“صخرة هليوبوليس”.. سؤال الأعوام الثلاثين / أحمد شوقي علي

بعدما بنى البارون “إدوارد إمبان” قصره الشهير في صحراء مصر الجديدة، أنشأ خطًا للسكك الحديدية ليربط القاهرة القديمة بما طرأ عليها من توسعات، كي يجذب الفارين من وطأة العاصمة إلى حيه الجديد الذي أسسه، أو ربما ليترك ما قد يستدل به هارب مثل “يوسف” بطل أحمد زغلول الشيطي، أو الشيطي نفسه، في إطار بحثه عن أبعد/ أقرب نقطة إلى أمه في دمياط.

نحو ثلاثين عامًا مرت، بين إصدار الروائي المصري أحمد زغلول الشيطي، روايته الأولى “ورود سامة لصقر”، والثانية: الجديدة، “صخرة هليوبوليس”(*)، وكأن “الورود” أقعدت صاحبها عن كتابة الروايات، وما كان يحتاجه صرخة تعود به إلى الحياة من جديد، ظل يبحث عنها طوال تلك الأعوام الثلاثين؛ صرخة تشبه تمامًا صرخة “صقر”، المكتومة ذات الصوت المدوي، غير أنه لم يسع في طلب “الصراخ”، وإن مارس البحث فعلاً، لكن عن إجابة لسؤالين اثنين فقط: كيف حدث ذلك كله؟ ومتى؟ وكأن “صخرة هليوبوليس” هي ما وجده لينصب فوقها هامته كي يتأمل ذاته، أو يعريها، بحثًا عن الإجابة.

في العام 1990، كان الشيطي لا يملك في جيبه ما يمكّنه من شراء نسخة واحدة من عدد سبتمبر من مجلة “أدب ونقد”، ليعاين روايته الأولى وقد صدرت مطبوعة في صفحاتها بالكامل، أو ليرى ما كتبته أسماء بارزة مثل سيد البحراوي وصبري حافظ والسوري خليل الخليل وفريدة النقاش، عن موهبته “الفارقة” في ملف نقدي ألحق بالرواية.

كان ثمة احتفاء كبير بالنص الذي اعتبره البعض نقلة لما بعد رواية نجيب محفوظ، بل وربما، وضعه آخرون على مسافة قريبة من أعمال صاحب “الحرافيش”، مثل ما كتبه سامي فريد، في “الأهرام”، من أنه ينتظر من الشيطي نوبل الثانية لمصر في الآداب. لكنه لم يحظ بنوبل، لم يحظ بأي شيء، لأن صاحب النص الذي لم يكن يملك رفاهية الاطلاع على تلك “الآمال” اختفى، ولم يظهر سوى بعد ذلك بنحو 19 عامًا، بعدما نجح في تجاوز مأزق سؤال “تجيب كام دي يا أستاذ؟” الذي وجهته له عائلته فور أن أمسكوا بالرواية!

في العام 2009 خرج الشيطي من عزلته الاختيارية عن الساحة الأدبية، عبر مجموعته القصصية “ضوء شفاف ينتشر بخفة”، ثم ألحقها بكتاب “مائة خطوة من الثورة”، بعد ثورة يناير في العام 2011، بثوب جديد، كمحام ذائع الصيت. وقد تفرغ لممارسة الكتابة في مكتب بوسط القاهرة، يقصده صباح كل يوم بسيارته، قادمًا من الحي العريق حيث يسكن بمصر الجديدة، وكأن الكتابين، وبغض النظر عن تقييمهما الفني، دليله الذي يثبت من خلاله أنه لا يزال موجودًا. لأنه وفي تلك الفترة، فترة عودته بعد الغياب، كان منشغلًا بالبحث عن إجابات لسؤاليه، من خلال الرواية الجديدة التي بدأ كتابتها –بحسب ما تخبر الصفحة النهائية منها- في العام 2007.

إن “صقر عبد الواحد” لم يكن ينتمي إلى الشيطي، وإنما إلى “لحظة” تخص صقر نفسه شعر فيها بعدم الانتماء لأي شيء، أما يوسف بطل “صخرة هليوبوليس”، فهو الشيطي نفسه، ليس لتشابه تاريخهما الشخصي، لكن لأنه يتمثل أسئلة لا تطرحها لحظة بعينها وإنما عمر كامل، عمر ربما قضاه صاحبه فزعًا من تلقي روايته الأولى، بينما يبحث عن إجابة سؤال كيف حدث هذا كله. ينتمي يوسف إلى المكان، مثلما الشيطي، لأن المكان في هذه الرواية، ليس البيئة التي عاش فيها، وإنما أمه، التي صارت المصدر الذي صار يربطه بالعالم، حتى إنه عندما قرر النزوح عنها إلى العاصمة هاربًا من واقع لم يعد يشعر بالانتماء إليه بعد وفاتها. اختار أقرب نقطة فيها إلى دمياط، وهو الحي الذي، وإن كان يمثل النقطة الأولى على الحدود الشمالية للقاهرة، فهو بالنسبة إلى يوسف، نهاية ما، يمكن أن يصل إليه في ابتعاده عن مدينته/ أمه، يوسف الذي فكر دائمًا في الهجرة لكنه لم يستطع، وكان أبعد ما استطاع الوصول إليه، هو القاهرة، أو تحديدًا أقرب نقطة فيها إلى أصله.

يقسم الشيطي فصول روايته القصيرة -131 صفحة من القطع المتوسط- إلى ستة كتب، يضم كل كتاب منها عددًا من الفصول، تتتبع بعد أولها، رحلة داخل ذاكرة البطل، يحاول من خلالها تأمل ما جرى في حياته، منذ أن طلع على الدنيا يتيمًا، في بيئة مثل دمياط، التي تملك حظًا وفيرًا من الغرابة والثراء، كمدينة زراعية وساحلية وصناعية وتجارية في آن. وتبدأ الرواية من هليوبوليس، حيث يقف البطل –وهو صاحب المكان- بين دخلاء يشعرون، مثلما يشعر هو نفسه، بعدم انتمائه إليه، وتنتهي أيضًا بهليوبوليس والبطل لا يزال يشعر بعبثية وجوده بعدما أعيته أسئلته من دون إجابة، ومن دون أن يعرف كيف ستنتهي مغامرته العبثية الأخيرة.

لذلك فإن اللغة السردية التي صاغ بها الشيطي الرواية، يغلب عليها وبشكل دائم، صبغة التردد وعدم اليقين، فضلًا عن اعتمادها بشكل كبير على لعبة “تهاويم” الذاكرة: “هل أن الوقت أول المساء أم في عمق الليل؟ كان الساكن السابق قد نزع جميع المصابيح قبل أن يرحل. هل كانت أضواء الشوارع والسيارات تخترق زجاج النوافذ وتضيء الشقة بنور خفيف متغير؟ هل كان نائمًا أم أنه صحا فجأة حين جاء العجائز؟ لا يعرف كيف دخل هؤلاء؟ (…) لماذا رومانيا التي لا أعرف عنها أي شيء؟ هل كنت أريد أن أعرف من أي غابة جاء الزان الذي اشتغلت عليه وأهلي جيلًا بعد جيل، نجارين، أويمجية، أسترجية، مذهباتية، بائعي كِرينة وعَبَك وجوت؟ (…) هل كانت تخايلني الحكايات التي سمعتها ممن سافروا إلى رومانيا؟ (…) أم أني كنت أبحث عن ذريعة ترضاها نفسي للسفر، أنا الذي لم أركب طائرة ولا باخرة ولم أغادر أبدًا”؟

في “صخرة هليوبوليس” ثمة فصول، ذات جمالية منفردة، تستطيع الاستقلال بنفسها كقصص قصيرة من دون متن الرواية، وفصول أخرى تقوم بمثابة الدعائم السردية اللازمة لأي بناء روائي تقليدي، لكن البنية السردية للرواية والمعتمدة على تداعي الذاكرة؛ المبتسر، وغير المرتب زمنياً، لا تطرح شكلًا خارج حدود التصنيف، وإنما الشكل الذي يستفيد كثيرًا من رحابة القالب الروائي. لأن بين دفتي “الصخرة” المهندستين بإتقان، بين ما يرويه يوسف من الكتاب الثاني إلى الخامس، رحلة طويلة، والرحلة أساس أي رواية، وهو ما اختاره الشيطي بعناية، قاصدًا، عبر انتقائية الذاكرة، وكل ما تحمله من إرباك، أن يضع القارئ محله في مواجهة سؤاليه الأساسيين: كيف حدث هذا كله؟ ومتى؟

(*) صدرت الرواية عن دار العين للنشر بالقاهرة.

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق