شِذراتٌ من خبايا الرُّوحِ الهائِمة

 

إلى “أمير” الَّذي طواهُ الرَّدى في نصٍّ نثريٍّ باهتِ اللَّونِ دونَ أن يعرِفَ شيئاً أو دون أن تُتاح لهُ الفُرصةُ لأن ينظرَ إلى المرآةِ؛ ولو قليلاً.

شوق

كلُّ الكتاباتِ الَّتي أتلفتُها مُكرَهاً منذُ ثلاثِ سنينَ مضتْ، لكنَّهُ الشَّوق الَّذي يعرِفُ كيفَ ينخرُ جذوري وأحشائي بتمرُّس.

يجرشُ كياناتي ويدهسُها ثُمَّ يمدُّها كعجينةٍ طريَّةٍ مُرقَّقة.

إنَّها مُصيبةُ الكتاباتِ الَّتي لا تموتْ، وأَزْمةُ الأفكارِ الَّتي لا تجفّ.

كنتُ أركضُ لألحقَ بالحافلة، وأَصبُرُ على ألمِ مرورِ الوقتِ رُغمَ قُربِكَ الشَّديد.

أنتظرُ شهوراً طويلةً، وأُصبِّرُ نفسيَ على ألمِ الفراقِ، وأهمسُ في أُذُنِ ابن عربيِّ “كلُّ شوقٍ يسكُنُ باللِّقاء لا يُعوَّلُ عليه”.

أَصبُرُ على ألمِ احتضارِ الوقتِ في عالمٍ فضفاضٍ لا مجالَ فيهِ للصَّبرِ، وأكتبُ لكَ وهديرُ مُحرِّكاتِ السَّيَّاراتِ يخرُّ في رأسي الَّذي يُعشعِشُ فيهِ الصُّداعُ وتستعمرُهُ الأفكارُ الحادَّة.

أذكرُ رائحةَ الجمالِ الَّتي لا تموتْ، وأرفضُ كلَّ إيديولوجيَّاتِ الحداثةِ الَّتي تمنعُ التَّقوقعَ والأحاديَّة، وأرفعُ إصبعي أمامَها دونَ مُهادَنة.

أحسُّ بذاتي الَّتي تحترقُ في الفرنِ حتَّى تصيرَ قابلةً للنَّهشِ أكثر..

أتذكَّرُكَ في أيَّامي كُلِّها، ويعودُ بيَ الوقتُ إلى سنواتٍ أشعرُ وكأنَّها لا تبرحُ ماثلةً أمامي بلونِها الجِلديِّ الأبيضِ الَّذي يفرُكُ قلبي ويحفُّهُ كأسفنجةٍ جافةٍ بلا ماءٍ يُبلِّلُها.

إنَّهُ الشَّوقُ الَّذي لا يخضعُ لمنطقِنا المفهوم، ولا يُجيدُ المُوارَبة.
يونيو 2019م

“تشظِّي”

مع مرورِ الوقتِ تصبحُ الأشياءُ أكثرَ ائتِلافاً عندَها تعتادُ هضمَ الألمِ بمراسٍ، وتبتلعُ جزيئاتَهُ دونَ أيَّةِ صعوباتٍ، ثُمَّ تستسيغهُ بصدرٍ رحب.

تحملُ سكينَ الوحدةِ وتغرزُ ضلوعَكَ.. تصبرُ على طعناتِها في خاصرتِكَ اليُسرى، وتُلاعِبُ ندوبَكَ وتُهادِنُها بآنٍ معاً.

تستيقظُ في صباحاتِكَ الذَّاويةِ والخاويةِ مِنْ كلِّ شيء.

ماذا تنتظر؟ أيُّ تلاشٍ هو أنت؟ أينَ نقوشُ المراهقِ ووجوديتُكَ المُشتعِلة؟

تطفو على سطوحٍ ملساءٍ مع رأسٍ يدبُّ على شارعٍ أجوفٍ لا مكانَ فيهِ إلَّا لريحٍ مسائيَّةٍ ولحفيفِ أشجارٍ يُداعِبُ كيانَكَ المُتخبِّط.

صمتُكَ الَّذي يلجُّ المكانَ لتسمعَ دبيبَ كلِّ الَّذينَ يسيرونَ دونَ أن تُحرِّكَ ساكِناً.

مُحاولاتُكَ الدَّائمةٌ لأن تترعَ العالمَ بأسرِهِ، ثُمَّ ترميهِ بكلِّ ما تحملُ من قوَّةٍ لتنتشرَ عدميَّتَهُ وتناقضاتَهُ في كلِّ مكان.

في نهاية المطاف، ترمي كلَّ أسئلتِكَ خارجاً وتتركُها في السَّراديبِ دونَ أيَّةِ إجابات.. تتركُها حتَّى تتخمَّرَ عبرَ الزَّمنِ، وتتراكمَ في عِدادِ كلِّ الأسئلةِ الَّتي لا تموتُ وتحيا.

يونيو 2019م

ركامٌ أحمرُ اللَّون

هدوءٌ يعمُّ المكان.

قرقعةٌ لكلِّ شيءٍ حولكَ إلَّا أنَّكَ خامدٌ في اللَّامعنى.

تنثالُ الجملُ على جسدِكَ الرَّطب: المرأةُ والإبداع، الأدب، الطُّبُّ والأدبُ معاً، “المرأةُ لا تُولَد امرأةً بل تُصبِحُ كذلك”، فرجينيا وولف انتحرتْ جرَّاءَ كتاباتِها.

وأنتَ تسيرُ بخفَّةِ الطَّريقِ ذاتِه- شارعُ الأشجارِ المكرورِ لثلاثِ سنينَ مُتوالية.

أحمرٌ هو أنت.. كيفَ تموتُ وتعيشُ وترتديَ الأحمرَ، مُوارياً كلَّ كياناتِيَ الَّتي تكرهُكَ وتحبُّكَ بكلِّ عبثيَّتِها؟!

لم تختلفْ كلُّ الحركاتِ الهاربة؛ لا بدَ لكَ منْ موتٍ مجازيٍ أيضاً.

مسائيَ ناعمٌ ووجوديَ خفيفٌ لا يني يُهادنُ الهواءَ الرَّطبَ مخافةَ الإزعاج.

كنتُ قد اعتَّدتُ في طفولتي إيقافَ تنفسي عندَ كلِّ المواقفِ الغريبة؛ أوقفُ أنفاسي وأهربُ من عالمٍ يعجُّ بالغرباء.

أتأملُ الصَّابون، وأسمِّيكَ “أحمر” بلونِ الدَّمِّ حينَ تتماهى الألوانُ مع ذواتِنا.

أسيرُ وحديَ في نهايةِ المطافِ مُردِّداً عبارةً واحدة: “السَّفلة كلُّهُم بلونٍ واحد”.

أبريل 2019م

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. اماني

    الكاتب يحب إيقاع الكلمات الكبيرة…

أضف تعليق