أنا الدودة: أين وكيف أعيش / وديعة فرزلي

-1-

أحياناً ، عندما نخرج من البار، ويغلبنا السكر بعد كؤوس البيرة والنبيذ، ويسأل الواحد منّا «كيف طريقك ع البيت؟» يتطلب مني الأمر وقتاً، خاصةً تحت تأثير الكحول، لأميز إلى أي عنوان عليَّ أن أتجه هذه المرة؟ إلى زونين آليه، إلى أوسلور شتراسه، إلى ميسه نورد، إلى هيرمان شتراسه أو إلى فريديناو؟ هذه بعض أماكن البيوت التي سكنت فيها خلال أول سنة ونصف لي في برلين. عادةً ما أتجنب عدّ عناوين البيوت التي عشتُ فيها لما يسببه لي الأمر من كآبة وشعور بالتشتت الذهني والبدني، ولكني أعلم أنها تصل إلى حوالي ثلاثة عشر عنواناً… ثلاثة عشر بيتاً.

-2-

كما ترون، هذه صورة لأجراس بيوت القاطنين في المبنى، صورة تكاد أن تكون عشوائية لأيّ مدخل بناء في برلين لولا وجود اسمي جانباً، ووجود الأصبع القبيح مشيراً إليه. لربما كان من الأفضل أن أغبش أسماء جيراني في البناء، لكن المسألة غالباً غير مهمة بالنسبة لهم طالما أنهم مستأجرون قانونيون في هذه البناية، أما أنا وكما ترون، ألصقتُ قصاصة ورقية عليها اسم عائلتي كيفما اتفق إلى جانب اسم عائلة صاحب البيت الذي أسكن فيه، لأنني كنت يومها أترقّب رسالة بريدية تحوي بطاقة التأمين الخاصة بي، وكنت قد وضعت هذا العنوان في الطلب، وحين سألتني الموظفة المسؤولة إن كان اسمي موجوداً على الباب أجبتُ بنعم، واعتقدت حينها أن هذه الطريقة أسهل من العودة إلى الموظفة وتصحيح المعلومة. لا يمكن أن يُقبل هذا التصرّف عند الشركة المؤجرة للبيوت في هذا الحي؛ لا يمكن القبول بهذا النفور والخروج الفاجر عن القانون. بالكاد مرّ يومان قبل أن نستلم رسالة شديدة اللهجة من الشركة المؤجرة، فيها هذه الصورة مع تهديد بطردنا من البيت بسبب وضع الاسم بهذه الطريقة غير المنظمة، ولأن هذا الاسم، (Ferzly)، غير مدرج في عقد الإيجار. تمنع الشركة المستأجر الأساسي من تأجير غرفة من البيت دون إعلام الشركة بذلك، والمحصلة كانت رسالة تهدد بطردنا من البيت.

بالنظر إلى قصاصة الورق في الصورة السابقة، يمكن تشخيص الورم كونه نافرٌ وخارجٌ عن القانون، لكنه غير خبيث وغير متخفٍ، هامشيٌ وأحياناً متطفل، والأسوأ من ذلك أنه يصرّ على الوجود.

أما الجانب الأكثر رعباً من الصورة والرسالة، فهو أنهم يراقبوننا!، لذلك صرنا بعدها نسدل ستارة شباك المطبخ المطل على الشارع، ونطفئ الضوء دائماً، ريثما تدبرنا الأمر ووجدتُ مكاناً آخر لأنتقل إليه.

-3-

تتطلب بعض الذكريات أو الحوادث منّا جهداً جسدياً ونفسياً لشرحها في كل مرة نود العودة إليها أو الحديث عنها، ومهما طالت المدة الزمنية التي تفصلنا عنها، إلا أن الزمن، على عكس المتوقع، يزيد مناعة هذه الذكريات ويجعلها محصّنة ضد مفردات الموضوعية -مثلاً- أو بوجه إدراك الحجم الطبيعي لما حدث، أو رؤية الأبعاد القصوى له.

مثلاً، كوابيس عشية الانتقال، أو الليلة الأخيرة في البيت الحالي. غالباً ما أكون قد لملمت كل الملابس والأغراض المتبقية، أتمدد على السرير بانتظار صباح اليوم التالي لأسلّم المكان. وفي إحدى المرات، في المنام، ابتلعتني المكنسة الكهربائية، مع حوائجي، والأكياس الإضافية، وكيس «الكشك» الذي أرسلته لي أمي… ابتلعتني مع الغبار وما تبقى على الأرض من فتات الخبز. خرجتُ من الطرف المقابل دودةً، لزجة، وسمعت أختي تنادي باسم «الدلع»، دودة يا دودة كيفك؟ لم تتسنَّ لي فرصة الإجابة على سؤالها، لأني استيقظت من المنام منزعجة فقط ولم أكن خائفة، وبررت ذلك بأني في اليوم السابق بحثت كثيراً عن أكياس الضغط، تلك التي يُسحب منها الهواء بحيث تنكمش وتصبح، مع المحتويات بداخلها، رقاقة صغيرة الحجم؛ وحضرت مجموعة من الفيديوهات التعليمية لكيفية سحب الهواء منها بواسطة المكنسة الكهربائية.

-4-

كيف تصبح مستأجراً قانونياً في برلين؟

أولاً عليك أن تجد منزلاً، وهذا يعني بحثاً محموماً، لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، عن منزل يتناسب مع قدرتك المالية، ومع أوراقك ونوع إقامتك وعملك، وغيرها من الضمانات التي تُقنع الشركات العقارية بتأجيرك المنزل. لذلك، يلجأ العديد من الطلاب والشباب إلى حلول الشقق المشتركة، التي تُستأجر فيها غرفة في شقة تحوي العديد من الغرف، ويتشارك الجميع بدفع أجرتها. وعليه، يبدأ من يبحث عن غرفة بإرسال عدد هائل من الإيميلات للمؤجرين الذين يضعون الإعلانات على مواقع الإنترنت، وفي حال تم اختياره، يتم ترشيحه إلى مرحلة المقابلات. في مرحلة المقابلات مع سكان هذه الشقق المشتركة، والذين يعود إليهم قرار قبول طلبك أم لا، تُطرح أكثر الأسئلة غباءً، وعلى المتقدم بطلب الإيجار أن يلعب دور الإسفنجة، أي أن يكون شديد المرونة وسريع البديهة، ومتقبلاً لأشد الحالات تطرفاً ولأكثر الأسئلة عنصرية. كما يجب عليه أن يتمتع بمستوىً عالٍ من الانفتاح على الآخر، واستعراض كم هائل من المهارات مثل الطبخ، الرقص، السباحة، حبّ التزلج، حبّ تعلم اللغات، الموسيقى، اليوغا. كما يجب أن توازن بين كونك كائناً اجتماعياً ومُحترِماً لخصوصية الآخرين في آنٍ معاً. بين حب الموسيقى الصاخبة والسير على رؤوس الأصابع ليلاً كي لا تزعج جيرانك. على أي حال، لا يكفي في هذه المقابلات أن تبرز قدراتك المالية على تسديد مبلغ الإيجار، بل يجب أن تحظى بالإعجاب، والقبول. وفي نهاية المقابلة، وفي غالب الأحيان، في حالة السكن المشترك، يتم إخبارك أن «التسجيل غير ممكن» وهذا معناه أنه المستأجر الجديد لا يمكن أن يكون مستأجراً قانونياً؛ إلا أن خطرَ التشرد وعدم وجود فرص بديلة في ظل المنافسة العالية يدفعان الباحث عن غرفة، تلقائياً، للإجابة: نعم؛ لا يوجد لدي مشكلة في ذلك.

-5-

معنى جملة «التسجيل غير ممكن » أن المستأجر لا يمكن أن يسجل العنوان الجديد في البلدية لأنه من غير الممكن للمؤجر أن يمنح المستأجر الجديد عقداً نظامياً موقعاً من الشركة المؤجرة أو المالك، وذلك لأن من يؤجرك هو نفسه مستأجرٌ لا يتضمن عقده حقّ تأجير ثانوي لآخرين، أو لا يودّ إعلام الشركة المؤجِرة بدخول مُستأجر جديد خوفاً من رفع الإيجار، أو أن يُفهم من دخول مستأجر جديد أن المستأجر الحالي، الأساسي، غير قادر على تحمّل تكاليف الإيجار لوحده. في حالات مُعيّنة يكون المؤجّر هو المالك ولكنه لا يودّ التصريح عن تأجير غرفة في بيته كي لا يضطر لدفع ضرائب إضافية. عقد التأجير النظامي مطلوب للحصول على ورقة التسجيل في البلدية (Anmeldung) والتي هي سند الإقامة. لا يمر شهر في برلين دون السماع عن مظاهرات خرجت تندد بارتفاع أسعار الإيجارات في ظل سيطرة القطاع الخاص على سوق العقارات، أو تناول القضية في الأخبار ووسائل الإعلام. وقد أعلن في 18 من حزيران الماضي عن تجميد أسعار الإيجارات في برلين لمدة خمس سنوات.

-6-

في اليوم الأول في المنزل الجديد أحرص على القيام بمجموعة طقوس.. أستحم أولاً، ثم أعد كأس متة مع قشر ليمون، وأشغّل موسيقى بصوت عالٍ نسبياً، وأتناول صحن شوربة العدس بينما أشاهد شيئاً ما على نتفليكس، ثم تمضية أكبر وقت ممكن خارج البيت مساءً. وقد طورتُ مع الوقت مجموعة ممارسات أخرى تساعدني على إسكات صوتي الثاني الذي يود أن يعبر عن مخاوف وقلق وشعور بعدم الارتياح، وبفضل خبرتي في معالجة الرضوض والارتجاج النفسي الناجم عن الانتقال، أحاول أن أواجه هذه الميوعة بصلابة؛ أحمدُ ربي على وجود سقف فوق رأسي، وأتجاهل أسئلتي حول معنى البيت قدر الإمكان .

البيت الوحيد الذي عشت فيه هو بيت عائلتي، وكلّ ما عدا ذلك هي مستودعات ومخازن، نختبئ فيها ريثما يحين موعد التسليم وبدء البحث عن المكان الجديد. ولأني لا أود المساهمة في تكريس كليشيهات جديدة حول معنى البيت، كأن أصف المكان الجديد بكونه بارداً أو كئيباً أو موحشاً، مع صور درامية عن العلب الكرتونية والحقائب والأكياس العشوائية، يمكنني القول أني أحاول جاهدةً تجاوز فكرة البيت، وبدلاً من إضاعة الوقت بالبحث عن بيت، تدربتُ على إخفاء الندبات التي تظهر علينا بسبب متلازمة الانتقال المتكرر والنظرات الهائمة التي تبدو واضحة علينا، خاصةً وأنها تُفقدنا ثقة الآخرين بنا، فكيف يمكنهم التعامل مع أشخاص دائمي التنقل من مكان لآخر، مرّة كل شهرين على الأقل؟

بكلمات أخرى، أحاول الموازنة بين المرونة والخفّة، تحزنني حالة عدم الاستقرار هذه، لكن المرونة تحمينا من الانكسار في حين أن الخفّة تساعدنا على القفز عن الجراح الداخلية غير الملتئمة، بما فيها ذكرياتنا عن البيوت التي غادرناها، وتوقعاتنا عن البيوت التي نود أن نبنيها.

ألاحظ الآن بعد قراءة المقطع السابق، أني تنقلت دون قصد بين مفردات المكان والمنزل والشقة.

-7-

يعاني الجميع من مسألة الإيجار، تحديداً في مدينة كبيرة مثل برلين، سواء كانوا ألماناً أم أجانب، لكن مستويات المعاناة مختلفة بطبيعة الحال. وبما أن وجود السوري لا يزال غير واضح نسبياً بالنسبة للألمان والجنسيات الأخرى، وأعني بذلك ما يخص مسألة الأوراق القانونية واعتماد نسبة كبيرة من اللاجئين السوريين على المساعدات الحكومية، وهو ما يشكل سبباً أساسياً في نفور الشركات والأفراد من فكرة تأجير السوريين. يُضاف إلى ذلك الخوف الثقافي من الآخر، وتحديداً في الشقق المشتركة، حيث تُطرح العديد من الاسئلة البدائية حول شرب الكحول في البيت وتناول لحم الخنزير، والقبول بأن يدعو الآخر الألماني أو الأجنبي صديقه/ صديقته لتمضية الليل في البيت المشترك، وهي الأسئلة التي تقيس مدى انفتاح المستأجر السوري وتقبله للآخر. ذلك عدا عن حالتي التوتر وعدم الاستقرار الدائمتين، اللتين يصعب على غير السوريين تفهمهما أو معرفة أسبابهما. فكيف الحال إذا كانت بيوتهم التي جاؤوا منها، والتي أفنى الأهل عمرهم من أجل وجودها، قد دُمِّرت تحت القصف.

كثيراً ما يجد المؤجر الألماني أو الأجنبي نفسه غير مضطر على تحمل ما سبق قوله أو الانفتاح عليه. هذه الأسباب، وغيرها، تجعل حظوظنا قليلة فعلاً في الحصول على بيت في هذه المدينة الضخمة.

-8-

مقطع بسيط من إحدى المقابلات التي أجريتها العام الماضي في شهر نيسان.

المرأة: ماذا تفعلين هنا؟

أنا: أدرس.

المرأة: ماذا تدرسين؟

أنا: حالياً أتعلم اللغة الألمانية.

المرأة: ولماذا اخترتي القدوم إلى ألمانيا.

في هذه اللحظة كان يجب أن أجيب بالطريقة التي أجبت فيها موظف السفارة الألمانية الذي أجرى معي المقابلة قبل منحي الفيزا، لكني نسيتُ الإجابة وقلتُ لها: جئتُ لأني أعرف كثيراُ من أصدقائي يعيشون هنا، وهم من شجعوني على المجيء من أجل الدراسة هنا.

المرأة: سمعتُ البارحة في الأخبار عن الضربة الأميركية لمواقع عسكرية في سوريا .

أنا: نعم، تكرر كثيراً في الآونة الأخيرة.

المرأة: هل هذا أمرٌ عاديّ.

أنا: لا بالطبع (وفي هذه اللحظات لم تعد تخدمني اللغة الألمانية لأشرح لها ما وددتُ قوله) .

المرأة: لماذا أشعر بالبرود واللامبالة عندما تقولين ذلك؟

أنا: ماذا يجب أن أفعل؟

المرأة : تقولين «لا» دون أي انفعال أو دموع أو توتر.

أنا : بكيت البارحة كثيراً.

ثم اعتذرتُ سريعاً بحجة موعد آخر، وخرجت.

عن موقع الجمهورية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق