بيروت التي علّمتني “السياسة” وديانا التي اخترعتُها / وائل السوّاح

تعلّمت في بيروت خلال الأشهر الخمسة شيئا جديدا اسمه “السياسة”. ففي بيروت فقط اكتشفت أننا لم نكن نشتغل في السياسة في سوريا، بل نطلق شعارات إيديولوجية وأخلاقية، ونسمّي أحلامنا سياسة، ثمّ ندفع ثمن ذلك سنوات من عمرنا في سجون غير أخلاقية وغير إنسانية. بدأنا أصلان عبد الكريم وأنا نزور ممثلي القوى السياسية الوطنية اللبنانية والفصائل الفلسطينية. التقينا مع ممثلي الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي وتنظيم الأممية الرابعة (التروتسكيين) والحزب التقدمي الاشتراكي والمرابطون، والتقينا الجبهة الشعبية والفلسطينية والديمقراطية ويسار فتح. ولكن بيروت لم تكن عاصمة اللبنانيين والفلسطينيين فحسب، بل عاصمةً لليسار العربي عموما، وفيها التقينا بمنظمتي إلى الأمام و23 مارس المغربيتين، وحزب العمال الشيوعي المصري والحزب الشيوعي السوداني.

من بين الكثيرين الذين التقيت معهم، سيرسخ في ذاكرتي ثلاثة. الأول هو سعد الله مزرعاني، مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي اللبناني. كان سعد الله شابا شديد التأنّق في الملبس والحديث، ينتقي كلماته بعناية، ليوحي بالشيء دون أن يبوح به. جاء من خلفية نضالية طلابية وشبابية، فرئس الاتحاد العام لطلبة الجامعة اللبنانية ثم شغل منصب الأمين العام لاتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني، واحتلّ في 1976 مقعدا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني، كواحد من أصغر أعضائه، وأشدّهم مناصرة لنائب الأمين العام آنئذ جورج حاوي. كان حاوي قد حقّق انتصاره الكبير على نيقولا الشايب، الزعيم التاريخي للحزب، الذي سيتوّج ذلك الانتصار بعد شهر أو اثنين في المؤتمر الرابع الذي سيقصي الشايب إلى منصب الرئاسة الفخري ويضع حاوي في منصب الأمين العام. يستطيع مزرعاني أن يقول لك الشيء دون أن يقوله. هو كان ضدّ النظام السوري بدون شكّ، ولكنه كان يتحدّث دائما عن العلاقات السورية-اللبنانية ودور سوريا في حماية الحركة الوطنية اللبنانية. وفي مكتبه، الذي كان فيه من أناقة صاحبه الكثير، كان مزرعاني، رغم حداثة سنّه، يتحدث بهدوء وخبرة، وقد أذهلني في كلّ مرّة حجم المعلومات والتفاصيل التي يمتلكها عن السياسة اللبنانية والإقليمية والدولية. تفاصيل لم نكن نمتلك ما يشبهها في سوريا، بسبب حجب النظام للمعلومات وإيصاله فقط تلك التي يريدها أن تصل. كلّ ما نعرفه في سوريا كان بواسطة الشائعات، بينما يعرفون في لبنان كلّ شيء عن طريق الصحافة أو من فم أصحاب العلاقة مباشرة. ولطالما أشعرني ذلك ببعض الغيرة. بعد سنوات سيرتقي مزرعاني في قيادة الحزب ليغدو نائبا للأمين العام، وسيحاول جهدا الوصول إلى الندوة البرلمانية دون جدوى، ولكنْ، أفضلَ من ذلك، سيغدو كاتب عمود متميّز.

يختلف نصير الأسعد في كلّ شيء تقريبا عن سعد الله مزرعاني، فهو أقلّ رسمية وتكلّفا، وأشدّ حماسة وأكثر وضوحا. ولعلّ خلاف الرجلين يكشف خلاف تنظيميهما، فنصير كان قياديا في منظمة العمل الشيوعي التي كانت أكثر ثورية ووضوحا من الحزب الشيوعي. إلى حدّ كبير، ندين في رابطة العمل الشيوعي بالكثير إلى منظمّة العمل الشيوعي، اقلّها في الاسم. ولكن إلى الاسم، استعرنا من المنظّمة حسّها النقدي ووضوح الرؤية لديها وعدم خشيتها من مواجهة تابوات الماركسية اللينينية. ومع ذلك ثمّة بين سعد الله ونصير تشابه، فنصير أيضا جاء من خلفية طلابية وكان عضوا في المكتب التنفيذي للاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية. انخرط في الحرب الأهلية كسائر أبناء جيله، وعارض بقوّة دخول الجيش السوري إلى لبنان، أواخر عام 1976، وظلّ معارضا لنظام الأسدين حتى اللحظة الأخيرة. حين تعرّفت إليه، كان نصير رجلا وسيما، مديدا، قوي البنية، يميل إلى البياض، بشعر فاتح وعينين كستنائيتين حليمتين. وكان يسحرني بمقدرته على التحليل السياسي، بعيدا عن الخطاب الإيديولوجي الذي كان كلّ شيء في حياتنا السياسية – تقريبا. تعلّمت من نصير أن الشجاعة لا تعني تعريض الصدر للرصاص وأن البرلمان ليس أمرا سيئا وأن حرية الصحافة والتعبير مسألة لا يمكن التضحية بها على أي مذبح إيديولوجي. والحقّ أن نصير كان مخلصا لديمقراطيته أكثر من إخلاصه لأيديولوجيته، لذلك سينتقل في التسعينات إلى خندق سياسي وأيديولوجي آخر. في 1982، سوف يشارك في مقاومة الغزو الإسرائيلي، ويرحل عن لبنان على متن الباخرة التي أقلّت قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، ليعود بعد ثلاث سنوات، ليمتنهن الإعلام والكتابة في أسبوعية “بيروت المساء”. في عام 2000، سيعلن تأييده لحركة الاستقلال التي بدأت في قرنة شهوان، ثم، بعد الاغتيال المفجع للرئيس رفيق الحريري، سينضمّ إلى قوى 14 آذار، وفي 2011، سينضمّ إلى أسرة صحيفة الجمهورية. وسيظلّ يكتب دفاعا عن الحرية والديمقراطية حتى يقع أرضا في نوبة قلبية.

الشخص الثالث الذي ترك فيّ أثرا كبيرا تروتسكي عنيد ومثقّف رفيع، كان يمكن جدا لو أنه عاش في عصر مايكل آنجلو أن يجلس أمامه موديلا للمسيح – لولا شارباه ربما. إنه كميل داغر، المفكر والكاتب والمترجم والمثقّف. في حين كنا نذهب، أصلان وأنا، عادة لنلتقي بالسياسيين اللبنانيين والفلسطينيين، كان كميل يأتي إلينا، غالبا بصحبة رفيق له عرفته باسمه الحركي صلاح، لأنه كان وقتها مطلوبا لجهة ما. ولا أدري إن كانت الشقّة التي سكناها في بير العبد له شخصيا وللتنظيم، إلا أن كميل تكفّل تقريبا بكلّ ما يخصّ الشقة، وكان يمرّ مرّة كلّ أسبوع ليطمئن على أننا لا نحتاج لشيء. في أحيان كثيرة كنا نسهر سوية، نحن الأربعة (أصلان وكامل عبّاس وأحمد رزق وأنا) مع كميل وصلاح، لنتحدّث عن الثورة الدائمة وإسحق دويتشر وفظائع ستالين، وأحيانا عمّا يجري في سوريا ولبنان. كان كميل شابّا أنيقا نحيلا، بشاربين أسودين كبيرين لا يناسبان وجهه النحيل. وهو يبدو مثقفا بورجوازيا أكثر منه مناضلا ثوريا، شديد التهذيب، حين لا يهاجم الستالينيين. الحوار مع التروتسكيين كان يشبه حواراتنا في سوريا، مليئا بالحماس والتوقّد، فيه كلمات كبيرة وذات وقع، وشعارات برّاقة، نحكي عن طبيعة الثورة وخلافات كامينيف وزينوفييف مع ستالين أكثر من سعر الخبز وخلافات خالد بكداش مع رياض الترك. أجد نفسي مع التروتسكيين أكثر، فمعظمهم مثقفون وقارئون نهمون، يهتمّون بشكلهم العام، ولا يرون في الثورة أخلاقا شارعية، ينفعلون في حدود الأدب، ويحتدّون في حدود اللياقة. وكان كميل داغر تمثيلا ممتازا عنهم. أحببت من بين التروتسكيين أيضا مي غصوب، التي شاركت في حرب السنتين، وفقدت إحدى عينيها حين اشتركت بمحاولة لإخراج الجرحى من مخيم تل الزعتر الفلسطيني الذي حاصرته قوات حافظ الأسد ودمّرته. ولكن بينما تحوّلت مي فيما بعد عن تروتسكيتها نحو الليبرالية، لا يزال كميل داغر يصارع “وحده ضدّ الجميع”، من أجل إثبات أن الثورة الوحيدة الصحيحة هي الثورة الدائمة.

ولكن حياتي في بيروت لم تكن كلّها سياسة. في بيروت أعدت علاقتي مع البحر والروشة ورصيف عين المريسة الرحب السهل الواسع، الذي كنت أشعر أنه يتسّع لكلّ السوريين. وفي بيروت تعرفّت على سيجارة الجيتان بدون فيلتر، وكنا نسمع أن مصانع جيتان مملوكة للحزب الشيوعي الفرنسي، فأقبلت عليها. وبغض الطرف عمّن يملكها، فقد كانت تلك من ألذّ السجائر التي جرّبتها في حياتي. وأحببت في بيروت الكرم والكياسة، لأستعير مفردة يحبّها صديقي حسّان عّباس. ثمّة كرم في كلّ شيء: في صحن الحمّص وسندويشة الشاورما وكعكة الكنافة بالجبن، ولياقة في الخدمات نفتقدها في سوريا. وجدت في جيبي ذات مرّة بضع ليرات فائضة عن أجرة السيرفيس، فدخلت مطعم دبيبو على الروشة، وطبت بطحة عرق، وجلست أتأمل زرقة البحر البيروتي الفاتنة. بعد دقائق، جاء النادل وفرش أمامي أكثر من دزينة من الأطباق الصغيرة على شكل زوارق، فيها كلّ أنواع المازة اللبنانية الشهيرة. أحسست بالحرج، وخشيت ألا تكفي الليرات التي كانت في جيبي، فقلت بتردد:

“بس أنا ما طلبت كل هدول.”

فهتف بي النادل بابتسامة عريضة:

“ولو يا بيك! هاي ضيافة.”

ثم صبّ لي العرق في الكأس ومضى. ولم يهنأ لي عيش حتى جاءت الفاتورة: خمس ليرات لبنانية!

كنا في أيام الأحد وبعض أيام الأسبوع (ثلاث مرّات في الأسبوع) ننزل من بيتنا إلى شارع الحمراء، فنسير فيه متمهّلين، نتأمل الجمال الفاتن من حولنا: صبابا جميلات وأزياء جميلة وشباب ومحلات نظيفة وأنيقة. وكنت أتساءل كيف كان البيروتي يحافظ على جمال مدينته، رغم الحرب والدمار والموت والخوف. ولم أكن أجد جوابا، إلى أن اجتاحت المدينة جحافل حزب الله، فبدّلت في معالمها وأخلاقها وكياستها. يا حبالتاي[i]! وحين لا نذهب إلى الحمراء، ننزل إلى الروشة بملابس السباحة، فنسبح بضع ساعات. أمهرُنا في السباحة وأكثرنا عشقا للبحر كان كامل عبّاس، الذي كان يسبح كالسمكة، يليه، ربما، أصلان عبد الكريم. أما أحمد رزق وأنا، فكنا لا ننزل الماء إلا إذا رُمِي بنا فيه.

وسواء كنا في الحمرا أو الروشة، فإن هدفنا بعد ذلك سيكون الفاكهاني، حيث بيت غسّان العمري، رفيقنا الحموي السابق الذي احتوانا نحن الأربعة مع زوجته الجميلة هالة. كنا ننادي غسّان “الخال”، رغم أنه كان في عمرنا تقريبا. كان غسّان وهالة يقدّمان لنا القهوة وسندويشات الزبدة ومربى المشمش، ونحن نتناول ما يقدّمان لنا، ثم نلتهم كلّ ما في الثلاجة من فاكهة، دون أن نفكّر في أن غسّان وهالة يعملان كلّ السبوع ليؤمّنا ذلك.

على أنني كثيرا ما كن أشْرُد في بيروت وحيدا. أحد الأماكن التي كنت أقصدها كان بيت مناضلة عنيدة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. كانت آمنة امرأة نادرة، لديها من الحب والدفء ما توزّعه على أمّة بأكملها، متزوجة من عمر (على الأرجح هو اسم حركي)، وهو من ناشطي منظمة 23 مارس المغربية. وفي بيتهم، كنت ألتقي بشباب وصبايا فلسطينيين ومغاربة وظفاريين وسودانيين، عيونهم مشتعلة ببريق العزم والتصميم، وقلوبهم عامرة بحب عظيم، وجيبوهم، في الأغلب، خاوية. كانت آمنة تطعمنا خبزا وجبنا وحمّصا وتسقينا عرقا مثلّجا، وفي بيتها الصغير الحميم، كنا نتجادل في السياسة والكفاح المسلح وانتهازية أبو عمّار، ثمّ نغني بصوت كئيب:

يا فلسطينيه

والبندقاني رماكو

بالصهيونيه

تقتل حمامكو في حداكو

يا فلسطينيه وانا بدي اسافر حداكو

ناري في ايديه

وايديه تنزل معاكو

على راس الحيه

وتموت شريعه هولاكو

في نهاية السهرة، يذهب الجميع، فرادى أو جماعة، نحو بيوتهم ومخيماتهم، ويصرّ عمر وآمنة أن أبيت عندهما، فيعطيانني فراشا صغيرا، وغطاء لا أحتاج إليه في الأغلب. وفي الصباح، يستيقظ عمر قبلي، ويعد القهوة، ثمّ يعطيني صفحة من لبن رائب بارد.

“كلْ،” يقول، “اللبن يخفّف الصداع بعد الإسراف في الشرب.

“ولكنني لم اشرب كثيرا،” أقول محتجّا.

“كلْ!” يقول آمرا، ثم يغادر البيت، وأبقى وآمنة التي تعدّ لي الفطور وتجبرني على تناوله، قبل أن تتركني أذهب إلى الجريدة.

هؤلاء جميعا يحتلّون مكانة عزيزة في ذاكرتي البيروتية، وقد أضاءوا جميعا عتمة القلب في الزنزانة الانفرادية التي ستستضيفني بعد سنتين. ولكنّ ذكرى أخرى هي التي تسكن قلبي وعقلي ومخيّلتي، ذكرى تتوهّج دائما في سماء القلب، وترفض نارها أن تخبو: سيّدة رقيقة نحيلة بعينين شفّافتين، حزينتين، وشفتين رقيقتين حائرتين، وصوت هامس دائما، فيه جرس حزين ومسيطر وآسر. لا أذكر الآن كيف تعرّفت على ديانا محفوظ، ولكنني أذكر أنني بعد خمس دقائق من لقائي بها أحسست أنني أعرفها منذ سنوات. كانت ساحرة، فاتنة، كريمة، ولها تأثير صاعق على المرء، يصعب عليّ وصفه أو شرحه. كنت أزورها في بيتها، وغالبا ما كان في بيتها شباب وصبايا لبنانيون، لعلّهم طلّاب أو متخرّجون حديثا، يطيب لهم الحديث في الشعر، وعلاقة الأدب بالحرب، وبؤس السياسة. كانوا، جلّهم، لا يحبّون الالتزام في الفن، فتجدهم أقرب إلى كولن ويلسون وألبير كامو من سارتر وأنطونيو غرامشي. لم يكن خطابهم شعبيا في ذلك الوقت، ولكنه كان يلقى في نفسي هوى وأنا الذي عانى ما عانى من الرفاق في دمشق بسبب شراستي في الدفاع عن روايات عبد السلام العجيلي وشعر أدونيس ولوحات سعد يكن وأفلام إنغمار بيرغمان، ونقدي الشديد لكتاب “الأدب والإيديولوجيا” لبو علي ياسين ونبيل سليمان، الذي كان رائجا في تلك الفترة. تمرّ بنا الساعات دون أن نشعر بها، ثمّ تقف صبية وتقول: “تأخر الوقت. لا زم امشي.” وتمشي، ثمّ، يمشي بعدها الآخرون، وبينهم أنا، ورأسي ثقيلة بالفودكا ولوحات مودلياني وقصائد خليل حاوي، الذي سيغادرنا بعد ثلاث سنوات، إبّان الغزو الإسرائيلي للبنان واحتلال بيروت، مطلقا الرصاص على رأسه.

في إحدى المرّات، كان في قنينة الفودكا ثمالة لم يأت عليها الأصحاب. وحين مشت الصبية التي تعلن عادة انتهاء السهرة، ومشى خلفها الآخرون، وأردت أن أمشي بدوري، قالت لي ديانا: “تعا نخلص القنينة.” نظرت إلى القنينة وإليها وإلى الرفاق الذين كانوا يغادرون، وقلت لنفسي: “لمّ لا”. في غرفة جلوس ديانا طرّاحة ممدودة على الأرض بإهمال، أحضرنا إليها زجاجة الفودكا وكأسين صغيرتين، وافترشت ديانا الطرّاحة بجسمها اللدن المطواع، وجلست قربها، مسندا ظهري إلى الجدار، مرسلا ساقّ أمامي، مستعرا راحة غريبة وخَدَرا لذيذا. حكيت لها عن دمشق ورابطة العمل وفادية وكومونة المخيم والملاحقة والتخفي وجميل حتمل وفواز الساجر. وحكت لي عن بلدتها الصغيرة في الجنوب، مرجعيون، وجارتها الشيعية النبطية، واحتفالات عاشوراء، وأخيها الشاعر الرائد عصام محفوظ.

سحبت ساقيّ المرسلتين وطويهما تحتي متربّعا.

“عصام أخوك؟” قلت وكأنني لا أصدق.

“إي، ليش مستغرب؟”

“زنزلخت، أعشاب ميتة، بيان مسرحي رقم واحد.”

“وأعشاب صيفية وسرحان بشارة سرحان…”

ضحكتُ بسعادة غامرة لهذه الاكتشاف الجميل. كان عصام أحد الأدباء الأكثر قربا لقلبي. كان هو وأنسي الحاج أصغر مؤسّسي مجلة شعر، كتب أجمل قصائده قبل حرب حزيران، وحين وقعت الهزيمة، كتب قصيدته الشهيرة “وداع الأيام الستة”، وبها ودّع عالم الشعر وقرّر هجرته إلى المسرح، وأصدر بيانه الانقلابي الشهير “بيان مسرحي رقم واحد”، الذي أعلن ولادة اتجاه جديد، مشاركا فيه سعد الله ونّوس في “بيانات من أجل مسرح عربي”. كان عصام وقتها في باريس، يعاني من أزمة نفسية مؤلمة، لن يتمكن من اجتيازها مطلقا. سيعود منتصف الثمانينات ليدرس في الجامعة ويكتب في النقد والمسرح، قبل أن تختطفه نوبة قلبية عام 2006.

نظرت إلى ساعة يدي. كانت الساعة تجاوزت الثالثة فجرا. قفزت كالملدوغ، وهتفت: “لازم امشي.”

“فيك تنام هون إذا بدّك. ما ضلّ سرافيس هلق والتكاسي غالية.”

بقيت. أكملنا حديثا هاجسا عني وعنها، وكان صوتها الآسر يأخذني ويغوص بي في لجّة من المتعة واللذة والطمأنينة والهدوء. لا أدري إن كانت ديانا جميلة، ولكنّ فيها سحرا طاغيا يصعب مقاومته. حين خرجت من السجن، حاولت أن اسأل عنها بلا جدوى، لم يبدُ أن أحدا يعرف هذا الاسم. سألت أصدقائي اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين عنها، فلم يثرْ الاسم أي ذكرى لديهم. وحين جاءت الموجة الزرقاء (فيسبوك ونويتر) بحثت عنها مطوّلا. لا جدوى! أ يشبه اختفاؤها حدثا في قصة بوليسية غامضة، ولكن على عكس القصص البوليسية الغامضة، لم أستطع حلّ هذا اللغز. كانت وهما؟ أكانت شخصا اخترعته في زنزانتي ليؤنس وحدتي ويعوّضني عن خسائري في بشر حقيقيين آخرين؟ ربّما. ولكن، إذا صحّ ذلك، فسيكون أجمل ما اخترعت في حياتي.

 

[i]  حبالتاي مفردة آرامية نستخدمها في حمص، وتعني معا مزيجا من “يا للأسف والألم واللوعة والخسارة”.

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق