سامية الحمصي داغر… سريالية الحبر الناشف / جودي الأسمر

تغزل سامية الحمصي داغر، بريشة الحبر الناشف خيطانًا زَغَبية، فتصنع منها بَشرة. داغر (31 عاماً)، تخصّصت في رسم البورتريهات منذ العام 1992، بحسب صفحاتها الافتراضية، فتوحي بشعارٍ لمحترَف عريق يبرز عراقته بسنة تأسيسه.

أوّل حاضنة لموهبتها المبكرة، كانت الأهل “لم أكن قد أتممت الخامسة حين لاحظ أبواي أنّني أستنسخ تقريبًا الشيء نفسه أو الصورة التي أضعها أمامي. تُعدّ هذه مهارة نادرة في هذه السن، فمفهوم الظلال والأشكال لدى الأطفال يكون غير ناضجٍ بعد”، تشرح داغر، منتقلة من الخصوصية الى تعميم علميّ، قد يأتي في سياق مكتسبات نظرية راكمتها خلال سنوات دراستها لـ”الفنون الجميلة” في الجامعة اللبنانية- طرابلس، مدينتها، التحقت بها لتصقل فطريّة موهبتها، بعد سنتين من بداية تخصصها في هندسة الكومبيوتر في الجامعة نفسها، بعدما تأكّدت أنّها لا تنتمي إلى عالم الاحصاء والرياضيات والمعلوماتية، لكنها تضيف أن “لديه مستقبل ويُطعم الخبز”، فحملت منه ماجستير.

هذه المقاربة العقلانيّة الّتي شكّلت مسارها العلميّ، انسحبت أيضًا على فنّها. خيارها لم يقع على البورتريهات، لأنّها مثلًا أحبّت هذا الرّسم أو لم تتقن سواه. في الجامعة، ظهر لدى سامية ميل نحو التعبير السريالي: “يقول أساتذة إن عديدًا من لوحاتي ما قبل التخرج كانت تحاكي رسومات لسالفادور دالي”، لكنها صبّت جهدها على تنمية مهاراتها في رسم البورتريهات، منذ العام 2013 حين “فهمت فعلًا ما يريد النّاس. في بداياتي، لا أخفي بأنني أجتهد لوصول فنّي لهم، قبل خوضي في مدرسة أخرى لا تهمّ الآراء العامّة الّتي ستنظر إليّ كبشخصٍ مدّعٍ يرسم الخربشات”، تستطرد داغر.

الكلاسيكيّة والرصيد الجماهيري
في خيار داغر الّذي يشي ظاهره بطباقٍ بين الكلاسيكية والسريالية، تظهر إشكاليّة تطرح علاقة كلّ فنان مع الحقيقة، هذه الأخيرة الّتي تخضع للملكيّة العامّة متى غدا الفرد فنّانًا. تظهِر مثلًا لوحات “أون شين أديلو”، أو “الاستمناء العظيم”، أو “استمرار الذاكرة” الأكثر شهرة لدالي، انقطاعًا عن العالم الواقعي، وتسجيلًا شبه نصيّ للاوعي المكبوت داخل النفس، اكتتبه من مؤلَف أندريه بريتون “automatisme”، الذي استمد فلسفة هذا التيار من تداعي الخواطر التي لا تخضع لمنطق السبب والنتيجة، ما حمل نقدًا باعتباره اتجاهًا يُبرز التناقض في حياتنا. وبالتالي هو وجه لهذا الواقع. علاوةً على أنّ فريدا كاهلو، لاحقًا، من التيار نفسه، كتبت في سيرتها الذاتية “لم أرسم أبدًا أحلامًا، بل أرسم واقعي الحقيقي فقط”.

هذه الوضعيات السريالية تعترف بعلاقتها الوثيقة بالواقع، بل تتحدّث عن نقله على اللوحات. إلّا أنّ عموم الآراء تنفي هذه العلاقة بين الواقع والفنان السريالي الّذي منعت سامية نفسها من أن تكونه حتّى اليوم، آسفةً، ومكررة على لسانها أسفها مرتين، على هذا التوجه العام الّذي لا يتمتّع بثقافة فنية تغذّيه بهذه المفاهيم أو بالمجهود الفائض الّذي يدفعه لتفكيك رموز اللّوحة. ففي تعاطيها المباشر والافتراضي في صفحات الانستغرام، لمست سامية أنّ “الناس تريد فنًا جاهزًا، ملموسًا. يعترفون بك حين تنقلين الوجه الذي ترينه، والخاضع لقوانين واضحة لا تحتمل اللبس”. في المحصلة، توضح بأنها تستقي خيارها من تجربة بيكاسو، الذي أمسك بزمام اسمه الفني من خلال الواقعية المتطرفة، لينطلق في ما بعد بنمطه التكعيبي.

رَسم “أروع من أن يُصدّق”
التدخل الديجيتالي الّذي ساعد سامية على فهم الذوق العام، الميزة الّتي لم تكن للمتاحة للفنانين قبل العام 2000، حملت لطريقها الفنيّ مفاجأة من نوع آخر: “كثيرون لا يصدّقون أنّها رسوم حقيقيّة. يتهمونني بأنّني fake (مزيّفة) ولا أرسم هذه الوجوه بيدي”، بفعل طفرة البرامج وتطبيقات الهواتف الذكية التي تحوّل الصورة، في لحظات، الى رسم، تضيف اليها سامية لجوء بعض مدّعي الموهبة الى الرسم فوق الصورة نفسها. وفيما أرادت الاستفادة من منصّة reddit.com الّتي تعرض مساهمات لفنانين على نطاق عالمي، وردتها التهمة “المؤكّدة” نفسها من هذا الموقع الّذي لم يجد أدنى فارق بين رسومها وصور الأصل فلم يعرض بورتريهاتها.

لكن لسامية طبيعة مرِنة لا تحبطها العواقب، ولا تنتظر الفرصة، تصنع هي الفرصة “تلقّفت هذه الشبهات بإيجابية، لأنّه في باطن التشكيك إعجاب كبير بحقيقيّة هذه البروتريهات”، ولردّ هذه التّهم، منذ مدّة غير بعيدة اجتهدت سامية بتصوير فيديوهات خلال قيامها برسم البورتريه “من الألف الى الياء”، فيما تعرّفت أيضًا على متعة جديدةً في صناعة الفيديوهات الفنية، تعرضها في حسابها الذي يتابعه أكثر من 146 ألف مستخدم. الابتكار هنا جاء في قدرتها على توظيف السلاح الديجيتالي الذي حوربت به موهبتها لصالح الموهبة ذاتها.

كذلك، صنعت داغر لنفسها تحدّياً في رسم البورتريهات بقلم الحبر الناشف، الّذي لا يسهل تطويعه لنقل تدرجات الألوان والظلال ونتوءات الوجه المهجرية، بحيث خلقت لأسلوبها حداثية مختلفة عن كلاسيكية عصر النهضة أو النيوكلاسيكية التي كانت تستخدم تقنيات الزيت والأكريليك. ويتباين العمر الجنينيّ للّوحة، من نصف ساعة الى شَهر، تبعًا لعوامل عديدة تعدّدها كالتالي “الوسيط التقني، وحجم الورقة، وكمية التفاصيل في الوجه، وعدد الشخصيات والخلفية”.

بالفنّ.. طرابلس نحو الرحابة
وكانت سامية قد انتقلت مؤخرًا الى ممارسة الرسم المباشر، متخذة زاوية في معرض رشيد كرامي الدولي، نصبت فيه محترفها وشاشة صغيرة تعرض فيديوهاتها، فيما تزاحمت على جدران جناحِها زهاء سبعين بورتريه لمشاهير وسواهم. تفرغ حيّزًا من وقتها المكتظ باستفسارات الزوار وطلباتهم في حديث لـ”المدن” ختمت فيه أنّها ستسعى في المرحلة المقبلة إلى البحث عن فرص فنية في الخارج، بعدما تلقّت دعوات من معارض دولية في الصين وأميركا وبريطانيا. لكن السياق الخارجي يردّها، بمفعول عكسي، للحديث عن مدينتها طرابلس “بدأتُ من طرابلس أحصد المشجعين. من أهلي وأصدقائي وأساتذتي. طرابلس لا غنى عنها وكذلك لا غنى عن الفن لطرابلس”، هنا قد تنقلب الأدوار بحيث يفي الفن بالتزامات تجاه مدينتها. تراه بمثابة بوابة ترانزيت تنعطف بصورتها الأصولية نحو الرحابة.

وتتابع الشابة الطرابلسية مشوارها التشكيلي مع مشروع سريالي بدأت تتجهّز له، تخطوه اليوم بثقة بعدما كوّنت رصيدًا من المتابعين، تخبره بأنّ اليد الموهوبة بأنها متى بدأت بالعمل فإنها لا تتوقف عند أي حد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق