“الفراولة البرية” لبرغمان وتحولات نهاية العمر / سارة عابدين

ليست مجرد أفلام أو مشاهد، بل رؤى فلسفية وتساؤلات وجودية تمر على أغلب البشر، بعضهم يفكر بها والبعض يتجاهلها، أو يقذفها في ركن معتم من الذاكرة ليستمر في حياته دون منغصات أو تحولات تربك الحياة. إنها أفلام المخرج السويدي إنغمار برغمان (1918- 2007) الذي يعتبر واحداً من أهم المخرجين في تاريخ السينما، وتحل ذكراه يوم 30 يوليو/ تموز.
أحد الأسباب التي تجعل الفرد يتعرف على الفور على أفلام برغمان هو أنه واحد من المخرجين النادرين الذين صنعوا عالمهم السنيمائي الخاص بمهارة فائقة، من خلال البيئات المتكررة والموضوعات الفلسفية الجدلية. لذا يمكن القول إن برغمان ابتكر نوعاً سينمائياً خاصّاً به، خاصة وأن ظهوره الأول كان خلال فترة التغيير الكبير في تاريخ السينما. كتب بيرغمان أول سيناريو له في نهاية الحرب العالمية الثانية، وبدأ في إنتاج أول أفلامه خلال سنوات ما بعد الحرب، تلك المرحلة التي تعتبر نقطة تحول بين الكلاسيكية والسينما الحديثة، بالرغم من ذلك لا يمكن إيجاد ذلك التقسيم بشكل واضح في أفلامه لأنه كان دائما يمزج بين التقنيات السردية الكلاسيكية والأساليب الفنية الحديثة.
جاءت أفلام برغمان في تلك الفترة لتؤكد أن الفيلم يمكن أن يكون أكثر من مجرد تسلية، وهنا يجب أن نتذكر أن برغمان سبق كلاً من فيلليني وغودار وغيرهما من رواد السينما الأوروبية، حتى أن الكثير من الدراسات السينمائية التي ظهرت في أواخر الستينيات تعود إليه.
في الفترة بين عامي 1956 و1964 ركز برغمان على القضايا الفلسفية عن طريق طرح قصص لذكور في أوقات فارقة في الحياة، يفكرون في جدليات كبرى تخص الوجود والإله واختيارات الإنسان وتأثيرها على مسيرة حياته.
ولعلّ من أهم وأشهر تلك الأفلام فيلم “الفراولة البرية” الذي أنتج عام 1957.
يدور الفيلم حول البروفيسور إسحاق بورغ البالغ من العمر 76 عاما، وهو طبيب متميز، بدأ رحلة بالسيارة من ستوكهولم إلى لوند للحصول على الدكتوراة الفخرية. تصاحبه في الرحلة زوجة ابنه. وخلال الرحلة التي يبلغ طولها 400 ميل، يستعيد البروفيسور ماضيه وحياته، والإخفاقات العاطفية والإنسانية التي مر بها. بالرغم من مظهره الخارجي الناجح الذي يثني عليه الجميع، فإنه لا يشعر بالرضى عن حياته، ويظهر ذلك في أحلامه واستعاداته لحياته الماضية، خاصة وأن أغلب المشاهد الرئيسية بالفيلم قائمة على تقنية الفلاش باك.

رحلة داخل النفس
ثيمة الرحلة سمحت لبرغمان بمنطقية التذكر واستعادة الماضي، وكأن الرحلة في الواقع موازية لرحلته داخل نفسه، وفي سنواته الماضية، ليبدو الفيلم كأنه يقع بين الحاضر والماضي، لاستكشاف العوالم الداخلية لشخصية بورغ. وجود ماريان زوجة ابن البروفيسور كرفيقة له في رحلته، يسمح للمشاهد باستكشاف خبايا العلاقات الإنسانية لبورغ من خلال حواره معها. ربما يعتقد المشاهد في بداية الأمر أنها طلبت مرافقته في رحلته بدافع الصحبة أو الود، لكنه يكتشف فيما بعد أن دوافعها أكثر تعقيدا، تحاول خلق فرصة مناسبة للحديث معه والتعبير عن كرهها له لانعدام إنسانيته وأنانيته التي أورثها لزوجها، في سلسلة لا تنتهي من تجاهل مشاعر الآخرين، لتواجهه بما كان يفكر فيه عن نفسه بالفعل، وكأن برغمان يؤكد أن كل جيل يمرر إخفاقاته وآلامه إلى الجيل التالي.
للأحلام والإنفجارات الكابوسية المليئة بالرموز دور كبير في الفيلم، يشير بقوة إلى إدراك برغمان لأهمية العقل الباطن في تيسير أمور الإنسان وأفكاره. يقول في واحد من المشاهد لزوجة ابنه “في أحلامي أخبر نفسي عن أشياء لا أريد سماعها وأنا مستيقظ”.
رفاق على الطريق
أثناء الرحلة يلتقي بورغ وماريان بثلاثي من الأصدقاء، فتاة وشابان يتصارعان على حب الفتاة، أحدهما يدرس الطب والآخر يجهز نفسه ليكون كاهنا. يبدو أن الفتاة في حيرة بينهما، الكاهن بعاطفيته وإنسانيته ورقته، والطبيب بشخصيته العملية المنفتحة. هذا الصراع الدائر في القصة الجانبية يتوازى مع الصراع القائم داخل بورغ، وهو يراقبهم كأنه يراقب نفسه، ويستعيد خياراته الحياتية، والأحداث الكبرى في حياته التي حولته إلى الشخص الأناني الذي أصبح عليه في نهاية الأمر.
وعلى الطريق يلتقي بورغ رفيقين آخرين هما زوجان انقلبت بهما السيارة أثناء شجارهما، انضما بعد ذلك إلى بورغ ورفاقه في السيارة. يبدو من الحديث الدائر والشجار المستمر بين الزوجين انعدام التوافق بينهما نتيجة أنانية الزوج وانعدام مشاعر التعاطف والحب منه ناحية زوجته، ليتذكر بورغ من خلالهما ومن خلال الفتاة رفيقة الشابين حبيبته الأولى التي تركته واختارت أخاه، وزوجته التي فضلت عليه رجلاً آخر أثناء زواجهما، نتيجة بروده العاطفي وتمسكه بالشكل المثالي للطبيب الذي لا يتبع قلبه أبدا، ويفكر دائما بشكل عملي يصل إلى الأنانية مع مرور الوقت. يستعيد بورغ خلال الرحلة أسباب تحوله، والصراعات المستمرة داخله بين العقل والقلب، بين المثالية والإنسانية، وكأن تلك اللقاءات بكل الشخصيات المختلفة مرآة ينظر فيها بورغ بعمق داخل نفسه، عن طريق الأحداث والتنبؤات وردود أفعال الشخصيات المختلفة.
استعادات الماضي
وتحولات الحاضر
يمر بورغ أثناء رحلته على منزل والدته، لنتعرف بشكل أكثر تفصيلا على أصوله، وعلى عائلته، عن طريق التذكر، ليصبح الزمن كأنه زمنان مختلطان باتساق شديد. الزمن الأول هو الزمن الماضي الذي تظهر فيه شخوص عائلته، والزمن الثاني هو زمن الفيلم الذي يظهر فيه بورغ في حياته الحالية يراقب أهله، ويستعيد حياته القديمة والأمور التي طرأت عليه ليتحول إلى الشخص الأناني الذي أصبح عليه.
في واحد من أهم مشاهد الفيلم يتعرف المشاهد على سبب تسمية الفيلم بـ”الفراولة البرية”، يقترب بورغ من أغصان الفراولة البرية في حديقة منزل عائلته القديم، ويستعيد ذكريات الطفولة ومعنى البيت كما يقول باشلار “البيت هو الكون الأول”. يتمنى بورغ العودة من جديد، العودة بالعمر والذكريات والحياة، لذلك المكان الفطري الإنساني الحميمي.
في الثلث الأخير من الفيلم تبدأ التحولات الإنسانية في الظهور على بورغ، كأن الرحلتين الخارجية والداخلية كانتا سببا في أن يكون أكثر صدقا مع نفسه، ليعرف كم كان أنانيا وغير مكترث بمشاعر الآخرين، ويبدأ في التصرف بشكل أكثر إنسانية، في محاولة منه لإصلاح أخطاء الماضي. وينتهي الفيلم به نائما على سريره في حالة من الرضى التام، مُستعيداً من جديد ذكريات الطفولة وأوقاتها.
يعتبر الفيلم واحداً من أهم الأفلام التي تؤثر على من يشاهدها، تضعه في مكان شخصية بورغ. مهما اختلفت الأحداث الحياتية والشخصيات، تمر على الإنسان أحداث كبرى تجعله يعيد النظر في حياته واختياراته وفي كل ما حققه في الحياة. ربما تأتي تلك الأحداث في منتصف العمر أو في نهايته، لكن تبقى القدرة على تتبع العلامات والبداية من جديد سمة لا تتوفر في الجميع.

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق