نائية الإسلام الراديكالي والديكتاتورية العسكرية (7): سوريا الأسد الابن والصناعة العلنيّة للإرهاب / عبدالله حسن

لطالما كانت الديكتاتورية العسكرية والإسلام الراديكالي في السابق يستخدمان بعضهما البعض بشكل تناظري، بمعنى أن الديكتاتور كان دائماً ما يحتاج إلى (البعبع الإسلامي) لإقصاء جميع معارضيه، وأن الإسلام السياسي من جهته كان بحاجة للديكتاتور كي يلصق بكل أشكال الحكم غير الإسلامي صفة (الظلم، والإباحيّة) ويُفسّر من خلال ذاك الحكم (غير الإسلامي) كل ما يقاسيه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من فقر وفساد.. إلخ.

في هذا المقال سنرى كيف أن الديكتاتور (وللمرة الأولى) قد اشتغل مع الإسلام الراديكالي بشكل تعاوني بعد أن قام بصناعته علناً أمام الجميع (لا تحت الطاولة)، ليستخدمه كـ بعبع في إسكات المعارضة الدولية لنظام حكمه.

توفيَ حافظ الأسد في العام 2000 تاركاً خلفه شعباً متآكِلاً من الداخل، مُتواكِلاً، حالماً، مُتهالكاً، بدائياً في أبسط سُبل تحصيله للمَعارف والتأثّر بها، وأشاع الفوضى إسلامياً، عربياً، وعالمياً في المحصّلة، وأساء لسمعة سوريا واصماً إياها بكونها مصنعاً للإرهاب، وشيد نظام حكمٍ لا يقارعه في السوء إلا نظام كوريا الشمالية، نظامٌ ما إن اتّخذهُ أحد مكونات الشعب السوري عدوّاً حتى يقع في حرب طائفية مع البقية.. مات حافظ الأسد، وهاهو ذا الآن خليفتهُ ووليُّ عهده (بشار) رئيساً لم يستطع أن يتخلّص من منطق العناد الذي بدأهُ والدُه.

قبلها بعشرين عاماً، كان الأسد الأب قد أرسل انتحاريين شيعة لاستهداف الأمريكيين في لبنان، إلا أن الأسد الابن هذا كان قد قرّر على ما يبدو، ومنذ توليه الرئاسة، السير على خطى أبيه، لكنْ ما كانَ بِصددِ إطلاق جماحِه سيمزّق العالم العربي إرباً، ثم سيعود ليدمّره شخصياً، قبل أن يساعدهُ في تثبيت حكمه آخر الأمر!

لم يكن بشار يعتقد يوماً بأنه سيكون رئيساً، كانت كل المؤشرات تتجه إلى أخيه (باسل) خلفاً لأبيه، لكنَّ وفاةَ هذا الأخير إثر حادث سير -حسبما قيل- خلّت الطريق أمامه ليستولي على القصر العملاق المطلّ على دمشق، والذي شيّده والده آنذاك إبان بداية عناده لوزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر.

حين تولّى سدّة الحكم، لم يكن بشار مهتماً بالسياسة، وعلى الأرجح كان جاهلاً بها كلياً، كان هذا الأخير مفتوناً بعالم الحاسوب، وقد دشّن مجتمع الحاسوب السوري، وأدخل الإنترنت إلى البلاد؛ وقد كانت أوركيسترا «إليكتريك لايت/ The Electric Light Orchestra» فرقتَه الموسيقيةَ المفضلة، وهو الآن رئيس سوريا الوارث عن أبيه من بين ما ورِث، عداءَه للولايات المتحدة الأمريكية، وتجسيدَه جوهرَ وروح المقاومة والممانعة ضد الإمبريالية العالمية، وقلبَ العروبة النابض… إلخ.

محمود قول أغاسي

لم تمضِ سوى بضعة أشهر على تولّي بشار الأسد سدّة الحكم في دمشق، حتى انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الثانية… ومن غير الممكن مثلما هو معلوم أن يمرّ هذا الحدث مرور الكرام دون أن يستثمره الديكتاتور كعادته في المنطقة.

حينها، وبشكل لافت ومثير للكثير من إشارات التعجب، ظهرَ رجل ما في مدينة حلب يدعى «محمود قول أغاسي» ينادي بالجهاد من على أحد منابرها، ممثِّلاً السلفيّة الجهادية بأدقّ ملامحها تحت أنظار الحكومة في دولة الحزب الواحد… لم يكن يجرؤ على هذا أحد سواه. سيلعب أغاسي دور البطولة في مسلسل صناعة الإرهاب السوري خلال الست سنوات الأولى التي استهلَّ بها بشار الأسد حكمه.

وُلد أغاسي، أو كما أطلق على نفسه لقب (أبو القعقاع) في قرية «الغوز» في ريف حلب عام 1973، وهو من أسرة تركمانية، يحمل الجنسية الباكستانية، حصل على الدكتوراه عام 2001 من جامعة كراتشي/ باكستان في مجال الدعوة، وكان في فترة ما مديراً للثانوية الشرعية في حلب.

محمد آغاسي
بداياته

بدأ أبو القعقاع مشواره بشكل سرّي، متنقّلاً، مستقطباً الشبان من هنا وهناك للالتحاق به، إلى أن بدأت الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 عقب دخول القوات الإسرائيلية حرم المسجد الأقصى آنذاك، التي رأى من خلالها هو الآخر فرصة مثالية لتجنيد الشبان إلى جانبه علانيّةً… انهالت عليه أموال مثيرة للريبة وبشكل مفاجئ، وهو المولود لأسرة فقيرة، بنى مسجداً في حي «الصاخور» وهو حي شعبي في حلب القديمة على نفقته الخاصة يُدعى «مسجد العلاء الحضرمي»، وأخذ يدعو الناس من على منبره للانضمام إليه.

اتّخذ أبو القعقاع من منبر «مسجد العلاء الحضرمي» في الحيّ الفقير منطلقاً لنشر أفكاره الجهادية بدعوى الدفاع عن أرض المسلمين تزامناً مع انطلاق انتفاضة فلسطين، ومكاناً حتى لتدريب أتباعه من آلاف الشبان الذين انضموا له على فنون القتال، مقاطع فيديو كثيرة توثّق تدريباتهم بالزي العسكري داخل المسجد، كما كان يدعو أتباعه إلى استمالة السلفيّة في حلب للعمل سويةً !.. ليؤسس فيما بعد جماعته الشهيرة «غرباء الشام»، كل ذلك على مرأى ومسمع من الحكومة السورية!

ولَكَم ظهرَ أغاسي يخاطب الجموع: «مَن منكم مستعد ليكون من أولئك الأشاوس الذين يحملون صواريخ القسّام في مواجهة أعداء الله اليهود؟»، أو كما يقول في موضع آخر: «إن سوريا صلاح الدين، وسوريا أرض النبوّة، وسوريا أرض الملاحم، وسوريا منطلق النصر القادم، ستبقى هي الدرع الذي يتصدّى لكل المؤامرة، وستخرّج طلائع جيل الملحمة بإذن الله» (….) «إليكم المسلمات فاحفظوها وافهموها، لن نوقّع أبداً على شهادة وفاة قضية فلسطين، لن نوقع لو دفنونا أحياء، لن نوقع لو جاؤونا بكل قوة، ولو شحذوا كل سلاح، لن نوقع لو عَلَت أصواتهم، لن نوقع لو حلّقت طائراتهم، لو هدّموا الديار، لو قتّلوا الصغار، لو ذبّحوا الكبار، علِّموها للأجيال، فليكن الأقصى على لسانكم موجودا» وذلك في انسجام كامل مع طرح (المقاومة والممانعة) المزعوم السوري الإيراني الرسمي، ضاغطا على نقطة ضعف الشارع السوري والعربي، المتمثلة بقضيّة فلسطين.

كان الأسد الأب قد أرسل انتحاريين شيعة لاستهداف الأمريكيين في لبنان، إلا أن الأسد الابن هذا كان قد قرّر على ما يبدو، ومنذ توليه الرئاسة، السير على خطى أبيه، لكنْ ما كانَ بِصددِ إطلاق جماحِه سيمزّق العالم العربي إرباً، ثم سيعود ليدمّره شخصياً، قبل أن يساعدهُ في تثبيت حكمه آخر الأمر!

علاقته بالمخابرات السورية

كان أبو القعقاع يدّعي أن وجود الأمن السوري إلى جانبه هو أفضل للدعوة التي بدأها، لذلك كانت خطبه دائماً ما يتم تصويرها وطباعتها على أشرطة فيديو و CDليبرّر أمام أتباعه ذلك بأنهم «لا يعملون خارج الأضواء»، لا بل كانت أسواق المدن السورية في تلك الفترة غارقة بالاسطوانات التي تحتوي على خطبه «الناريّة الجريئة» وبشكل علني.

عن علاقته بالسلطة ثمة طرحان، يدّعي الأول أن جهادياً كهذا الرجل يحمل مشروعاً «خاصاً به» رأى أنه من غير الممكن العمل في سوريا البعث دون الالتفاف إلى السلطة والتعاون معها، منتقداً سياسة الإخوان (العنيفة) ضد السلطة، ويرى الرأي الآخر أنه كان منذ بدايته مرتبطاً بأجهزة الأمن السورية ومزوّداً إياها بكل أسماء وصور من انضموا إليه، بمعنى أنه كان «نقطة تجميع» من خلالها يمكن معرفة كل الإسلاميين الأصوليين في سوريا، والحقيقة أن الرأي الثاني تؤكده الكثير من الأدلة.

كان أبو القعقاع يدعو إلى المزاوجة والتوحيد بين ما أسماهما (الجهازين الأمني والإيماني) يقصد أمن الدولة ودين الأفراد، وكان يفسر ذلك على أن «كل إنسان مؤمن، عليه أن يرى الأمن (المؤسسة الأمنية السورية) فعلاً إيجابياً طالما كان هدف دين المؤمن الحض على رفع الأذى عن الإنسان، والأمن يفعل ذلك».

في كتيّب مؤلف من عشر صفحات، وهو من النوع الذي يسهل حمله في الجيب يحمل عنوان «حقوق ولي الأمر -الحاكم» يهدي أبو القعقاع كتيبه هذا إلى «أبناء أمتي حكاما ومحكومين، مسؤولين ورعايا، حَمَلَة رتب وأصحاب لحى، دعاة دينٍ وفرسانَ سياسية، عناصر أمن وجند إيمان»، في هذا الكتيب ثمة إصرار منه يتضح في العنوان ومن خلال التفاصيل على أن الرجل كان على علاقة طيبة مع «الأمن السوري»، وقد كان هذا جديداً ومختلفاً عما هو معهود عن «الجهاديين» بشكل عام، والسوريين على وجه الخصوص.

في الصفحة الثانية التي أتت بعنوان «بيعتنا» يقول: «نبايع الله على ألا ننازع الحُكمَ أهلَه، والنصحَ لولاة الأمور، والسعي إلى وحدة صفوف الأمة حكاما ومحكومين على أساس العلاقة التعاونية التناسقية في مواجهة كل صور الفتن الداخلية والمؤامرات الخارجية ضد بلادنا، ونكون لوطننا أدوات بناء لا هدم، وطاقات تعمير لا تخريب، حتى وإن ظُلمنا وأصابنا الأذى». الصورة تتضح أكثر في مكان آخر حين يقول «إنْ حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر ضاع الشرع والأمن».. حاضّاً كـ غيره من الدعاة السوريين على السمع والطاعة.

وفي وثائقي نشرته قناة الجزيرة عام 2015 تناول سيرة محمود أغاسي حمل عنوان «الصندوق الأسود – أبو القعقاع السوري» يقول العقيد المتقاعد من الاستخبارات العسكرية المقيم في تركيا «إبراهيم البيطار»: «بالنسبة لأبو القعقاع، من عام 2000 أو 2001 ظهر نشاط كتير لهذا الرجل في منطقة الصاخور، وكان عندو مريدين، كل جمعة كان يزيد عدد مريديه…. كان أبو القعقاع يتقرّب من كل الناس اللي كانت تجي على المسجد ويتعرف عليها، وباعتبار هو مرتبط كان يقدّم الأسماء للمخابرات».

ويضيف: «كان أبو القعقاع مرتبط بدايةً برئيس شعبة المخابرات اللواء حسن خليل، ومن ثم -نتيجة تطور ظروف أبو القعقاع واستلامو لمسجد في حلب- أُوكلت مهمة التواصل معو للواء ديب زيتون، اللي هو حالياً مدير إدارة أمن الدولة». وهذا ما يبتّ في المسألة في أن الرجل كان أداة الأسد الابن لصناعة الإرهاب الداخلي وإبرازه علانيةً لتطويعه في خدمة نظام الديكتاتور على أصعدة شتى.

الحرب على الإرهاب / الجهاد العالمي

في الحادي عشر من أيلول سبتمبر عام 2001 هوجم برجا التجارة العالمية في الولايات المتحدة، وأعلنت الإدراة الأمريكية ما أسمته «الحرب على الإرهاب»، و بدأت حربها ضد أفغانستان، في ذاك الوقت انتقل محمود أغاسي من الحشد الديني باسم القضية الفلسطينية كـ محور رئيس، إلى مرحلة تبني الجهاد العالمي، فسعى إلى تكوين علاقات خارجية بدأت بزيارته إلى أفغانستان.

غادر أغاسي سوريا متوجهاً إلى أفغانستان لمقابلة «أسامة بن لادن» وكان يريد أن يكوّن له جيوباً في سوريا حسبما يذكر البعض من أتباعه، إلا أنه لم يستطع ذلك، لعل أسامة بن لادن والظواهري كانا قد استشعرا الخطر من طبيعة عمل هذا الرجل في بلاد يحكمها البعث وتبنّيه الجهاد داخلها، لكنْ، ألا يمكن القول بأن الحكومة السورية هي من أرادت لأبي القعقاع العمل على إنشاء علاقات مع القاعدة هناك؟ ألا يمكن أن تكون الحكومة السورية هي من أرسلته إلى أفغانستان؟ أو بالأحرى كيف سمحت الحكومة السورية لأبي القعقاع بالعودة ومتابعة نشاطاته فيها عقب زيارة كـ هذه؟ لاشك بأن نظاماً قد سمح له أصلاً بالعمل داخل سوريا والحض على الجهاد فيها، ليس بعيداً عنه أن يسعى إلى (عولمة) تحدّيه للولايات المتحدة.

بعد فشل مهمة أغاسي في أفغانستان، وعودته إلى حلب، سمحت قوات الأمن السورية في المدينة لأبي القعقاع بأن يُطلق المهرجانات الدعوية في الساحات العامة !!، ليُري الناس مشروعه العالمي آنف الذكر.. في ذاك الوقت كانت وفود شتى من السعودية، قطر، الأردن، فلسطين، تتوافد لزيارته، يظهر الكثير منهم في «المهرجانات» المصوَّرة التي كان يقيمها هنا وهناك.

بعدها بعام (2002)، توجه أغاسي إلى العراق لمدة شهر لإقامة علاقات خارجية هناك… بين العامين 2001 و 2002 كانت قد تجاوزت أسطوانات الـCD التي تحتوي على خُطبه في العراق المليون نسخة لنشر فكره في تلك المنطقة… كان أغاسي يريد ماهو أكبر من تجنيد الأتباع.. مؤسسةً أمنيّة-جهاديّة، تنظيماً سنّياً مسلّحاً يعمل جنباً إلى جنب مع الحكومة السورية… شيء أشبه بحزب الله في لبنان، وكلاهما في النهاية هندسة سوريّة، البلد المصدّر الأول للإرهاب عالمياً.

بعد عدة أعوام سيصبح أبو القعقاع هذا ظاهرةً حقيقية، وسيكون وجوده في سوريا (التي تدّعي العلمانية) البعثيّة المحكومة من نظام يعمل وفق كل آليات المكر المخابراتي نافراً وغريباً، ففي ذلك الوقت كان بإمكانك أن تجد في مدينة حلب، وفي ملعبها البلدي الذي أُطلق عليه اسم ملعب «الباسل» (ابن حافظ الأسد) مجموعةً من المقاتلين المنتمين له، يتلقّون التدريبات، عاصبي الرؤوس بقطع قماش خضراء وسوداء، كتب عليها عبارات استشهادية جهادية، برعاية تامة من أجهزة الدولة!!

حرب العراق

مع بدايات الحرب على العراق في شهر آذار/ مارس 2003 كان بشار الأسد مقتنعاً بأن ذلك لم يكن سوى خطوة في مخطط أكبر هدفُه استيلاء القوى الغربية على الشرق الأوسط (أفكار والده المُفعمة بحسّ المؤامرة إبّان إرسال الولايات المتحدة قوات مارينز آنذاك إلى بيروت)، كما كان يرى أن هذا الغزو قد أثار غضب العديد من الإسلاميين الأصوليين في سوريا الذين ربّاهم والدُه بعناية داخل السجون وخارجها، واشتغل هو على إنعاش وضعهم مجدداً -هذا إن لم نقل إنه تبنّى مشروع الجهاديين بدعمهم- وأن هؤلاء كانوا يرغبون بشدّة في الذهاب إلى العراق وقتال الأمريكيين هناك، الأمر الذي حدا به إلى إعطاء تعليماته للاستخبارات السورية بتسهيل مهمة انتقالهم.

من جهته بدا أن محمود أغاسي قد دخل مرحلة جديدة بعد فلسطين والجهاد العالمي، ففي الـ 23 من الشهر ذاته (مارس 2003) عاد من رحلة له في المملكة العربية السعودية، ظهرَ وسط أتباعه في جامع العلاء، جلس الجميع ينتظر إشارة منه لإعلان الجهاد في العراق… صعدَ إلى المنبر ليقول: «إنني أعدكم وعداً صادقاً مخلصاً بأنني سأسعى إلى مَن بيده القرار (يقصد رأس النظام السوري) وبكل ما أستطيع من قوة وإقناع ووثائق وبراهين أن نصل إلى مستوى أن نعلن جهادنا ضمن خطة وراية واضحة».

بعد ذلك بعدة أسابيع ظهرَ مجدداً ليقول: «كيف نعمل في ساحة العراق لِجعل الأمريكان واليهود يدفعون الثمن الأكبر؟ يجب توزيع القوى الغاضبة الثائرة من أمثالكم (يشير إلى أتباعه في المسجد) في جماعات، ساعتها تكون كل مجموعة منا عبارة عن جيش كامل تُدمِّر ولا تُدمَّر، وتَقتل ولا تُقتل»، ليتضّح فيما بعد أنه كان يرسل بالجهاديين من أتباعه إلى فصيل معيّن تابع للمخابرات السورية داخل العراق، وهو ما أكّدته قوات الأمن العراقية فيما بعد لدى استجوابها بعض مَن تم القبض عليهم آنذاك، والذين اعترفوا بتلقّيهم تدريبات لدى أبي القعقاع نفسه.

أبو القعقاع أو محمد آغاسي
دشنت السلطات السورية بتوجيهات بشار الأسد ما يشبه خط إمداد بدأ بِضَخّ آلاف المقاتلين سوريين وغيرهم عبر الحدود إلى قلب العراق «الشقيق» بالتعاون مع البعث العراقي المخلوع عنوةً، كانت سوريا وقتها تؤوي الآلاف من الإرهابيين وتوفّر لهم مقراً وملاذاً، علاوةً على تدريبهم عسكرياً في معسكرات تتبع للمخابرات السورية والجيش، منهم من كانت قد صدرت بحقّهم مذكرات اعتقال للإنتربول الدولي أمثال (محمد يونس الأحمد، وسطام فرحان) وفي العام الأول دخل تقريباً جميع المقاتلين الأجانب إلى العراق عبر سوريا، مصطَحِبين معهم أولئك المستعدّين لتفجير أنفسِهم بعدما أصابت عدوى قتل النفس المجتمع السنّي في مقتل مثلما أسلفنا، وشَرْعَنها كبار مشايخهم… وقد قدّرت الولايات المتحدة نسبة التفجيرات الانتحارية التي نفّذها مقاتلون أجانب (غير عراقيين) بحوالي 90% من إجمالي عدد التفجيرات آنذاك.

يؤكد العقيد المتقاعد من الاستخبارات العسكرية السورية «إبراهيم البيطار» في وثائقي الجزيرة أنه «في يوم واحد من حلب، على حسب معرفتي، طلع 20 باص.. 20 باص مملوئين بالمجاهدين الذاهبين إلى العراق، وكانت كل أسمائهم لدى الأجهزة الأمنية عن طريق أبو القعقاع وغيرو».

في تلك الفترة كانت تتدفق على محمود أغاسي التبرعات من العالم الإسلامي في سبيل دعم «المقاومة المسلحة في العراق»، وكان اللواءان في المخابرات السورية (ديب زيتون، ومحمد منصورة) يرتّبان مع غيرهما الطريق الممهّد لوصول تلك المساعدات، وكانت مشاهدة شوالات الربطات النقدية بالعملات المختلفة أمراً عاديا في بيت محمود قول أغاسي والبيوت التابعة له (حسبما يذكر صحفي مقرّب منه)، وكان مال الدم يمرّ أمام أعين البعثيين ذاهباً لتفجير الأوضاع في الجار «الشقيق».

في مقال له يقول الكاتب العراقي «كاميران قره داغي» أن نظام البعث السوري بدعمهِ الإرهاب في العراق وتسهيل تدريب الإرهابيين المنتمين للقاعدة تحديداً بتنسيق مع البعث العراقي كان «يسعى إلى هدف محدد أوضحَه بـشار الأسد نفسه آنذاك لوفد عراقي رسمي زار دمــشق، الوفد نقل عن الأسـد قوله (إن على الحكم العراقي أن يفهم أن البعث السـوري لا يمكن أن يتخلى عن البعث العراقي، فهما في النهاية بعث واحد، ونظـامه لـن يـهدأ حتى يعود إلى السلطة في بغداد) كلام صريح وواضـح. ومهما جهد أهل الحكم العراقي لمنع التدخل الســوري آنذاك كانت جهودهم تذهب سـدى على رغم الوجود العسكري الأميـركي الداعم والمسيطر، وحضور الـلاعب الإيـراني الداعم بـقوة أكبر لحلفائه الشيعة المهيـمنـين علـى الـحكم في بـغداد، ونفوذه في دمـشق. بل يــجـوز القـول إن هذا اللاعب الخطير كان يشارك عملياً في اللعبة السورية لكن لمصلحته الخاصة».

سيصبح أبو القعقاع هذا ظاهرةً حقيقية، وسيكون وجوده في سوريا (التي تدّعي العلمانية) البعثيّة المحكومة من نظام يعمل وفق كل آليات المكر المخابراتي نافراً وغريباً، ففي ذلك الوقت كان بإمكانك أن تجد في مدينة حلب، وفي ملعبها البلدي الذي أُطلق عليه اسم ملعب «الباسل» (ابن حافظ الأسد) مجموعةً من المقاتلين المنتمين له، يتلقّون التدريبات، عاصبي الرؤوس بقطع قماش خضراء وسوداء، كتب عليها عبارات استشهادية جهادية، برعاية تامة من أجهزة الدولة!!

على مدى أيام وأسابيع كان التلفزيون الرسمي ووسائل الإعلام العراقية آنذاك تبثّ اعترافات لإرهابيين تم القبض عليهم، منهم سوريون وغير سوريين، تم تجنيدهم من قبل نظام بشار الأسد، تحدّثوا عن كيفية دخولهم للعراق، والهدف من ذاك الدخول، ومصادر التمويل؛ و كانت وسائل الإعلام العراقية توضح حينها أن ما يُبث ليس سوى (نقطة في بحر) من الأدلة لدى الحكومة على إجرام بشار الأسد الذي كانت توجه له الاتهامات مباشرة، وتُبين بالتفاصيل دور المخابرات السورية في صناعة المجموعات الإرهابية و تزويدها بالوسائل اللازمة لعملها، و تصديرها عبر الحدود، كما تم الكشف وقتذاك عن شاحنات مُحمّلة بالأحزمة الناسفة على الحدود العراقية مع سوريا، شاحنات تم تحميلها من داخل سوريا بأحزمة ناسفة ليتبيّن أنه تمّ تصنيعها في المصانع و المعسكرات السورية الحكومية.

مع ازدياد عدد الجهاديين والتفجيرات الانتحارية، خرجت الأمور عن السيطرة تماماً، وتحوّل معظم الجهاديين للعمل مع «تنظيم القاعدة» بفروعها المتعدّدة (دولة العراق الإسلامية، مجلس شورى المجاهدين، وغيرها ..)، وباتوا يستهدفون الشيعة، مجسّدين بذلك الطائفيّة بأوضح صورها، ومؤججين حرباً أهلية سيكون لها بالغ الأثر على المنطقة عموماً والعملية السياسية المستقبلية في العراق خصوصاً (نظام محاصصة طائفية)، لتنقلب بالمحصّلة فكرة التضحية بالنفس (قنبلة الفقراء الذرية) التي ابتكرها الشيعة على الشيعة أنفسهم!

من وجهة نظر (الجهاديين السنة) كان استهداف الشيعة يتم بذريعة أنهم «عملاء» للولايات المتحدة الأمريكية، هذا ما كانت تبثّه إصداراتهم المصوّرة، لكن في العمق، ومع العلم بأن المخابرات السورية وإيران يتغلغلان داخل هذه الجماعات، لا يمكن إلا القول بأنهما الرابح الأكبر من عمليات تأجيج الحرب الطائفية باستهداف مزارات الشيعة، الأمر الذي سيفضي بلا شك إلى حشد هذا المكوّن ليس فقط ضد أعداء صدام حسين (الديكتاتور البعثي/ السنّي) لا بل جعل هذا المكوّن في نهاية الأمر أداة بيد اللاعب الإيراني حتى الرمق الأخير، بوصفه «المخلّص» الوحيد الذي تجمعهم به مرجعيّة دينية غير قابلة للنقاش… الأطراف المتحاربة تستفيد من أعدائها لحشد الأنصار وتَعبئتهم كوقود لاستمرارية الحرب والحكم (العسكر المصري والإخوان – الجيش السوري والطليعة المقاتلة – حركة حماس واليمين الإسرائيلي… إلخ).

على أية حال، حين عاد الجهاديون السوريون إلى بلادهم من العراق، التَقفتهُم أيدي المخابرات وزجّت بهم في السجون مرة أخرى لاستخدامهم في مراحل قادمة… سنرى لاحقاً كيف سيكون بعضهم قادة الحراك المسلّح ضد الأسد الابن بعد العام 2012 وكيف سيمنح هؤلاء قُبلة الحياة والبقاء للنظام الحاكم.

سوريا الجديدة

في 1 أيار 2003، أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش من على ظهر بارجة حربية أن «المهمة قد أُنجزت في العراق»، قام في اليوم التالي وزير الخارجية الأمريكي «كولن باول» بزيارة خاطفة إلى دمشق، التقى خلالها بشار الأسد، وأوضح أن «ما قلته للرئيس الأسد هو أنك تستطيع أن تكون جزءاً من مستقبل إيجابي، أو أن تبقى في الماضي مع السياسات التي تتبعها… الخيار لك».

وقتها كان الأسد يستعمل حاجة الولايات المتحدة لمساعدته في ضبط الأمور في العراق كـ ورقة ضغط ضد واشنطن نفسها، مدعوماً بالعقل الإيراني (حليفه الكبير الذي أراد أن يرث الأرض وما عليها في عراق ما بعد صدام حسين)، استغلّ الأسد هلع الأمريكان من تنظيم القاعدة، وكان يريد خلق الظروف المناسبة للأمريكيين كي يعدّوه أحد أهم محاربي الإرهاب في المنطقة، فلم يكن من الأسد إلا أن يتغلغل في التنظيم ذاته، ويقدم له الدعم اللوجستي والاستخباراتي، والعدة والعتاد، والرجال الذين عبروا الحدود السورية العراقية بالآلاف.. كان الأمريكيون يطلبون منه ضبط الحدود مع العراق، ويرد محاججاً بأنهم عاجزون عن ضبط حدودهم مع المكسيك!.

ظل بشار الأسد في العمق يتغلغل داخل التنظيمات الإرهابية، لوجستياً واستخباراتياً، حتى أن زعيم «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) أبو بكر البغدادي كان مقيماً إبان ذلك الوقت في العاصمة دمشق والتقى أبا القعقاع هناك… في حين كانت سياسته الخارجية (بشار الأسد) فيما يخص التعاون مع الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب تبدو وكأنها امتثال لدعوة كولن باول… حلقَ أبو القعقاع شعر لحيته، وبات يرتدي الستر الرسمية، وربطة العنق، وتخلّى عن الزيّ الأفغاني الذي اعتاد الناس عليه، وظل في دمشق حتى عاد بعد العام 2006 إلى حلب، وصار يخطب في مسجد «الإيمان» في «حلب الجديدة» وسط الطبقة الغنية من أهالي المدينة، وغيّر خطّه الديني، فانتقل من الحديث عن الجهاد في فلسطين وأفغانستان والعراق إلى مسائل تتعلّق بغلاء الأسعار والفساد، وبدا حينها أن دوره قد شارف على النهاية.

الضربة الأولى التي تلقاها أبو القعقاع كانت بالانتحار الغامض لوزير الداخلية السوري اللواء غازي كنعان في 12 أكتوبر تشرين الأول من العام 2005، وهو المتورّط كليا في الملف اللبناني عقب اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري؛ كنعان كان من أهمّ رعاة الشيخ المجاهد، كنتَ إذا أردت لقاء محمود قول أغاسي في دمشق ستضطر إلى الذهاب إلى نادي الشرطة في العاصمة في حي «مساكن برزة»، حيث كان اللواء غازي كنعان يعطي تعليماته للنادي والفندق التابع له بحجز طابق كامل لأبي القعقاع ومرافقيه، حفاظا على أمنه! -حسبما يذكر صحفي مقرّب منه- وبدأ محمود قول أغاسي يستشعر أخطارا قادمة، بدأت بالتتالي الواحدة تلو الأخرى.

بعدها بعام (صيف العام 2006) كان النظام السوري قد بدأ من جهته في إظهار أنه هو أيضاً يتعرض للهجمات الإرهابية، حيث بثت نشرات الأخبار السورية والصحف والمواقع الإلكترونية صوراً من حقائب لمجموعة جهادية قالت إنها حاولت احتلال مبنى الإذاعة والتلفزيون في العاصمة، تم قتلهم أثناء إحباط محاولتهم احتلال المبنى الأهم في ساحة الأمويين بجانب رئاسة الأركان السورية، وكانت صور حقائبهم تظهر وجه أبي القعقاع على أغلفة الأشرطة المسموعة والمرئية التي كان يخطّط الإرهابيون لعرضها على الشاشة السورية حسبما قالت.. فكان ذلك بالنسبة لأبي القعقاع بمثابة ضربة أخرى بات يستشعر معها دنو أجله.

لم تمضِ أشهر قليلة على ما جرى قرب مبنى الإذاعة والتلفزيون في دمشق، حتى شكّل مجموعة من الفلسطينيين المتشددين دينياً مجموعةً مسلحة أطلقوا عليها اسم «صقور أبي القعقاع» في مخيّم «نهر البارد»، اضطر معها أغاسي للسفر إلى لبنان لـ «تهدئة النفوس»، قبل أن يظهر تنظيم «فتح الإسلام» الذي سحقه الجيش اللبناني ودمّر المخيّم على رؤوس ساكنيه بدعم عسكري أمريكي وتنسيق أمني سوري.. كل ذلك أثار الرعب في نفس الرجل، وكأن ثمة من كان يتعمّد الزج باسمه في كل شأن يتعلّق بالإرهاب والتطرف الإسلامي.

النهاية

استخدم نظام الأسد الابن محمود قول أغاسي حتى آخر رمق… حشد من خلاله المتطرفين السنة بجوار بعضهم، وأغرق أسواق المدن السورية والعراقية بأشرطته وخطبه وتدريباته العسكرية الجهادية لأتباعه، وزج بالإرهابيين من أتباعه لإشعال الأوضاع في الجار الشقيق، واستقبل من خلاله ملايين الدولارات من الدول الداعمة للإرهاب (مصر والسعودية وقطر وغيرها) تحت مسمى المقاومة أو الجهاد، وسلّم عن طريق الملفّات التي كان أبو القعقاع يزوده بها مئات الأشخاص للولايات المتحدة الأمريكية، كانت أميركا تصر على محاربة القاعدة، ولكي تُظهر المخابرات السورية امتثالها، باتت تشن حملات اعتقال واسعة ضد المتشددين عموماً، أصحاب الذقون الطويلة والأثواب القصيرة حتى غير المرتبطين بالقاعدة أصلاً… لا شك بأن المرتبطين بالقاعدة هم أثمن من أن تسلّمهم المخابرات السورية التي كانت تشعل بهم المنطقة برمّتها.

في الثامن والعشرين من شهر أيلول سبتمبر 2007 خرجَ أغاسي إمام جامع «الإيمان» في حلب من مسجده بعد صلاة الجمعة، وبعد أن غيّر خطابه للحديث عن الفساد وغلاء الأسعار بدل حشد المريدين للجهاد، تقدّم منه أحد مريديه، وأطلق عليه النار من مسدس كاتم للصوت، ليموت بعد ساعات… أُلقيَ القبض على القاتل، واختفى داخل غياهب السجون السورية -حسبما قيل-.

ختاماً

لم تكن سوريا الأسد الابن تشهد أي انفراج ملموس على مستوى الحريات العامة والحقوق، ظلت تلك الدولة الديكتاتورية المارقة الفاسدة التي تحكمها قوانين الطوارئ، وتتغلغل في أرجائها الرشوة وحكم المقرّبين من الأسد وزمرته؛ لم يختلف الأسد الابن عن والده، خلافاً لما كان يأمله ويتطلّع إليه كثيرون سوريون وغير سوريين في أن بشار سيقود البلاد نحو مستقبل حر وديمقراطي، إذ سرعان ما سُحقت تلك الآمال، وظلّت القيود على حرية التعبير مثلما هي عليه.

خلاصة القول هي أن حافظ الأسد كان قد استخدم انتحاريين شيعة ضد الأمريكيين في لبنان، وكدّس الآلاف من الجهاديين وأتباع الإخوان المسلمين في السجون، وأن خليفته بشار أخرجهم من السجون وعزز دور المتطرفين داخلياً ليستخدمهم (في المحصّلة) كـ انتحاريين سنة ضد الأمريكيين في العراق… وأن الأب وابنه أجادا استغلال المكوّنَين الدينييَن الرئيسيين في المنطقة كـ وقود مثالي لضمان استمرار حكمهما الديكتاتوري العتيد، مُعبّرَين عن نفسيهما بِوصفِهِما النموذج الأكثر انضباطاً وملائمةً مع طبيعة شعوب المنطقة، واكتسبا الصيت المقاوم والممانع على الصعيد العربي، وصَنَعَا الإرهاب على المستوى العالمي والدولي.

انتهى -عند هذا الجزء- الحديثُ عن المرحلة الثانية (حيز التطبيق)، التي رأينا فيها كيف انسجمت ثنائية الإسلام الراديكالي والديكتاتورية العسكرية حيث كل منهما قد استخدم الآخر ليُشرعن ضرورة وجوده وبقائه الحتميّة، لتبدأ بعد ذلك انتفاضات «الربيع العربي»، وهو ما سنصنّفه ضمن المرحلة الثالثة والأخيرة من هذه السلسلة (الخاتمة) والتي سنرى فيها كيف أن الديكتاتور العسكري هذه المرة لن يكلّف جهداً يُذكَر للتخطيط ولا للتدبير، ما يعني أن مَن اعتلوا السلطة عقب الثورات أو ظلّوا على سدة الحكم خلالها وبعدها قد انتهجوا استراتيجيات قديمة أُدير بموجبها الشرق الأوسط على مدى الأربع عقود الماضية على أقل تقدير، وهو ما أسلفنا الحديث عنه في المقالات السابقة.

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق