محنة السّؤال النّقدي في فكر طيب تيزيني (ج2)

 

2 – كمال عبد اللّطيف: محاولة إبستمولوجيّة

 في نقد قراءة حسين مروة والطيب تيزيني للتراث الفلسفيّ الاسلاميّ

خصّص كمال عبد اللطيف هذا البحث لدراسة البعد الابستمولوجي لدى المفكّرين قصد الوقوف على الدّور الّذي قاما به في التّأصيل الفلسفي والنظري للماديّة التاريخيّة، وإلى أي حدّ استطاعا تبيئة وإعادة إنتاج بشكل إبداعي الأدوات المنهجيّة والجهاز المفاهيمي الّذي يميّز المقاربة الماركسيّة في النقد والدراسة والبحث العلمي بصفة عامّة؟

كمال عبد اللطيف واع بالمجهود الّذي بذله المفكّران سواء على مستوى تصفيّة الحساب مع الكتابات السّابقة الّتي تناولت الفلسفة الاسلاميّة إبتداء من الكتابات الوسيطيّة وصولا إلى كتب المحدثين عربا ومستشرقين، أو على مستوى الدفاع عن منهجيّة جديدة في قراءة التراث الفلسفي الإسلامي، بخلفيات سياسيّة في التّعامل مع التراث لاتخاذ موقف من الماضي حسب ما تتطلبه مشكلات وقضايا وتحديات الحاضر. وكمال عبد اللّطيف لم يعر اهتمامه هذا الجانب رغم أهميّته لأنّ ذلك يوجد خارج الأهداف الابستمولوجيّة الّتي حدّدها لبحثه هذا. ” نمارس قراءة تتوخى تصفية حسابها مع السبات اليقيني والقطعي الّذي طغى على تعامل عدد كبير من الماركسيين مع المادة التاريخيّة في روحها ومفاصلها المنهجيّة.”22 وفي هذا السّياق انطلق الناقد من المقدمة المنهجيّة الّتي وضعها طيب تيزيني لكتابه” مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط”، وهي تحمل عنوان “على طريق الوضوح المنهجي” ليبيّن الاستعمال غير الدقيق للمفاهيم منهجيا ” ودون أيّة إحالة تشير إلى الاطار المرجعي الّذي يفكر الباحث انطلاقا منه أو بواسطته، ومن خلاله.” كما يلاحظ مدى تبخيس تيزيني للدراسات التراثيّة الّتي سبقت عمله لتبرير منهجيته الجديدة  الّتي تتّخذ الماديّة التاريخيّة  دليلا منهجيا وآلة علميّة كما هو واضح في الجزء الأول التّفصيلي من كتابه “من التراث إلى الثورة”. وأنّ هذه المقدمة المنهجيّة الّتي وضعها طيب تيزيني لكتابه تعكس فقرا إبستيمولوجيا، لأنّها لم تستثمر معطيات البحث والدراسة، لكونها وضعت، قبل الانتهاء من عمليّة إنجاز العمل، كمسلمات قطعيّة ومقدمات نظريّة محسومة. ” وإذا كان من المعروف أنّ المقدمات المنهجيّة للبحث العلمي في مجالات المعرفة المتنوّعة تتيح للدارسين إمكانيّة مساءلة المفاهيم والقواعد والمسلمات والمصطلحات وأنماط التّحليل من أجل بنائها وإعادة بنائها في ضوء إجراءات البحث وعملياته الداخليّة، فنحن في هذه المقدمات أمام مواقف نقد سابقة، وأمام أوليات للبحث، لكنّنا أبعد ما نكون على طريق الوضوح المنهجي، أو التّأصيل المنهجي، أو التّفكير في المفاهيم، أوفي سبيل الاستعانة بها من أجل إنتاج دراسات تتيح لنا نقدا جذريا للتراث”.23 وفي جانب آخر اعتمد طيب تيزيني في تأويله الحضور الفلسفي في الإسلام نصوصا ماركسيّة حاسمة وقطعيّة، بعيدا عن التّفاعل الخلاّق مع مضامينها، بما يجعلها قادرة على الإسهام في تغيير البنيات الفكريّة والتاريخيّة، الشيء الّذي سيؤدي الى إخصاب النّص الماركسي ومفاهيمه، و”يفعل في البنيّة المدروسة بالصورة الّتي تولد فعلا رؤية جديدة للتّاريخ وللانتاج النظري عبر التاريخ”.24 وإلّا فما مبرر هذه الاستعادة للنّصوص بطريقة أقرب إلى التّهريب الفكري؟ لكن للأسف هذه الرتابة في قراءة المجتمع العربي، من العصر الجاهلي مرورا بظهور الإسلام وما تشكل من تيّارات ومذاهب دينيّة فكريّة وأعلام فكر، تميّزت كقراءة تخلّت عن التاريخ معتقدة أنّ النّصوص الماركسيّة ومفاهيمها وحدها كافية للقول “بالتّاريخ الجدلي للفلسفة الإسلاميّة باعتبارها حلقة ضمن تطوّر الفلسفة الماديّة عبر التاريخ…نريد أن نوضّح أنّ قناعة المؤلفين بالماديّة التاريخيّة لم تولد في أبحاثهما إطارا جديدا مبتكرا في التّحليل، بقدر ما كانت مبدئيّة في مقدمة الأبحاث وظلت كذلك في نهايتها، يعود السبب في ذلك في اعتقادنا الى تغييب أسئلة التأصيل النظري، هذه الأسئلة الّتي تبيح وتتيح إمكانيّة اختبار القناعة المنهجيّة في التّحليل، ويكون ذلك بالتّخلص من نصوص الاستشهاد واستحضار روحها المنهجيّة، ونقصد بذلك استبعاد النص الماركسي من مستوى الخطاب الجاهز واستحضار روح وآليّة التفكير الماركسي في مستوى الممارسة عن طريق إعادة انتاج خطابه بناء على معطيات تاريخيّة عينيّة.”25

وفي محور جد هام يناقش كمال عبد اللطيف التاريخ بين الحضور والغياب منطلقا من مثال رائع للجرأة المنهجيّة الماركسيّة في قراءة التاريخ القديم، وهو ما تجلّى من خلال العمل المبدع الّذي أنجزه مؤرخ الفلسفة اليونانيّة جون بيير فرنان في حديثه عن الاطار التاريخي للمجتمع اليوناني القديم رافضا القبول الأعمى بالكثير من نصوص ومفاهيم الماديّة التاريخيّة الّتي لا تناسب الصراع السياسي والإيديولوجي بعيدا عن المغالطات التاريخيّة في إسقاط معطيات التاريخ المعاصر على الماضي القديم، كما فعل طيب تيزيني دون محاولة إعادة إنتاجها بشكل يسهم في إغنائها وتخصيبها، وجعلها قابلة للتّوسيع والتّعديل. فمثلا  عندما ” يقول طيب تيزيني: إنّ المجتمع العربي في حقبة الجاهليّة كان مجتمعا قبليا بطريركيا، ثمّ تطوّر في الحقبة العربيّة الاسلاميّة إلى الإقطاعيّة ليس عبر العبوديّة، وإنّما بشكل مباشر، أي دون أن يمرّ بالعبوديّة، من حيث هي نظام اجتماعي متكامل ومتطوّر وشامل، والعبوديّة وجدت كذلك في المجتمع القبلي، ولكن كظاهرة خاضعة للأطر الاجتماعيّة الاقتصاديّة العامة لهذا المجتمع”.26 نحن لا نعتقد أن الفقرات المذكورة تتيح معرفة محددة. ولعلّ المفاهيم الّتي تتضمنها من قبيل إقطاع، عبوديّة، مجتمع أبوي، عبيد لا تعتمد أي سند تاريخي عن طريق الإحالة، كما أنّها لم تضبط ولم تدقق في سياق التّحليل التاريخي المنجز في الأبحاث المدروسة. ومعناه أنّنا أمام غياب أي احتراس منهجي في إطلاق المفاهيم… في غياب أبحاث تاريخيّة حول البنيات الأساسيّة: الأرض والمدينة والمعرفة والسّلطة والخيال.” 27 ولهذا يرى كمال عبد اللّطيف في بحثه النقدي هذا ضرورة الاجتهاد المعرفي والمنهجي بما يوافق التّحولات الفكريّة والماديّة لما بعد القرن 19 ، مع الإنفتاح على الحقول المعرفيّة الأخرى والمنهجيات الحديثة في اللّسانيات والأنثروبولوجيا والتّحليل النفسي…

” لا نريد باسم العلم أن تتحوّل قواعد البحث ومفاهيمه إلى نسخ جاهزة، صالحة لكلّ زمان ومكان، ودون أي احتراس منهجي يجعلنا ننسى مطلب اليقظة اللازمة لكلّ ممارسة معرفيّة، ونتيه في ممارسة النقل بدل ممارسة التّفكير28.

ورغم هذا النّقد العلمي الّذي قام به كمال عبد اللطيف، فإنّ جرأة المجهود الفكري الّذي مارسه تيزيني بطريقة أقرب إلى محاولة التّأسيس لمفهوم النظريّة في الممارسة البحثيّة، واضحة وواعيّة بسيرورة تكون البحث العلمي الّذي يؤسس وجوده على أنقاض تراكم محاولات تطوّر البحث من حسن إلى أحسن بعيدا عن التّحقق النهائي والكامل. ولولا هذه الأرضيّة البحثيّة الّتي أنجزها تيزيني بما لها وما عليها لما تمكن كمال من كتابة ورقته النقديّة، وهي جزء من السيرورة التاريخيّة لتكون الفكر والبنيات الفكريّة، حيث الملكيّة الفكريّة هنا تتجاوز المؤلف والنّاقد.

3 – عبد الإله بلقزيز : نقد التراث

” نقد التراث” هو الجزء الثّالث من مشروع ” العرب والحداثة” للدكتور عبد الإله بلقزيز. وقد خصّص في القسم الثالث بعنوان: نقد التراث- الطلب الإيديولوجي، فصلا سادسا للمقاربة الماديّة التاريخيّة للمفكّرين: (طيب تيزيني، وحسين مروة)29

أشار عبد الإله بلقزيز في دراسته هذه إلى أنّ المنهج المادي التاريخي انتشر في الوطن العربي منذ عشرينيات القرن الماضي، لكنّه لم يتجاوز أسوار التقارير الحزبيّة والبيانات السياسيّة. كما أنّ مجال الاسلاميات والدراسات التراثيّة تأخّر في استقبال مفاهيم الماديّة التاريخيّة. وبعد هزيمة1967 إتّجه نفر من مثقفي اليسار وباحثيه الى مسألة التراث” فلقد كشفت النّكسة عن فشل مشروع الحداثة في تخطي مواريث الماضي في الاجتماع والثقافة…وأصبح الصراع على التراث، وعلى الاسلام، واحدا من الجبهات المتقدمة في المعركة الثقافيّة المحتدمة بين الأصاليين والحداثيين”.30 وهذا التّوجه نحو التراث رغم ما إكتنفه من جهد ايديولوجي ومعرفي،  في استكمال ما بدأته الدراسات الليبراليّة الثقافيّة العربيّة، كان في عمقه يبحث بشكل أساسي عن “إثبات شرعيّة الافكار الثوريّة والماديّة الحديثة، الّتي يتبنونها، بردها إلى أصولها في الثقافة العربيّة الكلاسيكيّة أو تراث الحركات الاسلاميّة الثوريّة…محاولة في الرّد على اتهامات دعاة الأصالة لمثقفي الحداثة بالتغربن وبالانفصال عن الجذور، والغربة عن تاريخ الإسلام.” وهذا هو السّر في تحدث طيب تيزيني عن إرهاصات ماديّة تؤكّد وفاء مقاربته الماركسيّة للتاريخ العربي الاسلامي. ويرى عبد الإله بلقزيز أنّ اشتغال الحداثيين على موضوع التراث له فضل كبير في إنتشار مفاهيم  ماديّة تنظر إلى البنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة  والثقافيّة بتعليل سياسي. ورغم انتقادات الاسقاط غير المشروع الّتي انهالت عليهم من قبل المحافظين والليبراليين، فقد واصلوا أعمالهم بنوع من التخفيف في استعمال مفاهيم ماركسيّة، “كما سيفعل طيب تيزيني في ما بعد، إلّا أنّ هذه المقاربة فتحت أمام البحث العلمي في التراث آفاقا جديدة بإدخالها التاريخ في جملة العوامل المفسّرة لتاريخ الفكر.” 31 وإذا بدت اليوم غير مقنعة منهجيا وعلميا، فقد كانت ولادتها لحظة معرفيّة ضروريّة في زمانها.

انطلاقا من ذلك التّلازم بين التراث والثورة الّذي عنون به الحداثيون كتبهم نلمس اعترافهم باستمراريّة التراث، الشّيء الّذي فجر الصراع عليه، خاصّة وأنّ الماركسيين ينظرون إليه كساحة ” لصراع طبقي يجري على صعيد الوعي بين إيديولوجتين”. 32  وهذا ما يفسّر طغيان الهاجس الايديولوجي الّذي أسس للفكري كمهمّة نضاليّة ضمن مشروع التغيير الاجتماعي لدى هؤلاء الباحثين، لذلك كان الصراع على التراث صراعا على الحاضر بأسلحة مستمدّة من الماضي. وفي نظر عبد الإله ان تيزيني كغيره من الباحثين اليساريين العرب استعمل مفهوم الايديولوجيّة  بمعناه اللينيني الّذي يعتبر الايديولوجيّة الثوريّة وحدها الحقيقة الكاملة والمطلقة الّتي تتمتّع بالصحة والتاريخيّة، بعيدا عن المعنى الّذي أخذه هذا المفهوم في كتابات لوي ألتوسير في نقده الحاد للإيديولوجيا، ووضعه العلم في مقابلها بوصفه قطيعة معرفيّة حاسمة. الشّيء الّذي يعكس صراعا على التراث من مواقع ايديولوجيّة خارج الفهم المعرفي، ودون نظرة قدحيّة سلبيّة إلى الايديولوجيّة ” إذ ليس التناقض في دراسة التراث تناقضا بين رؤية علميّة ورؤية إيديولوجيّة، في عرف باحثينا الماركسيين العرب، وإنّما هو تناقض بين رؤيتين إيديولوجيتين: رؤية رجعيّة ورؤية ثوريّة”. 33وهكذا تمّ النّظر إلى التراث الماضي إنطلاقا ممّا يعتمل في الواقع الرّاهن من صراعات اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة، وهذا هو معنى الاستمراريّة  المقصود في عبارة طيب تيزيني الّتي يحيل إليها عبد الإله بلقزيز34.  وليوضّح أسباب اعتقاد تيزيني بالدور الحيويّ الوظيفيّ للتراث في الواقع الرّاهن. بين بلقزيز مدى تشديد تيزيني على الرّبط بين التراث والثورة من خلال الثورة الثقافيّة الّتي تتمثّل بلغة تيزيني تراثنا الفكريّ الايجابيّ. ” غير أنّ نظرته إلى الثورة الثقافيّة ظلّت مبهمة، وغير مقنعة، وقائمة على عموميات، على نحو مّا يلاحظ قارئ كتابه: من التراث إلى الثورة، فيما ظلّ المعنى الوحيد لتمثل التراث، من وجهة نظر تلك الثورة الثقافيّة هو استدعاء ما يعد عنده صالحا وموائما للعصر ولفكرة الثورة، الأمر الّذي يدخل النظر في التراث في متاهات النزعة الانتقائيّة، وهي نزعة إيديولوجيّة بامتياز .”35 كما يلاحظ بلقزيز عدم إلتزام تيزيني بالمقدمات النظريّة الّتي يطرحها في رؤيته الجديدة كأسبقيّة الواقع للفكر وعدم استقلال هذا الأخير عن شروط وظروف هذا الواقع، بمعنى إرتباط الوعي الاجتماعي بالواقع الاجتماعي، حيث ينتهي إلى إسقاط تاريخيّة التراث والسقوط في نظرة مثاليّة وميتافيزيقيّة إليه36. بالإضافة الى المبالغة في ربط التراث الفكري بالعامل الاقتصادي لعلاقات وقوى الإنتاج في إصرار على التّحليل الطبقي للفكر وعلاقته بالطبقات الاجتماعيّة. ” لم يزد عن عموميات تتاخم الغموض، وتزيد الملتبس إلتباسا، وأنّ الفكر والثقافة-موضوعهما المفترض- يغيب من البحث أو يكاد. لقد كان ذلك واضحا أشد الوضوح في كتاب مشروع رؤيّة جديدة لطيب تيزيني. وقد يشفع أنّه كان أوّل تجريب عربي لمفاهيم الماديّة التاريخيّة في مجال تاريخ الفكر.37″ وهي عموميات لم تخرج عن نطاق تحليل مادي ميكانيكي لظواهر الفكر بعيدا عن الوفاء للمقدمات النظريّة الّتي صاغها فيما يتعلق بالتّفاعل الجدلي لأثر الفكر في الواقع. كما بقي سجين تفسيرات نمطيّة لمسألة الماديّة والمثاليّة وفق نظرة معياريّة تفاضليّة تنتصر لكلّ ما هو مادي في تاريخ الفكر باعتباره علمي متقدم، عكس المثالي الرّجعي المتخلف. هكذا تمّ تكريس البتر والتّهميش و التّجزيء والانتقائيّة في حقّ شموليّة تاريخ التراث الفكري.

وفي آخر هذا الفصل خصّص عبد الإله بلقزيز عنصرا طرح فيه مجموعة من الملاحظات النقديّة استهلها بالاعتراف بالدور الكبير الّذي أنجزه كل من طيب تيزيني وحسين مروة قائلا” من باب الأمانة العلميّة أن يعترف المرء بالدور الكبير الّذي نهض به طيب تيزيني وحسين مروة، قبل أربعين عاما، في ميدان دراسات التراث، فلقد أدخلا إشكاليات جديدة إلى هذا الميدان وزوداه بعدة منهجيّة غير مستخدمة في مجال تاريخ الفكر، وضخا حياة جديدة في دراسته الّتي كادت تتكلس ينابيعها، وصالحا الحداثيين واليساريين منهم خاصّة، مع تراثهم وشجعاهم على الاحتفال به والاعتزاز بالمكتسبات التنويريّة فيه، وأنتجا قاعدة جديدة من قراء الفكر العربي الكلاسيكي، وتصديا بشجاعة أدبيّة نادرة للقراءات الأصاليّة والسلفيّة للتراث…فدافعا عن العقلانيّة والتّنوير فيه ونفضا الغبار عن المفكّرين الكبار الّذين نبذوا وهجرت نصوصهم، فأعاداهم إلى صدارة الانتباه والاعتناء العلمي…38″ تعمدنا إثبات هذا النّص رغم طوله لنبيّن أنّ النّقد البناء الّذي طال أعمال المفكر طيب تيزيني هو من قبيل المحبة الحقيقيّة لفكر هذا الرّجل وتطويرا لما طرحه من أفكار في مشروع رؤيته الجديدة. وقد لخص عبد الإله بلقزيز ملاحظاته النقديّة في أربع نقاط:

  • التّطبيق الحرفي للقوالب الجاهزة للماديّة التاريخيّة على التراث دون أي حذر معرفي ولا منهجي على مستوى أدوات التّحليل، وفي  التّعسف المعياري لإسقاط مفهومي الماديّة والمثاليّة على تاريخ الفكر العربي المحكوم بأنطولوجيا إسلاميّة.
  • المبالغة إلى حدّ الاطناب في أعمال تيزيني من حيث الاحتفال بشروط الفكر التاريخيّة، خاصّة على مستوى الجوانب الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة بما يتجاوز ما هو مطلوب من الباحث على مستوى التراث الفكري الّذي حضر بشكل باهت وعمومي أمام ثقل الاهتمام بالشروط التاريخيّة الموضوعيّة.
  • إستعماله للمفاهيم الماركسيّة على موضوع لا يلائمها، لأنّه لا يقع ضمن نطاق تاريخها المعرفي، مثل: الطّبقة، والصراع الطبقي، والاقطاع، والبواكير الرأسماليّة، والبورجوازيّة التجاريّة، والإيديولوجيا…”.
  • شبه غياب للحياد العلمي المطلوب في البحث النقدي العلمي الرّصين. فالحضور الطاغي للتّحزب الفكري ألغى روح السؤال النقدي فقدّمه قربانا لحماسة التّموقع الإيديولوجي الضيّق. ومن المستغرب أنّ طيب تيزيني الّذي ينتقد بشدة ظاهرة التّحزب التراثي، يسقط فيها”39

ونحن من جهتنا نستغرب اقتصار نقد بلقزيز على بعض الثغرات في الرؤية والمنهج دون التّساؤل عن مدى علميّة الاشكاليّة التراثيّة الّتي باتت تتكرر كما لو كانت تمثّل حقّا جوابا موضوعيا للخروج من واقع الهزائم والانهيارات المتتابعة على صعيد المجتمع والدولة والثّقافة…

4 – نبيل صالح : طيب تيزيني من التراث إلى النهضة

حاول نبيل صالح في دراسته “الوصفيّة النقديّة” كما سماها، أن يقدّم صورة واضحة وشبه متكاملة إلى حدّ مّا على مستوى الإحاطة بكل ما يتعلّق بفكر طيب تيزيني ” سنحاول إنجاز دراسة تكشف عن مشروعه ومجالات بحثه وأرائه في القضايا الّتي بحثها، مع التّحليل والنقد واكتشاف التّحولات والمراجعات في فكره ومواقفه، وتأثيره في السّاحة الثقافيّة العربيّة.40″ وقد استهلّ نبيل صالح دراسته بمحطات تمثّل السيرة الذاتيّة للتيزيني في معترك التّحدي والحياة. حيث قام بجرّد المسار الفكري للتيزيني من خلال كتبه وأبحاثه والمقالات الّتي أنتجها عبر سيرورة فكريّة تاريخيّة من محطة لأخرى. كما سلّط الناقد أضواء على البيئة العامّة لنشأة تيزيني الفكريّة العلميّة، وما تميّزت به من حواريّة وتعدديّة في الانتماء المجتمعي والعائلي كأسرة مثقّفة منفتحة، وما احتوته من تيارات وسجالات وإبداعات انخرط فيها، ” متأثّرا بالجوّ الدينيّ التقليديّ لبيئته  الاجتماعيّة الداخليّة، ثمّ انتقل باحثا ومنقبا في الكتب والمعارف إلى أن أصبح أحد أهمّ دعاة ومفكري الماديّة الماركسيّة واليساريّة الثوريّة، ثمّ ظهرت عليه لاحقا تغيرات نوعيّة تكامليّة في مسيرته الفكريّة المستقبليّة، ظهرت من خلال ما يشبه التّصالح مع التياّر الديني بطبيعته وخطابه المعتدل العقلاني المقاوم للإمبرياليّة والصهيونيّة”.41 وفي القسم الثّالث من كتابه وقف عند مشروع طيب تيزيني الفكري التجديدي، مبيّنا انتقاده، من زاوية نظره التقدميّة للتراث، للنزعات التقليديّة في قراءة التراث، كما أنّ هذه الرؤيّة لدى تيزيني خضعت خلال مساره الفكري للمراجعة دون أن يتمسّك بالحقائق الّتي صاغها في كتبه الأولى، خاصّة كتابه ” من التراث  إلى الثورة”.  فقد أعاد صياغة مشروعه الفكري برؤية نقديّة جديدة، خاصّة وهو يشتغل على مشروع النّهضة والتّنوير العربي، حيث ابتعد عن مفهوم الطبقة الحاملة لواء التّغيير والثورة، فالحامل الاجتماعي كما يراه اليوم لأي مشروع مستقبلي يتمثل في مروحة تنطلق من أقصى اليمين القومي الديمقراطي إلى أقصى اليسار.42″ وهذا التّحول في فكر تيزيني الّذي دفع به إلى طرح مشروع النهضة بدلا عن مشروع الثورة، هو نتيجة وعيه، أوّلا بما فرضته شروط موضوعيّة وذاتيّة محليّة وعالميّة انعكست بشكل سلبي على الواقع والفكر العربي الجامد والمتكلّس، الشّيء الّذي أدى من وراء هذا كلّه إلى نوع من الإحباط واليأس: دولة ومجتمعا وثقافة. وثانيا وصل به الأمر إلى حدّ القناعة بغياب أي مشروع قومي عربي” وإذا كان هناك مشروع من هذا النوع ظاهريا، فهو لا يعدو أن يكون تكريسا لوجه الدولة الأمنيّة الّتي غابت معها السياسة والديمقراطيّة والحقوق والقيم والحراك السياسيّ الاجتماعيّ. ومن ضمن الأفكار الهامّة الّتي تضمنها هذا التحوّل والاصرار النقدي في مواجهة الأزمات المطروحة عوض الهروب إلى الأمام بطريقة عكسيّة سلفيّة تؤمن بالإنحدار الزّمني نحو متخيّل الماضي المجيد، أو بطريقة التنكر للتراث والتاريخ والذّاكرة والهويّة المنفتحة المتعدّدة، والمختلفة، هو إيمانه بضرورة القراءة العقلانيّة والحوار المنطقي مع الفكر الديني الّذي له وزنه الخاص في أي تغيير نهضوي، لأنّ جسور التّواصل بين الماضي والحاضر قائمة، وهذا هو المسوغ النظري لقراءة التراث الفكري والاهتمام به، خاصّة في نتاجه الديني. وفي هذا السّياق تُفهم كتبه الأولى وهي تحاول إثارة وممارسة التفكير النقدي في التراث الفكري، سواء في نقد التوجهات اللاّتاريخيّة واللاّتراثيّة، أو في نقد موقف اليسار من التراث في المرحلة الإرجائيّة. ونشير أيضا إلى أنّ الدارس نبيل صالح تطرق  إلى المنظومة المفاهيميّة لمشروع النهضة في فكر تيزيني، حيث مراحل النّهضة العربيّة عرفت رواج مفاهيم الثورة والنّهضة وحركة التّحرر الوطني العربيّ، والإصلاح، كشكل تاريخي ساد فيه الغياب النظري المنهجي لدى الجميع. لذلك تراه- تيزيني- يؤكّد على أنّ الأمّة هي الحامل الاجتماعي للنّهضة، بمعنى لا داعي للحديث عنده عن اليمين واليسار في ظلّ الحطام المفتوح، وسيادة نظام عولمي إمبريالي صهيوني. والمرحلة تتطلّب نهضة لا تنفصل عن التنوير على صعيد الحريّة والنقد والعقل والتّعدد والاختلاف.

وعلى مستوى إنتاج المفاهيم السوسيوثقافيّة والمعرفيّة.” فالدكتور طيب يرى وجود تلازم ذي بعد قطعي معرفيا وتاريخيا بين النّهضة والتّنوير في المشروع العربي الجديد. فلا التّنوير قابل للحدوث دون نهضة، ولا النّهضة قادرة على استكمال مهماتها دونه.43″ وهو ما يعني لديه التّكامل بين الخطاب المعرفي النظري والمنهجي كفعل بناء والخطاب السياسي، فالأوّل بناء نقدي، بينما الثاني نقدي بنائي. ” فالإقلاع بالمشروع العربي يأتي بضرورة منطقيّة ونظريّة و منهجيّة في ضوء المتّصل منفصلا، والمنفصل متّصلا، وعلى هدي جدليّة الثابت متغيّرا والمتغيّر ثابتا، إضافة إلى أنّه ينجز مهماته عبر الاحتكام إلى آلياته الداخليّة في تناولها لمشكلاته ومنعرجاته ومعضلاته وثغراته وأخطائه تصويبا وضبطا ديمقراطيا، وفحصا نقديا تاريخيا44.”.

أمّا فيما يتعلق بأطروحة المشروع العربي التنويري فقد تناولها نبيل صالح من خلال ما يسمّيه تيزيني المسوغات والمحفّزات، وهي مسوغات تعبّر عن عمق تاريخي، وما يواجه العرب من تحديات النّظام العولمي خاصّة وواقعهم يعيش حالة من الحطام والتّردي السياسي والفساد السرطانيّ تعبّر عنه مقولة طيب تيزيني”  يجب أن يفسد من لم يفسد بعد، ليكون الجميع مدنّسا تحت الطلب”. 45الشّيء الّذي يتطلب شرطين لأي إقلاع نهضوي: إنفتاح منهجي معرفي، واقتدار علمي على الحوار النقدي العقلاني. أمّا بالنسبة للمحفزات فيمكن اختصارها في قدرة المثقف النقدي والقوى السياسيّة الحيّة على التمييز بين ظاهريّة اليأس والهزيمة، وباطنيّة الفاعليّة الحيويّة الحاملة للحركة والآمال. ويعتبر المدخل السياسي مدخلا رئيسيا لمشروع النّهضة، بالتّخلص من الحكم الفردي وقوانين الطوارئ والأحكام العرفيّة اللصيقة بالاستبداد المركب. وهذا الحطام الداخلي والتّهديد الخارجي هو مادفعه لكتابة بيان بعمق سياسي وطني:” سارعوا وافتحوا أنتم قبل أن يفتح الغزاة”.46

وفي القسم الرّابع أشار نبيل صالح مرّة أخرى، إلى مراحل التّطور الفكري لتيزيني بتلخيص شديد مركزا على تحوّلاته الأخيرة حيث تخلّى عن كثير من الإشكاليات والمفاهيم السابقة إستجابة للتّحديات الراهنة وانسجاما مع التّحولات والمتغيرات الدوليّة سياسيا واقتصاديا وإيديولوجيا مع انهيار المعسكر الاشتراكي، وما تبع ذلك من حركات إرتداديّة وتراجعات  ومراجعات. وفي هذا السّياق برزت كتبه النقديّة للوضع الكارثي منبهة إلى ما يتهدّد المجتمعات العربيّة من مخاطر: “من ثلاثيّة الفساد إلى المجتمع المدني” ” بيان في النّهضة والتّنوير العربي”. وقد أراد تيزيني من وراء هذا الجهد محاولة الإجابة عن مجمل الإشكاليات المطروحة سياسيا والّتي حملها الحراك السياسي والثقافي مع انطلاق المنتديات الفكريّة الثقافيّة والسياسيّة. واستراتيجيّة النهضة لديه كانت تتأسّس على عودة الروح إلى المجتمع، أي عودة السياسة الّتي تقبل الجميع دون استثناء بشرط قبول والتزام الجميع بقيم التعدديّة والاختلاف.

رغم الجهد الفكري الّذي تميّزت به دراسة نبيل صالح في العرض الوصفي لفكر طيب تيزيني من خلال كتبه. حيث حاول أن يقدّم صورة متكاملة للإنتاج والإبداع الفكري للتيزيني بطريقة تخلو من المسافات النقديّة الاختلافيّة الّتي تتطلّبها الدراسة العلميّة النقديّة الرّصينة والمتميّزة في منطلقاتها الفكريّة وآلياتها التحليليّة النقديّة. وهذا ما أدى بنبيل صالح إلى السّقوط في التّماهي مع المنتوج الفكري للطيب تيزيني، إلى درجة “متهورة” في إغفال عمليّة التوثيق العلمي، حيث كان ينقل صفحات طويلة من كتب وحوارات ومقالات، دون أن يتحمّل مسؤوليّة أخلاقيات البحث العلمي في الإشارة إلى ذلك على الهامش. ومثل هذا العرض الوصفي يسيء للفكر كما يسيء للنقد، ولا يخدم لا الفكر ولا الواقع العربيين. الشّيء الّذي يجعل القارئ يشعر بنوع من الخيبة الفكريّة والملل والرتابة في مواصلة هذا النّمط من الدراسة التبجيليّة في بناء حبّ الظهور “العلمي” على حساب عطاء الفكر النقدي.

5 – نايف سلوم : نقد المنهج الاعتباطي عند د. الّتيزيني في كتاب ”  بيان في النّهضة والتّنوير العربي”

يعترض نايف سلوم على تسميّة تيزيني منهجه بالمادي التاريخي لكونه لم يقم بتفسير خصوصيّة البنى الطبقيّة الاجتماعيّة العربيّة ما قبل رأسماليّة، ثمّ أثناء تصادمها مع التّوسع الإمبريالي وما نجم عن ذلك من آثار ونتائج طبقيّة واجتماعيّة . ففي غياب مثل هذا التّفسير للخصوصيّة الطبقيّة للمجتمعات العربيّة في تطوّرها التاريخي، وللتّوسع الامبريالي الجديد في إطار العولمة يصعب جدّا وصف منهج تيزيني بالمادي التاريخي الاجتماعي، لأنّه يصعب جدا معرفة الطبقات الّتي لها مصلحة في التّغيير والنّهوض، أو في التّأبيد للحطام التاريخي. لأنّ الطبقات المسيطرة في نظر نايف سلوم” لاتضع المجتمعات العربيّة في حالة عجز عن المقاومة فحسب، بل هي تؤازر الاستعمار الجديد.” 47

في نظر سلوم يفكر تيزيني الوضع العربي بشكل عام وسائب خارج آليات اشتغال الامبرياليّة، ودون التّحليل الطبقي الاجتماعي للواقع السوري والعربي عموما، لذلك تطغى الاعتباطيّة والنّظرة الثقافويّة على تفكيره الّتي لا تتجاوز حدود مشروع ثقافوي فكري تنويري، يتورّط في اللّبس بين المنظومة المفاهيميّة والمداخل الثقافيّة والاقتصاديّة السياسيّة الّتي تقود إليه ويشترطها48  لذلك لا يرى نايف سلوم في منهج تحليل وتفسير تيزيني لمشروع النّهوض والتّنوير العربي غير الاعتباطيّة البعيدة كليا عن المقاربة الماديّة التاريخيّة. ويعترض أيضا نايف سلوم على قول تيزيني بانفتاح الحدث الاجتماعي الّذي لا تبينه في نظر سلوم غير الدراسة الاجتماعيّة للطبقات، مع استحضار مفهوم الإمبرياليّة في كلّ قراءة تريد طرح مشروع النّهضة والتّنوير. فالّتيزيني يتلاعب بالكلمات والألفاظ دون تحديد دقيق للمفاهيم والصيغ التركيبيّة الّتي يستعملها كقوله مثلا ” الحطام حالة تاريخيّة، أو الحطام المفتوح” دون اعتماده القراءة التاريخيّة الاجتماعيّة باعتبارها الطريقة المنتجة لعلميّة الفكرة الّتي  تؤكّد على أنّ الإيديولوجيا ليست دائما بالضّرورة وعيا إجتماعيا زائفا، والّتي يمكن أن تتحوّل إلى إيديولوجيّة ثوريّة تقدميّة، وهذا ما لم ينتبه إليه تيزيني في حديثه عن الإيديولوجيّة. وتزداد المقاربة الثقافويّة وضوحا عندما يفكّر تيزيني الحامل الاجتماعي للنّهضة انطلاقا من الأمّة في فصل بين النّهوض السياسي الطبقي

والمشروع التّنويري النقدي للفكر الديني وللتراث ” تتحدّد علاقة المشروع العربي العتيد بالإيديولوجيا الدينيّة، ذات الحضور الكثيف في العالم العربي، في ضوئه ومن موقفه هو بصفته مشروعا حضاريا. فهو في هذه الصفة يمتصّ تلك الإيديولوجيا وفق احتياجاته العموميّة والخصوصيّة” .وفي كلام تيزيني هذا ما يعكس الغموض والانتهازيّة والترقيعيّة ” وفي هذه الحال- أي مع هذا الترقيع والامتصاص الودي-  يكف النّظر إلى الديني على أنّه رجعي، إلّا إذا تخلّى عن نسبيته وأصر على إطلاقيته. كما يكف النّظر إلى القومي على أنّه شوفيني مغلق إلّا إذا أصر على أن يجسد ” خير الأقوام والشّعوب”. هذه هي الاعتباطيّة في الطرح في نظر نايف سلوم في غياب محوريّة المشروع السياسي/ الطبقي، بل وصل الأمر بالّتيزيني إلى نوع من الفتوحات الفكريّة (مكيّة) حين قال” أنّ أحد الأدلّة على مصداقيّة احتمال تحقق نهضة جديدة في حقل أمّة من الأمم… وجود احتمالات حدوث مثل هذه النّهضة فيه، دون أن يكون ذلك بالضرورة قد انتهى إلى نهضة محقّقة”49. وما يعتبره تيزيني نهضة ثانيّة وثالثة هي ليست أكثر من ردات فعل عربيّة على التّدخل الاستعماري الإمبريالي الأوروبي، لا تتجاوز صدمة الحداثة وما رافقها من فكر نهضوي إصلاحي. ويلح نايف سلوم على ضرورة ربط الأوضاع الداخليّة بالامبرياليّة وليس فقط بين هذه الأخيرة والمشروع الصهيوني. والاضطراب والاعتباط المنهجي في تحليل تيزيني يظهر أيضا في تناوله للعولمة حيث يعتبرها ظاهرة جديدة في الوقت الّذي يرى سلوم أنّها ليست سوى استمرار وتعمق للظاهرة الامبرياليّة. وقد أدّى به، تيزيني، هذا الفهم الخاطئ لمفهوم الامبرياليّة في استمرارها وتعمقها الى الكثير من الزلّات، خاصّة وأنّه استبعد في تحليله البنى الداخليّة والتّفاعل الحاصل بينها وبين التّوسع الرأسمالي الغربي. وفي تغييب هذا الصراع ” بين البنيّة الداخليّة والنظام الامبريالي يجعل غياب النظام السياسي العربي من التّحليل أمرا من تحصيل الحاصل، وعندما يستدرك البحث هذا الغياب يعوضه في آخر الفصل الأول بهجوم مفتعل على ” الدولة الأمنيّة” في سوريا وعلى الفساد والمفسدين50.  وفي الصفحات الأخيرة يناقش ما يطرحه تيزيني من أفكار متذبذبة حول الحامل الاجتماعي بين كونه حزبا، أمّة، كتلة تاريخيّة نهضويّة، وصولا إلى تقزيم الحامل الاجتماعي إلى مجرد قوى حيّة، وفق مواصفات محددة في مثقف ينتصر للتّقدم التاريخيّ الانسانيّ.

تبدو لنا القراءة النقديّة لنايف سلوم بعيدة كليا عن الاضافة النوعيّة لمفهوم السؤال النقدي، لأنّها تنصت لنفسها وتمزق النّص الّذي تحاول قراءته حتّى يلائم الصمائم النفسيّة والمعرفيّة والإيديولوجيّة المتحكمة في قراءته المغرضة وهي تتوخّى التّعبير عن تصوراتها ومعتقداتها بصفة إطلاقيّة متلبسة وجه التفسير الحقيقي والمستقيم الّذي ينظر بعين الريبة والوصم السيء لكلّ نصّ اختلافي يخرج عن الخط الصحيح للتفسير الاجتماعي التاريخي كما يحفظه عن ظهر قلب نايف سلوم. وهذه الصنميّة في التّفكير السياسي النقدي حالت دون تبادل تمرير السّائل المخصب بين النّص والقراءة النقديّة في نوع من التّفاعل المنمي للنّص والقراءة معا في الوقت ذاته. لهذه الأسباب ناقش الناقد أفكاره المسبقة وحرم نفسه وقارئه ممّا يتضمنه كتاب تيزيني من من خلفيات فلسفيّة وفكريّة ومعرفيّة، وأسس سياسيّة اجتماعيّة اقتصاديّة، ودعائم تقافيّة تنويريّة، تتوخى النّقد والنّقض لما هو قائم ومكرس للحطام العربي على كلّ المستويات. أمّا نصوص تيزيني الّتي استشهد بها نايف سلوم، فقد قام ببترها من سياقها مع تقطيعها حتّى تناسب أفكار منهجيته سرير بروكست الّذي اعتمده في العرض والمناقشة. هكذا فعل مثلا عندما ناقش مفهومي “الحطام المفتوح” و مفهوم ّالنّهضة والتّنوير”.

كتاب تيزيني لا يخلو من حسّ نقدي تاريخي مشبع بتفاؤل الارادة، الملموس في قوله بتاريخيّة الحطام المفتوح، أي رغم مأساويّة الحطام فهو ليس بنيّة مغلقة نهائيّة كقدر محتوم، بل يحتمل إمكانيات كثيرة للخروج من مستنقع الحطام، خاصّة وأنّ هناك مسوغات ومحفزات ذاتيّة من العمق التاريخي إلى الوعي التاريخيّ، وأخرى موضوعيّة تتمثّل في التّحديات الداخليّة والخارجيّة من الهيمنة الغربيّة إلى مخاطر المشروع الصهيوني والعولمي. كما أنّ الكتاب مارس فيه صاحبه جهدا إبداعيا فكريا وسياسيا معبّرا هو نفسه، من خلال كتابه المطروح للنقاش والأغناء والتّفاعل الجدلي، عن مدى وعي المثقف النهضوي التنويري، كأحد عناصر المشروع النهضوي، بالمسؤوليّة الملقاة على كاهله، فكان بذلك كتاب تيزيني درسا نهضويا تنويريا بامتياز كبير، حيث مارس فيه تشاؤما عقليا للسّؤال النقدي تجاه النزعات والاتجاهات الفكريّة والسياسيّة المنبطحة والمستسلمة بدافع المصالح الضيقة، أو بدافع الانعكاس السلبي للكثير من المتغيّرات والتّحولات، انطلاقا من آثار النفط السياسي والاستفراد بالثروة والسّلطة من خلال شكل سياسي قهري استبدادي للدولة الأمنيّة. وانسجاما مع تفكيره وفكره النظري في الدور الكفاحي للمثقّف في الدفاع عن الحريّة والعقل والعقلانيّة نظر الى ما تحمله البنيّة الخفيّة للمجتمعات العربيّة من آمال وتدفقات حيويّة ومفاجآت تاريخيّة تؤكّد إمكانات انفتاح الحطام الّتي تتستر عليها البنية العلنيّة المترعة باليأس والهزيمة والاحباط الممانع الّذي ترسّخه قوى فكريّة سياسيّة محليّة وغربيّة وإعلاميّة وثقافيّة…، ولعلّ في الثورات العربيّة ما يقف حجّة معرفيّة وتاريخيّة على مصداقيّة رؤيته التاريخيّة الفكريّة و السياسيّة.

إلّا أنّ السقف السّياسي للتّحليل النقديّ للطيب تيزيني يضعنا أمام محنة السؤال النقدي، ونحن نتساءل عن الاختناقات السياسيّة  الّتي ضيقت الخناق على المقاربة النهضويّة التنويريّة في اشارتها لكلّ التّحديات الداخليّة والخارجيّة دون أن تقوى فكريا وسياسيا على طرح الدولة الأمنيّة للاستبداد السّياسيّ كجزء عضوي اقتصادي وسياسي وإعلامي ثقافي من النّظام الأمني الغربي والصهيوني المستعدّ لهدر الإنسان قتلا وتهجيرا وتطهيرا…، ولعلّ جدليّة الموت والوجود الّتي تكلم عنها تيزيني في آخر أيّام حياته وبالضّبط في ندوة  بطنجة، أعظم دليل على أنّ مناعة الحطام العربي وقوّة تمركزه وسحقه للشّعوب، ووقوفه كحطام تفكّك وخراب في وجه التّغيير والنّهضة والتّنوير كامنة في طبيعة النظام السياسي العربي للدولة الأمنيّة. الشّيء الّذي يتطلّب تفكيرا فكريا وسياسيا نقديا يوفّر إطارا سياسيا اجتماعيا تغييريا، دولة ومجتمعا وثقافة، لجدليّة النّهضة والتّنوير، بمعنى لا مكان للدولة الأمنيّة في مشروع النّهضة والتّنوير العربيّ.

********

الهوامش:

22 كمال عبد اللطيف: محاولة إبستمولوجيّة https://al-adab.com/author/44123

23 كمال عبد اللطيف: المرجع نفسه، ص40.

24 كمال عبد اللطيف: ص40.

25 كمال عبد اللطيف: ص 41.

26 طيب تيزيني: مشروع رؤيّة جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط، دار دمشق،1971، ص191.

27 كمال عبد اللطيف: المرجع السابق، ص 41.

28 كمال عبد اللطيف: المرجع السابق، ص44.

29 عبد الإله بلقزيز:نقد التراث، مركز دراسات الوحدة العربيّة، ط1، س2014.

30 عبد الإله بلقزيز: المرجع السابق، ص138.

31 عبد الإله بلقزيز: ص139.

32 عبد الإله بلقزيز: ص 140.

33 عبد الإله بلقزيز: ص 144.

34 عبد الإله بلقزيز:  المرجع السابق، ص 143.

35 عبد الإله بلقزيز، ص 145.

36 عبد الإله بلقزيز، ص 147.

37 عبد الإله بلقزيز، ص 149.

38عبد الإله بلقزيز: المرجع السابق، ص 156.

39 عبد الإله بلقزيز، ص 158.

40 نبيل علي صالح: طيب تيزيني من التراث إلى النهضة، ط1، س 2008،  ص 10.

41 نبيل صالح: المرجع السابق، ص 23.

42 نبيل صالح، ص 33.

43 نبيل صالح، ص 46.

44 نبيل صالح، ص 47و48.

45 نبيل صالح، ص 59.

46نبيل صالح، ص 108.

47و48 نايف سلوم نقد المنهج الاعتباطي عند د.تيزيني في كتاب بيان في النّهضة والتّنوير العربيhttp://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=82442&r=0

49 نايف سلوم: المرجع السّابق.

50نايف سلوم: المرجع السّابق.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق