في ذكرى ميلاد دريدا.. الأشياء أكثر تعقيداً مما نظن / إيهاب محمود 21 يوليو 2019

“تعلّم العيش أخيراً”- كانت هذه واحدة من أشهر عبارات الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، الذي مرّت ذكرى ميلاده الـ89 يوم 15 تموز/ يوليو الحالي، ويعتبر من أبرز فلاسفة القرن العشرين.
ولكن دريدا لم يتعلم العيش أبداً، كما اعترف بنفسه في آخر حوار صحافي أجرته معه صحيفة “لوموند” الفرنسية، قبل أربعين يوماً فقط من وفاته، موضحاً: “تعلُّم العيش ينبغي أن يعني تعلُّم الموت، تعلُّم أن نأخذ بالحسبان، وبالتالي أن نقبل، الفناء المطلق (أي، دونما خلاص، بعث، أو افتداء – لا للشخص ولا للآخر). تلك كانت الوصية الفلسفية القديمة منذ أفلاطون: التفلسف هو تعلُّم الموت”.
دريدا في حالة حرب
غير أن دريدا كان في حالة غير اتزان خلال أيامه الأخيرة: “أنا في حالة حرب مع نفسي، وأنا أقول أشياء متناقضة، يمكن أن نقول عنها أشياء في توتر حقيقي.. ما يجعلني أعيش، وما سيجعلني أموت”، وربما كانت هذه الحالة هي ما عاشه دريدا خلال حياته، وعبر عن ذلك في كتاباته المثيرة للجدل دوماً.
ظلت نصوص دريدا وكتاباته صعبة على الدوام، فلم تكن من نوعية الكتابات التي تمنحك أسرارها بسهولة، ولكنها تحتاج قارئاً نخبوياً ومن نوعية خاصة، ويصر دريدا على مواجهة كل ما أثير في وجه كتاباته وفلسفته من هجوم، معتبراً أن طريقته في الكتابة جزء لا يمكن بحال من الأحوال انفصاله عن مضمون كتابته نفسها، وإخلاصه لعمله الفكري يجعل أي تغيير أو
“ظلت نصوص دريدا وكتاباته صعبة على الدوام، فلم تكن من نوعية الكتابات التي تمنحك أسرارها بسهولة، ولكنها تحتاج قارئاً نخبوياً ومن نوعية خاصة” تبسيط في هذا الأسلوب والطريقة هو نوع من خيانة الذات. وعلى حد تعبيره فإن التبسيط في هذه الحالة يعني: “أنْ أُسأل أن أرفض ما شكّلني، ما أحببته كثيراً جداً، ما كان قانونياً، هو أن أُسأل أن أموت. في هذا الولاء هناك نوع من الحفاظ الغريزي على النفس، أن أرفض مثلاً صياغة صعبة معيّنة، تعقيداً معيّناً، مفارقة، أو تناقضاً مُلحَقاً، لأنه لن يُفهم، أو بالأحرى لأن صحافياً ما لا يعرف كيفية قراءته، أو حتى قراءة عنوان الكتاب”.

بدايات جاك دريدا
ولد دريدا في مدينة البيار الجزائرية عام 1930، وتناول مجموعة واسعة من القضايا والمشاكل الوجودية والمعرفية السائدة في التقاليد الفلسفية ومنها المعرفة، الجوهر، الوجود، الوقت، فضلاً عن معالجاته المستمرة حتى وفاته لمشاكل اللغة، والأدب، وعلم الجمال، والتحليل النفسي، والدين، والسياسة والأخلاق. لكنه في فتراته الأخيرة ركز على القضايا السياسية والأخلاقية.
مع حلول العام 1962، وهو نفسه عام استقلال الجزائر، نشر دريدا مساهمته الكتابية الأولى وكانت مقدمةً طويلة للترجمة التي أنجزها بنفسه لكتاب صغير لإدموند هوسرل بعنوان “أصل الهندسة الرياضية” ووقعها باسم “جاك” بدلاً من “جاكي”. حظيت الدراسة باهتمام ورضى الأوساط الفلسفية والأدبية وخاصة بين مرجعي الفينومينولوجيا الأبرز حينها: سارتر وميرلو بونتي. عام 1967 شهد صدور ثلاثة من أعمال دريدا الكبرى: “الكتابة والاختلاف”، “في علم الكتابة” (حيث ظهر للمرة الأولى مفهوم دريدا الشهير “التفكيك”) و”الصوت والظاهرة”، وكرّسته ليس فقط مفكراً من طراز رفيع بل كذلك وخصوصاً كرسته فيلسوفاً معترفاً به وخاصة في الأدب.
التفكيكية
وبحسب تقرير نشرته “الغارديان” البريطانية، فإن اسم جاك دريدا ظل متداولاً وسيظل لعقود

