في موقف الباص / محمد خضير

(*) من المواقف (حسب ارتباطها بموقف الباص، والحبس، ووقف التركة، وقفو الآثار، وقفا الوجه، وأخيراً وقوف الزمن) التي تطرأ على ذاكرة إنسانٍ طارئ على جو بغداد الصيفي، وقوفي في رواق شارع الرشيد، منطقة السنك، صبيحة 17 تموز 1968، منتظراً باص مصلحة نقل الركاب رقم 4 (الرقم السحري الذي سيحجز لي مقعداً بجانب سيدة سافرة، لم تبارح منذ ذلك اليوم).

طال وقوفي ساعة، أو نصف نهار، إذ لم يكن في انتظاري أحد من الناس (ضابط انقلابي، تابع متآمر، سيد مخذول، رجل متبغدِد، سيدة صعدت قبلي الباص رقم 4)، حسب موعد واتفاق وترصد. كلّ من هؤلاء أراد أن يحتلّ مقعداً في صالة سينما غرناطة، التي ستعرض فيلم زوربا اليوناني، خلال ذلك الصباح (واشتغلَ الفيلم بغياب هؤلاء جميعاً). كنت المشاهد الوحيد الذي خذله الزمن وأوقفه مرات ومرات على مفاجآت مصيرية (يا لبغداد المتآمرة على الزوّار المطارَدين في أحلام يقظتها الصيفية!). دعني أقُل: زوربا الذي انتظر ذلك الصباح أن يبدأ رقصته في وسط الشارع الاسفلتي، في النصف المشمس منه، سيرسم ظلاً عميقاً في وجدانٍ ستينيّ معبأ بالانتظار (زوربا أو غودو، ترجمتان ساخنتان متاخمتان لصباح انقلابي على القصر الجمهوري).

لم يحدث شيء لدقائق؛ الصمتُ الحارّ، سيّدُ الرواق، هيأ المشهدَ لانقلاب مدبَّر. فجأة ركض شخص منطلقاً من ظلّ الرواق، عبرَ الشارع واختفى في زقاق (زقاق اكتسب شهرته من محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم صبيحة 27 تشرين الأول 1959). كان الشخص (المتآمر) يرتدي معطفا فضفاضاً في ذروة الصيف، سرعان ما عاد الى الجانب الآخر من الشارع واختفى في زقاق مقابل. تمت هذه الحركة بأسرع من انفضاض الحلم الذي ينتظر باصَ المصلحة الأحمر ذا الطابقين (باص المؤامرات).

دعني أقُل: كلّ شيء في ذلك الصباح اصطبغ باللون الأحمر، رغم أن الانقلاب تمّ بلا إراقة دماء. حادث مرتّب، لم يغيّر عنصراً واحداً حول موقفي، أو يزحزح موجودات التاريخ قبله (منذ ذلك النهار والأحداث تجري على هذه الشاكلة: عنف أبيض ورتابة مخيفة). أجل، سيطر الخوف على كياني الضعيف، واقتلعني من موقعي، ثم وضعني الى جانب السيدة في الباص رقم 4.

ما جرى بعدئذ معروف: إزاحات متوالية، مؤامرات صامتة. بغداد الحالمة أبداً بمنشورات تلصقها أيدٍ خفية على اسطوانات رواق الرشيد، تدخلني في رقصتها بلطف شديد، اعني بمراوغة غير محسوسة (لم احسّ بنزول السيّدة السافرة من الباص، فظننتها تسكن الحلم أصلاً، في مؤامرة مستمرة حتى اليوم).

أيها السادة، يا متآمري الزمن الأبيض (الثورة البيضاء) الهرِمين: حدثت حركة خاطفة كالعادة، ولم يحدث شيء فوق العادة. محطة الانتظار هي نفسُها، شخصٌ هو الشخص ذاتُه، يعبر الشارع راكضاً من جانبي، ثم يعود بصفطة منشورات الانقلاب تحت معطفه. الشارع نفسه، لكن الرقصة اليونانية لم تبدأ. غودو ثانية وثالثة ورابعة… الآن وإلى الأبد.

عن صفحة الكؤلف – فيسبوك

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق