محنة السّؤال النّقدي في فكر طيب تيزيني (ج1)

الملخص

لم يكن طيب تيزيني نبتة بريّة فهو إنسان له عمق تاريخي اجتماعي علمي حضاري عبر مختلف دوائر الانتماء العائلي والمجتمعيّ وعلى مستوى تاريخ وتراث محيطه العربيّ الاسلاميّ. بمعنى أنّ المفكّر جزء من بنيّة فكريّة عامّة في بنيّة اجتماعيّة شاملة لها سياقات تاريخيّة سياسيّة وترابطات مركّبة وجد معقدّة في شروطها التاريخيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، ونحن نستحضر هنا بشكل خاصّ التّاريخ الحديث والمعاصر، أي انطلاقا من معركة التّحرر من الاستعمار مرورا بمرحلة الصّراعات السياسيّة حول المضامين الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة لأنظمة “الاستقلال الوطنيّة” وصولا إلى الفترة المعاصرة. إنّها سيرورة تحوّلات مترابطة التركيب وشديدة التّعقيد فرضت على المفكّر طيب تيزيني – كغيره من المثقّفين العرب مهما كان نشاطهم الفكري الثّقافي، وحتّى الابداعي الفنّي- أن يكون سياسيا، أو بتعبير أدقّ أن يكون إيديولوجيا، ليس بالمعنى القدحي، أي منشغلا بالصّراع السياسيّ في بعده السّلطوي، وفق مفاهيم تعنى بقضايا التّحرر والثّورة والتّقدم والنّهضة والتّنوير…، في ارتباط بالواقع السياسيّ والاجتماعيّ الاقتصاديّ والثقافيّ. ووفق شروط هذه السّياقات والتّرابطات الاجتماعيّة التاريخيّة،  الّتي لم تكن إلّا إكراهات وتحديات الاستعمار والتّخلف والسّيطرة والهيمنة والاستبداد المحلي…، ولد النّتاج الفكري للفيلسوف طيب تيزيني من خلال أبرز كتبه “مشروع رؤية جديدة للفكر العربيّ في العصر الوسيط” ” من التراث إلى الثورة”…، مسلّحا بخلفيات فلسفيّة ومعرفيّة وإبستمولوجيّة وإيديولوجيّة تنتظم تبعا للمقاربة الماركسيّة في قراءة الواقع والفكر. فكان مفكّرا فاعلا في ميدانه التربويّ، وفي عطائه الفلسفيّ الفكريّ، حيث تتابعت سلسلة مشاريعه الفكريّة الثريّة والغنيّة معرفيا ونقديا من التراث إلى الثّورة، وصولا إلى من التراث إلى النهضة، مع حضور بارز في كلّ كتاباته للفكر الحرّ العقلانيّ والنّقدي الديمقراطيّ راسما أفقا للتّقدم والتّحرر من سيطرة وهيمنة  الإمبرياليّة الغربيّة والصهيونيّة. وهو مسار سيرورة شاقّة وصعبة لا تخلو من عذابات تحمل عبء مسؤوليّة أحلام وخيبات وانكسارات السّؤال النقديّ في محاولة الاستجابة للتّحديات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة التنويريّة  والنهضويّة المجتمعيّة، إنّها محنة السّؤال النقديّ، – بكلّ ما يحمله مفهوم المحنة في التراث العربيّ الاسلاميّ، وفي الفكر الفلسفيّ الغربيّ من معنى القهر والكبت والإقصاء والاغتيال – الّذي دقّ كلّ جدران الفكر العربيّ في بعديه التراثيّ والتاريخيّ، كما دقّ أسوار الاستعمار والإمبرياليّة والصهيونيّة، وتحديات العولمة وتحوّلاتها على كلّ المستويات الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، وما ارتبط بها من تحوّلات وطنيّة وإقليميّة ودوليّة، دون أن يقوى المفكّر تيزني كغيره من الكثير من المفكّرين العرب على تحرير السّؤال النقدي من محنته بإعطائه فرصة التّفكير في بنى واقعه الدّاخلي، أي في التركيب الاجتماعيّ الاقتصاديّ وما يعتمل في داخله من بنى وصراعات سياسيّة اجتماعيّة، أي بما يسمح له بممارسة مهمّاته بشكل واضح ومسؤول كسؤال نقديّ يسعى إلى تحرير نفسه من الهزائم المتواليّة داخليا على مستوى فشل النّهوض التّنويري الديمقراطيّ الحداثيّ، والتّقدم الاجتماعيّ الاقتصاديّ، وخارجيا على مستوى السّيطرة والهيمنة الأجنبيّة، من ضمنها المشروع الصهيوني. فهل استطاع حقا العطاء الفكري والنّقدي المتنوع والغني ّالمتعدّد للمفكّر طيب تيزيني ممارسة السّؤال النّقدي، أم أنّ سقفا معينّا في مستوى الصّراع السياسيّ غيّب السّؤال النقدي، بل زجّ به في محنة الصّمت المكبوت في دائرة المسكوت عنه، إذ لم تقوى الذّاكرة والعقل النقدي على التّصريح به وممارسته، بسبب “الواقعيّة والتّوازنات ومختلف الحسابات التوافقيّة” الّتي لا تستطيع إلغاء محنة السّؤال النّقدي وهو يصرخ في وجه الكثير من المثقّفين العرب، من ضمنهم طيب تيزيني: لماذا لم تدقّوا فلسفيا وفكريا وسياسيا جدران الخزّان طوال العقود الماضيّة، أي جدران الاستبداد السياسيّ الأبديّ المقنّع بالوطنيّة والممانعة والتقدميّة والاشتراكيّة…؟ لماذا لم تدقّوا جدران “القوقعة” بتعبير مصطفى خليفة لرؤية التّركيب الاجتماعيّ الاقتصاديّ المحلي المانع للحريّة والكرامة والعدالة والديمقراطيّة، والبنى السياسيّة التسلطيّة لأنظمة الشّر الداخليّ وهي تراكم الحطام المأساوي لمناعة الأوطان، وهدر الدولة الأمنيّة للقيمة الإنسانيّة لشعوبها؟

تمهيد:

إنّ البحث والمناقشة لا يتعلّقان بالمفكّر الدكتور طيب تيزيني كفرد معزول أنتج مجموعة من المؤلّفات الفكريّة النقديّة، بل الأمر يتجاوز ذك بكثير إلى استحضار جملة من السياقات التاريخيّة والاجتماعيّة السياسيّة، والرّوابط الفكريّة والعمليات السياسيّة الاجتماعيّة الاقتصاديّة، والتّفاعلات الإيديولوجيّة الثقافيّة الّتي عملت على تكوين البنيّة الفكريّة المعقّدة الّتي شكّلت أسس الفكر النقديّ لدى طيب تيزيني. بمعنى أنّ فكرنا الضّمني أو العميق المؤسّس لرؤيتنا النقديّة ونحن نقرأ ونناقش أعمال طيب تيزيني عليه أن يأخذ بعين الاعتبار تلك السّياقات والعمليات، وبذلك فنحن نبتعد كليا عن موقع الحقيقة المولع بالمحاكمات النقديّة الأقرب إلى العدوانيّة النقديّة الغارقة في مقاربتها لأعمال المفكرين في تاريخ البطولات الفكريّة والعبقريات الاستثنائيّة، لنقترب ما أمكننا ذلك من تلك السّياقات والعمليات والأطر الاجتماعيّة الّتي كوّنت وبلورت وطوّرت البنية الفكريّة الّتي انخرط فيها طيب تيزيني  طالبا ودارسا وباحثا ومفكّرا ومدرّسا…، أي إنّنا إزاء تاريخ بنيات فكريّة في صيرورة لا تهدأ ولا تتوقف حياتها أو موتها على خلفيتنا الإيديولوجيّة الفكريّة، ولا على تفاؤل إرادتنا وتشاؤم عقلنا النّقدي فقط. إننا نحاول ما أمكن التّعامل مع المنجز النّقدي لفكر طيب تيزيني كمسار طويل وديناميّة وحركيّة مخاضات عسيرة، وعمليات تأسيس وإعادة تأسيس إنخرط فيها تيزيني إلى جانب مجموعة من المفكّرين الآخرين بمختلف خلفياتهم الفلسفيّة والمعرفيّة والإيديولوجيّة، مع تنوّع وتعدّد مشاربهم الفكريّة في ظلّ ظروف تاريخيّة وبنى تركيب اجتماعيّ اقتصاديّ وما ميّزه من تحوّلات وصراعات سياسيّة اجتماعيّة داخليّة وخارجيّة تحرريّة من التّسلط والهيمنة والسّيطرة الأجنبيّة. إنّ زاوية منظورنا لأعمال الطيب تيزيني لا تنظر إلى مؤلّفاته وكتبه كنتائج جاهزة ونهائيّة تعبّر عن حصيلة فعله وممارسته النظريّة الفكريّة والسياسيّة، بل مايهمنا بالدرجة الأولى سيرورة المسار الطويل للفعل النقدي الّذي مارسه تيزيني في خلفياته الفلسفيّة الفكريّة والمعرفيّة والإيديولوجيّة، وفي تفاعلات بنائه، وفي أدواته ومفاهيمه، وفي إشكالياته النقديّة ومشاريعه الفكريّة: نقد التراث، الثّورة، النّهضة، التّنوير، الإسلام السياسي، الاستبداد، الديمقراطيّة، العلمانيّة، الوضوح المنهجي، الدولة الأمنيّة…

بمعنى أنّ مختلف المواقف النقديّة الايجابيّة والسلبيّة الّتي تنظر إلى مجهود المفكّر  كحصيلة ونتائج وليس كسيرورة في سياقات تاريخيّة اجتماعيّة سياسيّة وما يكتنفها من تحوّلات وصراعات، أي كعمليات وممارسات في النّقد والنّهضة والتّنوير والتّثوير والعلمنة…، هي مجرّد مواقف لا تخرج عن إطار الانغلاق المعرفيّ والفقر الفلسفيّ، والصنميّة المنهجيّة القطعيّة في النّظر والممارسة، ولا تنتج غير العنف الحركي أو الرّمزي في صورة العدوانيّة النقديّة، وهي نظرة سكونيّة بامتياز كبير، تجعل عمق الجدليات الاختلافيّة المتحكّمة  في جدل التاريخ والتراث والنّقد والنّهضة والتّنوير…، كما فهمه ومارسه بوضوح منهجيّ ماديّ بشكل أو بآخر المفكّر طيب تيزيني معزولا مبتورا عن ارتباطات السّؤال النقدي بالواقع الاجتماعيّ العربيّ الرّاهن في مختلف مستوياته الاقتصاديّة والسياسيّة والايديولوجيّة وما ميّزها من صراعات، وبشكل خاصّ استراتيجيّة التّغيير والثّورة والنّهضة والتّحرر…

نقصد أنّنا إزاء عمليات تأسيس وإعادة تأسيس لا متناهية مواكبة لبعضها البعض تتجاوز المفكّر الفرد، لأنّ فكره تعبير عن تفاعلات بنيّة فكريّة شاملة 1. وانسجاما مع هذا التّصور الفلسفي النّظري نشير إلى” أنّ الفكر ليس فكر إنسان بعينه، إنّه لا يدور في دماغ ولا يجول في خاطر، الفكر عندما اتّخذ بعدا جدليا لم يعد تمثلات  سيكولوجيّة. وحين نتمثّل الفكر كقدرة بشريّة، وهو فكر تاريخي لا يكون وليد لحظة بعينها، ولا يخضع لأهواء الأفراد ومقاصدهم. وقوانين الفكر بما هي قوانين الجدل، هي قوانين الوجود…الفكر مجهول الاسم، فاعل مبني للمجهول يفكّر في الوجود”2 .

هذا هو الإطار المعرفي والمنهجي التّاريخي العام الّذي يمكن من خلاله التّعامل مع فكر طيب تيزيني دون فصله عن البنية الفكريّة التاريخيّة الاجتماعيّة الشّديدة التركيب بسياقاتها المعقّدة الّتي شكّلت التّاريخ العربي الحديث والمعاصر. أمّا المحبّة الكاذبة  والعدوانيّة النقديّة، والمزايدات الظرفيّة الإيديولوجيّة قد تضيف فقط شيئا إلى شعبة المخابرات الفكريّة في الرضا السّلطوي، أو التّشبيح والتّهجم  السياسوي المتّسق مع ثقافة الاستبداد والحطام العربي السّائد.  فمن زاوية النّظر هذه نقرأ طيب تيزيني باعتباره أحد المساهمين في تأسيس الفكر النقدي العربي الحديث والمعاصر بما له وما عليه، وهو ينتظر من محبيه الأوفياء أن يقوموا  بهدم الحقائق وكشف الأوهام وتعريّة الثوابت وتفكيك الميتافيزيقا …، الّتي تنخر جدله التاريخي الثوري والتراثي والنّقدي والنّهضوي والتّنويري …،كمُقاوِمات داخليّة من طبيعة الفكر النّقدي الّذي تؤرّقه محنة السّؤال النقدي في بحثه المستمرّ عن مستحيل تحقّق الثورة، النّهضة، التّنوير، الحريّة والديمقراطيّة…، إنّها محنة سؤال  يصارع، وهو يتغذى من أزمات وانكسارات وخيبات هذه القيم الانسانيّة الّتي يسعى مناضلا مكافحا لتحقيقها، وهي ترتبط في كلّ منعطف مؤلم من تاريخنا الحديث والمعاصر بأزمات استحالة التّحقق.” يؤكّد التاريخ صحة هذا الاقتران، فكلّ الفترات الّتي عرفت محاولات إرساء الديمقراطيّة في مختلف صورها كانت فترات أزمات، وكلّ مساعي التّحرر والانعتاق صوحبت بفترات توتر وصراع وتأزم. وليس مرد ذلك فحسب المقاومات الخارجيّة الّتي تعترض الدمقرطة والتّحرر والتّحديث والانعتاق، وإنّما مرجعه أيضا ربّما أساسا ” طبيعة” الديمقراطيّة والتّحرر والعقلانيّة والتّحديث، فهذه أمور تنطوي على عوائقها الذاتيّة، ليس بمعنى أنّها تعوق ذاتها وتعترض سبيل نفسها، وإنّما بمعنى أنّها تنظر إلى نفسها كمُقاومات، وتعتبر أنّ وجودها نفي وسلب أكثر منه إثباتا وإيجابا. وأنّها تحسّ بالعوز كلمّا ازدادت غنى، وبالظّمأ كلّما ازدادت ارتواء، وبالنّقصان كلّما ازدادت اكتمالا، إنّها لا تتحقّق إلّا عندما يتعذّر تحققها، ولا تكون بالفعل إلّا عندما لا تكون” . بهذا الوعي تجاه الهزائم والخيبات والمآسي يمارس الانسان تفاؤل الإرادة وتشاؤم العقل، وهو يوسّع منظور زاوية الرؤية ليرى كلّ الوجوه المختلفة الّتي تحجبها الانحيازات الضيّقة للحقائق الجاهزة كيف ما كانت طبيعتها ومصدرها. فإلى أي حدّ ساهم طيب تيزيني فكريا ونقديا وسياسيا في خلخلة أزمات استحالة التّحقق للثورة والنّهضة والتّنوير، والتّخلص من الفساد واستبداد الدولة الأمنيّة…؟

وكيف تمثل محنة السّؤال النقدي وتحمل مسؤوليّة خوض غمار حرقة أسئلته:  انطلاقا من التراث إلى الثورة، مرورا ببيان النّهضة والتّنوير العربي، وما رافق ذلك من حوارات، أشبه بالمناظرة مع كلّ من البوطي، وأبو يعرب المرزوقي،  كانت تستهدف زحزحة حقائق ثابتة تلبست رداء المقدس خالقة وهم نفس خالدة تسكننا، وصولا إلى مواجهة الاستبداد في صوره المرعبة: الفساد والقهر السياسي الأمني؟ لكن ما الّذي يجعلنا نعتقد باحتجاج السّؤال النقدي تجاه صمت الفكر النّقدي في أعمال طيب تيزيني، من خلال سيرورة عمليات تشكّله لدى هذا المفكّر إلى درجة وصلت إلى نوع من المحنة في كبت وقهر المقاومات الذاتيّة للفكر النقدي المتعلّقة بالرّغبة  العارمة في ممارسات استحالة التّحقق الّتي أشرنا إليها سابقا وهو يقبل- تيزيني- بأنصاف الحلول الإيديولوجيّة للفساد والدولة الأمنيّة الّتي كان يعتقد ضدّ منطق الفكر النقدي وآلياته المنهجيّة  في “إصلاح تقدميّة” شرّ مأساة صنعتها الدولة الأمنيّة؟ وقبل هذا وذاك كيف نظرت بعض الدّراسات لفكر الّتيزيني؟

أوّلا: الدراسات النقديّة الساّبقة لفكر طيب تيزيني

لم يكن المفكّر طيب تيزيني مثقّفا مجهولا من قبل طلاّب العلم والقرّاء والباحثين المهتمين بشؤون الفكر والثّقافة وبواقع المجتمعات العربيّة وتحوّلاتها، وما يعتمل في داخلها من صراعات، فقد كان إنسانا فاعلا في ميدانه التربويّ العلميّ، ومحاورا لمختلف التّوجهات والأفكار والتّصورات، كما أنّه مؤلّف له مشاريعه النظريّة الفكريّة. لهذا جذبت كتبه قرّاء ومهتمين بمختلف خلفياتهم الفلسفيّة والفكريّة والإيديولوجيّة من الإسلاميين إلى اليساريين بمختلف تيّاراتهم النظريّة والسياسيّة. فكيف قرأ ونظر وتحاور وتفاعل ونقد أو نقض هؤلاء فكر طيب تيزيني؟

وبالموازاة مع عرضنا لدراساتهم سوف نقدم وجهة نظرنا النقديّة حول ما يطرحونه من أفكار وملاحظات نقديّة. كلّ ما نرجوه من القارئ هو الصّبر حتّى تتّضح له استراتيجيّة الكتابة النقديّة الّتي نشتغل وفقها في العرض والتّحليل والنّقد.

  • بوعلي ياسين :من “التراث إلى الثّورة” مع طيب تيزيني3

هكذا عنون بوعلي ياسين دراسته الّتي نشرت لأوّل مرة في مجلة “مواقف” البيروتيّة سنة1979، ثمّ ضمن كتاب “الماركسيّة والتراث العربي الاسلامي” سنة1980 . قمنا بضبط تاريخ هذه المعطيات لنشير إلى أنّ اعمال تيزيني خلقت اهتماما ونقاشا نقديا منذ بروز أوّل كتبه “الفكر العربي في العصر الوسيط متبوعا بالجزء الأول من مشروعه” من التراث إلى الثورة”، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنّ أيّ نقد علمي يمكن أن يبيّن قصور وهشاشة الخلفيات الفلسفيّة والمعرفيّة النظريّة والمنهجيّة  الّتي اعتمدها طيب تيزيني في البحث والدراسة والتّحليل النقديّ، سيكون بعيدا عن تهمة غياب الموضوعيّة أو الاسقاط والمغالطات التاريخيّة الّتي قد تحمل مشروعه الفكري ما لا يحتمل في شروطه التاريخيّة الاجتماعيّة والمعرفيّة الإبستمولوجيّة. بمعنى أنّ هناك تقاربا زمنيا بين كتاب تيزيني ودراسة ياسين.

في بداية دراسته هذه الّتي قسمها إلى مجموعة من المحاور، اتّفق بوعلي ياسين مع تيزيني على أنّ مشروعه عبارة عن مغامرة ومهمّة شاقّة محفوفة بالمخاطر والمزالق،  وهو بهذا الإتفاق كما لو وضع أرضيّة حجاجيّة لما سيسجله من ملاحظات نقديّة. ففي تناوله للنّظام الاجتماعيّ الاقتصادي في العصر الوسيط، كما هو مشخّص في فكر تيزيني أشار إلى أنّه- الكاتب- طرح بديلا سمّاه النظريّة الجدليّة التاريخيّة التراثيّة ذات الأساس الماركسيّ، بعد أن بيّن قصور وعجز الاتجّاهات اللاتاريخيّة واللاتراثيّة الّتي تناولت التاريخ والتراث العربي، كما بيّن خطورتها الاجتماعيّة والسياسيّة. ثمّ شرع بوعلي ياسين يناقشه بشكل نقديّ في مسائل معرفيّة ومنهجيّة تحليليّة كثيرة من ضمنها:

  • إنّ دراسة تيزيني للواقع الاجتماعيّ في جانبها المتعلّق بتكوّن المجتمع العربي فيها الكثير من الاختلالات والتّناقضات، ” كان الكاتب- يقصد تيزني- قد بيّن أنّه في مكّة تشكّلت طبقتان متعارضتا المصالح هما التجّار والمرابون وسدنة الكعبة من جانب والعوام والارقاء من جانب آخر، فكيف يقوم هؤلاء العوام والعبيد وهم أعداء التّجار والمرابين بحركة تستجيب لحاجات التجارة المكيّة. من ناحية ثانية قد نؤيّد محاولة فهم الحركة الاسلاميّة في بدايتها من خلال الصّراع الطبقيّ المكيّ لكنّنا لا نظن أنّ هذا الصّراع المحلي كاف لتفسير انحلال المجتمع العربي القبلي في جميع أرجاء الجزيرة العربيّة، حيث قلّما نلتقي بتجار وعبيد بل غالبا ببدو وأحيانا بفلاحين. من ناحية ثالثة لم يفسّر الكاتب انحلال المجتمع القبليّ من خلال عوامل انحلال في داخل هذا المجتمع، أي من خلال عوامل قبليّة، بل من خلال عوامل خارجيّة هي العلاقات الاقطاعيّة والرقيّة والبورجوازيّة.” 4 وفق هذا التّناول النقديّ ناقش – بشكل دقيق وموثّق بالصفحات- بوعلي ياسين دراسة تيزيني للمجتمع العربيّ في تحوّلاته البنيويّة وعلاقة ذلك بالصراع الاجتماعي بين فئاته أو طبقاته الاجتماعيّة على حدّ تعبيرهما ( تيزيني وياسين). كما يؤاخذ عليه عدم  تدقيقه وتوضيحه لمفهوم الاقطاع المنزليّ، والاقطاع المركزي الّذي يستعمله بشكل غامض مشوش”  والتوضيح ضروري لسبب آخر، هو ارتباط مفهوم الاقطاع في أذهاننا بالأرض والزراعة والفلاحين الأقنان، ويصعب ربطه ذهنيا بالاقتصاد المنزلي المعروف الآن بشيوعيته. ثمّ يذكر الكاتب عرضا، أنّ هذا الاقطاع اكتسب أكثر فأكثر طابعا عسكريا. وهنا يزداد القارئ تشوّشا، إذ كيف يربط منزليّة الاقطاع بعسكريته؟”5
  • يلاحظ عدم احترام تيزيني الفهم النظري الماركسي للصّراع داخل المجتمع الّذي هو في نظره صراع بين طبقات وليس بين علاقات اجتماعيّة، مع غياب كامل لتحديد الأطراف الطبقيّة المتصارعة سواء بين الأقنان والاقطاعيين أو بين العلاقات الاقطاعيّة والعلاقات الرأسماليّة.
  • استعمال الكاتب للمصطلحات دونما أدنى تفريق بينها كمفاهيم: الملكيّة، التّملك، التّصرف والحيازة، مخالفا معانيها العلميّة لدى ماركس والألمان عامّة6.
  • أغفل الكاتب في نظر بوعلي ياسين الاستعمال الدقيق لمفاهيم إنجلز وماركس خاصّة نظريته

حول نمط الانتاج الآسيوي، كما أنّه لم يعرض أفكار مستشرقين ماركسيين ” ولم يناقشها، بل أهملها مع أنّها تدخل في نطاق بحثه، والأصحّ أنّها تمثّل أساسا له. وهذا موقف علمي غريب، وخاصّة ممّن يضع نظريّة جدليّة تاريخيّة تراثيّة تجد في الماركسيّة قاعها الاصلي ومصدرها المنهجي.”.7

  • لا يتّفق مع طيب تزيني على أنّ المجتمع العربي في العصر الوسيط كان إقطاعيا، خاصّة وأنّ الأرض كانت تعود للخليفة عكس الإقطاع الأوربيّ. “كتب إنجلز إلى ماركس بتاريخ 6حزيران 1883 يقول:  إنّ غياب الملكيّة العقاريّة هو بالفعل مفتاح الشّرق بأكمله. في هذا يكمن تاريخه السياسي والديني.”8
  • يرى بوعلي ياسين أنّ السّلطة المركزيّة لم تكن لها أيّة علاقة بإرهاصات الرأسماليّة المبكرة عكس ما ذهب إليه تيزيني. وأنّ الوحدة الجامعة كشكل اجتماعي اقتصادي أساسه قبلي” فالطاغية يستمد قوّته من قوّة قبيلته، كما يستمدها باتّحاد السّلطة الدينيّة والدنيويّة في شخصه… وأنّ الرأسماليّة التجارية الربويّة كدّست أموالها بفضل السّلطان ورجاله. وفي الوقت ذاته السّلطان أوّلا ورجاله ثانيا هم الّذين أجهضوا الارهاصات الرأسماليّة التجاريّة المبكرة عن طريق المصادرات والضّرائب الباهظة والابتزاز، وذلك على النّقيض ممّا يراه طيب تيزيني.”9

وهذه أمثلة جزئيّة للملاحظات النقديّة الّتي قدّمها بوعلي في دراسته موضّحا حدود ومحدوديّة النظريّة الجدليّة التاريخيّة التراثيّة الّتي أرادها تيزيني بديلا للنّزعات الاختزاليّة والإيديولوجيّة، لكنّ السّقف المعرفي والتّاريخي النقدي عند تيزيني- كما قدّمه بوعلي في دراسته- في مقاربته للواقع الاجتماعيّ التاريخيّ المكي في تشكيلته الاقتصاديّة الاجتماعيّة، وفي تركيب بنائه الطبقي، ومختلف أشكال الصّراعات، كان بعيدا عن التّماسك النظريّ والمنهجي ومفتقرا للمنهجيّة الماديّة الماركسيّة في تشخيص التّركيب الاجتماعيّ الاقتصاديّ.

كما لاحظ انحياز تيزيني  العروبي الإيديولوجي في تحليله للصراعات الاجتماعيّة الدّائرة داخل المجتمع العربي الاسلامي، إلى درجة تشويه المعطيات والوقائع الاجتماعيّة التاريخيّة، بجعلها صراعات شعوبيّة قوميّة ضدّ العرب، بدل التّعامل معها على أنّها صراعات طبقيّة بالدّرجة الأولى وليست تابعة للصّراع القوميّ. ويستغرب انتصاره للنّزعة السلفيّة العربيّة واعتبارها ردّا إيجابيا على الانهيار الحضاريّ العربيّ الاسلاميّ. مع النّظر بشكل سلبي إلى الحركات الشعبيّة المطالبة بالمساواة” لأنّ طيب تيزيني يؤكّد أنّ أهل التسوية هؤلاء سمّوا أنفسهم بهذا الاسم زيفا”10

وفي هذا السّياق عمل بوعلي ياسين على مناقشة المضمون الفكريّ والآليات المنهجيّة الّتي استعملها تيزيني في تبرير استنتاجاته المتناقضة كليا مع حقيقة الوقائع التاريخيّة. وهذا بالفعل ما أكّدته قراءتنا لكتاب طيب تيزيني، الشّيء الّذي يطرح عشرات الاسئلة حول العلميّة والبعد المعرفي للبحث العلمي الّذي أكّد عليه في مقدمة كتابه، وهو يسجّل ملاحظاته النقديّة حول السّائد الفكري ذي الطّابع التّحيزي الإيديولوجي الغالب على النّتاج الفكري المتعلّق بقراءة التراث العربيّ الاسلاميّ. وفي جانب آخر حسب ملاحظات بوعلي نتساءل مثله كيف أمكن للفكر الماديّ النظريّ والسياسيّ المستند للمنهج الماركسي أن يخلط بشكل عشوائي في استعمال المفاهيم الماركسيّة كما لو أنّها مصطلحات مدرسيّة تقول الشّيء ونقيضه، خاصّة حين يجعل الصّراع الاجتماعي بين اقطاعيتين في دولة واحدة، وأيضا ينتصر تيزيني كفكر كفاحي مادي، كما يصفه هو نفسه في صفحات كثيرة من كتابه، وهو ما نتفق معه في ذلك الوصف، لصالح الظّالم ضدّ المظلوم بدوافع عروبيّة مشوّها حقيقة الصّراع الاجتماعيّ بين الطبقات المظلومة والسّلطة المركزيّة بمختلف انتماءاتها الإثنيّة والعرقيّة واللّغويّة. ونرى أنّ بوعلي قدّم تحليلا اجتماعيا اقتصاديا برؤية سياسيّة تاريخيّة نقديّة لحقيقة الوضع السّائد في المجتمع العربيّ الاسلاميّ الوسيط، كاشفا عن هشاشة ما أراده تيزيني مقدمة نظريّة، أو بديلا جدليا في التّاريخ والتراث معزّزا أفكاره بالحجّة المقنعة” إنّنا نرى أنّ الارستقراطيّة العربيّة والارستقراطيّة غير العربيّة في الدولة الاسلاميّة كانتا طبقة واحدة تخدمان سلطانا واحدا، وتتنافسان على رضى السّلطان وعلى نهب المنتجين. ونجد لدى ابن خلدون مصداقا لرأينا حيث يقول” ألا ترى إلى موالي الأترك في دولة بني العباس وإلى بني برمك من قبلهم  وبني نويخت، كيف أدركوا البيت والشّرف وبنوا المجد والأصالة بالرّسوخ في ولاء الدولة…كان شرفهم من حيث ولايتهم في الدولة واصطناعهم. وما سوى هذا فوهم توسوس به النّفوس الجامحة”.11

والغريب في التّحليل الماديّ للصّراع الطبقيّ والقوميّ الشعوبيّ أن يستثني تيزيني الحركات الثوريّة مثل القرامطة، مختزلا  الصّراع بين ما يسمّيه سلفيّة إسلاميّة عربيّة وسلفيّة مزدكيّة فارسيّة. أو القول بأنّ الصراع كان بين الاقطاع غير العربيّ والاقطاع العربيّ” إنّ هذا القول يفتقد إلى العلميّة في عدّة نقاط أوّلا التّحيز التّام إلى جانب العرب، إذ جعل المؤلّف صراعهم ضدّ الشعوبيّة مشروعا في حين لم يعط هذه المشروعيّة لصراع الشّعوبيين، بالرّغم من أنّ نقطة الانطلاق في هذا الصّراع هي تفضيل العرب بغير حقّ على غيرهم من المسلمين. ثانيا إعطاء الأولويّة للصّراع القوميّ على الصّراع الطبقيّ الأمر الّذي يتناقض مع عامل التّطور الأساسيّ الّذي ذكره المؤلّف وهو الصّراع الطبقي الّذي انتهى بانتصار الإقطاع كما يتناقض مع المنهج الماركسيّ الّذي تبنّاه المؤلّف، ثالثا التّفكير التآمري الّذي يفسّر تحرّكات الطّبقات وأفكارها وتحالفاتها بمفاهيم التآمر والخديعة”.12

هذه مجرّد أمثلة بسيطة لما ناقشه بوعلي ياسين في كتاب تيزيني من التراث إلى الثّورة. وما يهمنا نحن بشكل خاصّ هو مدى إلتزام تيزيني بالمقدمة النظريّة المنهجيّة المستندة إلى المنهج الماركسيّ، ثمّ إلى أيّ حدّ خدم تحليله النقدي في تشخيص الواقع الاجتماعيّ التاريخيّ بكلّ مستوياته البنيويّة أهداف دراسته في طرح مشروع رؤيّة جديدة؟

إنطلاقا من قراءتنا للكتاب وحسب ما أوردناه من دراسة بوعلي ياسين نلاحظ غياب التّماسك والاتّساق الفلسفي النّظري مع الحضور الغالب للتسيّب المنهجيّ في استعمال المفاهيم رغم محاولته تدقيقها أثناء محاولة إنتاجه لمعرفة علميّة حول التاريخ والتراث العربيّ الاسلاميّ، مدعيا قدرتها تلك المعرفة على إنتاج البديل الايجابيّ لكلّ النّزعات والاتجاهات الّتي إنتقدها وكان محقّا في ذلك النّقد لو إلتزم بمضمونه المنهجيّ والمعرفيّ. وهنا كانت محنة السّؤال النقديّ حاضرة بقوّة لأنّه كان ضحيّة التّحيز الإيديولوجّي والابتسار والاختزال النظريّ المعرفيّ، ضاربا عرض الحائض بكلّ الوقائع التاريخيّة الاجتماعيّة في حقيقتها الماديّة وفقا لجدليات التركيب الاجتماعي الاقتصادي، ودون تمحيص نقديّ للمصادر المرتبطة بهذا التاريخ وتراثه الفكريّ المتعلّق بنشوء وسقوط الدّول، أو على مستوى التاريخ المنسيّ المهمّش للحركات الثوريّة الاجتماعيّة الّتي خاضت نضالات ضدّ السّلطة المركزيّة، مخالفا بذلك دعوته الماديّة التاريخيّة الّتي يعتمدها في مشروع رؤيته الجديدة.

وإذا كان بوعلي ياسين قد ناقش تيزيني في الكثير من المنطلقات النظريّة والمنهجيّة تبعا للمنهج الماركسيّ في الدراسة والتّشخيص قصد تملك التّاريخ والتراث العربيّ الاسلاميّ معرفيا، أي إنتاج معرفة ” مغامرة” نظريّة لرؤيّة جديدة للتراث  لتفادي استغلاله من طرف النزعات الضيّقة للفكر السّائد، كما استغرب استعماله غير العلمي للماديّة التاريخيّة والمفاهيم الاجتماعيّة التاريخيّة كالقوميّة حيث قال ” من الخطأ أن نتحدّث بخصوص العصور الوسطى عن صراع قومي (كما يفعل طيب تيزيني ص63). كذلك من الخطأ القول، إنّ الدولة العثمانيّة كانت تحاول تتريك الشّعب العربي(ص74و78). فذلك فعلته تركيا الفتاة، أي الأتراك القوميون لا العثمانيون.”13

فما قول بوعلي ياسين في الاسقاط النظريّ لمفاهيم الماديّة التاريخيّة على الواقع العربيّ الاسلاميّ في تلك القترة من تاريخ العصور الوسطى. كالحديث عن الطبقة الاجتماعيّة بالمعنى الحديث، الصّراع الطبقي، البورجوازيّة، الرأسماليّة المبكرة، التقدميّة، اللبيراليّة، الاشتراكيّة الطوباويّة…،14  حيث لم يكلف لا الكاتب تيزيني ولا النّاقد بوعلي ياسين نفسيهما عناء ومشقة على الأقل ما كان يسمّيه مهدي عامل، دون أن يستطيع هونفسه تحقيقه بالشّكل العلمي المطلوب، إلى حدّ مّا، تمييز النظريّة الجاهزة أو إعادة إنتاج المفاهيم وفق الشروط التاريخيّة الاجتماعيّة للمجتمع قيد الدراسة. فانعكس ذلك الإسقاط من طرفهما معا سلبيا على  محدوديّة  التّشخيص الاجتماعي الاقتصادي الملتبس، ممّا أدى إلى قراءة إيديولوجيّة إنتقائيّة للتاريخ والتراث العربي الاسلامي بمصطلحات الماديّة التاريخيّة والمنهج الماركسي. حيث تمّ صبّ الواقع الحيّ في قوالب جاهزة وناجزة، هكذا يظهر لديهما معا غلبة الهاجس الإيديولوجي على المضمون المعرفي العلمي.15 فهما ينطلقان من مواقع الحقيقة أو الحقائق الماركسيّة المنزلة، ذات الرؤيّة الأحاديّة القطعيّة وفق المنطق الثّنائي (إمّا،أو)، مع أنّ تصنيفا للفلاسفة والمفكّرين وللتيّارات الفكريّة الدينيّة فيه الكثير من التّعسف: بين مادي أو مثالي، تقدمي أو رجعي، هرطقي عقلاني … 16 إنّها رؤيّة، لديهما معا، تفتقر إلى معاودة الانتاج بما يشكّل قيمة مضافة للفكر النقديّ العربيّ الاسلاميّ، وبما يستجيب في بحثه ودراسته في التاريخ والتراث العربيّ الاسلاميّ لمتطلبات السّؤال النقديّ في مقاربة الواقع الرّاهن في تحدياته وإشكالياته الاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة الثقافيّة، والسياسيّة بامتياز كبير في صراعات بنى التركيب الاجتماعيّ الاقتصاديّ الداخليّ لمجتمعاتنا الحديثة والمعاصرة.

والتّساؤل النقدي العميق هو كيف استطاع تيزيني تشخيص الواقع العربي الاسلامي في العصر الوسيط دون الاستناد إلى دراسات ومصادر وضعيّة ميدانيّة اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة؟ هكذا كان تيزيني يتلاعب بمفاهيم ماركسيّة في وصف العلاقات الانتاجيّة والعلاقات الاجتماعيّة، وفي تسمية الطبقات الاجتماعيّة، والصّراعات الدّائرة، دون أن يكلّف نفسه عناء الإحالات العلميّة الّتي تخوّله تلك السّهولة في توزيع المفاهيم يمينا ويسارا، وهو يعرف أنّ المفهوم العلمي له مضامين فلسفيّة معرفيّة نظريّة وتاريخيّة سوسيولوجيّة حتّى يرقى إلى مستوى الأداة البحثيّة. وهذا ما تجنبه إلى حدّ مّا بوعلي ياسين وهو يعتمد على ابن خلدون في نقده للطيب تيزيني، فكان مقنعا في تحليله النّقدي إلى حدّ مّا.

ورغم كلّ ما قلناه فإنّنا ننظر بتقدير واحترام إلى المجهود الفكري الّذي بذله طيب تيزيني ، وهو يعرف ما ينتظر مغامرته النظريّة من مخاطر ومزالق، وهو لا يدّعي الأسبقيّة ولا الكمال في البحث والدراسة.17 كما نثمّن التّحليل النقدي العميق والجريء الّذي أنجزه بوعلي ياسين لـ ” مشروع رؤية جديدة للفكر العربيّ من التراث إلى الثورة” بعد صدوره بسنتين. فقد كشف عن هشاشته النظريّة العلميّة ومغالطاته التاريخيّة المعرفيّة بشأن تاريخيّة التركيب الاجتماعيّ الاقتصادي للمجتمع العربيّ الاسلاميّ في العصر الوسيط،  الشّيء الّذي جعلنا نتساءل عن إصرار طيب تيزيني على عدم إعادة مراجعة مشروعه الفكري نقديا، وهو يعيد إصداره في طبعات غير مزيّدة ولا منقحة، حتّى يكون فعلا بديلا حقيقيا للنزعات الضيّقة الانتقائيّة والإيديولوجيّة الّتي تطاولت مع الزّمن كقدر غيبي محتوم. وهذا ما يجعل نقده ضعيفا وغير مقنع فلسفيا ومعرفيا، للكثير من التيّارات والاتّجاهات الفكريّة الغربيّة بدعوى التّآمر والاستعمار الثّقافي، كالوجوديّة والوضعيّة وغيرهما مثل:  نتشه وشوبنهاور إلى كيكرغارد وهيدجر… 18؟

كما أنّ هناك الكثير من التّخبط بين الصفحة وأختها عندما ناقش فهمه للاشتراكيّة العلميّة وعلاقتها بالجماهير بين الصفحة320و الصفحة324./19

إنّ أكبر خسارة في  مشروع هذه النظريّة الّتي حاول وضعها طيب تيزيني هو التضحية بالسّؤال النقديّ والانتصار لجدل التراث بدلا من جدل الواقع.  حيث يقول تيزيني عكس ماركس” إنّ نقد الأرض يقتضي نقد السّماء، بل ويسبقه أحيانا”.20    وهو يرى أنّ التراث العربي يمتلك حيّزا خطيرا في الحياة الثقافيّة العربيّة المعاصرة، وأنّ هناك تناقضا بين الجماهير الكادحة من جهة والقوى السياسيّة التقدميّة والمفكّرين التقدميين والاشتراكيّة العلميّة من الجهة الأخرى،21    والغريب في الأمر أنّه أعاد إنتاج التّصورات والاعتقادات نفسها، وهو يتكلّم بعد عقود عن الكتلة التاريخيّة في مشروعه حول النّهضة والتّنوير العربيّ بصورة ملتبسة عن مفهوم الأمّة الموسّع أحيانا والمختزل أحيانا أخرى فيما يسمّيه القوى الحيّة، أي القوى النخبويّة.

****

الهوامش

1  مهدي عامل: مقدمات نظريّة، ط3، س1980، ص 28.

2عبد السلام بنعبد العالي: ثقافة الأذن وثقافة العين، دار توبقال، ط2، س2008، ص41.

3 بوعلي ياسين: العرب في مرآة التاريخ، دار المدى للثقافة والنشر، 1995.

4 بوعلي  ياسين: المرجع نفسه ص199و200.

5 بوعلي ياسين: ص201.

6بوعلي ياسين: ص 203.

7 بوعلي ياسين: المرجع نفسه ص204.

8  بوعلي ياسين: ص 207.

9 بوعلي ياسين:  ص 209.

10 بوعلي ياسين: المرجع نفسه، ص 2012.

11 بوعلي ياسين: ص 215.

12 بوعلي ياسين: ص 216.

13 بوعلي ياسين: المرجع نفسه ص 223.

14 طيب تيزيني: من التراث إلى الثورة، دار ابن خلدون، ط2، س1978، ص355.

15 وهذا يتناقض مع المقدمات النظريّة والمنهجيّة الّتي كررّها طيب تيزيني في كلّ كتبه.

16 بوعلي ياسين: ص 241.

17طيب تيزيني: ص 14.

18 طيب تيزيني: من التراث إلى الثورة ص 186.

19 طيب تيزيني: من الصفحة 320 إلى الصفحة 324.

20و21 طيب تيزيني: ص 265.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق