الفلسفة في فكر فرويد

التّحليل النّفسي بوصفه منهجيّة فلسفيّة

إذا انطلقنا من التّصور المألوف للفلسفة ، نجد أن الإنسان كان محوراً للتّساؤل الفلسفيّ عبر العصور، لأنّ الإنسان هو المتسائل  والمجيب  بآن واحد.  تلك الجدليّة بين السّائل والمجيب، تشكّل امتداداً موضوعياً للجدليّة التاريخيّة بين الإنسان كذات، والعالم كموضوع. وقد كان لعلم النّفس الأثر البارز في المساهمة في هذا الميدان الفلسفيّ الأساسيّ في نظريّة المعرفة.

والواقع أنّ الجذور الفلسفيّة لعلم النّفس، تكتسي أهميّة خاصّة، دون أن يعود ذلك لأسباب محض تاريخيّة، فإنّ بعض الاهتمامات الخلفيّة لعلم النّفس، فلسفي في طبيعته بالمعنى الميتافيزيقي والدلاليّ معاً. إذ يؤكّد العالم النّفسي يونغ  قائلاً :” أظنّ أنّه يوجد من علوم النّفس بقدر ما يوجد من الفلسفات، وذلك لأنّ بين علم النّفس والفلسفة روابط لا انفكاك منها، على اعتبار أنّ كليهما يشكلان نظام رأي يبحث في موضوع لا يمكن اختباره تماماً، و بالتّالي لا يمكن فهمه وفق منهج تجريبي بحت، وعلى ذلك فإنّ كلا الميدانين من الدّروس، يحفّز على التّفكير ممّا ينتج عنه تشكيل آراء تبلغ من الكثرة حداً يتطلّب معه جهود ضخمة لاستيعابها جميعاً، لهذا لا يمكن لأحدهما الاستغناء عن الآخر، لأنّ كلّ منهما يمد الآخر بمسلماته الأوليّة الضمنيّة الّتي غالباً ما تكون خافيّة “.[1]

لهذا السّبب، فإنّ التّحليل النّفسي اكتسى منذ نشأته كتيّار تفسيري للإنسان، طابعاً فلسفياً، بل إنّ أحد مصادر حيويّة التّحليل النّفسي تكمن في أنّه شكل نوعاً من النظريات الشموليّة، وإذا ما استخدمنا المصطلح الأرسطي نقول، أنّ التّحليل النفسي تشكّل  “نظريّة مفتاح” استطاعت أن تلجّ أبواباً كثيرة، فلم تقتصر على دراسة الأحلام، والغرائز، والأمراض النفسيّة، والانحرافات وحسب، وإنّما دخلت أبواب الحضار، و الدين، والفنّ، و ااجتماع، والميثولوجيات، والتّطور، وحتّى الميتافيزيقا.[2] حيث اختلفت منهجياته قرباً أو بعداً عن التّصورات الميتافيزيقيّة، حسب مدارسه المتنوّعة وتفرعاتها الفكريّة. فأعاد التّحليل النّفسي النّظر في الكثير من المعتقدات السّائدة الّتي يعتمدها الإنسان منذ عهد الفلاسفة اليونان، عندما درس السّلوك دراسة وصفيّة، ليس فقط من حيث التّشريح الوضعي، وإنّما من حيث المعنى أيضاً. وكان من نتائج هذه القفزة، حسب الدكتور مصطفى زيور:” أنّ الإنسان المعاصر لم يقتصر على إعادة النّظر فيما كان مسلماً به سابقاً، لكن تعدى ذلك إلى العمل الفكريّ في عقلانيته حسب المفهوم الديكارتي، الّذي اعتمد العقل كوسيلة وحيدة لاستكشاف الواقع، فالباحث أو العالم منذ أن عرف مكامن رغباته، لم يعد يعتبر نفسه مستقلاً ومتحرّراً من علمه أو اكتشافاته، فما يصدر عنه ليس إلّا وليد الهوام، الّذي كان يرافقه طيلة حياته على غير علم منه كمادة مكبوتة، وما إنتاجه إلّا عودة للمكبوت “.[3]

لقد حقّق التّحليل النّفسي انقلاباً فكرياً كبيراً طبع القرن العشرين بطابعه . إنّه انقلاب إبستمولوجي جديد، يدعو صراحة الإنسان إلى تحرّره من القيود المتراكمة بفعل الكبت، ليفتش عن حقيقته الكامنة وراء جموده واستسلامه. وهذا ما سنحاول دراسته من خلال الاطلاع على تصوّرات مؤسّس مدرسة التّحليل النفسيّ.

الفلسفة في فكر فرويد

لقد شكّلت اكتشافات فرويد، نوعاً من الحدس الفنيّ، بأسلوب التّأمل الفلسفيّ (لا سيمّا في كتاباته المتأخرة) مع الالتزام بقواعد البحث العلمي الدقيق، والصّارم أحياناً، ولعلّ هذه المصادر الثلّاثة لاكتشافاته، تفسّر لنا التّناقض في ما وجه إليه من نقد، فقد اعتبر نقّاده من أهل العلم، أنّه يميل إلى الاتّجاه الروحاني في أبحاثه، في حين أنّ نُقاد آخرين، أخذوا عليه اتّجاهه المادي في أبحاثه النفسيّة، حتّى قالوا بأنّ النّفس عنده أضحت شيئا آليا.

وحتّى لو امتنع فرويد عن تعاطي الفلسفة بشكل مباشر، فقد عالج بالفعل مسائل مركزيّة فيها، إلى حدّ أنّه في بعض الأحيان، قلبها رأساً على عقب. فقد غيّر في العمق فكرة الحقيقة، وعلاقتها بالمعرفة، في نهاية سيرورة تتوالى على امتداد عمله بأكمله.

لقد ناقش فرويد في أعماله اللاّحقة، مجموعة كاملة من القضايا الفلسفيّة الّتي ترتبط بالثّقافة، والدين، وتاريخ تطوّر الحضارة البشريّة. ورغم أنّه أعلن في عدّة مناسبات عن موقفه السلبي من الفلسفة، إلّا أنّنا نجد أنّ الدراسة المثابرة لتاريخ التّحليل النفسيّ وتطوره، تبيّن لنا أنّ دراسات التّحليل النفسي الفرويديّ، كانت ومنذ البداية، تتّجه نحو هدف ملموس يقوم على إيجاد فلسفة مميّزة للتّحليل النّفسي، ومستقلّة عن المنظومات الفلسفيّة الأخرى، تساعد على فهم سنن عمل الإنسان وحده، والبشريّة على حدّ سواء.[4] فقد عوّل فرويد طوال أبحاثه على الميكروسكوب وحده دون التّجريب. ويبدو أنّ الملاحظة الدقيقة المتأنيّة هي ميزته المفضّلة وموطن قوّته، ذلك أنّه طوال الأعوام العشرين الأولى من حياته العلميّة، نأى بنفسه عن تحمّل أعباء التّجريب إلّا في بضع حالات استثنائيّة. فكان شديد الاحتفال بمشاكل الإنسانيّة على النّحو الّذي يميّز الفلاسفة السلفيين (كان منذ حداثته أكثر تعطّشاً إلى الأمور الإنسانيّة منه إلى موضوعات العلوم الطبيعيّة)، غير أنّه يختلف عنهم في الطريق الّذي سلكه لإشباع شغفه بالمعرفة، فقد هداه تفكيره إلى أنّ طريق الاستقصاء وفقاً لأساليب البحث العلميّ، هو الطريق المأمون الكفيل بأن يجنّبه شطط الجدل الفلسفيّ، فأقبل على أدوات البحث العلمي يمارسها ويلتزم بها دون غيرها.[5]

لكن علميّة فرويد الصّارمة لم تبعده تماماً عن الخلفيّة الفلسفيّة الّتي طبعت القرن التاسع عشر بطابعها، وعند وضعه الصيغة الأولى لكتابه الأهم (تفسير الأحلام)، يمكننا أن نصادف في النّص والفهارس أسماء فلاسفة ” أفلاطون – أرسطو – لوكريتس– هيجل – كانط – فيخته – شليرماخر– فيخنر– شوبنهاور– بردلي– برينتانو”.[6] وهذا وحده يتيح لنا الاستنتاج بقوّة الثّقافة الفلسفيّة الّتي كانت موجوده عند فرويد. وهو إذ يؤكد على أهميّة الدراسة العلميّة للظواهر النفسيّة، يفصل فصلاً تاماً العقلي عن البيولوجي التشريحي فيقول:” إنّ طوبوغرافيا العقل البشري، لا تربطها الآن أي علاقة بعلم التشريح، ذلك لأنّها لا تتعلّق بالمراكز التشريحيّة، وإنّما بمناطق الجهاز العقلي دون النّظر إلى وضعها المحتمل في البدن. ومن ثمّ فإنّ عملنا، انطلاقاً من هذا الرأي، لا يعوقه عائق يحول دون تقدمه وفق متطلباته الخاصّة “.[7]

وتعود جذور مفهوم فرويد عن الإنسان، إلى الفلسفة الإنسانيّة وحركة التّنوير، الّتي انطلقت من افتراض وجود الإنسان بوصفه إنساناً عالمياً، لا مجرّد إنسان كما يتجلّى في ثقافات متنوّعة، وأنّه شخص من الممكن عموماً أن تؤثّر في بنيته، الصياغات الشرعيّة والتجريبيّة، فرسم بذلك فرويد، شأنه شأن اسبينوزا قبله، صورة الطبيعة الإنسانيّة، لا على أساس العصاب وحسب، بل على أساس أن كلّ السمات الجوهريّة للإنسان وإمكاناته وضروراته، يمكن أن تفهم وتُفسر.

كما استند فرويد في أعماله الفكريّة على بعض آراء شوبنهاور، واستشهد بها، لا سيّما في مناقشته لمسألة النزعة الجنسيّة عندما أشار منذ مدة طويلة، إلى أي مدى تتحدد أفكار البشر وتصوراتهم بالميول الجنسيّة.

ويمكن أن نصادف في أعمال فرويد استشهادات مقتبسة عن نيتشه، وقد جرت في الواقع عدّة جلسات في عام 1908، في حلقات التّحليل النفسي الّتي أنشأها فرويد، قراءة ومناقشة لكتاب نيتشه “منشأ الأخلاق”، وقد وصف فرويد نيتشه قائلاً: ” إنّه يعرف نفسه معرفة ثاقبة أكثر من أي إنسان عاش، أو محتمل أن يعيش، إنّ تنبؤات نيتشه ولمحاته الثاقبة تتفق على أعجب نحو ممكن مع النتائج التي توصل إليها التحليل النفسي بعد كثير من العناء. ويذكر فرويد في مسألة (دراسته لدور الأب في المجتمع البدائي) أنّ الأب كان منذ فجر التاريخ، ما فوق البشر، والّذي كان نيتشه يتوقعه في المستقبل فقط، ومن جهة أخرى[8] .

وبتأثير من نزعته الإنسانيّة، وضع فرويد أسس ما يسمى “فنّ الشّك “، وذلك من خلال منهجه في التّحليل النّفسي، وتحت تأثير بعض التّجارب المتعلقة بالتّنويم المغناطيسي، الّتي أظهرت له، إلى أي مدى يخال إنسان ما في حالة الغشيّة، أشياء واقعيّة وحقيقيّة، أشياء لا تطابق الواقع في الظّاهر. كما اكتشف أنّ معظم التّصورات أيضاً، لا تطابق الواقع، عند ناس لا يعيشون حالة الغشيّة النّاتجة عن التّنويم المغناطيسي، وإنّنا من جهة أخرى لا نستشعر الجزء الأكبر من الواقع. وهذا الشّك في ما يفكّر به المرء، مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالإيمان بقوّة الحقيقة المجرّدة عنده.[9] وبالتّالي فإنّ رأينا في أنفسنا لا يطابق الواقع كثيراً، وكثيراً ما نخطئ في الحكم على أنفسنا وعلى الآخرين. لذلك كان منهج فرويد التفسيري من الناحيّة الابستمولوجيّة، مهتماً بأن يقترب من الواقع الّذي يقوم وراء تفكيرنا الواعي، وذلك بإدراك أنّ الجزء الأكبر ممّا هو واقعي وحقيقي في داخلنا، لا نستشعر به ولا نعرفه، وأنّ جلّ ما نعرفه ليس بحقيقي وواقعي. وهذا البحث الدائب عن الواقع الداخلي غير المشعور به، فتح باباً جديداً للحقيقة. باب ينطلق من مبدأ الشّك بموضوعيّة المعقول إن صحّ القول. ومع ذلك، لا نجد هذا التّصور يتقاطع مع مفهوم الشّك الديكارتي المشهور، فإذا انطلقنا جدلاً من أن ديكارت وفرويد قد انطلقا في نظريّة المعرفة، من الشّك بحقيقة الإثباتات المتعارف عليها، فإنّنا نجد أنّ الديكارتي قُرن مع طرح الرأي الّذي يربط الشّك بالتّفكير، الّذي يبني بدوره الوجود. أمّا الشّك الفرويدي فيمسّ مسألة معقوليّة وعي الوجود البشري ذاته. وبالتّالي تتقاطع تصوّرات فرويد مع فلاسفة الحياة والإرادة، كشوبنهاور، الّذي سبق التّحليل النّفسي بفرضيّة الإرادة اللاواعيّة، الّتي تقابل بشكل أو بآخر الغرائز النفسيّة الّتي تحدث عنها فرويد، وقد تحدّث فرويد عن دور مهم لشوبنهاور في نظريّة الغرائز، عندما قال أنّ هذا الفيلسوف هو الّذي ذكّر البشر بأهميّة صبواتهم الجنسيّة  المهوّن من شأنها على الدوام.[10] ويضيف في كتاب آخر بأن شوبنهاور قد بيّن للنّاس منذ أمد طويل إلى أي مدى تحدد نوازعهم الجنسيّة نشاطهم وجهودهم.[11]

إنّ الانجاز الحقيقي للتّصور الفرويدي، لا تأتي من التّصور الجنسي للعصاب (حيث تحدّث فلاسفة سبقوه عن هذا الأصل بشكل غير مباشر) وإنّما ثورته الفكريّة تكمن بالكشف عن الدلالة – أي دلالة الظواهر النفسيّة – الّتي اعتبرت دائماً فاقدة للمعنى، ومن اكتشاف الحيل الّتي تحتجب وراءها تلك الدلالة، لذلك ليس من قبيل المصادفة أن يعتبر فرويد أفعالاً بسيطة، كزلات القلم، أو فلتات اللسان – وهي ظواهر اعتبرت دوماً لا دلالة لها – مدخلاً لدراسة الأعصبة. ومن تلك الفكرة الّتي اكتشفها، أصبح الاهتمام منصباً على كشف العلاقة الرمزيّة بين الدّال والمدلول، حيث تتجلّى المهمّة الرئيسة لمنهجيّة التّحليل النّفسي الفرويدي، من خلال الكشف عن تلك الدلالة، والبحث المعمق عن دلالات لا يفكر المرء قط بوجودها. ومحاولة فكّ رموز تلك اللّغة الرمزيّة بين الدّال والمدلول، تشكل إحدى خصائص المدرسة الفرويديّة في التّحليل النفسي، إذ تتحوّل الأفعال النفسيّة بكلّ مظاهرها، إلى لغة ذات معنى، ويتّصف الحلم والعرض العصابي، بقدرة التّعبير بطريقة مقنّعة، وهذا بالضبط ما أكده لاكان من خلال إعادة قراءته لفرويد، عندما اعتبر أنّ كلّ نتاجات اللاّوعي بما فيها الحلم والعرض العصابي، لها دلالتها وبعدها الرمزي.[12]

ومن خلال الكشف عن دلالة ومعنى السّلوك، حقّق فرويد قفزة إبستمولوجيّة عن علم النّفس الكلاسيكي، القائم على أرضيّة ميتافيزيقيّة من فصل ديكارتي، بين الجسمي والنّفسي، والبيولوجي والسيكولوجي، حيث أعاد دعائم الرّبط بين البيولوجي والنّفسي، وربط بين الأعراض البيولوجيّة والكوامن النفسيّة. فلم تعد الهستريا على سبيل المثال، عبارة عن طقوس وحالات من السّلوك السحري الّتي لا معنى لها، بل أصبحت حالة اختلال عضوي يستند إلى أرضيّة نفسيّة عميقة، تعبّر عن نفسها من خلال صراع داخلي بين مكوّنات الأنا الأعلى والهو. إذ يدور الأمر هنا حول اكتشاف لغة جديدة، هي لغة اللاّوعي، لغة الجسم في الهستريا، والصّورة في الحلم، و الأفكار في الوساوس. لغة كان فرويد أول من حاول فكّ رموزها. ومن خلال محاولة توضيح العلاقة الرمزيّة بين الدّال والمدلول، استطاع فرويد تعميم فرضياته. إنّ دراسة الدلالات وعلاقتها بالتّعبير والرّمز، كانت الملمح المميز لنظريّة التّحليل النفسي وتطبيقاته، إذ نجد في كلّ أعمال فرويد، بدءاً من الوصف السريري لعوارض العصاب النفسي، انتهاءً بشروحات الفنّ، وتاريخ ظهور الحضارة البشريّة، بروز إشكاليّة الفهم والإدراك. فمن الناحيّة السريريّة، يتحوّل المنهج الفرويدي للفهم والإدراك، إلى مادة للتّحليل النفسيّ تتضمّن مجموعة من قواعد شرح الظواهر النفسيّة والمعاني الرمزيّة لحالات اللاّوعي، والّتي بموجبها تتكشف رغبات الإنسان الجنسيّة. ومن الناحيّة النظريّة، يصبح التّفسير التّحليلي النّفسي، تعميماً لأداة الفهم والإدراك ومقبولاً لكلّ مجالات الحياة، ويستخدم فرويد هذه الأداة عند تفسير الأحلام وفكّ رموز لغة اللاّوعي، وكذلك عند السّعي إلى النّفاذ إلى سرّ المؤلّفات الفنيّة وأعماق الماضي التاريخي.[13] ودون ذلك، لبقي التحليل النفسي، مجرّد تقنيّة من تقنيات العلاج النّفسي.

ومن خلال المنهج التأويلي التفسيري، قدّم التّحليل النفسي الفرويدي، تصوّراً جديداً للحوادث النفسيّة، ، من خلال الحديث عن الأحلام والعصاب، ليس فقط من خلال التقنيّة العلاجيّة، بل من خلال التّركيز على البنيّة النظريّة الكامنة خلف تلك التقنيّة، حيث يعطينا التّحليل النفسي الفرويدي من خلال مفاهيمه النظريّة، الأسس الّتي ينبني عليها كلّ علم، من حيث تحديد الماهيّة المجرّدة والصوريّة لموضوعه، كشرط لإمكانيّة كل تطبيق عملي على الموضوعات العينيّة. إذ أنّ تجريديات التّحليل النفسي تشكل، وفق تعبير ألتوسير، المفاهيم العلميّة الأصليّة لموضوعاتها، حيث تظهر النزعة العقليّة في الفرويديّة والقائلة بأسبقيّة التّصور العقلي الكامن، على الفعل (الإسقاط – العصاب). لكن على عكس النظريّة التقليديّة المنطلقة من أرضيّة الكوجيتو الديكارتي (أفكر فأنا موجود)، والّتي تربط بشكل متطابق بين تفكير الإنسان ووجوده. فإنّ نظريّة فرويد، شكّكت في كافةّ أفكار الوعي، ونواياه، وقيمه، وشرحت كيف أنّها غالباً ما تكون مجرّد أشكال مقاومة، لإخفاء الحقيقة الداخليّة.

ومن قاعدة عقلانيّة لاديكارتيّة، حاول فرويد شرح وعقلنة الفكر والسلوك الإنسانيين، وتبيان الظّواهر الغريبة غير المنطقيّة والاتفاقيّة ظاهراً، الكامنة خلف هذا الفكر والسّلوك. إذ يقول: ” التّحليل النّفسي معتاد على كشف الأشياء السريّة والمخبأة في بحر التّفاصيل الّتي لا نعيرها اهتماماً وفي ملاحظاتنا المهملة إذا صح التّعبير”.[14] فكانت رسالته عقلنة غير المعقلن، وصبّ المنطق التفسيري على كلّ حياتنا غير المفهومة، وبذلك أعطى للتّناقضات الانفعاليّة في سيكولوجيا الإنسان معنى. بتلك الآليّة استطاع المنهج الفرويدي من أن يفصل بين المعرفة والحقيقة، فلم تعد المعرفة والحقيقة بعده متطابقتين، إذ استوفى فرويد، بأقوى ممّا فعل شوبنهاور ونيتشه، دراسة الفجوة بين المعرفة والحقيقة. فثمّة ما أعرف، وثمّة ما يفوتني غالباً، أي حقيقة هذه المعرفة، فثمّة ما أعرف بصدد ما أكون، وحقائق عمن أكون تظل خافيّة عنّي لأنّها لاواعيّة. وهناك دوماً غير المعروف في المعروف، وهناك ما نجهله في ما نعرفه، وغير المُفكّر فيه، فيما نفكر فيه، وهنا تنفصل الحقيقة عن المعرفة. هذا التّفاوت موجود ليس فقط على صعيد الفرد، بل على صعيد المعارف الجماعيّة، ومجالات المعرفة كافة.[15] وبالتّالي فإنّ ما يهم هنا ليس الحدث بحد ذاته، بل القيمة الّتي يمثلها الحدث بالنسبة للشّخص، حيث يؤخذ الواقع الموضوعي فقط كحقيقة أنطولوجيّة، أمّا من الناحيّة المعرفيّة، ليس من الهام عند فرويد، الواقع نفسه، بقدر ما هو هام إدراك الإنسان لهذا الواقع. إنّ نظريّة المعرفة الفرويديّة، لا تقوم بالنسبة للعالم الخارجي، بالكشف عن طبيعتها الجوهريّة، بل على دراسة الظواهر عندما يتمّ إدراكها بالنسبة للفرد، وعندما تجد انعكاساً لها في النفسيّة البشريّة. وهنا تتكشف نقاط التماس المشتركة بين نظريّة المعرفة عند فرويد، وعند كانط.[16]حيث يبرز فرويد كثافة التجربة الإنسانيّة. كما يمكننا استجلاء تأثيرات كانطيّة في تصورات فرويد عن المعرفة الّتي حاول من خلالها، تقديم نموذج جديد يخالف تصورات كانط القائلة أن المعرفة الإنسانيّة تعتمد على الحسّ والتجربة ينقلان معلومات متفرّقة عن العالم، وهي معلومات لا يمكن للعقل ترتيبها إلّا بالاستعانة بمبدأين أوليين هما الزّمان والمكان، حيث الأوّل صورة أوليّة في العقل. وقد حاول فرويد استبدال تصورات الزّمان، بمفهوم العمليات النفسيّة اللاشعوريّة، الّتي تخرج عن كلّ إطار زماني قبلي فيقول: ” إنّنا نستطيع أن نعرض المناقشة لنظريّة كنط الّتي تقول بأنّ الزّمان والمكان شكلان ضروريان للفكر إذ نعرف بأن العمليات النفسيّة اللاشعوريّة عمليات تخرج في صميمها عن الزّمان ولا صلة لها به على الإطلاق، فهي ليست مرتبة ترتيباً زمنياً وأنّ مرور الزّمن لا يغير منها ولا يبدل فيها أي تبديل “.[17]

وحيث كان هيجل مثلاً يربط بين الموجود والمعقول،  نجد أنّ فرويد يجعل الإنسان يتأرجح بين القيم الأخلاقيّة والعقليّة والجماليّة، وبين النّزعات الغامضة اللاشعوريّة، هذه الكثافة تتمثّل من خلال علاقة الإنسان بأناه الخاص، وعلى العكس ممّا يبدو للمواقف العابرة السطحيّة، نجد عند فرويد أنّ الإنسان جاهل لنفسه، ومن هنا يمكن أن نعطي أبعاداً تحليليّة لدعوة سقراط إلى أن يعرف الإنسان نفسه. [18]

لقد جاء فرويد في الواقع  بنظرة مزدوجة تجاه عصر العقل، فهو وإن كان من أشدّ مؤيدي العقل في العصر الحديث- عندما أكّد أنّ العقل هو أثمن وأخص قوّة تميّز الإنسان – إلّا أنّه أكّد من جهة أخرى، على أنّ العقل عرضة لتأثير العواطف المشوه له، وفهم عواطف الإنسان هو الشيء الوحيد الّذي يمكن أن يحرّر عقله لأداء وظيفته على نحو سليم. وبذلك يكون قد كشف عن قوّة العقل الإنساني وضعفه على السّواء، وجعل من هذه الجملة القائلة بأنّ الحقيقة هي الّتي ستحرّرك، المبدأ الهادي في فنّ جديد للعلاج النّفسي، حيث أنّ المرض العقلي أو النّفسي لا يمكن أن يكشف بمنأى عن المشكلات الأخلاقيّة. [19]وهذا ما جعل تأثيره بالغ على الفلاسفة المعاصرين، حيث عبّر فوكو عن التّجديد التويري في فلسفة التّحليل النفسي قائلاً: ” إنّ الإنسان المعاصر، منذ نيتشه وفرويد، قد وجد في داخله بؤرة الاحتجاج على كلّ حقيقة، وأصبح قادراً على التّعامل مع ما يعرفه الآن عن نفسه باعتبارها قرائن قد يتسرّب من خلالها اللاّعقل “.[20] كما يرى البرفسور في العلوم الاجتماعيّة في جامعة بنسلفانيا (ف.ريف) أنّ أصالة التّحليل النفسي إنّما تكمن في الفنّ التفسيري. وحسب تعبير (ر.بوكوك) إنّ التّحليل النفسي هو مادة تفسيريّة لها علاقة بتفسير المعنى. ويعتبر التّحليل النفسي من وجهة نظر الفيلسوف (ف. فاريل) مادة تفسيريّة. ويطلق هابرماس على التّحليل النفسي اسم التيّار التفسيري المعمّق. كما تنطلق تعقيبات كثيرة وضعها الفيلسوف (ب.ريكور) على التّفسير الفينومينولوجي، وهي أنّ التّحليل النّفسي يعتبر تفسيراً شمولياً للحضارة والثقافة، وأنّ إسهام فرويد في الفلسفة يكمن في تطور المنهج التفسيري الّذي يقدّم مدخلاً إلى علم دلالات الرّغبة.[21] وبالتّالي يمكننا التّحدث عن فلسفة فرويديّة كاستمرار لتيّار فلسفي يؤكّد على الديناميكيّة الواعيّة للحياة محاولاً إبرازها بأسلوب تجريبي شابه الكثير من التأملات الحدسيّة التي تأثر بها من خلال المرور بالفلسفة المعاصرة، إذ نجده يتفق مع الفلسفة الظاهراتيّة على أنّ النفسي ليس حالة جامدة ولا هو جوهر يتبدى في ظواهر، كما يتّفق معهم في إثبات شفافيّة النّفسي وإمكانيّة فهمه عبر ما يحصل فيه من معنى، وفي الوقت ذاته إثبات ارتباط النّفسي بالمجتمع والعالم، إذ أن كلّ من هوسرل وفرويد، ربط السّلوك بالمعنى (قصديّة هوسرل ، ورمزيّة فرويد) بحيث ينبغي بالضّرورة فهم التّصرفات الإنسانيّة لا تفسيرها فقط.

**************

والأساس الفكري في تصوّر فرويد عن النّفس، ينطلق من مسلمته في اللاّشعور، الّذي أعطاه معنى واسع الدلالة، فاللاّشعور عنده لم يعد كما في التّصور القديم، يعمل كيفما كان كمقابل للشّعور، وإنّما يعمل ضمن إطار من القوانين ذات الدلالة والمعنى، كالنقل والتكثيف والمجاز والاستعارة، بحيث نجد تلك الأوليات الثابتة باستمرار. [22] إذ تميّزت فلسفة التّحليل النفسي الفرويدي عن التّفسيرات الفلسفيّة السّابقة، بفهم ديناميكي وموضعي للعمليات النفسيّة اللاواعيّة، وللنّفس البشريّة ككل.

بتعبير آخر، لا يكتفي فرويد بوصف العمليات اللاّواعيّة كما هي، بل يسعى أيضاً إلى الإشارة إلى الفعل النّفسي ومساره ضمن جذود أيّة منظومة أو بين أيّة منظومات، ومن هذه الناحيّة، يتمّ الدّفاع عن التّصورات المنتظمة حول النّفس البشريّة، الّتي يعالجها فرويد كتشكيل غير محدّد، ومكوّن من ثلاث منظومات (الأنا – الأنا العليا – الهو) تعمل بصورة مستقلّة فيما بينها، وتبيان الصّلات القائمة بينها يشكل المهمّة الرئيسيّة من مهام التّحليل النفسي.

وفي وقت لاحق، أضاف فرويد الإدراك التركيبي إلى الفهم الديناميكي والموضعي عن طريق معالجة درجات النّفس المفرزة في الأنا، والأنا الأعلى، والهو. هذا المنطق التركيبي لدراسة النفس البشريّة، أسهم في الفهم العميق للعلاقات المتبادلة بين الوعي واللاوعي.[23]

ومن تلك الأرضيّة الفكريّة قدّم فرويد تصوراته الفلسفيّة ذات الطابع الجدلي، فانطلق من تصوره عن مفهوم ثلاثي لتطوّر الحالة النفسيّة والفكريّة للإنسان.

فتطوّر البشريّة يبدأ من المرحلة الإحيائيّة، الّتي تقابل النرجسيّة: وهي مرحلة إسقاط الذّات على العالم.

ثمّ المرحلة الدينيّة، وهي مرحلة موضعة العلاقات الاجتماعيّة: حيث يتثبت الليبيدو على الأهل.

ثمّ المرحلة العلميّة: الّتي يتمّ بها التّخلي عن اللّذة والخضوع لمتطلبات الليبيدو: حيث تظهر آليات الكبت الاجتماعي في الحضارة.[24]

لم يكن هذا التّقسيم في الواقع غريباً عن التّصورات الفلسفيّة السّابقة عن فرويد، إذ نجد تصورات القوى الثلاثيّة المكوّنة للإنسان، منتشرة على نحو واسع في مختلف المدارس الفلسفيّة. فروح الإنسان (النفس) عند فيثاغورس كانت مقسمة إلى عقل وبصيرة وأهواء. وحسب أفلاطون تتضمّن نفس الإنسان في داخلها: العقل، والتّشوق، والبداية الجامحة غير العاقلة. كما ظلّ هذا التّقسيم مستمراً في أعمال الكثير من الفلاسفة اللاحقين. أمثال نيتشه الّذي ميّز ثلاثة عوامل داخليّة هي الإرادة والرّوح والأنا. وكريكجور الّذي قسّم الإنسان إلى جسد وروح ونفس. وبالتالي، فإنّ مبدأ التقسيم الثلاث، وبغض النّظر عمّا إذا كان ينسحب على وصف العقل والنفس البشريّة، أو الإنسان في ماهيته الجسديّة والروحيّة، كان مقبولاً لدى العديد من المدارس الفلسفيّة. لكن ما قام به فرويد يمثل  قفزة، فبعد أن كان مصطلح “اللاّوعي” يعني عند الفلاسفة قبل فرويد، كلّ العمليات الآليّة الّتي كانت تجري في الجسد، نجد مع فرويد انفصال النّفس عن الوعي، فيتحوّل الوعي إلى خاصيّة فقط من العمليات النفسيّة. وأنّ كلّ أنواع الأشياء فينا (رغبات وتمُثلات ومشاعر) تتبادل التّفكير، والاختزال، الترابط، والاستبعاد دون أن نعي ذلك. وإذا كان الأمر كذلك، فمن الممكن أن توجد أفكار في ذاتي – نفسي – من غير أن أعلم، ومن غير أن أرى، [25] وهذا تقدم ثوري فلسفي في طريقة النّظر إلى الوعي، وإلى الفكر نفسه أيضاً. طريقة مبتكرة للتّعبير عن التّصور الجدلي الفلسفي بالمعنى الهيجلي في بنيّة النّفس الإنسانيّة. فتبعاً لفرويد،  ليس حبّ الذّات وحبّ الموضوع متضادين، فحبّ الموضوع ينشأ عن الليبيدو النرجسي، وممكن في أي وقت أن يعود و يستحيل إليه، وطالما أنّ الاثنين يمثلان ميلين إلى الحبّ، فهما متماهيين، وكلّ منهما يعود إلى منبع واحد، هو الجهاز النفسي الجنسي البدئي، والنرجسيّة الأوليّة. والأمر نفسه يتحقّق في العلاقة بين الوعي واللاّوعي، فهما نقيضان، لكنّهما في سلوك كالعصاب القهري، يكونان متضادتان ومتماهيتان بالوقت نفسه، وكذلك الأمر فيما يتعلّق بالعلاقة بين الأنا والهو، الّذين يشكلان نقيضين متماهيين. فليست الأنا سوى جزء متباين من الهو بشكل خاص، لكنّها تصبح بالوقت نفسه وتحت تأثير العالم الخارجي عدوة ومناوئة وظيفياً للهو. [26]

وباكتشاف الحلم، أصبح للتّحليل النّفسي معنى جديد، قائم على أساس المنهج الوصفي التأويلي، حيث يغدو الحلم عند فرويد، واقعة نفسيّة ينبغي تحديدها بشكل جديد، وإعادة توضيح كيفيّة ارتباطها بالفرد، إذ تتحوّل الواقعة الماديّة، إلى واقعة نفسيّة متصلة جدلياً بالفرد، وليست منفصلة عنه. ففي الحلم، تبدو الذّات كأنّها منفصلة عن نفسها: أحلم دون أن أعرف ما الّذي يعبّر عن نفسه في هذه الصور والحكايات، وبالطريقة نفسها، أجهل ما يمكن أن تدلّ عليه الأخطاء وأحوال النّسيان اليوميّة الّتي أُلقيها على عاتق المصادفة، تماماً كسلسلة الوساوس الصغيرة أو الكبيرة، والقلق، والاحتفالات الطقسيّة الّتي تسم الحياة اليوميّة. وفي النهاية، يفلت من الفاعل شيء في كلّ فعل يقوم به. وفي كلّ فكرة، قد يفلت شيء من ذاك الّذي يُفكر، كما يفلت من المتكلم في كلّ كلام يقوله. إنّ جوهر ما يهم فرويد موجود في استحالة هذه الرقابة الشّاملة، في هذا الباقي من الحسّ الّذي يفلت حتماً من الإرادة الواعيّة لذاك الّذي يتكلّم، ويفكّر،  ويتصرّف، وفي حقيقة أفعالنا وحركاتنا أو جملنا المختلفة عن الحقيقة الّتي نعتقد أنّنا نمنحها إيّاها. ولا تقتصر هذه اللّعبة المزدوجة على انقسام الأفراد، ولا على تصادم رغباتنا البسيطة جداً. إذ تُفضي نظرة فرويد، بالاقتراب التدريجي إلى ملامسة الحضارة والتّاريخ، لتحيد فيهما بالصّراع بين الحياة والموت.[27]

هنا يبرز الطّابع العقلاني، التركيبي، في النّزعة التفسيريّة التأويليّة عند فرويد، ذلك الطّابع الّذي طبع معظم دراساته بما فيها الفنّ، حيث يؤكّد على أنّ وراء الأعمال الفنيّة تنوعات لاستيهام كلي، أي أنّ وراء الفروق، تشابه بنيوي يتمثّل في مبدأ معقوليّة تلك الأعمال، فهناك مبدأ شمولي حتمي عقلاني تخضع له سلوكيات البشر، بما فيها النماذج الإبداعيّة عبر التّاريخ، وعندما يقارن فرويد بين (أوديب الملك لسوفكليس)، و(هاملت) لشكسبير، و (الأخوة كارامازوف) لدستيوفسكي، يؤكّد أنّه ليس من قبيل المصادفة أن تعالج هذه الروايات الثلاث في ثلاثة عصور، موضوعاً واحداً هو جريمة (قتل الأب)، وأن تكون الدافعيّة لجريمة القتل لدى المؤلفين الثلاثة، قائمة على الأمر ذاته هو (المنافسة الجنسيّة  على امرأة).[28]

ومن هذا المنطلق الشّمولي التركيبي وضع فرويد تصوّره المحوري لما أسماه (عقدة أوديب)، الّتي اعتبرها مسلمة يشترك فيها كلّ النّاس، ضمن السّياق اللاّشعوري. إنّها تشكّل النواة الأصيلة لكلّ ثقافة، وفنّ، وأخلاق.

إنّ الحقيقة الأساسيّة في عقيدة فرويد تكمن في الحشريّة الّتي يعبر عنها الأطفال حول وجودهم، يعي الطفل ذاته شيئاً فشيئاً، ثمّ يبدأ بطرح الأسئلة باحثاً عن إجابات حول أصل الأشياء، كما يستفسر عن أصله هو، قد يكون هذا الموضوع أكثر عالميّة من عقدة أوديب، إلاّ أنّ استعارة عقدة أوديب، سمح له بالاقتراب من موضوع أكثر أهميّة، يطال حياة كلّ واحد منا. من أين أتيت؟. فإذا كانت عقدة أوديب غير موجودة في جميع المجتمعات بشكلها المحدّد، فإنّها توجد بشكلها العام كإحساس بالدّهشة أمام وجودنا الخاصّ. عقدة أوديب هي استعارة للمعنى العميق الّذي يلامس السّر الكبير حول وجود الإنسان. وأن يكون مصدر هذا السّر في الجنسيّة، فهنا إحدى أهم اكتشافات فرويد. إنّ سرّ عقدة أوديب هو سر التكوين والخلق، قبل سرّ معرفة الفرق بين الجنسين.[29]

*****************

ومن تلك الأسس العقلانيّة التركيبيّة، تبنى فرويد التّصور الحتمي في تحليله للنّفس الإنسانيّة. وهنا لا نجده في الواقع قد خرج عن الإطار السّائد في عصره المتأثر بآخر مراحل السببيّة والحتميّة، إذ يعد أحد أواخر ممثلي المذهب الميكانيكي الحتمي الكبار، بعد أن عمّم  هذا المذهب على السّلوك الإنساني وآلياته. إنّ المصادرة الأساسيّة للطريقة الفرويديّة، تتضمن أن لكلّ شيء دلالة، وتلك الدلالة تعود لقوانين كليّة هي اللاّشعور. وبالتالي لا يوجد سلوك أو فكر أو تصوّر بلا معنى.

وقد حاول من خلال فرضيته في اللاّشعور، أن يلغي التّناقض الّذي تقع فيه فلسفات الشّعور. فالسّلوك يخضع لقانون اللاّشعور، وبالتّالي يمكن التنبؤ بسلوك الإنسان انطلاقا من معرفة دلالات اللاّشعور الّتي يسير بمقتضاها، فلا يوجد للمصادفة أي دور كلي في تطوّر العالم، وهو يؤكّد موقفه قائلاً:” في المجال النّفسي لا شيء إرادي اختياري وغير محدّد، وإن المؤمن بالحريّة النفسيّة والتّعسف، عليه أن يلقي سلاحه أمام النزعة الحتميّة المسيطرة أيضاً، في مجال الحياة النفسيّة “.[30] إذ أكد على أنّ أشكال السّلوك البشري ناجم ليس عن عمل القوى الشعوريّة العقليّة، بل عن آليات لا شعوريّة، وقوى لا عقليّة وغريزيّة، تلك القوى لا يمكن أن تُفهم إلّا بمجموعة القوانين السببيّة، والتّفسير العقلي العلمي، الّذي اعتبره مفتاح فهم السّلوك البشر، إذ يقول: ” يوم يٌكره النّاس على الخضوع لسلطان العقل، سيرون بأنّه الرّابطة الأقوى من سائر الرّوابط الّتي تربط بينهم، وهو الرّابطة الّتي يحق لنا أن نتوقع منها تحقيق المزيد من التّوافق بينهم “.[31]

وكثيراً ما يبدو وصف فرويد للوجود الإنساني، وكأنّه تحت تأثير استعارة تصور الآلة، وإن كانت آلة معقدة. فالجسد بالنسبة له نوع من الآليّة التي تستمد طاقتها من الليبيدو أو الغرائز، والهدف من ذلك هو تحقيق نوع من التّوازن، وهو مفهوم مستمد من مفاهيم علم الحياة في القرن التّاسع عشر، وكان هذا المصطلح يروق لفرويد. ولا يعني التوازن هنا، توازن وتعادل قوى مضادّة، بقدر ما يعبر عن حالة السّكون الكامل، أو تبدد كلّ قوى.

إنّ هذا التّأثر بالتّفسير الميكانيكي للسّلوك، لم يكن عند فرويد إلّا امتداداً لتأثره الشّديد بالمدرسة الفيزيولوجيّة للعالم بروكه، الّذي يعتبر من أقطاب مدرسة هلمهولتز الآليّة، الّتي قامت كرد ّفعل على فلسفة شيلينغ العاطفيّة. مع الأخذ بعين الاعتبار اهتمام فرويد الكبير بأفكار النظريّة التطوريّة لداروين، الأمر الّذي حمله على الاهتمام الكبير في الطبّ في بداية حياته العلميّة. تلك الحماسة الكبيرة للداروينيّة ومبادئ هلمهولتز، كانت بمثابة الضّابط لميله الفطري نحو الجدل الفلسفي، والتّحليق في أهواء المشاكل الإنسانيّة الكبرى، إذ نجد أصداء مفاهيم تلك المدرسة الآليّة، ضمن مفاهيم التحليل النفسي الأساسيّة، كمفهوم فرويد عن الطاقة الاقتصاديّة، الّتي تعتمد على تقويم الطّاقة النفسيّة تقويماً كمياً، إذ كتب فرويد أن العمل الوظائفي النّفسي يمكنه أن يعرف من خلال مقاربة ثلاثيّة: أولها ديناميّة، و هي تلك التي تنشد دراسة النزعات اللاشعوريّة، أي الدراسة التي تمنح إنتاجاتنا معنى الدلالة. وثانيها اقتصاديّة، وهي الّتي غرضها أن تحدّد القوى المتواجهة وقوّة المعنى ممثلة بالطاقة النفسيّة. وثالثها موقعيّة، وهي الّتي تصف مراجع العمل الوظائفي النّفسي. وبالتّالي فلا قيمة لعلم نفس يستثني في أبحاثه الظواهر المرضيّة أو ينسبها إلى علل غريبة عن قطاع الحتميّة العلميّة.

إنّ التّنظيم الدّاخلي للوجود البشري، يشكّل عند فرويد الجزء الأساسي من الجدوى في دراسة الطبيعة البشريّة، لذا ينطلق أولاً: من أنّ إدراك العالم الخارجي غير كاف وغير كامل، فيما إذا لم يتم، مسبقاً الكشف عن طبيعة التنظيم الدّاخلي. وثانياً: أنّ الوجود البشري بمقاييسه العميقة فعلّي حقاً، مثله مثل العالم الخارجي، وبالتّالي يجب على دراسة الحالة النفسيّة البشريّة  على أساس الطرائق العلميّة، مثلما تتمّ دراسة الواقع الموضوعي بواسطة العلم. وهو يعتقد أنّ بناء العالم دون موقف من الجهاز النّفسي لإدراكنا، يشكّل تجريداً صافياً لا يمتلك أيّة إثارة عمليّة، وتكمن المسألة في أنّه من الهام الكشف عن مسألة إدراك الإنسان للواقع الموضوعي بغيّة تحليل العلاقة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بين الدوافع الداخليّة و الخارجيّة لتطور الفرد، وبين العوامل الذاتيّة والموضوعيّة لسلوكه وتصرفاته.[32]

وبناء عليه فإنّ الفلسفة الفرويديّة لا تعتمد في دراسة الوجود البشري على الموقف الخارجيّ الموضوعيّ، بقدر ما تعتمد في دراسته على الدّاخل، من خلال إبراز الحتميات الداخليّة لتوسع النّشاط البشري. على اعتبار أنّ محركات السّلوك الإنساني  تعود إلى سببيّة يحكمها مبدأ اللّذة والألم، حيث كلّ ما هو دوافعي ينزع إلى اللّذة ويتجنب اللالذة، ولا يمكن إبطال التّوتر المفعم باللالذة، إلاّ بإرضاء الحاجة الّتي هي هدف الدّافع.

**********

وبتبنيها للمنهج الحتمي العقلاني التركيبي، نجد فرويد يقف بمواجهة التّصور الميتافيزيقي لوجود الإنسان في العالم، فعارض موقفين فلسفيين متطرفين هما: العقلانيّة المتناهيّة، الّتي تنقل الوجود التجريبي للفرد إلى الفكرة المطلقة أو الرّوح الكونيّة من جهة. واللاعقلانيّة الغامضة، الّتي تحل الماهيّة البشريّة في الإرادة العمياء. إنّ فرويد لم يقبل بالمثاليّة الموضوعيّة، ولا الذاتيّة، في تصوراتها للعالم.[33] وهو بالتّالي ينطلق من واقع العالم الخارجي، معتبراً أنّه كان مستقلاً عن الذّات الّتي تدركه، وأنّ هذا العالم يمكنه أن يتكشف أمام الذّات الإنسانيّة في مسار المعرفة العلميّة.

وبالإطار العام، تماشت الفرويديّة مع التيّار المادي في التّفسير. إذ استطاعت أن تقدّم نظريّة شموليّة ترتبط بروابط سببيّة متينة، لدرجة جعلت أحد تلامذة فرويد (رايخ)  يحاول الرّبط بينه وبين الماركسيّة، على اعتبار أنّ كلا التّصورين، ألحا على الصراع الخفيّ، هذا الصراع الّذي أبرز فرويد الجانب الدّاخلي منه، في حين أظهره ماركس في جانبه الخارجي الاجتماعي. [34]كما أنّ التّصورين  من الناحية الإيديولوجيّة، جاءا كرد فعل عنيف على بنيّة العلاقات الرأسماليّة وطرحا مفهوم الاغتراب في هذه العلاقات، لدرجة جعلت رايخ يقول أنّ التّحليل النفسي هو البذرة الّتي ينشأ عنها وينمو، علم نفس مادي جدلي.[35]

لكنّ التّشابه في خطوطه العامّة، لا يجعلنا نذهب إلى حدّ الدّمج بين التّصورين. فرغم انطلاقة فرويد الماديّة في تفسيره للسّلوك البشري ودلالاته، إلّا أنّه  في سياقه العام، بقي ضمن تصوّرات الإطار المثالي (حسب التوصيف الماركسي). إذ نراه ينتقد بشدّة التّصور المادي – بالمعنى الماركسي – لبنيّة النّفس البشريّة، والتركيب النّفسي للفرد، وعلاقة ذلك بالمنظومة الاجتماعيّة. فالأنا الأعلى عند الطفل كما يصرّح فرويد، لا تتكون على صورة الوالدين، وإنّما على صورة أناهما العليا، فهو يمتلئ بالمضمون عينه، ويغدو ممثلاً للتقاليد ولجميع الأحكام القيميّة المتناقلة على هذا النّحو عبر الأجيال. ومن خلال ذلك  يمكن أن نعرف الدور الّذي يضطلع به الأنا الأعلى في فهم السلوك الاجتماعي للإنسان ، إذ يقول فرويد: ” أرجح الظن أن قصور تفاسير التاريخ التي تسمى ماديّة، يرجع إلى إهمالها لهذا العامل الذي تنحيه جانباً بحجة أن إيديولوجيات البشر ما هي إلا نتاج فوقي لشروطهم الاقتصاديّة الراهنة “.[36]و هذا عند فرويد لا يشكل كل الحق، فالبشريّة لا تعيش حاضرها فقط، بل إنّ ماضي الأعراق والشّعوب وتقاليدها تبقى مستمرة ضمن إيديولوجيات الأنا الأعلى، هذه التّقاليد لا تتأثّر إلّا ببطء بالحاضر وظروفه، وما دامت تفعل فعلها عبر الأنا الأعلى، فإنّها ستبقى وتظلّ تضطلع بدور هام في الحياة الإنسانيّة وبشكل مستقل ومنفصل عن الشّروط الاقتصاديّة. فالماركسيّة بالنسبة فرويد، لا تدين بقوّتها لتصوّرها للتّاريخ، ولا لتنبؤاتها المستقبليّة الّتي تستخلصها من هذا التّصور، وإنّما لبيانها الحاذق للتأثير الحازم الّذي يمارسه الوضع الاقتصادي على نشاط البشر الفكريّ والفنّي والأخلاقيّ، لكن من المستحيل، وفق فرويد، التّسليم بأنّ العوامل الاقتصاديّة هي الوحيدة التي تحدّد مسير البشر في المجتمع. فمن الحقائق الّتي لا سبيل إلى إنكارها، أن الأشخاص والأقوام والأعراق المختلفة لا يسلكون سلوكاً متشابهاً، حتّى وإن عاشوا في ظروف اقتصاديّة واحدة، لذلك لا يجوز التّغاضي عن دور العوامل السيكولوجيّة، حين يتعلّق الأمر بردود فعل الكائنات البشريّة الحيّة، فهذه العوامل لا تضطلع بدور في بناء الشروط الاقتصاديّة وحسب، بل تعين جميع أفعال النّاس الّذين لا يستجيبون لهذه الشروط إلّا من خلال دوافعهم الغريزيّة، كغرائز البقاء، والعدوانيّة، واللّذة، وتفادي الألم. [37]

وإذا كان فرويد مستعد في بعض الأحيان إلى الاعتراف بالعامل الاقتصادي ودوره، فإنّه يرفض اعتبار هذا العامل بالذّات، هو العامل المحدّد في المجتمع. ورغم ذكر فرويد بأنّ :” الدّافع الأساسي للمجتمع البشري، هو في المحصلة النهائيّة، اقتصادي”. فإنّه يضيف أن: ” الدّور المحدّد للعامل الاقتصادي لا ينظر فيه، من خلال التّأثير في البناء الفوقي – وهو أساس المنظور الماركسي – السّياسي والثّقافي والحقوقي، بل من زاوية سلوك الإنسان الجنسيّ، إذ يرى فرويد أنّ الحريّة الجنسيّة، تعتمد أيضاً على تركيب المجتمع الاقتصادي.[38]

إنّ المنهج الفلسفي الفرويدي ينفي أن تكون العوامل الاقتصاديّة بمثابة مؤثّر وحيد للفاعليّة البشريّة، راداً إياها لمبدأ سيكولوجي ليبيدي، وهو مبدأ لا يراه الماركسيين إلّا انعكاس ثانوي لبنيّة العلاقات الاقتصاديّة. وإذا كان ثمّة ما يجمع بين التيّارين فكرياً، فهو إيمانهما العميق بالحتميّة، وانتقادهما للقيود المفروضة على الإنسان في المجتمعات الأوروبيّة الرأسماليّة.

**********

والمنهج الحتمي في فكر فرويد يتنقل بين تيّارين، هما التجريبيّة ذات التّصورات البعديّة، والعقلانيّة ذات التّصورات القبليّة.

فعلى الرّغم من تبنيه الواضح للتيّار التجريبيّ، نجد فرويد يتحدّث عن وجود كوامن فطريّة في الإنسان كنوع، حيث يؤكّد وحدانيّة النّفس البشريّة الجوهريّة.فمثلاً نجد أنّ عمليّة التّطور الجنسي و لكمون الجنسي، تعود إلى وراثة عامة سابقة للنّوع، دون أي تأثير متعلق بالتربية والاكتساب، إذ يقول:” يبدو أنّ حياة الأطفال الجنسيّة تبزغ عادة في صورة تقبل المشاهدة حوالي السنة الثّالثة أو الرّابعة من العمر، وبعد ذلك تأتي فترة الكمون الكلّي أو الجزئي، حيث تبنى القواعد والقوى النفسيّة الّتي تكون فيما بعد بمثابة عقبات في طريق الغريزة الجنسيّة، حيث تحد من تدفقها كما تفعل السّدود، وهذا يحدث لدى الأطفال المتحضرين بشكل خاص وهو ناتج عن التربيّة، ولا ريب بأن للتربيّة نصيب كبير في ذلك، لكن هذا النّمو محدد عضوياً ومنبثق عن الوراثة، وقد يتمّ بين الفينة والأخرى بدون مؤازرة التربيّة الّتي لا تتخطى مجالها المخصص لها في تتبع خطوط ما رسم لها وراثياً، فتبرزه بروزاً أجلى وأعمق”. [39]وبالتّالي فإنّ جميع البشر لديهم البنيّة الليبيديّة نفسها، وهم خاضعون لنفس القوانين السيكولوجيّة كمبدأ اللّذة، والكبت، والتّحويل، والاستبدال الرمزي، والإسقاط، والتّماهي، والتّصعيد، بحيث يمكننا أن نفسّر سلوك المعاصرين لنا من البشر، كما نفسّر سلوك أناس ما قبل التّاريخ، وبنفس الطريقة. [40]

هذا الإيمان العميق بالحتميّة السيكولوجيّة جعلته ينحو منحى أرسطي في رفض المصادفة تماماً في دراساته، مؤكّداً على أنّ المحلّل النّفسي يمتاز بالإيمان العميق بمبدأ الحتميّة  في الحياة النفسيّة الّتي لا يمكن أن تكون اعتباطيّة أو وليدة المصادفة، فالمحلّل يفترض وجود سبب معين لكلّ ظاهرة نفسيّة في الوقت الّذي لا يتصوّر غيره إمكانيّة وجود ذلك السّبب.  لكنّه على عكس تصوّر التجريبيين الانكليز الّذين يرون النّفس مجموعة من الأحاسيس الّتي تتباعد وتتلاقى وفقاً لقوانين التّداعي النفسيّة، فتبدو كأنّها ذرات متعدّدة تترابط وتتفكّك بفعل قوانين خارجيّة، يرفض فرويد هذا التّصور النظري، وهو على يقين عميق بأنّ الظّاهرات النفسيّة تكون على تفاعل دائم فيما بينها، إذ أنّ ديناميكيتها آنيّة وتاريخيّة وبالتّالي هي جدليّة.

و بالمقابل، فقد رفض فرويد المنهجيات التأمليّة في الفلسفة، و المعرفة التي يطلق عليها فرويد  ” معرفة فلسفيّة “، ليست هي مشاكل الميتافيزيقا التي يرفضها فرويد رفضاً قاطعاً، بل هي فلسفة تجريبيّة، تقوم على قواعد الاستقراء العلمي، إنها فلسفة العالم  التجريبي فقط، لهذا لا نستغرب الحملة التي شنها على الفلسفة التأمليّة ( و التي للمفارقة وقع هو نفسه في حبالها في كتاباته الأخيرة عن مستقبل الإنسان لا سيما في حديثه عن الاغتراب ) إذ يقول: ” أن الفلسفة لا تعارض العلم، بل تتصرف هي نفسها كما لو أنها علم، و قد تقتبس أحياناً مناهجه و طرائقه، غير أنها تبتعد و تفترق عنه من حيث أنها تتعلق بالأوهام، و تدعي بأنها تقدم صورة جديدة مكتملة لا ثغرات فيها عن الكون، و هو ادعاء يتيح لنا كل تقدم جديد في المعرفة أن نتحقق من بطلانه، حيث تضل الفلسفة عن سواء السبيل من وجهة نظر المنهج، بمغالاتها في القيمة المعرفيّة لعملياتها المنطقيّة، و تسليمها بوجود مصادر أخرى للمعرفة كالحدس مثلاً “. [41]

لكن هل خرج فرويد عن التّصورات الفلسفيّة التأمليّة؟ نظرة مدقّقة لكتاباته، تجعلنا نستنتج أنّه لم يخرج إطلاقاً عن ذلك الإطار الّذي انتقده، فعندما نقرأ فرويد، نجده قد انطلق في تصوّراته للنّفس البشريّة من مبدأين هما مبدأ الواقع (الأنا)، ومبدأ اللّذة (الخيال الجنسي)، وحيث تكون دوافع الأنا أكثر تلاؤماً مع الواقع، نجد الدوافع الجنسيّة تجد إشباعها في جسم الطّفل، ذلك الإشباع لا يلبث وأن يكبت إبّان فترة الكمون لدى الطّفل، الكمون الّذي ينشأ بعد عقدة أوديب، وعندها يحدث ترابط متين بين دوافع الأنا، والفاعليّة الشعوريّة، ومبدأ الواقع من جهة، وبين الدوافع الجنسيّة، والاستيهام، ومبدأ اللّذة، من جهة أخرى. فأين الاستقراء التجريبي في هذه المفاهيم ؟.

لقد أصرّ فرويد على الفصل بين المتخيّل والواقعي، وجعل الخيال فاعليّة بديلة ثانويّة وتعويضيّة عن الواقع  الّذي أصبح سيئاً، إنّ الخيال عند فرويد هو وسيط بين مبدأ الّلذة والواقع.

خاتمة

يمكننا بالمحصلة التّحدث عن فكر فرويد الفلسفيّ، باعتباره فكر شمولي تركيبي، وحتمي مادي، لكن ليس على الطّريقة الماركسيّة الجذريّة. وعقلاني مثالي، لكن ليس على الطريقة الثنائيّة الديكارتيّة، ولا القبليّة الكانطيّة. وتجريبي، لكن ليس على طريقة التجريبيين الإنكليز. فقد جمع بين كلّ هذه التيّارات بتصوّر توافقي، يجعلنا ننظر لفرويد لا كفيلسوف، بل كعالم بالدرجة الأولى، تبنى بعض التّصورات الفلسفيّة السّائدة في عصره دون أن يخرج عن الإطار الحتميّ الّذي طبع عصره.

*****

المراجع والحواشي

[1] كارل يونغ: علم النّفس التحليلي، ترجمة: نهاد خياطة، مكتبة الأسرة، مصر 2003،  ص291.

[2]سيجموند فرويد: أفكار لأزمنة الحرب والموت،ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت،  ط1، 1977، ص 5.

[3].مجلة الفكر العربي المعاصر، (عبقرية فرويد ) د:  مصطفى زيور،  العدد11، 1981.

[4]فاليري ليبين: فرويد، التحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة – ترجمة تيسير كم نقش ، دار الطليعة الجديدة ، دمشق 1996، ص 54.

[5] سيجموند فرويد: حياتي والتحليل النفسي، ترجمة وتقديم: مصطفى زيور، عبد المنعم المليجي، دار المعارف، مصر، ص 13.

 

[6]فاليري ليبين: فرويد، التّحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 16.

[7] هاري ويلز: فرويد وبافلوف، دراسة نقدية، ترجمة: شوقي جلال، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1978، ص 13.

[8]فاليري ليبين: فرويد، التحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة، المرجع نفسه،  ص 12.

[9]إريك فروم: ما وراء الأوهام،  ترجمة: صلاح حاتم، دار الحوار، اللاذقية، ط1، 1994، ص 22 .

[10]سيجموند فرويد: إبليس في التحليل النفسي، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط3،1999، ص 102-103.

[11]سيجموند  فرويد: ثلاث مقالات في نظرية الجنسية، مصدر سابق، ص 32.

[12] رالف رزق الله: فرويد والرغبة، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1986، ص 20.

[13]فاليري ليبين: فرويد، التحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 180.

[14]دافيد باكان: فرويد والتراث الصوفي اليهودي، ترجمة: د طلال عتريسي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1988، ص 159.

[15] روجيه – بول دورا: أساطين الفكر، ترجمة: علي نجيب ابراهيم، دار الكتاب العربي، بيروت، 2012، ص 62.

[16]فاليري ليبين: فرويد، التحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 85.

[17]سيجموند فرويد: ما فوق مبدأ اللذة، ترجمة: د. اسحق رمزي، دار المعارف، مصر، ط2، 1966، ص 56.

[18]فرويد سيجموند: خمس دروس في التّحليل النّفسي، تقديم وتعريب: رضا بن رجب، عبد الرزاق الحليوي، دار المعرفة للنشر،تونس، (د.ت)، ص20.

[19] إريك فروم: الدين والتّحليل النفسي، ترجمة: فؤاد كامل، مكتبة غريب، (د.ت)، ص 12.

[20]ميشيل فوكو: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة: سعيد بنكرد، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 2006، ص 180.

[21]فاليري ليبين: فرويد، التحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 175.

[22]مجلة الفكر العربي المعاصر،(حوار بين جان كليفرول و عدنان حب الله )،  العدد11، 1981 ص52.

[23]فاليري ليبين: فرويد، التحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 83.

[24]باستيد روجيه:  السيسيولوجيا والتحليل النفسي،  ترجمة: وجيه البعيني، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1988، ص 43.

[25] روجيه – بول دورا: أساطين الفكر، مرجع سابق، ص 56.

[26]رايخ  ويليهم: المادية الجدلية والتحليل النفسي، ترجمة: بوعلي ياسين، دار الحداثة، (د.ت)، ص 44-45.

[27] روجيه – بول دورا: أساطين الفكر، مرجع سابق، ص 60.

[28]كوفمان ساره: طفولة الفن، تفسير علم الجمال الفرويدي، ترجمة: وجيه أسعد، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1989، ص 148.

[29]دافيد باكان: فرويد والتراث الصوفي اليهودي، مرجع سابق، ص 228.

[30]فاليري ليبين: فرويد، التحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق،  ص77.

[31] سيجموند فرويد: محاضرات جديدة في التحليل النفسي، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1998، ص205.

[32]فاليري ليبين: فرويد، التحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 67.

[33]فاليري ليبين: فرويد، التحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة، المرجع نفسه، ص 65.

[34]سيجموند فرويد: خمس دروس في التحليل النفسي، مرجع سابق، ص 8-9-12.

[35]ويليهم رايخ: المادية الجدلية والتحليل النفسي، مرجع سابق، ص 17.

[36]سيجموند فرويد: محاضرات جديدة في التحليل النفسي،  مصدر سابق،  ص 82.

[37]سيجموند فرويد: محاضرات جديدة في التّحليل النفسي، المرجع نفسه،  ص 214.

[38]فاليري ليبين: فرويد،  التحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 126.

[39] سيجموند فرويد: ثلاث مقالات في نظرية الجنسية، ترجمة: مصطفى زيور، سامي محمود علي، دار المعارف، مصر، (د.ت)، ص  63- .64

[40]روجيه  باستيد:  السيسيولوجيا والتحليل النفسي، مصدر سابق، ص45.

[41] سيجموند فرويد:  محاضرات جديدة في التحليل النفسي، مصدر سابق، ص19.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق