للمشاركة السياسية، إن لم يكن لإحداث تغيير جذري، فعلى الأقل للتعبير عن المظالم، وإظهار صدقها في السعي لتحقيق الصالح العام. أما حزب العدالة والتنمية فرأى في الاحتجاجات خطرا على المؤسسة الملكية، وجعل الحفاظ عليها أولويته فامتنع أنصاره عن التظاهر، وانحازوا إلى “الخيار الثالث”؛ فلا مع مظاهرات تؤدي إلى زعزعة، ولا مع عدم المشاركة بأسلوب يؤدي إلى الجمود.
تشكل فهم داخل حركة العدل والإحسان أن قلة المشاركة السياسية حدّت من منافسة حزب العدالة والتنمية، وأكسبت الحركة أصوات الإسلامويين، لكن بعد 2011 أثار موقف الحركة انتقادات كثيرة، ووصفها البعض بـ “حزب الكنبة”. وقوّى استمرار امتناعها عن السياسة فكرة كونها جماعة مثالية تجاوزها الزمن، فسعت لأن تنشط في العمل المدني، والخدمات الاجتماعية، للحد من الإحباط الاجتماعي من الحركة، التي تسعى لسد الفراغ في الخدمات، مع جهود خاصة في التعليم، ورفع الوعي.
تذهب فقير إلى أن التغيير الأساسي منذ العام 2011 أدى إلى أن يصبح الـرأي العـام عاملاً مؤثراً فـي المجـال السياسـي، وكان على الإسلامويين الموازنة بين علاقتهم بالمؤسسة الملكية من جهة، وعلاقتهم بأنصارهم من جهة أخرى. كانت تلك مهمة عسيرة. وبينما رفضت حركة العدالة والتنمية الانضمام إلى الحراك الجماهيري، وتبنت استراتيجية الإصلاح، مع الحفاظ على الاستقرار، حشدت حركة العدل والإحسان قواها مع حركة 20 فبراير/ شباط في محاولة لإحداث تغيير جذري. وفي نهاية المطاف واجهت الحركتان التحديات نفسها، سواء تلك المتعلقة بمواجهة الضغوطات المتزايدة من المؤسسة الملكية، أو تلك المتمثلة بالحفاظ على تماسكها الداخلي، ناهيك عن تحدي الاحتفاظ بأنصارهما.

2- “انقلاب ناعم” في الأردن
يتناول أمجد أحمد جبريل، في الفصل الرابع، محاولة إسلامويي الأردن اغتنام فرصة الانتفاضات العربية لإعادة تشكيل علاقتهم مع المؤسسة الملكية، ونقلها من المشاركة إلى الشراكة، ولكن رغم تمسك الإخوان المسلمين في الأردن بأجندة إصلاحية، فإن ضغوطهم من أجل الإصلاح استقبلتها المؤسسة الملكية بوصفها انقلابا ناعما ضد الملك، بتركيزهم على تعديلات دستورية تُحجّم دور الملك السياسي إلى درجة كبيرة، سواء بإجباره دستوريا على اختيار رئيس الوزراء من الأغلبية النيابية، أو نزع صلاحية اختيار مجلس الأعيان من يديه، أو تقليص صلاحياته الأخرى.
ويجد جبريل أن توظيف جهاز الدولة في الأردن، واستفادته من تطورات الثورات العربية ثم الانقلاب عليها، كانت أكبر نسبيا من استفادة الإسلاميين الأردنيين، إذ نجح النظام في تفكيك الحراك الاجتماعي الذي التحقوا به، وفرّغه من مضمونه، وقام بالالتفاف على مطالبه، لا سيما بعد انسداد الأفق في الحالة السورية، واقصاء الإخوان في الحالة المصرية. وتدهورت علاقة الحركة بالمؤسسة الملكية بشكل ملحوظ لتعاني من عدم قدرتها على الحفاظ على وحدتها الداخلية، أو دعم أنصارها، فمنذ انطلاق الانتفاضات العربية، وربما قبلها، كانت العلاقة بين النظام والإسلاميين في الأردن تمر بحالة إعادة تعريف، أو تشكيل، تركت تداعيات صعبة على الإسلاميين. أما صورة تحولاتهم في الحالة الأردنية فلم تكتمل بعد نتيجة عدم قدرة الحركات الإسلامية على التكيف مع الضغوط الخارجية الكثيفة، ووجود أجندة إقليمية/ عربية معادية للإسلام السياسي ولإدماجه في السلطة في مرحلة الربيع العربي، واستمرار سياسة غض النظر دوليا عن استبداد النظم العربية، وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، وقمع الحرّيات.
يرى الباحث أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الإسلاميين في الأردن، يتمثل أحدها في عودتهم إلى المشهد السياسي، مستفيدين من “صفقة القرن” التي ترافقها ضغوط غير

“استفادة الأردن من تطورات الثورات العربية ثم الانقلاب عليها، كانت أكبر نسبياً من استفادة الإسلاميين الأردنيين، إذ نجح النظام في تفكيك الحراك الاجتماعي الذي التحقوا به، وفرّغه من مضمونه، وقام بالالتفاف على مطالبه”
مسبوقة على النظام الأردني للقبول بها، مما يجعله بحاجة إلى الدعم الشعبي لمساندة موقفه، وقد يضطر إلى إعادة استدارة نحو تركيا وقطر، الرافضتين لـ”صفقة القرن”، في مسعى لتوسيع خياراته. أما السيناريو الثاني فهو سيناريو الاحتواء والتعايش، إذ إن الحل الأمثل للتعامل مع حركات الإسلام السياسي، التي تبنت في عمومها اللعبة السياسية، هو احتواؤها وإشغالها بقضايا العمل السياسي اليومي، لتجد نفسها مضطرة إلى مزيد من العقلانية والواقعية بدل أن تعلن عجزها عن تقديم سياسات بديلة. أما الثالث فهو الأسوأ، ويتمثل في انفلات الأوضاع في الأردن والمنطقة نتيجة غياب الاستقرار الإقليمي الذي يضاعف من الأزمات في محور علاقة الدولة – المجتمع، التي تهدد كيان الدولة في المنطقة واستقرارها الهش.

3 – الحالة الكويتية: البراغما والأيديولوجيا
تخصص كورتني فرير الفصل الخامس لبحث أزمة الإسلاميين في الكويت، والتي تمثلت في صعوبات واجهها الإسلاميون في إدارة علاقاتهم مع أمير البلاد بعد الربيع العربي، ورسمت خريطة الحركات الإسلامية وجذورها ومسارات تطورها. وتذهب إلى أن الاصطفاف، داخل الطيف الإسلاموي في كويت ما بعد الربيع العربي، قـد تمحـور حـول العلاقة بالنظـام مـا بيـن المواليـن والمعارضيـن. وطبقـا لذلـك، عمـل الإخوان المسـلمون مـع التيـار الحركـي للجماعـة السـلفية علـى زيـادة تعاونهـم مـع الكتـل غيـر الإسلاموية الأخرى للسـعي من أجـل إحداث إصلاح سياسي. علــى الجانــب الآخر، ســعت كل مــن المجموعــات الإسلاموية الشيعية، وتيار الســلفية التقليديــة، بشــكل مســتقل، لزيــادة تحالفهمــا مــع النظــام بدوافــع مصلحيـة براغماتيـة.
ولا تجد الباحثة تفسيراً واحداً لكيفيـة تصـرف السـلفيين سياسيا، إذ اتبعوا مواقف سياسية متباينة، ولكنها تقسمهم إلى: سلفية نمطية تعتقد أن الإسلام يوجب طاعة الحاكم، وتعارض الديمقراطية بدعوى أن اختيار الحاكم هو امتياز إلهي، وسلفية حركية ترفض المفاهيم التقليدية لعدم الحراك السياسي، وفاعلة في الحملات الانتخابية، تميل إلى التركيز على المسائل البراغماتية أكثر من المسائل الأيديولوجية. وتميل الباحثة الى وجهة النظر التي تقول إن مشاركة السلفيين في المناخ السياسي تزيل القداسة عن خطاب السلفيين وممارساتهم، فقبولهم بالتنافس في مجال سياسي مفتوح يعني أنهم يعترفون بشرعية التيارات الأيديولوجية الأخرى، ويتخلون عن ادعاء احتكار الحقيقة الوحيدة الممكنة.
تخلص فرير إلى أنه في البداية تمتع الإخوان المسلمون بدعم الحكومة، بوصفهم جدار صد ضد المد القومي العربي، الذي كان التهديد السياسي الأكبر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وازداد هذا الدعم في الثمانينيات، مع ضمانات بأن لا يتمتع هؤلاء بنفوذ سياسي قوي بين المسلمين السنة، لكن بعد العام 2011 أصبحت جمعية إحياء التراث الإسلامي، والتجمع السلفي، جماعتين جاذبتين للدعم الحكومي، لأنها لم تشاركا في الانتفاضات. وعزّز الشيعة وسلفيو تيار السلفية النمطية علاقاتهما بالنخب الحاكمة للحفاظ على بعض النفوذ السياسي، سواء عبر السياسة الاجتماعية بالنسبة للسلفيين، أو عبر الحفاظ على الوضع الراهن بالنسبة للإسلامويين الشيعة.
مسارات العنف: الإسلام
السياسي والحروب الأهلية
يتنــاول الفصـلان الأخيران كلا مــن ســورية واليمــن كدراســتي حالــة لتحــولات حــركات الإسلام السياسـي فـي سـياق الحـرب الأهلية.

1 – الفوائد السياسية للأيديولوجيا الملتبسة في سورية
تناول عبـدالرحمن الحاج، فـي الفصـل السادس، نشأة حركات الإسلام السياسي في سورية ليركّز بعد ذلك على ظاهرة حركات الإسلاموية السياسية/ العسكرية التي برزت مع انفجار الأمور في سورية حربا أهلية، ليتلافى التعقيد والسيولة التي تتسم بهما الحالة الراهنة لحركات الإسلام السياسي/ السلفية الجهادية. مع ذلك يرى صعوبة في تصنيف حركات الاسلاموية السياسية/ العسكرية كونها خليطا من مجموعة عسكرية، وتنظيم سياسي، ولجنة دعوية،

“تناول عبـدالرحمن الحاج، فـي الفصـل السادس، نشأة حركات الإسلام السياسي في سورية ليركّز بعد ذلك على ظاهرة حركات الإسلاموية السياسية/ العسكرية التي برزت مع انفجار الأمور في سورية حربا أهلية”
ووحدات حكم محلي.
اختار الباحث حركة نور الدين زنكي مثالا على هذا النمط الجديد من حركات الإسلاموية السياسية، وهي إحدى المجموعات العسكرية التي نشأت واستطاعت أن تصمد طوال سنوات الحرب السورية، وأن تحافظ على قدر مقبـول مـن الاستمرارية، والاستقرار، فقـدم الحاج دراسـة تفصيليـة لتأسيســها، وأيديولوجيتهــا، وبنائهــا الداخلــي، وســلوكها السياســي، وتجربتها في الحكم المحلي، وخلص إلى أن الأيديولوجيا الملتبسة للحركة، وخطابها الفضفاض، وتبديل تحالفاتها، والتناقض في سلوكها السياسي، هو ما مكنها من الاستمرارية في ظل عدم اليقين، وعدم الاستقرار، اللذين تتسم بهما بيئات الحروب الأهلية، ومن إبقاء سيطرتها على الأرض لفترة طويلة نسبيا.

2 – الحالة اليمنية: الإصلاحية والزيدية السياسية
في الفصل السابع، ينحاز نبيل البكيري إلى وجهة النظر التي ترى في اسـتمرار الظـروف الاجتماعية والاقتصادية الراهنـة فـي العالـم العربـي والإسـلامي، وفي قــدرة الإسلاميين علــى إنتــاج خطــاب داخلــي بشــأن الحداثــة لتعبئــة جمهورهــم وأنصارهــم، وفي وجــود أنظمــة تضخـّـم خطــر التهديــد الإسلامي، وتتلاعب به، أنها جميعا عوامــل رئيســة مصاحبـة، ومسـاعدة فـي اسـتمرار ظاهـرة الإسلام السياسـي. ويخصص البكيري بحثه في الحالة اليمنية التي تبرز فيها ثلاثة نماذج أساسية لتحولات الإسلام السياسي؛ التجمع اليمني للإصلاح القريب فكريا أيديولوجيا من حركة الإخوان المسلمين؛ والمجموعات السلفية التي شكلت أحزاباً سياسية في أعقاب الانتفاضات العربية (حركـة النهضـة، وحـزب الرشاد اليمني، وحـزب السلم والتنمية) بعد أن كانت تحرّم العمل السياسي؛ وحركة أنصار الله (جماعة الحوثي) التي تنتمي إلى الإسلام السياسي الشيعي.
ويرى الباحث أن الجذور التأسيسية الأولى للحالـة الإسلامية اليمنية الراهنة، هي امتداد طبيعي للحركـة الإصلاحية اليمنيـة التـي تمتـد بجذورهـا حتـى القـرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، كأول مدرسـة إصلاحيـة عربيـة إسـلامية نشـأت كـردة فعــل علــى التشــوه الكبيــر الــذي أصــاب جوهــر عقيــدة الحرّيــة فــي الإسلام، من خلال تحويل الإسلام إلى ما يشبه الميراث الأُسري، الذي نشأ مع بزوغ فكرة التشيع السياسي، والتسـنن الأموي، والعباسـي الـذي اختـزل الإسلام فـي قريـش مـن دون النـاس. وقد مثّلت ظاهــرة التجديــد الدينــي والفقهــي والمعرفــي واحــدة مــن أهــم خصائــص الإصلاحية اليمنية، التي تجاوزت مربع التقاليد المذهبية، والفقهية، فضلا عن مناهضة الاستبداد السياسي، والمعرفي، ومحاربة ظاهرتي الجمود الفقهي والاستبداد السياسي، باعتبارهما أهم ّ مظاهر التخلف، وأثّرت على التوجهات الإصلاحية في القرن التاسع عشر، عند الأفغاني وعبده ورشيد رضا في مصر، وعلى الإصلاحية السلفية الوهابية في الحجاز.
في العام 1990 أعلنت الوحدة اليمينة بين الشمال والجنوب ونـصّ الدسـتور اليمنـي الجديـد علـى التعـدد الديمقراطـي والثقافـي، وآليـات الانتقال السياســي انتخابياً، مما فرض على الحركة الإسلامية التكيّف مع المشهد الجديد، بآلياته وتصوراته، فبادر الإسلاميون إلى جملة من المراجعات في تصوراتهم السياسية، ودشّنوا أولى خطوات المراجعة بإعلان تأسيس التجمع اليمني للإصلاح كحــزب سياســي يعبـّـر عــن الحركــة الإسلامية وتوجههــا الجديــد. لكن البكيري يرى أن الرؤية السياسية للإسلاميين اليمنيين بقيت ضبابية، لا سيما فيما يتعلق بالعلاقة بين السياسي والدعوي، بالرغم مما توحيه الحالة السياسية الحزبية الواضحة التي انشأوها، ممثلة بحزب التجمع اليمني للإصلاح، من تجاوز لتلك المنطقة الرمادية في الفصل بينهما، وبالرغم من استمرار عدم الحسم الفكري لعديد من القضايا داخل الحركة، فإن الممارسة السياسية كانت تسبق التنظير، وتحسم النقاش، وليس التنظير العلمي والفكري.
كانت انتخابات العام 2006 آخر انتخابات ديمقراطية في المشهد السياسي اليمني، تفجرت بعدها الصراعات السياسية في الشمال والجنوب، حتى انفجار أحداث ثورات الربيع العربي، وإطاحة ثورة 11 فبراير/ شباط بالرئيس صالح، والتي لـم تكتمـل بفعـل تدخـل القـوى الدوليـة والإقليمية، التـي فرضـت حلـولا تمكنت من تقليص المطالـب الثوريـة، فأبقـت علـى نصـف نظـام صالـح، الـذي رتـّب أوراقـه، بعـد ذلـك، وانخـرط فـي انقـلاب 21 أيلـول / سـبتمبر 2014، الـذي أطـاح بآمـال اليمنييـن وطموحاتهـم مـن ثـورة 11 فبرايـر/ شباط 2011. وساعد القبـول بإصـلاح سياسـي جزئـي علـى حسـاب تغييـر ثـوري شـامل، على إعادة تموضع الأنظمة القديمة والعميقة، وإعادة انتاج نفسها من خلال انقلاب العام 2014، الذي بإطاحته المشهد الثوري، أطاح أيضا بالجمهورية والشرعية اليمنية معا، وكان حـزب تجمـع الإصلاح هـو المسـتهدف الأول مـن هـذا الانقلاب، ورغم كونه لا يزال رقما صعبا في المعادلة السياسية اليمنية، إلا إنه يعاني من إشــكاليات بنيويــة عديــدة، مثــل تداخــل السياســي والدعــوي، وغيــاب المســار الديمقراطــي الواضــح والشــفاف داخــل الحــزب، وأطره

“كانت انتخابات العام 2006 آخر انتخابات ديمقراطية في المشهد السياسي اليمني، تفجرت بعدها الصراعات السياسية في الشمال والجنوب، حتى انفجار أحداث ثورات الربيع العربي، وإطاحة ثورة 11 فبراير/ شباط بالرئيس صالح”
التنظيمية والحزبية، مما أعاق المسار التراتبي لأفراده، وقواعـده، وقياداتـه معـا، وجعلـه يبدو أكثر شيخوخة سياسيا، رغم أنه ممتلـئ بالطاقـات والكفـاءات الشـابة، التـي ربمــا تمثــل 70% مــن قوامــه التنظيمــي والحزبــي.
أما في ما يتعلق بنشــاط الحــركات الســلفية الجهاديــة فــي دول الربيــع العربــي، فيرى الباحث أنها ازدادت بعــد أن كادت تختفــي فــي مرحلــة التظاهــرات الســلمية المدنيــة للربيــع العربــي، نتيجــة قدرتهــا علــى اجتـذاب الشـباب الذيـن لـم يسـتطيعوا أن يواصلـوا نضالهـم السـلمي فـي وجـه مدرعـات الثـورة المضـادة، فلـم يتـرك لهـم الانقلاب العسـكري خيـارا سـوى الالتحاق بهـذه الحـركات لمواجهــة الثــورة المضــادة. وأحبط انقلاب 2014 التحــول الديمقراطــي فــي اليمــن، والأخطر مــن ذلــك أن المفكريــن، والكتـّـاب، والأكاديميين، والإعلاميين، الذيــن ينتمــون إلــى الزيديــة السياســية، وبعــد أن توزعوا في كافة قــوى السياسـية اليمنيـة، عـادوا ليتمترسوا بانتمائهـم الطائفـي. وعلـى الرغـم مـن أن الحوثييـن قـد أظهـروا تغيـرا فـي أيديولوجيتهـم مـع بدايـة الثـورة اليمنيـة، فـإن هـذا التغيـر يبـدو غيـر حقيقـي، وأن الحركـة مـا زالـت تؤمـن بأفكارهـا الثيوقراطيـة، وتتمسـك بممارســاتها التقليديــة العنيفــة.
ينبه البكيري إلى أن مقــولة فشــل الإسلام السياســي هــي مــن قبيــل التعجـّـل، والمبالغــة، وإصـدار الأحكام المسـبقة. وهـذا بالتأكيـد لا يعنـي أن ظاهـرة الإسلام السياسـي لا تمـر بمرحلة تغيير جذرية، تتعلق برؤاهـا السياسـية والاجتماعيـة والثقافيـة، لكـن دراسـة هـذه التغيرات يجب أن تكون منهجية وعلمية، وألا يتـم توظيفهـا سياسـيا. ويعتقد أن المأزق الراهــن قــد يــؤدي إلــى اتجاهيــن مختلفيــن: إمــا إلــى ازدهــار مشــاريع المقاومــة العنيفــة غيــر القانونيــة، أو أن يــؤدي إلــى تعزيــز عمليــة الكفــاح الســلمي، والمدنــي، لتحــدي كل هــذا العبــث فــي السياســة الحاليــة.
توصيات وملاحظات ختامية
في خاتمة الكتاب يسجل كل من غالب دالاي ومحمد عفان ملاحظات أساسـية تتعلق بمنهجية تعريف حـركات الإسلام السياسـي، والمتغيـرات التـي أثـرت فـي التحـولات التـي مـرت بهـا فـي حقبـة مـا بعـد الانتفاضـات العربيـة، ومسـار هـذه التحـولات ذاتهـا.
ويرى الرئيسان المشاركان لمجموعة عمل الإسلام السياسي بمنتدى الشرق، أن الأنظمة العربية استثمرت هذا القبول العالمي لسياسـاتها الديكتاتوريـة، لقمع مظاهـر الإسلام السياسي، بل اتهمت كل معارضة لها بأنها إسلاموية لتنزع عنها رعيتها. وأدت هـذه الطريقـة للتعامـل مـع الشـرق الأوسط، وظاهـرة الإسلام السياسـي، وعمليـة التحـول الديمقراطـي في المنطقة، إلى تقلص الفضــاء السياســي العــام، للتعبيــر عــن المطالــب والمظالــم السياسية، مما خلــق أرضيــةً خصبــةً لظهــور الجماعــات المتطرفــة، التــي اســتفادت مــن تفاقــم المظالــم، وعــدم الرضــى بيــن الشــعوب التــي تعيــش تحــت القبضــة الحديديــة لديكتاتوريــات المنطقــة. وهكــذا فــإن رؤيــة الصــراع علــى أنــه صــراع بيــن الديكتاتوريـة والحـركات الإسلاموية هـي رؤيـة خاطئـة منـذ البدايـة. وقـد شـملت نتائـجَ هـذه الرؤيـة: انتشـار التطـرف، والحـروب الأهلية، وانهيـار الـدول، وملايين اللاجئيـن.
في ظل الأزمات، وعـدم الرضـى، والمظالـم الأخرى التـي تغذي الأيديولوجيـات، والمعتقـدات الراديكاليـة؛ فـإن الراديكاليـة لـن تكـون ورقـة رابحـة في الشرق الأوسط، وعلـى هـذا الأساس، مـن المهـم بالنسـبة إلـى القـوى العالمية أن تعيـد النظـر فـي فهمهـا لعمليـة التحـول الإقليمي فـي المنطقـة، وظاهـرة الإسلام السياسـي، وتخليها عن فكرة تحقيــق الاستقرار علــى حســاب التحــول الإقليمي، والحوار مع التيــارات السياســية الكبــرى الفاعلــة فــي المنطقــة، بمــا فيهــا حــركات الإسلام السياسي، ودفعها لتقبل مفهـوما شـاملا وجمعـيا للتحـول الإقليمي، وتشجيع الحــوار والمشــاركة، وبنــاء التحالفــات بيــن الجماعــات السياســية الإسلاموية والعلمانيــة، في نظام سياسي مفتوح، وديمقراطي، بوصفه أكثر الطرق فعالية لمحاربة الإرهاب، والراديكالية في المنطقة.
هوامش:
(1)- يمكن فهم انقلاب ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، على المؤسسة الدينية الرسمية، ذات الصبغة السلفية الوهابية، كمحاولة لتقديم نموذج مجتمعي “ناجح” خال من الإسلام السياسي بسلفية مروضة وتابعة.

 

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق