رحيل كمال بلاطة… هندسة اللون وشفافيته 

رحل الفنان الفلسطيني كمال بُلّاطه في منفاه الألماني، ويعتبر من أبرز الفنانين التشكيليين العرب إلى جانب أهميته كدارس وناقد للفن الفلسطيني والفن الإسلامي.

انتهى منذ فترة قصيرة من إنجاز كتابين كبيرين بالإنكليزية يضمّان مختارات من كتاباته في النقد التشكيلي والفن العربي والإسلامي، وكان يشتغل على سلسلة فنية جديدة باستعمال تقنية الرقش، حين عاد من بيروت، الشهر الماضي، بعدما قدّم محاضرة بعنوان “سَفر بين الشفافيّات” في “دار النمر للفن والثقافة”، حول ثيمات الهوية والمنفى التي ساهمت في تشكيل أعماله الفنية، والطرق التي عبر من خلالها عن هذه المواضيع. وتزامنت المحاضرة مع الإصدار المحدود للعمل المطبوع حريرياً “قصيدة”، الذي أنتجه بلاطة لصالح “الشبكة”، وهو مركز بحثي فلسطيني عالمي. يستمد هذا العمل عنوانه من محاكاة مكوّناته الهندسية للبناء الإيقاعي للقصيدة العربية.

وُلد كمال بلاّطة في القدس. والدته بربارة ابراهيم عطالله ووالده يوسف عيسى بلاّطة المولودان في القدس، وهو الأصغر بين أشقّائه الخمسة: عيسى (توفي قبل أشهر) ورنيه وأندريه وجميل وسعاد. زوجته: ليلي فرهود.
نشأ كمال بلاطة وترعرع في الحي المسيحي في القدس القديمة، الذي أصبح، بعد احتلال إسرائيل للقدس الغربية سنة 1948، تحت الحكم الأردني. وتلقّى بلاّطة تعليمه الابتدائي في مدرسة الإخوة (الفرير)، ثم تابع تعليمه الثانوي في مدرسة المطران (مدرسة السان جورج) التي تخرّج منها في العام 1960.

في غياب مدرسة لتعليم الفنون في القدس، عمل بنفسه على صقل موهبته في الرسم. خلال العطلة الصيفية، كان والداه يرسلانه إلى محترف خليل الحلبي (1889- 1964)، في الحي حيث يقيمون فيه، وهناك تعلّم فن رسم الأيقونات. لكن شغفه الحقيقي كان رسم صور من واقع الحياة ومشاهد من الشارع في مسقط رأسه.
ببلوغه منتصف سنّ المراهقة، سعى عشّاق الفنون من السلك الديبلوماسي في الأردن للحصول على لوحاته المائية التي كان يرسمها مباشرةً أمامهم. وبفضل مبيعات لوحاته في المعارض التي نُظِّمت في القدس وعمان، تمكّن من السفر إلى إيطاليا حيث أمضى أربع سنوات في دراسة الفنون. وهو يقول: “لم أكتشف هذه الأشياء في طفولتي بل عندما أبعدت جغرافياً عن بلدي. عندما كنت في القدس، لم يكن في إمكاني القول أنني أهتّم بفن الأيقونة أو بالفن الاسلامي لأنني خلال حياتي هناك كنت أنظر الى الغرب، وخلال حياتي في الغرب كنت أنظر الى الشرق. لكن هذا النوع من التصرّف متوسطّي جداً. حوض البحر الأبيض المتوسّط يشكّل مكان لقاء ما بين الثقافات والحضارات المختلفة، وأنا لا يمكنني أن أتحرّر ولا يمكنني أن أعبّر عن نفسي من دون أن أرى هذا اللقاء، هذا التقاطع بين الشرق والغرب، بين الخط الأفقي والخط العمودي. من ناحية عملية، لا علاقة لي بالتراث البيزنطي – الاسلامي ولكنني آخذ اللبّ الموجود فيه مثل الطائر الذي يرى سمكة في البحر فيهجم على البحر ويلتقط السمكة ويترك البحر كما هو. آخذ من هذا البحر ما يطعمني”. ويضيف: “ليس في إمكاني أن أعيش من دون هذه العلاقة. أستعين بالأشياء الجوهرية والأساسية التي بُني عليها تراث مئات السنين، أعود إليها ،أنفض الغبار عنها، وأنظر اليها بطريقة جديدة”.
تخرج بلاّطة في أكاديمية الفنون الجميلة في روما بعد أن درس فيها أربعة أعوام (1961- 1965)، وفي معهد متحف كوركوران للفنون في واشنطن حيث أمضى ثلاثة أعوام دراسية (1968- 1971). كان بلاطة يرسم بلاطة الصور التمثيلية والتشخيصية التي كانت محاطة دائماً بكلام. وفي أواخر السبعينات راح يجعل من الكلام نفسه شكلاً هندسياً فاتخذ قاعدة الخط الكوفي المبنية على المربّع نقطة إنطلاق لرسمه. ومن بعد هذه المرحلة التي دامت حوالى عشر سنوات – حتى أواخر الثمانينات – بدأ يركّز على العلاقات الهندسية من دون الحروف، وعاد الى أصغر وحدة في هذا النوع من التشكيل الى أن تطوّر موضوع المربّع وتداخل المربّعات بعضها في بعض داخل إطار اللوحة المربّع.
قطع إقامته العام 1974 في واشنطن وانتقل إلى بيروت، حيث عُيِّن لفترة قصيرة مديراً فنياً في “دار الفتى العربي”، المبادرة الريادية التي أطلقها مركز التخطيط الفلسطيني في بيروت. وبما أنه كان المدير الفنّي الأول وعضو مؤسِّس في هيئة التحرير، وضع التصميم والقالب لكل المطبوعات التي صدرت عن الدار في الأعوام اللاحقة.

عاش في المغرب (1993- 1996)، وفرنسا (1997- 2012). ومنذ انتخب في معهد الدراسات المتقدمة في برلين في 2012- 2013، عاش مع زوجته في العاصمة الألمانية. كما عمل على كتاب يضم رسومات لأطفال فلسطين إبان إنتفاضة عام 1987 بعنوان “شهادة الأوفياء، أطفال فلسطين يعيدون خلق عالمهم” (1990)، بالإضافة إلى رسمه حوالي 200 ملصق سياسي بالعربية وبالإنكليزية لصالح “الثورة الفلسطينية”. لكن تأريخه للفن الفلسطيني ودراساته عن تأثير الكلمة والخط العربي في فن العمارة الإسلامية، يبقى الأبرز في تجربته. خلال إقامته في مدينة الرباط لأربع سنوات، درس العمارة الأندلسية، التي ذكّرته خطوطها بتلك الموجودة في قبة الصخرة. وفي سنة 2001، حاز منحة من مؤسسة فورد الأميركية لإنجاز بحث ميداني حول الرسم في فلسطين بعد الحقبة البيزنطية.

أعماله محفوظة في مجموعات خاصة وعامة، منها: المتحف البريطاني في لندن؛ المتحف الإسلامي في قصر الحمراء في غرناطة؛ معهد العالم العربي في باريس؛ مكتبة نيويورك العامة في نيويورك؛ مكتبة لوي نوتاري في موناكو؛ متحف زيمرلي للفنون في نيو برونسويك في نيو جرسي؛ المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة في عمان.

كتب الناقد المغربي عبد الكبير الخطيبي، في مقدمته لـ “كتالوغ” معرض “سرّة الأرض” أقامه بلاّطة في دارة الفنون (عمّان، سنة 1998): “خلف شغفه بعلم الهندسة يكمن تقليد رسم الأيقونات الذي طبع بداياته في التدريب الفني، وقد حافظ هذا التقليد على استمرارية بارزة بين الحقبة البيزنطية والحضارة العربية- الإسلامية. لكن بلاّطة لا يكتفي باستكشاف هذا التقليد المزدوج، بل ينقله إلى إطار جديد بصفته فناناً ومتملكاً علم الجمال”.
وكتب خوسيه ميغيل بويرتا فيلتشيز، وهو أستاذ إسباني في مادّة علم الجمال لدى العرب في جامعة غرناطة، في مقدمته لـ “كتالوغ” معرض “بلقيس” الذي أقامه بلاّطة في غاليري ميم (دبي، سنة 2014): “أُنجِزت هذه الأعمال التي تحظى بالتقدير الدولي عبر اختيار مجموعة من الأمثال والأقوال المأثورة العربية المأخوذة من الكتب المقدسة والمصادر الصوفية… تمزج تركيبة النماذج الهندسية بين الشفهي والبصري في فن عربي خالص، حديث بطريقة ممتعة.”
وكتب الناقد الفني البريطاني جان فيشر، في مقدمته لـ “كتالوغ” معرض “… وكان هناك ضوء” الذي أقامه كمال بلاّطة في غاليري برلوني (لندن، سنة 2015): “يعكس نتاج بلاطة الكامل من الناحية الجمالية، سواءً البصري أو النصّي، مسار حياته الذي كرّسه ليقاوم، عن طريق وسائل متقنة غير عنفية إنما راسخة العزيمة، القوى التي تسعى إلى إطفاء الروح الفلسطينية وقدرتها على الفرح…

ألّف بلاّطة كتباً عديدة عن الفن الفلسطيني منها: “استحضار المكان: دراسات في الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر”. تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 2000. هو خلاصة عمل ميداني نهض به بلاطه لمدة تتجاوز ثلاثة عقود من الزمن سخر فيها ما امتلك من موهبة وتجربة ومعرفة دقيقة بشؤون الفن وشجون الأوضاع الثقافية والحياتية والسياسية والنضالية الفلسطينية لإنتاج عمل إبداعي في مجالي النص والصورة وتقديم وثيقة حية تشكل شهادة صادقة عن بدايات النهضة الثقافية والفنية العربية في فلسطين، وانهيارها المأساوي نتيجة العدوان الصهيوني والإستعمار الإستيطاني الإسرائيلي، ويتضمن هذا الكتاب ما يزيد عن ثلاثمائة صوة لأعمال فنية لأكثر من مائة فنان فلسطيني، ويتناول بالتحليل النقدي الثاقب والمتأني الإبداعات الفنية لحوالي خمسين فناناً ليكشف التوجهات الفنية والمذاهب التشكيلية التي حددت ملامح الفن التشكيلي الفلسطيني في هذا العصر.
عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق