مثقف يغار من مثقفة / دلال البزري

أن تغار مثقفة من مثقفة، فهذا أمرعادي، وإن لم يكن دائما مبرراً. فالمثقفة مثلها مثل أي مواطنة أخرى، لم تغادر تماماً عالم الحريم، وقد وصفته فاطمة المرنيسي بـ”الحلبة التي تسود فيها الغيرة، وحيث تُخاض معارك شرسة”. الرجال يحبون هذه الغيرة. تسلّيهم، ترفع من شأنهم، تبرّر تفوقهم، تلبي حنينهم إلى نساء الحريم… ألم يكن أسلافهم ينظرون الى غيرة النساء بصفتها “فطرية”، وجدت عند ولادتهن؟

صحيح ان المثقفة أكثر علماً وإدراكاً من المواطنة “البسيطة”؛ فهي من “النخبة”. ولكن الإنتماء الى هذا العالم الجديد الذي لم يسكنه إلا الرجال، عالم فوضوي، قاسٍ، نابذٍ، فاقدٍ للمعايير الدقيقة… يحول عملية البقاء فيه إلى حرب، لم تتمكّن النساء بغير الحريمية منها: حرب الغيرة من النساء. لذلك، فان غالبية المثقفات في قلوبهن كراهية لغالبية المثقفات الأخريات، خصوصا إذا وقعت “منافسة” ما بينهن، وفي لحظة غفْلة. وهنا تتوزّع الغيرة بين قطبي الطبائع: من الخبيثة إلى الهستيرية… فلا تنتهي قصص غيرة المثقفات، وإن تنوّعت وقائعها.

أما غيرة مثقف من مثقفة، فأمر جديد، نسبياً. فالمثقفون حموا أنفسهم من المثقفات بسدود عالية؛ لعلّ أكثرها باطنية وعمقاً هي تلك “الغيتوات” الثقافية التي أملوها على النساء، بأن حصروهن في الكتابة والتفكير والبحث في قضايا المرأة فحسب. ولكن الآن، بعدما خرجت نساء من هذا الغيتو، صار يمكن توقّع أن يغار مثقف من مثقفة.

وآخر طلائع هذا التغير مقال كتبه المثقف عبدو وازن، بعدما أصابه الذهول من نجاح رواية الأديبة السورية سمر يزبك. مقال شيطاني، ينضج نار الغيرة على درجة من الحماوة، يعتقد هو انها هي الملائمة لتمرير سمومها؛ ولكنها في النهاية مكشوفة. ينتحب وازن في أولى كلماته، غير قادر على إخفاء نقمته على اللعنة السورية التي حوّلت حياة الأديبة إلى “نعمة”! يختنق من هول الحفاوة التي لاقتها يزبك، والأسماء الكبيرة والمقالات الإيجابية والشهادات التي حولتها إلى نجمة سورية في سماء الغرب.

براءته المزعومة في التلميح بشقار شعرها والصور الفنية “الجميلة” التي التقطتها؛ وفي الحطّ من قيمة كتابها، مدلّلا على كتاب آخرين “أهم منها”؛ في تكذيب “إدعائها” بأنها دخلت السجن الأسدي، “ما ينكره معظم أصدقائها في سوريا”؛ وفي كونها “عرفت كيف تلعب على وتر انها علوية ومعارضة”، إلى ما هنالك من كليشيهات “نقدية”… يتوّجها كلها بكليشيه “الحظ”. عبدو وازن، بعد أن يخلع عن الأديبة السورية أهليتها وجدارتها بنجوميتها… يبكي على انه “الحظ حتما”، لينهي كما ينتهي ديناصورات النقد الأدبي: “والمهم انها ماذا تكتب الآن”.

سمر يزبك معروفة قبل الثورة السورية برواياتها وقصصها القصيرة. قرأتُ كتابيها “رائحة القرفة”، و”تقاطع نيران: من يوميات الإنتفاضة السورية”. لم أحصل بعد على كتابها الأخير “بوابات أرض العدم”، الذي أصاب نجاحه هناء العيش عند عبدو وازن. فقط قرأتُ مقاطع منه، مترجماً الى الفرنسية، ووجدتُ، عكس ناقدنا المحترف، انه تتمة لتجربة سمر يزبك الإبداعية.

الغيرة تعدم البصيرة. وهج الغيرة حرم وازن من التفكير ضمن “الخط العام” الذي تتبعه صحيفته، المؤيدة للثورة السورية. لم يدرك بأن سمر يزبك، بنجوميتها، التي تخشاها هي نفسها، تعطي صورة أخرى عن سوريا: هي المرأة، الوحيدة، العلوية، لا هي مستشارة عند بشار الأسد، ولا زعيمة لجمعية “معارضة” تعمل تحت جناحه، ولا طبعا “مجاهدة” في “داعش” أو أخواتها. هي امرأة حرة، جذابة نعم، في شكلها وروحها وإبداعها. هي نقيض تام للصورة الذائعة عن سوريا والسوريين في الإعلام الغربي.

بدل ان يستكثر عبدو وازن على السوريين تلك الصورة المشرفة عنهم، كان الأجدر به أن يحتفي بسمر يزبك، أن يقرأ كتابها، وبقلب مفتوح، غير مؤجّج. ونحن بحاجة الآن، في الحرب الإعلامية التي تُخاض ضد سوريا والسوريين إلى أكثر من سمر يزبك واحدة، إلى عشرات من أمثالها، يلمعن في السماء الغربية؛ على الأقل، على الأقل… ليساعدن الآن، وفوراَ، اللاجئين الهاربين إلى ديار هذا الغرب، والذين سبقتهم صورة اللاجىء الإرهابي المجرم، الجلاد والضحية. وجه سمر يزبك، مع روايتها، يغيثهم، يسعفهم، يؤازرهم في حرب الصورة.

ولكن ماذا تفعل بالغيرة؟ لا شيء سوى الملاحظة، للمرة الألف، مع كبار الروائيين، بأنها جزء من الكوميديا الإنسانية. وبأنه لا بدّ منها لإطلاق عجلة الشرّ. وإلا فمن أين يأتي الروائيون بالقصص؟

 

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق