جرجي زيدان وجان داية: بلاد الإنكليز أواخر القرن 19/ صقر أبو فخر

المشهور عن المؤرخ النهضوي جرجي زيدان أنه كان يدوّن كل ما يرد في خاطره أو يشاهده أو يحدث معه. وقد دوّن، في جمّلة ما دوّن، وقائع ثلاث رحلات جال في أثنائها في القسطنطينية وأوروبا وفلسطين. ورحلته إلى القسطنطينية (الأستانة) جرت في سنة 1909، ونشرها مسلسلة في مجلة “الهلال” خلال سنتي 1909 و1910. بينما نشر تفصيلات رحلته إلى أوروبا في كتاب مستقل أصدرته في سنة 1932 دار الهلال التي أنشأها في القاهرة. أما رحلته إلى فلسطين فنشرها حلقات في “الهلال” سنة 1914. وبعد نحو مئة عام، أي في سنة 2017، صدرت الرحلات الثلاث في كتاب واحد عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات وفيه إشارة إلى رحلة رابعة كان حققها صديقنا الباحث والكاتب والمنقب عن المطمورات الثقافية جان داية، وأصدرها في كتاب عنوانه “يوميات رحلة بحرية” (بيروت: دار فجر النهضة، 2010). وربما كانت رحلة جرجي زيدان هذه هي الأولى له بعد أن غادر بيروت من أعمال بر الشام، ليحط في بر مصر، وهو حينذاك في الخامسة والعشرين، فيما كان تجاوز الخمسين عند قام برحلاته الثلاث إلى الأستانة وأوروبا وفلسطين.
انطلق جرجي زيدان يرافقه ابن صافيتا جبر ضومط من ثغر بيروت في 19/5/1886 إلى يافا ثم إلى بورسعيد. ومن بورسعيد سافرا بالبحر إلى لوندرة (لندن) في 27/5/1886، فوصلا إلى مالطا في 30/5/1886، ثم إلى جبل طارق في 3/6/1886، ثم إلى لندن في 8/6/1886، أي بعد أحد عشر يوماً فقط. وبعد الإقامة في لوندرة شهراً كاملاً باشرا رحلة العودة في 8/7/1886، بالطريق نفسها فبلغا بورسعيد في 21/7/1986، أي بعد ثلاثة عشر يوماً. وفي رحلاته الثلاث، بين 1909 و1914، انهمك في الكلام على الموقع الجغرافي لكل بلد ومشاهدها الطبيعية، وآثارها ومتاحفها ومظاهر الحضارة فيها وأحوالها الاجتماعية والعلمية والأدبية والسياسية ونظام الحكم فيها وأخلاق الحكام والمحكومين. أما في
“شُغل زيدان بتسجيل يومياته التي انصبت على المشكلات التي واجهته مع وكالات السفر، وشحن أمتعته، والمبيت في النُزُل (اللوكندات)، وصراعه الليلي مع البق والبراغيث… إلخ” هذه الرحلة، الأولى ربما، فقد شُغل بتسجيل يومياته التي انصبت على المشكلات التي واجهته مع وكالات السفر، وشحن أمتعته، والمبيت في النُزُل (اللوكندات)، وصراعه الليلي مع البق والبراغيث… إلخ، فهو هنا مجرد شخص يسجل يومياته، حتى لو كانت تلك اليوميات قليلة الأهمية. وهذه الرحلة تشبه بتفصيلاتها حكايات السمر التي يقصها المهاجرون العائدون من المغتربات البعيدة على أهاليهم في سهرات القرى، وهو يعرض بطريقة تثير الغيظ بيروقراطية الدواوين المصرية، وكيف احتاج، هو وجبر ضومط، إلى الركض عشرات المرات بين مكتب وآخر، كي يتسنى لهما الحصول على التواقيع المطلوبة لمغادرة بور سعيد. ومن بين 69 صفحة، هي صفحات الرحلة، ثمة 16 صفحة (من الصفحة 15 حتى الصفحة 29) تدور كلها على التذاكر والرسوم والأوراق والمبالغ المالية والحجز و”خود وهات” حتى أقلعت السفينة في نهاية المطاف. والسبب، كما يشير جرجي زيدان، هو أن الحكومة المصرية لم تكن تسمح لأي سوري بالمغادرة إلى أوروبا من موانئها إلا بعد الاستعلام عنه وعن مسلكه، والتأكد من أنه حسن السيرة، لأن بعض أهالي بشري وقرطبا من أعمال لبنان كانوا يقومون بأعمال فاحشة في أوروبا (ص20). ولاحظ جرجي زيدان كثرة القذارة في بور سعيد حتى أن المار بين البيوت لا يستغني عن مروحة ليطرد بها الذباب المجتمع حوله جراء كثرة الأقذار (ص18). ومن طرائف هذه الرحلة أن البراغيث ألجأت جرجي زيدان إلى البقاء صاحياً في أحد فنادق بور سعيد، فيما غط جبر ضومط (العلامة اللغوي الكبير في ما بعد) في نومه كأن جلده عصي على قرص البراغيث.

مقارنة ومعايرة
في الرحلة التي دوّنها أبو عبدالله محمد العبدري الحيحي في سنة 1289 ميلادية وسماها “رحلة العبدري أو الرحلة المغربية” (نشرتها وزارة الدولة للشؤون الثقافية في الرباط سنة 1968 بتحقيق وتعليق محمد الفاسي)، عثرت على كلام قاسٍ في حق أهل الاسكندرية؛ فهو يصفهم بقلة الدين لأنهم يعترضون الحجاج ويفتشون النساء ويقول: “ما رأيت في الناس أقسى قلوباً ولا أقل مروءة وحياء، ولا أكثر إعراضاً عن الله سبحانه وجفاء لأهل دينه من أهل هذا البلد” (ص93). أما القاهرة فيقول عنها: “حسبها شراً أنها جرين لحثالة العباد، ووعاء لنفاية

“في الرحلة التي دوّنها أبو عبدالله محمد العبدري الحيحي في سنة 1289 ميلادية، عثرت على كلام قاسٍ في حق أهل الاسكندرية؛ فهو يصفهم بقلة الدين لأنهم يعترضون الحجاج ويفتشون النساء”
البلاد، ومستقر لكل من يسعى في الأرض بالفساد (…). وقد رأيت فيهم من قلة الحياء وعدم التنزه عن الخنا والفحش، ومن قلة التستر عند قضاء الحاجة ما تقضيت منه العجب (…). وما رأيت بالمغرب الأقصى والأندلس ولا بأفريقيا وأرض برقة والحجاز والشام فريقاً من الناس أرذل أخلاقاً وأكثرَ لؤماً وحسداً ومهانةَ نفوسٍ، وأضغنَ قلوباً، وأوسخَ أغراضاً، وأشد دمامة وخيانة وسرقة وقساوة وأجفى للغريب من أهل هذه المدينة” (ص125 و126 و127). ويبدو أن معاملة المصريين غير المصريين لم تتبدل كثيراً بين رحلة العبدري المغربي ورحلة جرجي زيدان ورفيقه جبر ضومط السوريَين.
مهما يكن الأمر فإن جان داية في تحقيقه هذه الرحلة، يصوِّب ما قيل عن أن زيدان تعلم الإنكليزية في غضون شهرين، فيستبعد مثل هذه الخوارق. وكذلك يصحح قصة انتقال زيدان من مطعم كان يعمل فيه (مطعم والده) إلى الكلية الإنجيلية السورية مباشرة، ورأى في ذلك مبالغة في غير محلها. لكنه لاحظ كثرة الأغلاط الصرفية والنحوية والكلمات العامية في نص تلك الرحلة، وقال: “لولا إصداره كتاب الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية لظننت أن جرجي زيدان لم يكن متمكناً من قواعد اللغة العربية” (ص11). وقد مال جان داية إلى إيجاد مخرج لزيدان من هذه السقطات على طريقة “التمس لأخيك عذراً” ففسّر الأمر بأن نص الرحلة أقرب إلى اليوميات منه إلى الصياغة النهائية. والحقيقة أن جرجي زيدان لم يكن متمكناً من العربية على الإطلاق في سنة 1886، وتحسنت معارفه اللغوية بالتدريج حتى أصدر الطبعة الثانية من كتاب “الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية” في سنة 1904 بعدما أدخل عليه تعديلات كثيرة جداً. ومع ذلك واجه تقريعاً قاسياً من اللغويين، وهو نفسه يعترف في مقدمة الطبعة الأولى من كتابه “الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية” الصادر في سنة 1886 بالقول: “لا أنكر أنني كتبت ما كتبت على غاية من السرعة، فلم يتسع لي الوقت الكافي لمزيد النظر والتأمل في مراجعة ما كتبت وتصفيته من شوائب الغفلة والنقصان”. وحتى كتابه ” تاريخ اللغة العربية” عبارة عن “خواطر سانحة” كما يصفه المؤلف جرجي زيدان. وأبعد من ذلك، فإن زيدان ليس لغوياً، ولم يصف نفسه على هذا المنوال، ولم يعده أحد من هذا العيار، ويكاد يجمع الجميع على أنه مؤرخ لغوي وليس لغوياً، فهو تتبع الألفاظ العربية في اللغات القديمة، وحاول أن يستخرج صورها الأولى، وإعادتها إلى أصولها الهندية والسريانية والعبرية.
خروب ودبس خروب
جرجي زيدان رجل علم وروائي ومؤرخ كلاسيكي وكاتب نهضوي. وبهذه الصفات كان

“جان داية في تحقيقه هذه الرحلة، يصوِّب ما قيل عن أن زيدان تعلم الإنكليزية في غضون شهرين، فيستبعد مثل هذه الخوارق”
اكتشاف البلدان ومعالم عمرانها ومشاهد حضاراتها وثقافات شعوبها شأناً يستهويه دائماً، وكثيراً ما مال إلى استنطاق التاريخ ليعرف كيف تمكنت أوروبا من الوصول إلى ما وصلت إليه من معارف وغنى وتقدم. وفي هذه الرحلة التي حققها جان داية وَوَسَمَها بعنوان “يوميات رحلة بحرية” أفاض زيدان في الكلام على مشاهداته في لندن وعلى محاسنها وتماثيلها وعربات إطفاء الحرائق فيها، والصحافة، والاعلانات بالبالونات الغازية. لكنه حين تحدث عن “فواحشها” راح ينقل أخبار ذلك من آخرين، وليس مما شاهده بأم العين، كقوله: “أعلمنا بعض المبشرين” (ص52)، و”قال مبشر آخر” (ص53). ثم تحدث عن “القبائح الناتجة عن زيادة الحرية” بقوله:” فترى هنا [أحدهم] جالساً يراود، وهناك ملقى يغازل، وغير ذلك مما لا أحب ذكره” (ص47).
لم يكتشف جرجي زيدان أن 70 في المئة من مفردات لغة أهل مالطا عربية، بينما لاحظ أحمد فارس الشدياق ذلك فوراً، وذكره في كتابه “الواسطة في معرفة أحوال مالطا”. وتفسير الأمر أن الشدياق أقام في مالطا ردحاً من الزمن، بينما مر جرجي زيدان بها مرور العابرين المسافرين. وفي الكتاب وردت عبارات متكررة مثل “المعلم جبور” (ص16 و46) و”قابلنا الدكتور جبور” (ص40) و”في المساء زارنا الجبوران” (ص41)، و”أتانا الجبوران” (ص42 و43) و”الخواجات جبور” (ص39). ونفهم من السياق أن “الخواجات جبور” اثنان: الدكتور جبور وزوجته. حسناً، من هو جبور هذا؟ هل هو العلامة جبرائيل جبور ابن بلدة القريتين من أعمال حماة؟ أم غيره؟ ومهما يكن الأمر، فإن هذا الكتاب ممتع حقاً، ويضاف إلى رحلاته اللاحقة ليحتل مكانه بين أعمال جرجي زيدان التي ارتاد فيها آفاق البلدان، مع أن الخروب في هذه الرحلة كثير والدبس قليل.

عن ملحق ضقة ثالثة

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق