مجتمع موازي أم غيتو؟

مثَّل أردوغان خلال فترة السنوات الماضية من حكمه، حالة استقطاب قويّة لدى الجالية التركيّة في ألمانيا، وبات له التّأثير الأكبر عليها، وتوظيفها لخدمة أهدافه السياسيّة المعلن والمضمر منها، خاصّة في فترة الانتخابات في تركيا. الأمر الّذي دفع الكثير من الألمان للتّساؤل بحقّ، كيف أمكن لثلاثة أجيال من الأتراك عاشت في ألمانيا، أن تجد في أردوغان قائداً وموجّهاً لها، بمعزل عن قيم وتقاليد البلد الّذي تتواجد فيه منذ أكثر من ستين عاماً؟ وأيّ اندماج يجري الحديث عنه ليلاً نهاراً في الإعلام، والنتائج على أرض الواقع تناقض ذلك بهذا الوضوح الفاقع. الحقيقة أنّ السّؤال نفسه، يحتمل أيضاً توجيهه للمجتمع الألمانيّ: إذ كيف استطاع اليمين المتطرّف العودة بهذه القوّة، بعد ثمانين عاماً من اندحار النازيّة؟ وكيف وجدت الكثير من الأفكار العنصريّة، الّتي كانت بمثابة المحرّمات في العقود الماضية، طريقها إلى وجدان وعقل الإنسان الألمانيّ العاديّ؟ ربّما هناك الكثير ممّا يجمع الأتراك والألمان معاً، أكثر ممّا يعتقده الطرفان.

كتاب الكاتبة الألمانيّة التركيّة طوبا ساريكا ” نفاقكم: الإزدواجيّة والتّسامح الزّائف – العالم الموازي للألمان من أصل تركي والألمان”، يندرج في إطار الاستجابة الانفعاليّة، ردّاً على تأثير أردوغان، على الجالية التركيّة في ألمانيا. هي ترسم في هذا الكتاب، معالم المجتمع الموازي للأتراك الألمان، انطلاقاً من تجربتها الحياتيّة الشخصيّة كألمانيّة ولدت في ألمانيا، لأسرة تركيّة عاشت فيها منذ ثمانينات القرن الماضي، حين عملَ الأب والأم بكدّ وجهد، حتّى أمكنهم العيش في مستوى مادي جيّد. اتّسم نمط حياة الأسرة التركيّة الشّابة بالليبراليّة، مبتعداً مسافة لا بأس بها، عن حياة بقيّة أفراد الجالية التركيّة. ولكنّ هذا النّمط من الحياة، تغيّر كلياً مع وفاة الأب المبكرة جرّاء إصابته بمرض السرطان. من وقتها بدأت العائلة الصّغيرة، الأمّ وابنتيها، تقترب أكثر فأكثر من القيم المحافظة للأسر التركيّة التقليديّة. الكحول ممنوع. بدأت الكتب الإسلاميّة تحتلّ رفوف المكتبة. صار الأقرباء، الذّكور خاصّة، قادرون على التّدخل في الحياة الشخصيّة لأفراد الأسرة، فالأمّ ليست قادرة على إدارة شؤون المنزل لوحدها.

لم يمر هذا التحّول على الفتاة الصّغيرة الّتي صارت فيما بعد كاتبة، مرور الكرام، إذ وجدت لاحقاً بعد سنوات عديدة، بعد الدراسة والتّخرج من الجامعة، أنّ عليها أن تصفي حساباتها مع المجتمع الموازي، التركي، الّذي فُرض عليها، من خلال فضح وكشف الأسس الّتي يقوم عليها، وتعريته من الدّاخل، مستندة في ذلك على النموذج الأوروبيّ الغربيّ، كدليل إرشاديّ، كما كان يُروّج له في فترة الحرب الباردة، من خلال التّأكيد على قيم التّنوير والحريّات الديمقراطيّة الّتي تمثّل عماده الرّئيس.

معالم المجتمع الموازي

المجتمع الموازي هو صورة مصغّرة عن المجتمع الأصلي في بلد المنشأ، مع جرعة مكثّفة من القيم المحافظة، ربّما سببها التّواجد فوق أرض بلد غريب. تسود بين أفراد هذا المجتمع، قيم التّماثل، والمجانَسة، طوعاً أو بالإكراه، على نحو ظاهر ومرئيّ، وأيضاً على نحو خفيّ. هو مجتمع يعادي الديمقراطيّة ويكره الحريّة. يحبّ الثّبات ويخاف التّغيير. “كلّ ما يهدّد الحياة في المنطقة الآمنة، يعدّ شرّاً. النّقد شرّ، كلّ ما هو غريب شرّ، الآخر شرّ، ببساطة جميع من هم خارجها” ص 63. يُعلي من شأن العائلة ومكانة الأهل، على حساب الفرد، ما يعني، حتماً، غياب الحوار والديمقراطيّة بين الطّرفين “الوعي الديمقراطي لدى العائلة في المجتمع الموازي كلمة غريبة، فالأهل هم دوماً أصحاب الحقّ” ص 150. طبعاً حصّة المرأة مضاعفة من القمع والإكراه، كونها تقف في أدنى مرتبة ضمن التركيبة الاجتماعيّة السّائدة “الذّكورة شرعيّة. الإرادة الخاصّة غير شرعيّة. مرحباً بكم في المجتمع الموازي. بهذه الصّورة الخاطئة يتمّ تقديمنا، كمسلمات بائسات، مسحوقات، لا يُقْمَعن، بل يقمعن أنفسهنّ بأنفسهنّ” ص 49، وبالتّالي يصبح من الصّعب والعسير جدّاً، الخروج من هذا الحصن “غالباً ما اعتقدت أنّني حطّمت التابو الأخير، ولكن يظهر لاحقاً تابو آخر. يوماً مّا سأعي أنّ قائمة المحرمات تمتد حتّى الموت” ص 38

يبتكر المجتمع الموازي للّغة وظيفة إضافيّة، وهي كشف وتمييز الأعضاء المنتمين له بقوّة، من الّذين يحاولون الخروج عنه، والتّفلت من سيطرته، فأن يقول شخص، أنّ أصوله تعود لمنطقة كذا في تركيا، يختلف عن قوله أنّه تركي من منطقة كذا. هذا التّصريح يشي بأنّ هذا الشّخص، لا يشعر بانسجام تامّ في وسطه، وبالتّالي يتطلّع للخروج منه. كما أنّ مصادقة ألمان وإتقان اللّغة الألمانيّة، علامة تنطوي على شكل من أشكال الاندماج السّائد سابقاً لدى بعض الأتراك وغيرهم من الجاليات الأجنبية الموجودة في ألمانيا، عدم إتقان اللّغة، قراءة وكتابة، رغم مضي سنوات طويلة على وجودهم فيها. هذا الأمر تحاول الحكومة الألمانيّة تلافيه والتّقليل من آثاره في السنوات الأخيرة، من خلال إجبار المقيمين على أرضها، على الحصول على شهادة محدّدة باللّغة B1.

“فلان تأَلْمن (Eingedeutscht)، هي بمثابة شتيمة لدى الأتراك الألمان وتُقال لكلّ من يندمج [في المجتمع الألمانيّ]” ص 139.

تكتب الكاتبة عن الرّوح المعادية للأجانب لدى الأتراك الألمان، كنوع من النقد الذاتيّ الضّروريّ، حتّى لا ينفرد التركي المقيم في ألمانيا، سعيداً، بمظلوميّة زائفة، خاصّة وأنّه يستمتع بلعب دور الضحيّة، الّتي تعاني من العنصريّة في المجتمع. ولكنّ المفارقة هي أنّ معاداة الأجانب، تمثّل إحدى سمات المجتمع الموازي الهامّة. “إنّه أمر عبثي، أنّ المجتمع الموازي، الّذي لا يفوّت فرصة سانحة لينعت الألمان بالنّازيين، هو مجتمع عنصري، لديه رهاب المثليّة، معادي للنّساء، وللمسيحيين، والغربيين، ومعادي للديمقراطيين من الأتراك” ص 122. ويجب ألاّ ننسى أنّ هذه الصّفات تنطبق أيضاً على اليمين الأوروبيّ، فهو عنصري محافظ، يمقت المثليين، ويعادي النّساء، والمسلمين، والشّرقيين، وأيضاً الديمقراطيين من الأوروبيين.

على هذا النّحو ابتكر الأتراك الألمان لأنفسهم، مجتمعاً موازياً، واقتصاداً خاصّاً بهم، ضمن المجتمع الألماني، يتناسب مع عاداتهم وتقاليدهم، الّتي تتعارض عموماً مع العادات الألمانيّة.

الإسلام والمجتمع الموازي

يلعب الدّين الإسلامي دوراً هامّاً في المجتمع الموازي التركي في ألمانيا، كعنصر أساسيّ فيه، ناظم لعلاقة الأفراد ببعضهم وبمحيطهم، وأيضاً عبر المنظّمات الإسلاميّة، وخاصّة منظمة (Ditib)، (الاتّحاد الإسلامي التركي للشّؤون الدينيّة في ألمانيا) الّتي تعيق الاندماج، بحسب الكاتبة، وهو اتّهام ليس بالجديد، لأنّها تسعى إلى أن تشدّ الأتراك الألمان، إلى بلدهم الأصليّ، خاصّة مع فترة حكم أردوغان، أكثر من سعيها لبناء جسور تفاهم مع المجتمع الألمانيّ. النّفاق يظهر في أحد أشكاله لدى القائمين على المجتمع الموازي، في التّستر بحداثة زائفة لمسايرة المجتمع الألمانيّ، في حين أنّ التّوجّه الحقيقي هو الوصول إلى أهداف محدّدة، تخدم مشروعهم. “إسلاميو اليوم يخفون أنفسهم تحت غطاء حداثيّ سميك. هؤلاء الإسلاميون المتنوّرون ظاهرياً بيينا، أخطر من الإسلاميين الملتحين في أفغانستان البعيدة، لأنّهم يلقحون أطفالنا في ألمانيا، وأوروبا، بأفكار معادية للديمقراطيّة، ويخدعوننا بمظهرهم الحداثيّ البرّاق. ولذلك علينا أن نكون حذرين ونكفّ عن منح المنصة لأعداء الديمقراطيّة” ص 85

بحسب الكاتبة هناك ذهنيّة ناظمة للمجتمع الموزاي تقوم على قاعدة. نحن مقابل أنتم. ما يجعل التّرابط بين الإسلام المعاش، والاندماج في المجتمع الألماني، أمراً صعباً. الأمر الّذي يفسّر مثلاً، خفوت الأصوات الإسلاميّة المندّدة بأفعال تنظيم الدّولة.

لا يفوتها أن تفصّل في الكتاب بين المجتمع الموازي التركي في ألمانيا، وبين تركيا العلمانيّة الّتي تعلن انتمائها لها، وهي بهذا المعنى، تعتبر نفسها تركيّة. هي تنتمي لتركيا أتاتورك العلمانيّة المتمسكة بقيم الحداثة الغربيّة، وليس تركيا أردوغان اليوم، الّذي قال أنّ الديمقراطيّة، قطار نركبه لنصل إلى هدفنا، ثمّ ننزل منه.

لا يخلو كلامها من تحامل ومبالغة، حول العديد من القضايا الحياتيّة في المجتمع الموازي، تحامل يبعدها عن فهم وتحليل، طبيعة البنيّة الّتي تحكمه. وكأنّها تعتقد أنّ مرجعية الأنوار الغربيّة كافية لوحدها كي تكون أداة للتّحليل.

“من السّهل كراهية الآخرين على حريّتهم، وإطلاق النّار عليهم، أو دهس مجموعة من النّاس بشاحنة نقل، إنّه أسهل من امتلاك الشّجاعة، للمطالبة بالحريّة لأنفسهم” ص 54. كلام من هذا النّوع منتزع من سياق إعلاميّ ضحل ومشبوه، لا يفسّر حالة مجتمعيّة قائمة على أرض الواقع. أو القول أنّ “الثّقافة الإسلاميّة، ثقافة دون كلمات. الصّمت الّذي يرعاه المجتمع الإسلامي هو حماية لهم من العالم. في هذه الثّقافة لا يتحدّث المرء عن الأشياء المحرجة، ويتفادى الأسئلة والإجابات المحرجة” ص 53

“على عهده أبداً، كان العالم الإسلامي الّذي يزعم الحداثة، عالماً يمنع الفتيات من الخروج، ولا يسمح لهنّ بمصادقة الشبّان وغير ذلك” ص 105

تعتقد الكاتبة، أنّ الحوار الصّريح الصّادق، الّذي يطال أسس العلاقة بين الأتراك والألمان، هو الجواب الحقيقي ضدّ التيّارات اليمينيّة المتطرّفة الّتي تزداد قوّة، وهو السّبيل الحقيقي لردعها. وتمثّل عمليّة الاستزادة من عصر الأنوار الغربيّ، الوصفة السحريّة، المطروحة بسخاء أمام الشّباب الطّامح للتّغيير “إنّ النّاس من أمثالي، من ذوي الأصول التركيّة، والّذين لا يريدون أن يكونوا جزءاً من المجتمع الموازي عليهم أوّلاً أن يستغلّوا حياتهم وطاقتهم حتّى يتحرّروا من الأنماط  الفكريّة الّتي اكتسبوها” ص 102

السّؤال الّذي يطرح نفسه، من الّذي عليه أن يبادر إلى التّغيير، المجتمع الموازي بكلّ خصوصيته، والخائف من الذّوبان وفقدان الهويّة الدينيّة والقوميّة الأصليّة، في المجتمع الألمانيّ، أم المجتمع الألماني نفسه، الخائف أيضاً من أن يفقد هويّته، أمام من يراه مهديداً لوجوده من قبل مجموعة لا تنتمي له؟ عندما تكفّ الأطراف المستفيدة من إدارة الارتياب والشّك، وتأجيج الصّراعات والمخاوف بين المجتمعين، عن عملها، يمكن التّفكير جديّاً بحلول فعّالة تلاقي القبول من قبل الجميع.

********

Tuba Sarica

Ihr Scheinheiligen!

Doppelmoral und falsche Toleranz –

die Parallelwelt der Deutschentürken und die Deutschen

2Auflage 2018 by Wilhelm Heyne

München, Germany

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. ابراهيم عنان

    مقال رائع يخوض فيما يجب الخوض فيه فما يسمى الصحوة الاسلامية منذ السبعينات كانت ظاهرة مصطنعة لكبح التطور البطيء في البلدان الاسلامية – وللاسف – لم تنجح في كبح الانفتاح الاجتماعي والسياسي في بلدان المنشا وحسب بل نجحت في تنميط الجاليات الاسلامية القديمة من تركية في المانيا وعربية في فرنسا وبدل ان تكون الجاليات المذكورة سندا للفئات التقدمية في البلدان الاسلامية اصبحت كتلة صماء في كفة الانظمة القائمة وشعارها بان العالم الاسلامي ليس جاهزا للديمقراطية

أضف تعليق