“ولد دريدا في مدينة البيار الجزائرية عام 1930، وتناول مجموعة واسعة من القضايا والمشاكل الوجودية والمعرفية السائدة في التقاليد الفلسفية”
طويلة، بسبب ارتباطه بمصطلح “التفكيك”، الذي بات جزءاً من المفردات ليس فقط للفلاسفة والمنظرين الأدبيين، بل أيضاً للمهندسين المعماريين واللاهوتيين والفنانين والمنظرين السياسيين والتربويين ونقاد الموسيقى، وصناع السينما والمحامين والمؤرخين. كانت مقاومة تفكيره أيضاً واسعة الانتشار ومريرة في بعض الأحيان، لأنها تتحدى القواعد الأكاديمية، وأحياناً الفطرة السليمة.
وكان هدف دريدا من “التفكيك” هو: “إيجاد الصدع الذي يمكن من خلاله رؤية بصيص غير مسمى أبعد من الفتحة التي يمكن رؤيتها”، بحسب ما قال في كتابه “عن الغراماتولوجيا”.

الأرشفة وإرث دريدا الفكري
ثمة تخوف انشغل به دريدا عندما سئل عن مصير الإرث الفكري الذي سيتركه، في عالم تغيرت فيه قواعد وأصول الأرشفة، مبيناً أن لا فكرة لديه مطلقاً عن ذلك، لأن تسارع صورة الأرشفة في عصرنا الحديث، تجعل من المتعذر تخمين شيء حول الموضوع، بخلاف العصور الماضية، وعلى حد قوله: “الناس من جيلي، ومن بابٍ أْولى أولئك السابقون، تعودوا على إيقاع تاريخي معيّن، الشخص يعتقد أنه يعرف أن عملاً معيّناً قد يبقى أو لا، بالاستناد إلى مواصفاته الخاصة، لقرن، قرنين، أو ربما كحالة أفلاطون، لخمسة وعشرين قرناً، بينما اليوم وضعنا مختلف كثيراً”.
وبحسب ما قاله الكاتب آلان دو بوتون عن دريدا، فإنه كان بمثابة المفكر الذي جاء ليخبر الجميع أن الأشياء أكثر تعقيداً مما نظن، وأن محاولات تبسيط الأشياء تعد خيانة للتعقيد الحقيقي للأمور من حولنا، منوهاً أن هذه كانت محاور فلسفة دريدا.
جاك دريدا.. شجاعة الفكر
بحسب الفيلم الوثائقي “جاك دريدا.. شجاعة الفكر” الذي أنتجته وعرضته قناة “Arte” الثقافية الفرنسية الألمانية، فاز دريدا بجميع معاركه الفكرية تماماً، وحجز لنفسه باكراً مكاناً بين

“حسب آلان دو بوتون عن دريدا، فإنه كان بمثابة المفكر الذي جاء ليخبر الجميع أن الأشياء أكثر تعقيداً مما نظن، وأن محاولات تبسيط الأشياء تعد خيانة للتعقيد الحقيقي للأمور من حولنا، منوهاً أن هذه كانت محاور فلسفة دريدا”
الكبار بمساءلة النصوص المؤسسة، ووضع الكتابات الكبرى موضع نقد وتشريح. أما على الجبهة الأيديولوجية، فكانت معارك دريدا خاسرة في مجملها، ما سيجعل من الصعب عليه إثبات نفسه وسط جو سياسي مشحون في الستينات وفي “مدرسة الأساتذة العليا” التي تتكون أساساً من “عصابة” فلاسفة ماركسيين يقودهم ألتوسير. وكان من المقرر أن يشارك دريدا نفسه في كتابة “إنجيل” العصابة (“قراءة رأس المال” لألتوسير وتلاميذه)، لكنه تراجع في النهاية وبدأ يجهر بنقد هذا الاتجاه واصفاً الجو بـ”الإرهاب الفكري”. وبعد مشاركة قصيرة في تظاهرات أيار/مايو 1968، حمل دريدا كتبه وأوراقه وانتقل إلى منزل في الضواحي بعيداً عن صخب الحي اللاتيني الثائر والأكاديمية والصالونات.
نقد الفلسفة الأوروبية
هدف دريدا الأساسي كان نقد منهج الفلسفة الأوروبية التقليدية، بمساعدة مفهوم التفكيك الذي قام بإنشائه. بالنسبة لدريدا، فهذه الطريقة لها تأثير إيجابي من أجل الفهم الحقيقي لمكانة الإنسان في العالم، ولأنه كان مختلفاً بالكلية ومغايراً للسائد الفلسفي، فإنه كان يتلقى الاتهامات في قضايا عدة فأحياناً كان يُتهم بالمبالغة في التحليل، وأحياناً كان يُوصف بالظلامية والعبثية وتعمد الغموض.
وبحسب تقرير نشره موقع “Philosophy Now” الأميركي، انتقد دريدا الحركتين الفلسفيتين المهيمنتين في عصره، فلسفة الظّواهر والفلسفة البنيوية، باعتبارهما تنغمسان في ميتافيزيقيا الحاضر، كما قضى معظم ما تبقى من حياته المهنية، ولا سيما في الفترة المبكرة منها، بتفكيك عمل الفلاسفة وغيرهم من الكتاب، لإظهار أن معانيهم غير واضحة، وأن نصوصهم غالبا ما تقول أكثر مما يقصدون.
أفكاره عن اللغة
تأثر دريدا في كتابه “عن الغراماتولوجيا.. دراسة أنظمة الكتابة” بأفكار اللغوي السويسري فرديناند سوسور، الذي يقول إن الكلمات تستمد معناها من الكلمات الأخرى، وإن المعاني تنتج من خلال الاختلاف لا التشابه، موضحاً أن المثلث يختلف عن المربع، لا يرتبط أي منهما في عقولنا بشكل قياسي مطلق، بل إننا بدلاً من ذلك نعرّفهما من خلال اختلافهما عن بعضهما. وبالمثل، لا يمكننا تتبع معاني الكلمات إلى معيار ذهبي معيّن. إذا كنا نريد أن نعرف معنى

“لأنه كان مختلفاً بالكلية ومغايراً للسائد الفلسفي، فإنه كان يتلقى الاتهامات في قضايا عدة فأحياناً كان يُتهم بالمبالغة في التحليل، وأحياناً كان يُوصف بالظلامية والعبثية وتعمد الغموض”
كلمة ما فنحن نبحث عنها في القاموس، الذي يعرّفها من خلال كلمات أخرى. إذا أردنا أن نعرف ما الذي تعنيه هذه الكلمات الأخرى، فعلينا أن نبحث عنها هي أيضا في القاموس، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية، أو على الأقل حتى نتوصل إلى كلمات نعتقد أننا نفهمها سابقا.
دريدا السياسي
وفي آخر حوار صحافي أدلى به دريدا، وأجراه معه جان برنباوم، أظهر وجهه السياسي، منتقداً إسرائيل في عدة مواقف، وأضاف: رغم كل المشاكل الأخرى التي تعذبني في هذا الموضوع، بدءاً من السياسة الانتحارية والكارثية الإسرائيلية ونوع معين من الصهيونية؛ رغم كل هذا ومشاكل أخرى كثيرة لدي مع “يهوديتي”، أنا أبداً لن أنكرها، وسأقول دائماً، في مواقف معينة، “نحن اليهود”. هذه الـ “نحن” المعذبة جداً هي في قلب ما هو أكثر قلقاً في فكري، فكر شخص أسميته مرة مع ابتسامة خفيفة “اليهودي الأخير”، إنه في فكري مثل ما يقول أرسطو بعمق عن الصلاة: إنها لا صادقة ولا كاذبة، إنها في الواقع حرفياً: صلاة، في مواقف معيّنة، بالتالي لا أتردد أن أقول “نحن اليهود” إضافة إلى “نحن الفرنسيين”.

عن العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق