الصّحافة العربية

أسبق الأمم إلى الصحافة الصينيون، ذكروا أنهم نشروا جريدة سنة ٩١١ قبل الميلاد، لعلها من قبيل منشورات الحكومة، وكان للرومان صحيفة يومية تصدر على عهد يوليوس قيصر في القرن الأول قبل الميلاد سموها «الأعمال اليومية» Acta Duria، كانوا ينشرون فيها أعمال الحكومة والأخبار الهامة، ويقال إنها أنشئت سنة ٦٩١ قبل الميلاد، ولعل بعض الدول الأخرى كانت تفعل مثل ذلك، أما الصحافة الحديثة فنشأت في ألمانيا بأواسط القرن الخامس عشر على أثر اختراع الطباعة، ولم تتكيف بشكلها المعروف إلا في البندقية، فصدرت أول صحيفة منها سنة ١٥٣٦ دعوها غازتة  Gazetta باسم النقد الذي كانت تباع به، ثم صدرت الصحف الإنكليزية سنة ١٦٢٢، والفرنساوية سنة ١٦٣١، وهكذا في سائر مدائن أوربا.

الصحافة في مصر

أما الشرق العربي فالصحافة لم تظهر فيه إلا بعد دخول القرن التاسع عشر، ومصر سبقت سواها فيها، ولسهولة فهم الموضوع نقسم الصحافة العربية إلى أربعة أطوار:

  • (١)تأسيسها في زمن محمد علي.
  • (٢)تاريخها بين محمد علي وإسماعيل.
  • (٣)تاريخها في زمن إسماعيل إلى الاحتلال الإنكليزي.
  • (٤)تاريخها في عهد الاحتلال.

(١) تأسيس الصحافة العربية في زمن محمد علي

(١-١) الوقائع المصرية أنشئت سنة ١٨٢٨

الصحافة من جملة جراثيم المدنية الحديثة التي ألقاها الفرنساويون بمصر في آخر القرن الثامن عشر، فأنشئوا في أثناء إقامتهم بمصر (١٧٩٨–١٨٠١) جريدتين فرنساويتين هما Décade Egyptienne (دكاد أجبسيان) وCourrier D’Egypte (كوريه ديجيبت) ذهبتا بذهاب تلك الحملة، وفي المكتبة الخديوية أمثلة منهما.

وقد قلنا في كلامنا عن مجيء الفرنساويين إلى مصر أنهم أنشئوا فيها ديوانًا للقضايا كان يصدر صحيفة اسمها «التنبيه» ينشرون فيها ما يجرى فيه، ويفرقونها على العمال، وكان يحررها السيد إسماعيل الخشاب، فهي كالصحيفة العسكرية أو القضائية، لكن المقرر أن «الوقائع المصرية» أول صحيفة عربية عامة صدرت في هذه النهضة، أنشأها محمد علي باشا سنة ١٨٢٨، وكانت تصدر أولًا بالتركية، ثم بالعربية والتركية، وأخيرًا صارت تصدر بالعربية فقط ولا تزال، وكان صدورها غير منتظم فنظمه إسماعيل باشا، وقد تولى تحريرها جماعة من نخبة الأدباء والكتاب الذين نبغوا في أثناء هذه النهضة، منهم الشيخ حسن العطار صديق السيد إسماعيل الخشاب محرر «التنبيه»، ولعله كان يساعده في تحريره، فتمرن على هذه الصناعة، ومنهم الشيخ أحمد فارس الشدياق، والسيد شهاب الدين صاحب السفينة، والشيخ أحمد عبد الرحيم، والشيخ محمد عبده، والشيخ عبد الكريم سلمان، وغيرهم، وهي تصدر الآن ثلاث مرات في الأسبوع، وتكاد تكون قاصرة على الأخبار الرسمية.

(١-٢) المبشر

ويلي الوقائع المصرية في القدم جريدة «المبشر» التي أصدرتها الحكومة الفرنساوية في الجزائر سنة ١٨٤٧ في العربية والفرنساوية، وهي أيضًا رسمية كانت تصدر مرتين في الشهر بحجم صغير وعبارة ركيكة، ثم تحسنت وتولى تحريرها نخبة من كتاب البلاد، ولا تزال تصدر إلى الآن.

(٢) الصحافة العربية بين محمد علي وإسماعيل من سنة ١٨٤٩–١٨٦٣

يظهر أن مصر بعد أن وضعت أساس الصحافة العربية استراحت فترة من الزمن لم تحرك فيها ساكنًا، لانتقال أَزِمَّة الأمور بعد محمد علي إلى واليين (عباس وسعيد) لم يكن لهما رغبة في الأدب، فلم تصدر في أثناء حكمهما (١٨٤٩–١٨٦٣) جريدة ولا مجلة في وادي النيل، على أن روح الصحافة لم تكن تمكنت من نفوس الأمة العربية، والجريدة التي صدرت في عهد محمد علي إنما اهتمت بها الحكومة للأمور الرسمية.

(٢-١) الصحافة العربية في سوريا

وتحولت مهمة الصحافة في أثناء تلك الفترة إلى سوريا، فأخذت على عاتقها إتمام هذا العمل عن شقيقتها مصر، وقد رأيت أن نهضة سوريا العلمية كان العامل الأكبر فيها جماعة المبشرين الأجانب، ولذلك كانت أقدم الصحف عندهم دينية، كما كانت أقدم الصحف المصرية رسمية أميرية؛ لأن الحكومة هي التي قامت بنهضة هذا القطر.

على أن الصحف الدينية السورية المشار إليها كانت تصدر أولًا في مواقيت غير معينة، أو في فترات متباعدة، وأسبق الجماعات الدينية إلى ذلك المرسلون الأميركان، مثل سبقهم في تأسيس الجمعيات وإنشاء الكليات، فأصدروا سنة ١٨٥١ نشرة أو مجلة دينية بقلم القس عالي سميث هي أشبه بالتقاويم أو المناشير منها بالصحف، تشتمل على أبحاث دينية وعلمية وجغرافية، كانت تصدر مرة في السنة، ثم مرة كل أربعة أشهر، واحتجبت سنة ١٨٥٥، وفعل المرسلون الآخرون مثل ذلك، ثم أصدر المرسلون الأميركان بعد عشر سنين نشرة سموها النشرة الشهرية سنة ١٨٦٦، ثم حولوها إلى أسبوعية سنة ١٨٧١، ولا تزال تصدر حتى الآن.

(٢-٢) تأسيس الصحافة العربية السياسية

مرآة الأحوال سنة ١٨٥٥

أما الصحف السياسية العمومية غير الرسمية فالسوريون سبقوا إليها لاضطراب جو السياسة في بلادهم يومئذٍ، يكفيك من ذلك حرب القرم سنة ١٨٥٤، وما جرت وراءها من الذيول، غير حوادث الشام سنة ١٨٦٠، وما تقدمها من الفتن اللبنانية بعد خروج الجنود المصرية من سوريا، والسوريون عقولهم متحركة، وفيهم نشاط وهمة وميل فطري إلى الأدب، فالفتن والحروب حركت الضغائن المؤسسة على المسألة الشرقية، وتداخلت الدول الإفرنجية في شئون الدولة العثمانية، فتحركت أقلامهم فصدرت أول جريدة عربية سياسية غير رسمية في أثناء حرب القرم بالأستانة سنة ١٨٥٥، أصدرها رزق الله حسون الحلبي، وسماها «مرآة الأحوال» لم يزد عمرها على سنة إلا قليلًا، وكانت خطتها ضد الأتراك، ولهجتها في الطعن شديدة، فقررت الحكومة القبض على صاحبها ففر إلى روسيا، فالحلبيون أسبق الشرقيين إلى إنشاء الصحف السياسية العربية.

حديقة الأخبار سنة ١٨٥٨

ثم صدرت حديقة الأخبار في بيروت سنة ١٨٥٨ لصاحبها خليل الخوري، وهي أول جريدة عربية صدرت في المملكة العثمانية خارج الأستانة، وكان في عزمه أن يجعلها عمومية وسماها «الفجر المنير»، ثم عدل عنه إلى حديقة الأخبار، وبعد سنتين من صدورها جرت حوادث سوريا سنة ١٨٦٠، وجاء فؤاد باشا مندوبًا لتسوية مسائلها، فاقترح على خليل الخوري أن يجعل جريدته شبه رسمية، وعينت له الحكومة راتبًا شهريًّا ريثما ظهرت جريدة «سوريا» الرسمية، وجعل فرنكو باشا حاكم لبنان يومئذٍ جريدة حديقة الأخبار رسمية للبنان مدة، ولم يطل دفع الرواتب له، لكنه ما زال يصدرها إلى وفاته سنة ١٩٠٧، وصدرت بعده إلى سنة ١٩٠٩.

عطارد وبرجيس سنة ١٨٥٨

والظاهر أن صدور حديقة الأخبار أثار الغيرة في رجال الأدب السوريين للاقتداء به، فظهرت في سنة ١٨٥٨ نفسها جريدتان عربيتان خارج المملكة العثمانية، إحداهما اسمها «عطارد» ظهرت في مرسيليا لم يطل بقاؤها، والثانية «برجيس باريس»، أصدرها الكونت رشيد الدحداح اللبناني في باريس، وعني بإتقان طبعها ونشرها، وبعد أربع سنوات عهد بأمرها إلى سليمان الحرائري التونسي، وتوقفت في سنتها الخامسة.

الجوائب ونفير سوريا سنة ١٨٦٠

وخطت الصحافة العربية خطوة مهمة سنة ١٨٦٠ بظهور «الجوائب» في الأستانة لصاحبها أحمد فارس الشدياق أحد أركان النهضة العربية الأخيرة، وكان للجوائب شأن عظيم عند أدباء العرب، ونفوذ لدى ولاة الأمر بالأستانة وغيرها، وكانت ميدانًا لأقلام أدباء ذلك العصر للمناظرة والمناضلة، وما زالت تصدر إلى سنة ١٨٨٤، وفي سنة ١٨٦٠ صدر «نفير سوريا» للبستاني للتقريب بين العناصر على أثر حروب تلك السنة، ولم يطل ظهوره.

جرائد أخرى

وبعد صدور الجوائب بسنة صدر «الرائد التونسي»، وهو جريدة رسمية لتونس صدرت سنة ١٨٦١ ولا تزال. وتوالى ظهور الجرائد بعد ذلك في سوريا والمغرب، وأكثرها رسمي مثل «سوريا» صدرت سنة ١٨٦٥ في دمشق، و«الفرات» في حلب سنة ١٨٦٧ بإشارة جودة باشا، وجريدة «لبنان» أصدرها داود باشا حاكم لبنان سنة ١٨٦٧، و«الزوراء» أصدرها مدحت باشا في بغداد سنة ١٨٦٨، وفي تلك الأثناء وُضِعت كلمة «الجريدة» للدلالة على الصحف المنشورة، وكانت تُطلَق على الجرائد والمجلات، وكانوا يسمونها قبل ذلك الصحيفة، أو النشرة، أو الورقة الخبرية، أو الوقائع، أو غير ذلك، ثم وُضِع لفظ المجلة للصحف العلمية والأدبية.

(٣) الصحافة العربية من عهد إسماعيل إلى الاحتلال من سنة ١٨٦٣–١٨٨٢

قد ذكرنا ما كان من رغبة إسماعيل في المدنية الإفرنجية، ومطامعه في الاستقلال، فرأى نحو ما رآه جده محمد علي من إحياء آداب اللغة العربية والجامعة العربية، فنشَّط الصحافة، وقرَّب الأدباء والعلماء في سائر الأمصار العربية، فتقاطر السوريون في أيامه إلى مصر، وأخذوا بإنشاء الصحف في سوريا وخارجها، فسهَّل عليهم إسماعيل الاشتغال بها في مصر.

ورغب المصريون أنفسهم بالصحافة في زمن إسماعيل بعد أن أغفلوها في الفترة بينه وبين محمد علي، وأقدم صحيفة مصرية صدرت بعد الوقائع المصرية «اليعسوب»، وهي مجلة شهرية صدرت سنة ١٨٦٥ لمنشئيها محمد علي باشا الحكيم، وإبراهيم الدسوقي، وهي أول مجلة طبية صدرت في اللغة العربية، ولم تعِشْ طويلًا، ومنها أمثلة في المكتبة الخديوية.

أما الصحف السياسية غير الرسمية فأولها بمصر «وادي النيل»، أنشأها أبو السعود أفندي سنة ١٨٦٦، كانت تصدر بالقاهرة مرتين في الأسبوع في حجم الهلال تقريبًا، وهي سياسية أدبية علمية، وتعطلت بعد وفاة صاحبها سنة ١٨٧٨، تليها جريدة «نزهة الأفكار» وهي أسبوعية ظهرت في القاهرة سنة ١٨٦٩ لإبراهيم المويلحي ومحمد عثمان جلال، لم يصدر منها إلا عددان، فألغاها إسماعيل؛ خوفًا من لهجتها.

وفي السنة التالية (١٨٧٠) صدرت مجلة «روضة المدارس» كانت تُطبَع في مطبعة وادي النيل، فقرَّظها وادي النيل تقريظًا طويلًا، ولم يكن يصدر في مصر سواهما والوقائع المصرية، وكانت روضة المدارس مجلة علمية أدبية، يحررها نخبة من العلماء والأدباء اشتهروا بعد ذلك في عالم الأدب، منهم عبد الله باشا فكري، وإسماعيل باشا الفلكي، وبدر بك الحكيم، وعلي باشا مبارك، ورفاعة بك، وقدري بك، كان كل منهم ينشر فيها مقالات متسلسلة في موضوع كالكتاب المستقل، وظلت روضة المدارس تصدر بضع سنوات.

(٣-١) الصحافة القبطية

كل ما تقدم ذكره من الصحف المصرية أصحابها من المسلمين كما رأيت، ثم تصدى الأقباط لمجاراتهم في الصحافة، فصدرت جريدة «الوطن» أصدرها بمصر مخائيل أفندي عبد السيد سنة ١٨٧٧، وهي أقدم الجرائد القبطية، توقفت حينًا بعد الاحتلال، ثم عادت إلى الظهور سنة ١٩٠٠، وصاحبها الآن جندي بك إبراهيم، وقد توفي مؤسسها مخائيل عبد السيد سنة ١٩١٤، ثم صدرت صحف قبطية لم يبقَ منها حيًّا في الصحافة اليومية إلا الوطن ومصر، وقد صدرت هذه سنة ١٨٩٥ لتادرس بك شنودة المنقبادي.

(٣-٢) الصحافة السورية في زمن إسماعيل

أولًا: في سوريا

وكانت سنة ١٨٧٠ مخصبة بالصحف السياسية والعلمية في سوريا، فصدرت فيها «الزهرة» ليوسف الشلفون وقد تعطلت، وجريدة «البشير» للآباء اليسوعيين ولا تزال، و«الجنة» لبطرس البستاني، و«الجنان» له، وهي مجلة علمية سياسية عاشت طويلًا، وكان لها تأثير في هذه النهضة مثل أكثر آثار البستاني، وفي تلك السنة صدرت مجلة «النحلة» للقس لويس الصابونجي، وكانت شديدة اللهجة في الجدال، وكل هذه الجرائد تعطلت الآن.

وفي السنة التالية (١٨٧١) صدرت جريدة «كوكب الصبح المنير» للأميركان، و«الجنينة» للبستاني، و«النجاح» للصابونجي والشلفون، وفي سنة ١٨٧٤ صدرت جريدة «التقدم» بعد إلغاء النجاح ليوسف الشلفون، وكان لها تاريخ طويل تقلبت فيه على أطوار شتى ثم توقفت.١

ثمرات الفنون — أول جريدة أهلية إسلامية في سوريا

كل ما تقدم ذكره من الجرائد والمجلات السورية لكتاب من المسيحيين، ولم تصدر جريدة إسلامية في سوريا قبل سنة ١٨٨٥، نعني «ثمرات الفنون»، أنشأتها جمعية الفنون برئاسة الحاج سعد الدين حمادة، وفوضت إدارتها إلى صاحب امتيازها السيد عبد القادر القباني، وهي أول جريدة إسلامية غير رسمية صدرت في سوريا، وذكر صاحب الصحافة العربية أنها كانت في أول عهدها شركة مساهمة، فهي لذلك أول جريدة عربية قامت بها شركة، على أن تلك الشركة لم يطل بقاؤها، فظلت الجريدة تصدر بإدارة صاحب امتيازها إلى سنة ١٩٠٨ فتوقفت. ثم توالى ظهور الجرائد الإسلامية بعدها، ولا سيما في أوائل هذا القرن.

وصدرت جرائد عديدة في سوريا في أواخر زمن إسماعيل، أشهرها وأبقاها «لسان الحال» صدرت سنة ١٨٧٧ لصاحبه خليل سركيس، ولا يزال يصدر، وفي سنة ١٨٨٠ صدر «المصباح» لنقولا نقاش، ومر على المصباح أحوال مختلفة حتى تعطل سنة ١٩٠٨.

ثانيًا: الصحافة السورية بمصر في زمن إسماعيل

قلنا إن إسماعيل كان يقرب الأدباء من كل الطوائف، وفيه ميل إلى الشهرة السياسية، وكان السوريون قد عانوا الصحافة السياسية، وسمعوا برغبة إسماعيل في الأدب وأهله، وهم يعرفون مصر وخصبها وتوفر أسباب الرزق فيها، فجاء إليها طائفة من الأدباء والشعراء والكتاب أشهرهم آل تقلا، وأديب إسحق، وسليم نقاش، وغيرهم، وكان أكثر مقامهم في الإسكندرية، وما برحت تعد عاصمة ثانية للقطر المصري إلى ذلك العهد، فاشتغل بعضهم بالصحافة هناك.

وأقدم الصحف السورية المصرية جريدة «الكوكب الشرقي» للمرحوم سليم باشا حموي، صدرت في الإسكندرية سنة ١٨٧٣، ولم يطل بقاؤها.

ثم صدرت «الأهرام» لسليم وبشارة تقلا سنة ١٨٧٦، ونالت حظًّا وافرًا من الرواج والنفوذ، ثم نُقِلت إلى القاهرة وهي تصدر الآن بإدارة جبرائيل بك بن بشارة تقلا باشا، وقد أدركت السنة الثامنة والثلاثين من عمرها.

ثم صدرت جريدة «المحروسة» لصاحبيها أديب إسحق، وسليم نقاش سنة ١٨٨٠ بالإسكندرية، وتقلبت عليها أحوال شتى وانتقلت من يد إلى يد، وهي الآن لصاحبها إلياس زيادة، وتصدر يومية في القاهرة. وصدر من الجرائد السورية في ذلك العهد عدة جرائد لم يبقَ منها غير المحروسة والأهرام.

ويقال على الإجمال أن أكثر أرباب الصحف العربية في مصر والإسكندرية في ذلك العصر كانوا من السوريين، ومنهم كثيرون قطنوا مصر واتخذوها وطنًا لهم، وكانت الحكومة تساعد الصحف من كل وجه، ولولا مساعدتها المالية أو تنشيطها الأدبي لما قامت لها قائمة، وكان للأهرام شأن كبير في هذا الدور، وقد ساعد هذه النهضة الوزير رياض باشا أدبيًّا وماديًّا.

الإنشاء الصحافي والحرية الصحافية

وحدث في لغة هذا الدور من تاريخ الصحافة تحسين كثير، فانتقل الإنشاء الصحافي من العبارة الضعيفة الركيكة على الرشاقة والطلاوة العصرية، ومقدام هذه النهضة المرحوم أديب إسحق؛ فإنه كان نابغة في الإنشاء مع المتانة وصحة العبارة، فقلَّده الكتَّاب في عبارته، وتحدَّوه في أسلوبه.

وكانت الصحافة في ذلك العصر مطلقة الحرية، ولا سيما في أواخر أيام إسماعيل، والسوريون قد تشربوا يومئذٍ روح الحرية من نهضة الأحرار العثمانيين في الأستانة بخلع عبد العزيز، وتنصيب عبد الحميد سنة ١٨٧٦، ثم جاء مدحت إلى سوريا ونشَّط هذا الشعور، فانتشرت الحرية الصحافية انتشارًا عظيمًا في سوريا.

أما في مصر فإن إسماعيل لم يكن يقاوم حرية الصحافة، لكنه لم يصبر على من ينتقده، فكان الكُتَّاب يراعون جانبه، ومن تجاسر على انتقاده أصبح في خطر، كما أصاب مدير الأهرام لما أشار إلى مالٍ صُرِف من الخزينة ولم يُعلَم مصيره، ولو لم تنصره فرنسا لذهب ضحية تلك الملاحظة.

(٤) الصحافة العربية في عهد الاحتلال من سنة ١٨٨٢ إلى الآن

تقدم هذا العصر انتقال الخديوية إلى المرحوم الخديوي السابق، وفي أيامه صدر قانون المطبوعات سنة ١٨٨١؛ لأن الصحافة تطرقت في أوائل الحركة العرابية على أثر ذهاب إسماعيل، ثم حدثت الثورة العرابية، واحتل الإنكليز مصر سنة ١٨٨٢، وتحولت الصحافة اليومية في هذا العصر إلى القاهرة، وتكاثرت الصحف فيها، وأول جريدة يومية صدرت فيها جريدة «الزمان» لصاحبها علكسان صرافيان الأرمني، وقد تولى التحرير فيها صاحب الهلال سنة ١٨٨٣-١٨٨٤، ثم أقفلتها الحكومة فسافر صاحبها إلى قبرص، وأنشأ هناك جريدة سماها «ديك الشرق» سنة ١٨٨٩، ولم يطل ظهورها، وما زالت القاهرة خالية من جريدة يومية حتى ظهر «المقطم» سنة ١٨٨٨، ثم «المؤيد» وغيرهما. أما الجرائد الأسبوعية فكانت كثيرة في القاهرة «كالبرهان»، و«البيان»، و«مرآة الشرق»، وغيرها.

والاحتلال الإنكليزي خطوة سياسية مهمة انتقلت بها مصر من دور إلى دور، ولم يكن للجرائد العربية قبله إلا خطة واحدة غايتها النظر في مصلحة مصر ومسايرة حاكمها، ولم يكن يهمها الدول الأخرى في شيء، إلا جريدة الأهرام فإنها أخذت جانب فرنسا؛ لأنها أنقذت مديرها من غضب إسماعيل.

فلما احتل الإنكليز مصر ولم تكن فرنسا معهم، تولدت مسألة الاحتلال والجلاء، ومسألة المصري والعثماني، فانقسمت الصحف إلى أقسام تحزَّب بعضها للدولة العثمانية على الإنكليز، والبعض لفرنسا على الإنكليز، والبعض الآخر أخذ جانب الإنكليز، وأول الصحف التي أخذت جانبهم بمصر جريدة الزمان المتقدم ذكرها، ثم المقطم لأصحاب المقتطف؛ فامتعض الوطنيون منها، فأنشئوا جريدة المؤيد في السنة التالية لمحررها الشيخ علي يوسف، ومديرها الشيخ أحمد ماضي، ثم استقل بها الشيخ علي يوسف. وظهور المؤيد خطوة كبيرة في الصحافة الوطنية؛ لأنها أول الجرائد الوطنية الكبرى في هذا الدور من أدوار الصحافة، وهي التي مهدت السبيل لغيرها من الجرائد الوطنية الإسلامية، وقد أخذ كبار الوطنيين بناصرها في أول نشأتها، أما بقاؤها إلى الآن، وما نالته من الشهرة ونفوذ الكلمة، فإنه راجع إلى اقتدار صاحبها وثباته، أما المقطم فلاقى في سبيل البقاء على خطته مشقات جسيمة، قلَّ مَن يصبر عليها.

وتساهلت الحكومة في أمر قانون المطبوعات؛ لأن عميد الاحتلال اللورد كرومر لم يكن يرى تقييد الصحافة، فأصبح نشر الصحف مباحًا، فتسابق الأدباء إلى إنشائها.

وبلغت الصحافة العربية أرقى أدوارها في العصر العباسي من سنة ١٨٩٢، وسبقت مصر بها سائر الأمصار، وانحطت الصحافة في سوريا لما تولاها من ضغط الحكومة، وتقييد الأفكار قبل إعلان الدستور، فأصبحت مصر محط رحال أرباب الأقلام، وعشاق الحرية، وطلاب الرزق من سائر الأقطار. أما بالنظر إلى الصحافة فيُقسَّم هذا العصر إلى ثلاثة أدوار: الدور الأول من تولي الجناب العالي سنة ١٨٩٢ إلى ظهور اللواء سنة ١٩٠٠، والثاني من ظهور اللواء إلى سنة ١٩١٠، والثالث رد الفعل من سنة ١٩١٠ إلى الآن.

(٤-١) الدور الأول من سنة ١٨٩٢–١٩٠٠

فالدور الأول نضج فيه المقطم والمؤيد، واشتد ساعدهما، وحمي وطيس الجدال بينهما، وأُهمِل قانون المطبوعات فأُطلِقت حرية الصحافة، فتكاثر ظهور الجرائد الأسبوعية، ولا بد لكل منها أن تتحدى إحداهما، فصارت أكثر الصحف إما مقطمية أو مؤيدية — إما مع الاحتلال أو عليه — إلا الأهرام فإنها ثبتت في خطتها، أما الجرائد القبطية فهي على الإجمال احتلالية.

وبلغ عدد الصحف التي صدرت في هذا الدور — أي من سنة ١٨٩٢–١٩٠٠ — نحو مئة وخمسين صحيفة، أي صدر منها في ثماني سنين نحو ما صدر قبلًا في ٦٣ سنة، ومن أسباب كثرتها إطلاق سراح المطبوعات، وكان الصحافيون قبلًا لا يقدرون على إصدار الجريدة إلا بعد دفع التأمين، أو تقديم الضمانة، والقبول بكل القيود والشروط، ولكن أكثر الصحف التي صدرت في هذا الدور علمية أو أدبية؛ لأنها أقل نفقة وتعبًا.

(٤-٢) الدور الثاني من سنة ١٩٠٠–١٩١٠

ويمتاز هذا العصر باشتداد الحركة الوطنية ضد الاحتلال، وكثرة تحدث الناس بالعرش العثماني والخلافة الإسلامية، وكان قد بدأ ذلك بعد انتصار الدولة العلية على اليونان سنة ١٨٩٧، ويمتاز أيضًا بنمو الشعور الوطني على يد مصطفى كامل صاحب اللواء، وكانت الصحف قبله تذكِّر المحتلين بوعودهم، وتستطيل بقاءهم.

أما مصطفى فإنه صرح بانتقاد الحكومة، ودعا المصريين إلى المطالبة بجلاء الإنكليز عن بلادهم قيامًا بوعدهم، وسافر إلى أوربا للسعي في هذا السبيل بالخطابة والكتابة والتحريض، مما تراه مفصلًا في ترجمة حياته بالهلال ٦ سنة ١٦، وأخيرًا أنشأ الألوية الثلاثة بالعربية والفرنساوية والإنكليزية، وألَّف شركة مالية لإنشائها، وهي أول شركة صحافية بمصر، وجعل خطة اللواء التشديد في طلب الجلاء، والاحتجاج على إنكلترا، وأبدى في جهاده من الجرأة والحزم ما لم يُسمَع بمثله في مصر، وأصبح للصحافة في ذلك الدور مميزات أهمها:

  • (١)إنشاء الجرائد بشركات مالية تجمع بالأسهم من المتمولين الوطنيين، وأول من فعل ذلك بمصر مصطفى كامل صاحب اللواء، فاقتدى به سواه، فظهرت «الجريدة» بشركة مؤلفة من أعيان المصريين، وتحول المؤيد إلى شركة مالية.
  • (٢)كبر حجم الجرائد الوطنية، وصارت ثماني صفحات.
  • (٣)صار للصحافة تأثير في نفوس الوطنيين، وكثر قرَّاؤها، واهتمت الناشئة بها، وظهرت فيها روح الحماسة.
  • (٤)تشكلت الأحزاب لنصرة الصحف، وأعلاها صوتًا «الحزب الوطني»، ورئيسه مصطفى كامل.
  • (٥)تكاثرت الصحف الوطنية، وكانت الصحافة العربية المصرية قبل ذلك أكثرها في أيدي السوريين، فأصبح أكثرها في أيدي المصريين.
  • (٦)تنوعت مواضيع الصحف، واتسعت دائرة مكاتباتها، وتفننت في عناوينها.
  • (٧)صار لها نفوذ لدى الحكومة.
  • (٨)كانت محصورة في مصر والإسكندرية تقريبًا، فظهرت في كثير من مدن الأرياف.
  • (٩)تألفت لها نقابة اشترك فيها أرباب الصحف على اختلاف لغاتها.

(٤-٣) الدور الثالث — رد الفعل

على أن الحرية التي نالتها الصحافة المصرية في عهد العميد الأول (كرومر) لم يُحسِن الكتَّاب استخدامها، فتطرفت صحف الحزب الوطني في النقد والتحريض، ولا سيما بعد إبدال كرومر بغورست، وكان غورست متساهلًا فاشتدت فوضى الأقلام، ورافق ذلك مقتل بطرس باشا غالي رئيس الوزراء سنة ١٩٠٩، فنسب بعضهم قتله إلى الروح الوطنية المشار إليها، واتجهت الأفكار إلى وضع حد لهذه الفوضى، وتوفي العميد غورست، وخلفه اللورد كتشنر، وهو يعرف مصر ويفهم لسان أهلها، فاقتضت سياسته التضييق على الصحافة لاعتقاده أن إطلاقها يضر بمصالح الفلاح، ويشغل الشبان عن طرق معاشهم، وفي أيامه أقفل اللواء والعلم ومصر الفتاة، وغيرها من الجرائد الوطنية، وتناول الإقفال غيرها أيضا، وأصبحت الحكومة تتصعب في الترخيص لإنشاء الصحف الجديدة، ولم يبقَ من الجرائد الكبرى بمصر إلا عدد قليل يعد على الأصابع، وصرف العميد همَّه إلى إنجاد الفلاح، وتخفيف ويلاته، وتسهيل سبل معاشه، وهو يرى ما في مصر من الصحف يكفيها.

الصحافة في سوريا على عهد الاحتلال

كانت مصر في عهد الاحتلال الأول رافلة في بحبوحة الحرية، وأختها سوريا تئن تحت الحكم الحميدي الذي تقيدت فيه الأفكار والأقلام، وانتشرت الجاسوسية، وصودرت الحرية، فأخذ أرباب الأقلام الحرة في المهاجرة إلى مصر ينشئون الجرائد أو المقالات أو الكتب، وأخذت صحافة سوريا في التقهقر وأهلها صابرون، حتى أُعلِن الدستور سنة ١٩٠٨، فقابلته الصحف بالدهشة وهي بين مصدِّقة ومكذِّبة، فما لبثت أن تحققت هبوط تلك النعمة عليها حتى انتعشت وتكاثرت، وكانت إلى ذلك التاريخ محصورة من المملكة العثمانية في بيروت ولبنان والأستانة ودمشق وطرابلس الشام وحلب والقدس، فظهرت بعد الدستور في حيفا وحمص واللاذقية وصيدا وجديدة مرجعيون ومكة وجدة وبغداد والموصل والبصرة، وفي كثير من قرى لبنان وغيرها.

ولما انقسمت الأمة العثمانية إلى حزبَيْ الاتحاد والائتلاف في العام الماضي، انقسمت الصحف العثمانية معها إلى قسمين، وجعلت صحف كل حزب تحسِّن آراءه، ولا يزال ذلك شأنها إلى الآن.

(٥) المجلات العربية

جاء ذكر أقدم المجلات في أثناء كلامنا عن الجرائد، وكان لفظ الجريدة يُطلَق على كليهما، ثم اختصت المجلات بهذا اللفظ كما تقدم، وأول من استخدمه لذلك الشيخ إبراهيم اليازجي، وقد رأيت أن أقدم المجلات العربية صدرت بمصر، نعني «اليعسوب» سنة ١٨٦٥، كما صدرت فيها أول الجرائد الرسمية «الوقائع المصرية»، واليعسوب مجلة طبية، ثم ظهر «الجنان» في بيروت سنة ١٨٧٠ للبستاني، وهو مجلة عمومية جمعت بين العلم والأدب والسياسة، تصدر مرتين في الشهر، ظلت تظهر بضع عشرة سنة، وكانت ميدانًا لأقلام كتاب العربية في ذلك العصر في السياسة والأدب والتاريخ والشعر والعلم والطب والحقوق والزراعة والرياضيات والطبيعيات والفكاهة وغيرها، وكان ينشئ مقالاتها السياسية سليم بن بطرس البستاني، ومجموعة الجنان تشتمل على تاريخ الحركة العلمية والأدبية والسياسية في العالم العربي يومئذٍ، وأخذت المجلات بعده تتخصص مواضيعها بالتدريج عملًا بسنة النشوء والارتقاء.

فصدرت «النحلة» للصابونجي في بيروت سنة ١٨٧٠، وهي أدبية علمية انتقادية، ثم صدرت «الجعبة» للشيخ نوفل الخازن في درعون لبنان، وهي فكاهية هزلية لم تظهر إلا قليلًا، وصدرت «روضة المدارس» بمصر سنة ١٨٧٠، وهي علمية تاريخية طبية، ثم صدر «المقتطف» سنة ١٨٧٦ في بيروت لمنشئَيْه الدكتورين صروف ونمر، ومديره شاهين مكاريوس، وهو علمي صناعي رياضي زراعي، انتقل سنة ١٨٨٦ إلى مصر ولا يزال يصدر فيها، وهو الآن شيخ المجلات العربية، ومجلداته خزانة علم وصناعة وزراعة وأدب وشعر، وفيها نخبة ما حدث في هذه النهضة من الآراء والاختراعات والاكتشافات.

ثم صدر «الطبيب» في بيروت سنة ١٨٧٧ للدكتور بوسط، وهو مجلة طبية جراحية صارت الآن إلى الدكتور إسكندر بك البارودي، ولا تزال تصدر في بيروت.

وصدر «الشفاء» بمصر سنة ١٨٨٦ للدكتور شبلي شميل، وهو مجلة طبية جراحية علمية، صدرت خمس سنوات وتوقفت.

وصدرت «الحقوق» لشقيقه أمين الشميل بمصر في تلك السنة وهي حقوقية، وانتقلت بعد وفاة صاحبها سنة ١٨٩٧ إلى إبراهيم الجمال المحامي، ولا تزال تصدر بمصر.

ثم صدر «الهلال» في القاهرة سنة ١٨٩٢ لمنشئه مؤلف هذا الكتاب، ولا يزال يصدر فيها، وهو يبحث في الأدب والتاريخ والاجتماع والعلم، وما يحدث من الاكتشافات والاختراعات، لكنه يتبسط على الخصوص في التاريخ وفلسفته، وفي الأبحاث الاجتماعية، وله ملحقات في مواضيع مختلفة، أهمها «تاريخ التمدن الإسلامي» في خمسة أجزاء، و«تاريخ العرب قبل الإسلام»، و«علم الفراسة الحديث»، و«طبقات الأمم»، و«تاريخ آداب اللغة العربية» هذا جزؤه الرابع، ومن ملحقاته أيضًا سلسلة روايات تاريخ الإسلام في قالب روائي تبدأ بظهور الإسلام، وتصدر الحلقة السابعة عشرة منها في هذا العام، وموضوعها ظهور دولة المماليك وسقوط بغداد.

وفي السنة التي صدر فيها الهلال صدرت مجلة «الأستاذ» للمرحوم عبد الله نديم، وهي أدبية انتقاديه لم تتم السنة على ظهورها؛ لأن الحكومة أقفلتها، وفي تلك السنة صدرت مجلة «الفتى» لإسكندر شلهوب، و«الفتاة» للسيدة هند نوفل (مدام دبانة)، وهي أول الجرائد النسائية. وتكاثر صدور المجلات من ذلك الحين، وصارت أكثر ميلًا إلى التخصيص، فقد رأيت صدور المجلات الحقوقية والطبية والتاريخية، وهذه «الفتاة» نسائية، وتوالى صدور المجلات للنساء بعدها حتى زاد عددها على عشرين مجلة أكثرها في القطر المصري، وصدرت جريدة «المهندس» رياضية، و«المنظوم» شعرية، و«الشرائع»، و«القضاء»، و«الأحكام المصرية» كلها قضائية، و«الابتسام» فكاهية، و«الروضة» زراعية، و«اليانصيب» مالية، و«مجلة الغرفة التجارية» تجارية، و«الأجيال» صورية، و«المنار» إسلامية عمرانية، و«مجلة العلوم الاجتماعية» تبحث في الحقوق والاقتصاد والاجتماع، و«مجلة التعاون» اقتصادية.

واختلفت المجلات أيضًا حسب المذاهب والعناصر، فكل طائفة من النصارى لها مجلة أو غير مجلة تهتم على الخصوص بشئونها، وكذلك سائر الجماعات، وصدرت مجلة العرفان في صيدا شيعية، وقِسْ على ذلك عشرات من المجلات التي صدرت بمصر وسوريا لا يسع المقام ذكرها، ومع ذلك فهي لا تزال بعيدة في التخصيص عن المجلات الإفرنجية، فإن بين هذه مجلات خاصة بكل فن من الفنون، وحرفة من الحرف، وعلم من العلوم، مما لا نزال بعيدين عن مثله.

وليس غرضنا تدوين تاريخ ما ظهر من الجرائد والمجلات العربية، وإنما أردنا أن نبيِّن كيف نشأت الصحافة العربية، وقد أحصينا الجرائد والمجلات التي صدرت في العربية من أول عهد الصحافة إلى الآن، فبلغت نحو ٦٥٠ صحيفة بين جرائد ومجلات على اختلاف المواضيع، لم يبقَ منها حيًّا إلا خُمْسها في أنحاء العالم المختلفة.

(٦) الصحافة العربية في أميركا

لا يحسن بنا إقفال باب الكلام في الصحافة قبل أن نختص الصحافة العربية في أميركا بكلمة، نعني السوريين الذين هاجموا من سوريا ولبنان في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، فإن منهم في العالم الجديد نحو ٣٠٠٠٠٠ نفس يشتغلون بالتجارة والصناعة والأدب، وقد حافظوا على لسانهم العربي وآدابهم العربية، وظهر منهم الكُتَّاب والأدباء والشعراء والأطباء والمؤلفون والخطباء، وأنشئوا لأنفسهم صحافة عربية خاصة بهم، وأول جريدة ظهرت لهم في المهجر «كوكب أميركا» صدرت في نيويورك سنة ١٨٩١ لنجيب عربيلي، وتعطلت بعد وفاة منشئها، وانتشرت الصحافة العربية من ذلك الحين في أميركا الشمالية والجنوبية، فظهرت الجرائد والمجلات العربية في نيويورك وغيرها من الولايات المتحدة، وفي المكسيك والبرازيل وكولمبيا وأرجنتين وغيرها، وقد تعطل بعضها، ولا يزال البعض الآخر يظهر إلى الآن، وربما زاد عدد ما لا يزال يظهر منها في المهجر على خمسين جريدة، بينها جرائد يومية كبرى تصدر في ثماني صفحات كبيرة، وقد اكتسبت مميزات الصحافة الأميركية من حيث طرق الإعلان، وأساليب التركيب والتعبير، وترتيب الأبواب والعناوين، وقلَّدتها في ذلك بعض صحف مصر وسوريا لهذا العهد، كذكرهم خلاصة المقالة في صدرها بصيغة المضارع، فيقولون في عنوان مقالة عن واقعة حربية بين العثمانيين والبلغاريين مثلًا: «الجند العثماني، يهجم، يصده البلغاريون بعنف، يقتل الجنرال فلان، يفشل الجند … إلخ».

أما مواضيع تلك الصحف فأكثرها شرقي عربي، وتبحث على الخصوص في أحوال سوريا ولبنان ومصر، وتتناقش وتتناظر، وتدافع عن اللغة العربية والعنصر العربي.

وظهرت فيها مجلات اختصاصية في الطب والاجتماع والتاريخ، كما في مصر وسوريا، وبينها مجلات مخصصة في مواضيع لم تتخصص لها مجلة عربية، نعني مجلة «الفنون» التي تصدر في نيويورك، فإنها خاصة بالفنون الجميلة، يمكن مقابلتها بأرقى المجلات الإفرنجية من نوعها، وصدر معها في وقت واحد مجلة بهذا الاسم بمصر لم يطل ظهورها.٢
****

هوامش

(١راجع تفصيل ذلك في كتاب الصحافة العربية.
(٢ومن شاء زيادة التفصيل في تاريخ الصحافة وإحصاء الصحف، فليطالع الهلال سنة ١ و٤ و١٢ و١٣ و١٨، وكتاب الصحافة العربية للكونت فيليب دي طرازي.
*****
المصدر:
جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ص1235- 1249.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق