جمهورية الفاكهاني / وائل السوّاح

استقبلتني بيروت فاتحة ذراعيها. جزء من بيروت على الأقل. الجزء الذي كنت ألفته في السنوات السابقة، حين كنت أذرع الطريق من دمشق إليها مرّة في الشهر لإيصال الرسائل إلى الرفاق الذي كانوا يتواجدون هناك من أجل طباعة الخط الاستراتيجي أو اللقاء مع المنظمات الثورية في لبنان. كان ذلك الجزء يختصر في حيّ الفاكهاني والجامعة العربية وجسر الكولا، وأحيانا شارع الحمرا. ولكنّ علاقتي ببيروت أسبق من ذلك بكثير، وللمدينة في عنقي دين قديم.
في صباح 8 آذار 1963، أفقت من النوم على أصوات جلبة وهمهمة وحركة مكتومة في بيتنا في حمص. نهضت في فراشي والنعاس لا يزال يسكن عيني نصف المغمضتين. كان أبي يرتدي طقما رماديا فاتح اللون ويعتمر طربوشا قديما لم اره على رأسه قبل ذلك ابدأ. كانت أمي تدور في البيت كنحلة، وأخواي سحبان وبشار يقفان في ممرّ البيت وعلى وجههما علامات ذهول وعجز. وإلى جوار أبي، وقف رجل غريب لم أكن التقيته من قبل، يتأمل زيّه الغريب باهتمام.
“هيك منيح،” قال الرجل الغريب.
“شو في؟” سألت بمزيج من القلق والتوجس والحذر، وأنا أرفع رأسي.
“ما في شي،” قالت أمي. “بابا مسافر.”
“لوين؟” قلت وانا اقفز من الفراش.
اقترب والدي مني ووضع يده الكبيرة على رأسي كما كان يفعل حين يستبد بي مرض أو قلق، وقال:
“لن أطيل الغياب.” ثمّ قبلني وقبّل أمي وإخوتي، ونزل الدرج مع الرجل الغريب. في أسفل البناية كانت تنتظرهما سيارة مرسيدس 180، ابتلعتهما وأقلعت بسرعة لافتة.
بعد ذهاب والدي، شرح لي أخي بشار الحكاية. كانت مجموعة من الضباط البعثيين والناصريين قد قامت صباحا باختطاف السلطة في دمشق. طوّقت الدبابات والمدرعات العسكرية المراكز الحساسة في العاصمة دمشق، واعتُقل رئيس الجمهورية ناظم القدسي، وقائد الجيش اللواء عبد الكريم زهر الدين، فيما لجأ رئيس الوزراء، خالد العظم إلى السفارة التركية في دمشق ومنها إلى لبنان.
كان بشار مستشاري السياسي، يشرح لي القضايا السياسية المغلقة عليّ. قبل سنة ونصف رأيته يقفز وسط غرفة الجلوس ويهلّل بفرح غامر. اندفعت إليه أسأله ما الحكاية، فشرح لي أن السوريين انتفضوا على جمال عبد الناصر وأن سوريا فصمت الوحدة مع مصر، ثمّ راح يحكي لي عن فظاعات عبد الناصر وعبد الحكيم السرّاج مع السوريين. وحين اغتيل الرئيس الأمريكي في تشرين الثاني/نوفمبر 1963، سألته بذكاء:
“يعني كينيدي أهم من عبد الناصر؟”
فضحك ملْء شدقيه، ولكي يقرّب لي الفكرة، قال:
“عبد الناصر متل بويجي لكينيدي.”
علمت من بشار أن الرجل الغريب كان مهرّبا سيصحب أبي في الطريق إلى لبنان، حيث سيساعده على مغادرة سوريا هربا من الحكم الجديد. فتح أخي سحبان الراديو، وسمعنا أحد المذيعين في إذاعة دمشق وهو يعيد تلاوة البيان رقم 1 مرّة كل خمس دقائق، تفصل بينها مارشات عسكرية. ثمّ جاءت بعده مذيعة خشنة الصوت، فتلت علينا البيان رقم 2، وفيه أعلن مجلس قيادة الثورة الذي ترأسه الفريق لؤي الأتاسي، إغلاق كافّة الصحف ومصادرة ممتلكاتها. وجاء اسم أبي وجريدته “الفجر” أوّل اسم في صحف مدينة حمص. ولا زلت اذكر كيف اضطرب قلبي في ضلوعي وأنا اسمع اسم “أحمد نَورس السوّاح”، وأدركت لأول مرّة أن اسم أبي نَورس (بفتح النون) وليس نُورَس، كما كنت ألفظه في المدرسة حين أُسأل عن اسمي الكامل. انتابتني مشاعر متلاطمة. حزنت لأن أبي سيخسر جريدته ومطبعته، ولكنّ شعورا بالغبطة كان يحتلّ جزءا آخر من مشاعري وأنا أعلم الآن أن أبي كان شخصا مهمّا، يحسب له حساب ويذكر اسمه في الراديو. في اليوم التالي، في المدرسة، انتظرت أن يسألني أصحابي عن أبي، وحين لم يفعلوا، قلت لصديقي الأقرب، غانم الجمالي، “مبارح هرب أبي ع بيروت. طلع اسمه عَ الراديو.” كان غانم أيضا من عائلة سياسية. عمّه حافظ كان صديق أبي المقرّب، وأخواله كانوا قادة شيوعيين معروفين. نظر إلي بتعاطف، ونصحني: “لا تقل ذلك لأحد!”
بعد يومين، أفقنا مفزوعين على قرْع جرس باب بيتنا عند الفجر، وعصف في البيت نحو عشرة رجال ضخام قلبوا عاليه أسفله. دخلوا غرف النوم وفتحوا الخزائن. صعد أحدهم السلّم الخشبي إلى السقيفة وبحث بين مونة البصل اليابس والكراكيب العتيقة عن والدي. بينما نظر آخرون تحت الأسرّة، وقلب أحدهم إحدى الفرشات. لم يكن أبي تحت الفرشة. كان قد وصل بيروت آمنا. وكانت أمي تنظر إليهم بشماتة:
“بيجوز مخبيته بعبي.” قالت بتحدّ. ولم يكن الرجال للأمانة قد بلغوا الانحطاط الذي سيبلغه خلفاؤهم في عهد حافظ الأسد وولده. نظر إليها زعيم الفرقة لحظة، كأنه يفكّر في كلامها، ثمّ أمر رجاله بالانسحاب.
كانت أمي امرأة فاتنة، قويّة، ربّتنا وحدها تقريبا، حين كان أبي مشغولا بجريدته واجتماعاته السياسية وانتخابات البرلمان، ثمّ سهراته مع أصحابه في قهوة “الفريال” أو مطعم الأمير، وأحيانا مغامراته الصغيرة هنا وهناك. في أربعينات القرن الفائت قرّرت أنها لن ترتدي “الملاية” أكثر مما فعلت، فخلعتها وأسفرت عن وجهها، وسارت في شوارع المدينة الوادعة، وعيون الرجال – كما قالت لي لاحقا – كانت تطرق أرضا. ستمرّ عليها أيام قاسية بعد انقلاب آذار، ولكنها ستقود السفينة بمهارة وحذق. باعت أساورها، وباعت السجادتين العجميتين اللتين كانتا، على أية حال، مركونتين في إحدى الخزانات، ولم تطلب مساعدة من أحد. في النهارات كانت تطبخ وتأمر وتنهي، تزور خالتي أو جدّتي أو صديقتها أم رينيه، وتضحك أحيانا، ولكنني سمعتها أكثر من مرّة، وكنت أنام في غرفتها، وهي تنتحب بصمت. كثيرا ما سيكون غداؤنا شوربة عدس أو “لبن مقلّى” وهو خبز مفتوت في اللبن وعلى وجهه تقلية سمن. أما نصيبي من الأزمة فكان تخفيض “خرجيتي” (مصروفي اليومي) من ثلاثة فرنكات إلى فرنكين.
أما بيروت فكانت كريمة مع أبي. أقام فيها حتى الخريف من ذلك العام، وفتحت له الجرائد البيروتية صفحاتها ليكتب ويكسب بعض المال الذي كان يرسله لنا في حمص. وحين بدأت العطلة الصيفية سافرنا أنا وأمي وأخواي سحبان وبشار إلى بيروت لرؤية والدي. أخي الأكبر فراس لم يصحبنا؛ كان في الجامعة ولديه ما يشغله. وأما أختي مها فكانت قد أنجبت للتو ابنها البكر سامر في حماة، وما كان بمقدرها مرافقتنا.
كانت الرحلة طويلة، ولست أذكر منها سوى الحرّ الكريه الذي كان يكوينا في السيارة التي أقلّتنا من حمص إلى طرابلس ومنها إلى بيروت، ويضاعف من الحرّ رطوبة لزجة ما كنت أعرفها في حمص. قابلَنا أبي في شارع ما ببيروت؛ وبينما سلّمت عليه بنوع من الغربة بعد غياب أربعة أشهر، قفز أخي بشار فتعلّق برقبته، في حين عانقه سحبان عناق رجل لرجل. ركبنا سيارة أجرة نقلتنا إلى ضاحية قرب بيروت اسمها “جلّ الديب”، حيث أمضينا ثلاثة أشهر فاتنات. عرفت البحر لأول مرّة في حياتي، وتنافست مع أخي بشار في حبّ صبية أرمنية كانت تسكن قربنا، لنكتشف، كلانا، أن سحبان هو من فاز بها، وتلذّذت بطعم البيبسي كولا اللاذع لأول مرّة. وعرفت لأول مرّة متعة الصعود على السلالم المتحرّكة في بناية ستاركو، التي ستهدّمها الحرب فيما بعد، وسحر المكيّف الذي يهبط عليك بردا وسلاما بعد مسيرة قائظه. كانت الرحلة بالسيرفيس إلى بيروت تستغرق ربع ساعة، ولكنها بالنسبة لي، أنا القادم من حمص، سفرة جليلة. حين زرت جلّ الديب في التسعينات، ورأيت كيف صارت جزءا من زحمة بيروت الخانقة، شعرت بأسى على البلدة الوادعة التي كانت تبعد أمتارا قليلة عن شاطئ البحر، والتي كان فيها الشاطئ ملكا للجميع. حين عدنا من بيروت أوائل أيلول/سبتمبر، تركت في بيروت شيئا من قلبي، لا زلت أستعيده في كلّ مرّة أزور فيها تلك الفتنة المتنقّلة.
من جديد، استقبلتني بيروت إذن فاتحة ذراعيها، كما استقبلت والدي قبل ست عشرة سنة، بالكرم ذاته والدفء عينه. ومع ذلك فقد كانت مدينة مختلفة. كانت الحرب قد غيّرت إلى حدّ كبير معالم المدينة التي كانت ما تزال كالخيال في خاطري. كانت آثار الرصاص الذي اخترق جدران البنايات نابية كبثور حَبّ الشباب على وجوه الصبايا. وفقدت بعض البنايات طرفا منها أو خسرت طابقها العلوي. وانتشر المسلحون في أحياء بيروت الغربية، من كلّ لون ومن كل حدْب. فتْح والجبهة الشعبية وشقيقتها الديمقراطية والقيادة العامة وابنتها جبهة التحرير الفلسطينية، الحزب التقدمي الاشتراكي، المرابطون، جماعة كمال شاتيلا، الحزب السوري القومي، وعشرات الدكاكين الأخرى. تحتلّ كلّ جماعة شارعا، وتسدّ منافذه بحواجز يقف عندها شبان دون العشرين، يطلبون منك بطاقتك الشخصية.
أمّن لنا الرفاق التروتسكيون بيتا في حارة بير العبد القريبة من حارة حريك وأمّن لنا الرفاق في الجبهة الشعبية بطاقات هوية لبنانية. فأمّا البيت فكان شقّة من غرفتي نوم وصالة ومطبخ في الطابق الأول من بناية كانت وقتها حديثة، تشاركنا نحن الأربعة الذين تمّ إبعادنا عن دمشق لتحرير “الراية الحمراء” وتمثيل الرابطة خارجيا: أصلان عبد الكريم وكامل عبّاس وأحمد رزق وأنا. وأما البطاقة الشخصية فكانت كبيرة بلون برتقالي وكانت تطوى من منتصفها كدفتر صغير. كان اسمي في البطاقة سهيل البدري، من مواليد طرابلس. وكان اسم أمي زبيبة كأمّ عنترة العبسي، رغم أنه لا جامع بيننا سوى اللون، ربما. لا الشِعر ولا الفروسية. في كلّ مرّة كان الشباب المسلّحون يطلبون هويتي، كنت أخرجها بتباهٍ ساذج، آملا مع ذلك ألا يكتشف المسلّح لهجتي السورية إن هو سألني أكثر من اسمي. ولكن أحدا لم يسأل. كانوا يأخذون البطاقة، ينظرون إليها دون أن يقرؤوا شيئا، ثمّ يعيدونها، ويلوّحون لك أن تابع مسيرك. مرّة واحدة أخطأ سائق السرفيس طريقه وعبر الخط الفاصل بين البيروتين: الغربية والشرقية من محور المتحف.
“اللعنة!” صاح السائق وقد اكتشف خطأه، ولكن بعد فوات الأوان.
أوقفنا المسلّح الذي يتكاسل أمام محرسه، تحت علم الكتائب: شجرة أرْز مقسّمة ثلاثة أقسام كتب على قسمها العلوي “الله” ثمّ “الوطن” وفي القسم السفلي “العائلة”، وتعملقت بجانب العلم صورة لرئيس الكتائب بيير الجميّل غطت واجهة بناء بأكمله.
“لوين إذا الله راد؟”
تلعثم السائق وهو يقول:
“جايين من الصنايع عَ المزرعة. ما بعرف كيف غلبطت.”
رمقه المسلّح بطرف عينيه، ثم نظر إلينا نحن الكائنات الضائعة الذين شاءـ الأقدار أن نركب في سيارة سرفيس لا يعرف صاحبه حدود السلامة في مدينة الحرب.
“تذاكركن!”
أحسست بالدم ينسحب سريعا من وجهي. بتردّد مددت يدي وأخرجت بطاقتي التي كنت أتباهى فيها في المنطقة الغربية.
أخذ بطاقتي وبطاقتي الاثنين الآخرين. تأمل فيها طويلا، ثم قال لي:
“إنتا سهيل؟”
“إي نعم.” حاولت أن ألفظها بلهجة طرابلسية ما أمكنني.
“ولا زبر!! إذا بدك تزور تذكرة تعا لعندي المرة الجاية.”
ولا أملك أي تفسير آخر سوى أن دعوات أبي كانت تصحبني في ذلك المساء. ردّ المسلّح البطاقتين الأخريين لصاحبيهما. واحتفظ ببطاقتي لحظات مرت عليّ دهورا. انتصب واقفا، واستدار لحظة، ثمّ كأنه غيّر رأيه، فرجع إلينا، ورمى بطاقتي في وجهي، وقال للسائق:
“إذا ما بتعرف الطرقات ليش بتسوق سرفيس؟ خود أول شمال وسوق دغري.”
تزاحمت عبارات الشكر على لسان السائق: “الله يخليكن سيدنا. يطول عمركن.” وحرّك سيارته إلى أول منعطف على اليسار، ومضى ينهب الطريق نهبا. أما أنا فالتقطت بطاقتي من على حجري ووضعتها في جيبي، والتقطت معها قلبي الذي كان سقط بعيدا بين ساقيّ، بيد أنني لم أعرف أين أعيده.
لا أذكر الآن من الذي عرّفني على يوسف عبد الحميد، ولكنه، كائنا من كان، أسدى لي معروفا لا يضاهى. معرفة يوسف عبد الحميد كانت من الكنوز التي تهبك إياها الحياة بتقنين وحذر شديد. كان أبو بشار أحدَ المنفيين السوريين الذين احتفت بهم بيروت، صحفيا متمرّسا ومعلّما حقيقيا في الحياة والسياسة والصحافة. كان قريبا لجماعة 23 شباط، ولكنّ صدره وبيته كانا مفتوحين لجميع السوريين المعارضين (وربما غير المعارضين). كان مدير تحرير جريدة يومية اسمها “القاعدة” تصدرها جبهة التحرير الفلسطينية (ولا علاقة لها البتّة بقاعدة أسامة بن لادن). كانت جبهة التحرير الفلسطينية قد انشقّت قبل عامين فقط عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بسبب المواقف المخزية لزعيم الجبهة أحمد جبريل الذي دعم التدخل السوري في لبنان وقاتل مع الجيش السوري ضدّ الفصائل الفلسطينية وفصائل الحركة الوطنية اللبنانية. قاد الانشقاق سياسيا طلعت يعقوب وعسكريا محد عبّاس (أبو العبّاس)، الذي سيرمي بنفسه أخيرا في أحضان صدّام حسين، فيُلقَى القبض عليه من قبل القوات الأميركية إثر سقوط بغداد عام 2003، ثمّ يموت في أحد السجون الأميركية في العراق. ككلّ الفصائل الفلسطينية في ذلك الحين، تبنّت الجبهةُ الماركسيةَ اللينينية، وكانت بحاجة إلى كوادر للعمل في جريدتها لإبراز هذا الخطّ اليساري. وكان أبو بشّار المكلّفَ بهذه المهمّة، وقد اختارني لأعمل بجانبه (كما سيضمّ لاحقا الكثير من رفاق الرابطة الذين ستهجّرهم دمشق وتستقبلهم بيروت) في الجريدة.
بدأت محرّر أخبار، ثم خطر لي مرّة أن أكتب مادة رأي عنونتها “حكومة سليم الحصّ لصاحبها الياس سركيس”، أحبها أبو بشّار ونشرها كافتتاحية. وصرت أكتب عمودا كلّ صباح. لقاء ذلك كان مرتّبي 600 ليرة لبنانية. كان مبلغا ضخما في تلك الأيام، مبلغا يكفينا نحن الأربعة لنعيش بنصفه ونرسل نصفه الآخر إلى الرفاق في دمشق.
كان مقرّ الجريدة في الفاكهاني، الجمهورية المستقلّة التي كان يحكمها ياسر عرفات، ويترك قصدا هامشا للمنظمات الفلسطينية الأخرى والحركة الوطنية اللبنانية للحركة والاستعراض. في استراحة الغداء في أحد الأيام، نزلت أشتري سندويشة شاورما. عند بائع السندويش عند تقاطع شارع أبو شاكر مع شارع عمر الزعنّي. كنت بانتظار السندويشة عندما بدأت حولي حركة مريبة، بدأ الرجال والنساء ينسحبون من الشارع بسرعة، وأغلقت المحلات أبوابها بسرعة، وتراكض خلفي حفنة من الشباب بأسلحتهم. وجدت نفسي بعد دقيقة وحدي في الشارع أتلفّت يمنة ويسرة ولا أعرف شيئا مما يدور حولي. أخيرا، انقذف من داخل أحد الدكاكين شاب أسمر متين البنية، جذبني من ذراعي بقوّة وأدخلي الدكان عنونة. وما كدت أدخل وينزل الباب المعدني علينا، حتى فتحت جهنّم أبوابها في الخارج. لعلع الرصاص بجنون. حولي كان بضعة رجال ونساء، كانوا يتبادلون الحديث وكأن شيئا لا يحدث في الخارج. الشاب الذي أنقذني جلس قربي على كرسي واطئ، وسأل بلهجة فلسطينية محبّبة:
“الأخ من وين؟”
“من سوريا،” أجبت.
“جاي جديد؟”
أومأت برأسي.
“معلش. بكرة بتتعود.”
“بس شو عم بيصير؟” سألت بعد تردد.
“جماعة فتح والديمقراطية مختلفين ع شي شغلة. كل كم يوم بيعملوا هالقصّة.”
بعد عشرين دقيقة مرّت عشرين دهرا. هدأ كلّ شيء. فتح صاحب الدكان باب دكانه، وفتحت معظم الدكاكين والمحلّات أبوابها. وخرج الناس يبتغون سبيلهم.
وفي شارع فرعي، كان أحد عناصر الديمقراطية يستعرض سلاحه ويصيح بصوت كالرعد:
“أبو النوف وبس! وينن هالعرصات ما عم ببينوا؟!”

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق