محنة السّؤال النّقدي في فكر طيب تيزيني( ج3)

ثانيا: الوعي الشّقي لمحنة السّؤال النّقدي

عندما نستحضر الشّروط التّاريخيّة الاجتماعيّة العربيّة الحديثة والمعاصرة، وبنى التّركيب الاجتماعيّ الاقتصاديّ السّياسيّ الدّاخليّ، وما ميّز كلّ ذلك من صراعات سياسيّة تحرريّة داخليا، وفي الوقت نفسه بأفق وطني للتّخلص من السّيطرة والهيمنة الاستعماريّة والإمبرياليّة، بالإضافة إلى الحضور المستمر للمشروع الصهيوني باستراتيجيّة سياسيّة غربيّة تتجاوز الفهم السّطحي للاحتلال وحتّى للاستيطان والتّطهير أو الإبادة إلى تفكيك العمق التّاريخيّ الحضاري العربيّ الاسلامي على كلّ المستويات  الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة والثّقافة…، أي القضاء على كلّ ما يمكن أن يشكلّ سيرورة بناء ونهوض راهنا ومستقبلا، وبالتّالي التّحكم في مصائر مسارات الحركة التّاريخيّة والسّياقات السّياسيّة الاجتماعيّة الثّقافيّة للمجتمعات العربيّة، بما يجعل البلدان العربيّة غارقة في التّخلف والتّسلط السّياسيّ والتّفكك الاجتماعيّ والديمغرافيّ…، وهي تتشرّب السّقوط والموات الأبدي لحالة مزمنة من الخيبات والإنكسارات والهزائم على مستوى التّنمية الداخليّة والتّحرر الوطنيّ…، عندما نستحضر كلّ هذا وغيره كثير كضرورة تاريخيّة سياسيّة فرضت نفسها بحكم معطيات المرحلة الحضاريّة لصدمة الحداثة واللّحظة التّاريخيّة للتّوسع والتّراكم الرأسماليّ في وجهه الخارجي المسكوت عنه، وهو وجه بشع غير ديمقراطي، وعنيف دموي كاستعمار همجي أسّس تراكمه الرأسمالي انطلاقا  من نهب كلّ الخيرات والثّروات واستعباد الشّعوب بوسائل القهر والخراب والقتل والتّشريد…، إزاء كلّ هذا ندرك خطورة الأمانة الّتي تحمل المثقف العربي مسؤوليّة شقاء حملها، وهو  يعاني عذابات ألم وعيه الشّقي بين ما يعرفه ويعيه ويطمح ويتطلّع إلى تحقيقه في التّحرر والحريّة، في التّقدم الاجتماعي والازدهار الاقتصاديّ، في الثّورة ضدّ كلّ البنيات السّياسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة المتخلفة والتّقليديّة…، وبين ما يعيشه على مستوى الواقع الحيّ من خيبات وهزائم ومآسي، كما لو أنّ قدرا غيبيا يتحكّم في مصير مجتمعه. ” إنّه مؤسف، وبعد عقود من الاستقلال والتّحرر الوطني، أن ينتهي العالم العربي إلى خطاب الأعراق والأديان والأقلّيات، إضافة إلى خطاب الاستحواذ على الوطن تاريخاً وراهناً ومستقبلاً، يداً بيد مع خطاب الاحتراب والمحاصصة، والمستقبل العربي المخطوف والمخترق.”51

هكذا يتبيّن لنا المقدار الهائل لعبء محنة السّؤال النقدي الّذي فرض على المثقف العربيّ أن يكون سياسيا، أي أن يكون بوعي أو دون وعي تحت سطوة الإيديولوجيا بشكل أو بآخر في كلّ مختلف أشكال تعاطيه مع كلّ المعارك بما فيها الفكريّة الثّقافيّة. “هكذا تتبدّى أمامنا مشكلّة التّراث العربيّ- بجانبه الفكريّ الّذي سنركّز عليه- من حيث هي مركّب من القضايا الماضية والرّاهنة والمستقبليّة، الّتي تحرّض الباحث على التّصدي لها بمبضع العالم السّياسي، أو بشكل أدق، بمنظار العالم السّياسيّ والسّياسي العالم. فالمفكّرون والباحثون والمثقّفون العرب بأغلبيتهم في المرحلة المعاصرة يقرّون على الرّغم من متحدراتهم الاجتماعيّة الطبقيّة والفئويّة وآفاقهم الإيديولوجيّة والسياسيّة المتمايزة كثيرا أو قليلا- بأنّ أهميّة طرح قضيّة التّراث القوميّ ليست متأتية من طبيعة تراثيّة تدخل في نطاق البحث العلمي والإخلاص للحقيقة العلميّة فحسب، إنّهم ينظرون إليها بهذا الشكل أو بذاك وبهذه الدرجة أو بتلك، أيضا بالعلاقة مع الواقع السّياسيّ والحضاري العام في الوطن العربيّ. وهذا بغض النّظر عن أنّه حتّى أولئك الّذي يعدّون منهم أنّ نشاطهم التّراثي العلمي الأكاديمي بعيد كلّ البعد عن ذلك الواقع، يقومون بهذا النّشاط ضمن الأفق السّياسي والحضاري العام للمرحلة الّتي يعيشون فيها ببعديها المحلّي والعالمي، وفي حدود الإمكانات الّتي تتيحها لهم هذه الأخيرة. لقد اكتسبت قضيّة التّراث العربيّ الفكريّ أهميّة خاصّة متميّزة من حيث بروز علاقتها الجدليّة العميقة بالواقع الاجتماعيّ الطبقيّ والقوميّ والسّياسيّ العمليّ، وبالحياة الإيديولوجيّة في هذا الواقع.”52  تعمدنا وضع هذا النّص للطيب تيزيني رغم طوله لأنّه خير معبّر عن المسار والحركة والديناميّة الّتي ميّزت تاريخ عمليات تشكل البنيات الفكريّة الحديثة والمعاصرة بما يتجاوز زاوية النّظر الضّيقة الّتي تسجن نفسها داخل المقاربات الاختزاليّة النقديّة للإنتاج الفكريّ باعتباره فكرا فرديا يسهل مدحه أو التّهجم عليه بلغة الصيرفي الّذي يزن الأشياء بمعايير قيمة العملة النقديّة، أو  الصّواب والخطأ، متكلّما باسم حقيقة مّا، أي باسم حقيقة مضادّة. هكذا نفهم بأنّ تاريخ عمليات تكون الفكر النقدي كسؤال نقديّ كان حافلا بالمحن والآلام والمعاناة والعذابات المختلفة الّتي تراوحت بين القهر السّياسي والسّجن والمنفى والاغتيال، وبين حطام التّطلعات الديمقراطيّة والتّنويريّة والطّموحات العقلانيّة النهضويّة المهزومة والمغدورة، والهزائم المتوالية تجاه السّيطرة والهيمنة الغربيّة،  وتمدّد المشروع الصهيونيّ، في ظلّ أنظمة مقنعة بالوطنيّة، أو بالتّقدميّة، والثّوريّة المخابراتيّة، متسترة على عمليّة تأبيد للاستبداد السّياسيّ،  القاتل للسّياسة وللمجتمع والثّقافة والدّولة بالمعنى الحديث للانتظام الاجتماعيّ الانسانيّ، مفسحة المجال لانتشار الخراب الظلاميّ الأصوليّ، كمحصول وحيد أنتجته مخططات تنميّة التّصحر السّياسي السّائد. ” أخفقت مشاريع التّنمية العربيّة، واندلعت صراعات غير مثمرة تاريخيا يفضي إلى ما يقترب من الانتحار الذّاتي، وذلك من نمط الحروب الأهليّة والطائفيّة والإثنيّة والعربيّة العربيّة، وتهدّمت المؤسّسات الدولتيّة والمدنيّة، في معظمها، على ضآلتها وضحالتّها، وتمت عمليّة استفراد السّلطة السّياسيّة والقرار السّياسي من قبل نخب أو أفراد، واتّجه النّشاط الاقتصادي نحو استقطاب متعاظم للثّروة والأموال العامّة في أيدي طغم قفزت إلى الأعلى، دونما تراكم تاريخي على صعيد وجودها الاقتصادي والسّوسيوأخلاقي والسّياسي …وراحت العولمة الجديدة الوريث الشرعي للإمبرياليّة تحفّر بعمق في العالم. وتعاظم المشروع الصهيوني واستشرى طارحا استراتيجيته الجديدة إلى إعادة تكوين العالم العربيّ تاريخا وهويّة وتركيبا  اقتصاديا وديمغرافيا وقيميا، وأخيرا وفي سياق ذلك كلّه وعبر تكريسه ومنحه طابع الديمومة، بدا الأمر وكأنّه انكسار شامل وعميق وقطعي لاحتمالات مشروع نهوض عربي.”53

وفي هذا السّياق من شقاء الفكر كان الوعي الشّقي لمحنة السّؤال النقديّ معبّرا عن حجم المعاناة الّتي يعانيها المثقف العربي لأسباب موضوعيّة وأخرى ذاتيّة كانت تتطلّب تجذير الفكر النقديّ باعتباره روح السّؤال الحرّ الجريء بحججه النقديّة المقنعة الّتي تطال كلّ شيء مهما كانت سطوة الطابو والممنوعات، وهو لا يكرّر نفسه من مرحلة لأخرى كإشكاليات وأسئلة زائفة، بل يهيئ نفسه للاستيعاب والتّجاوز فيما يشبه القتل الرمزيّ، لأنّ السّؤال النقدي لا يؤمن بالأبويّة والحقائق الخالدة. ولنا في خطاب جورج طرابيشي ما يدلّ على ذلك الكمّ الهائل من معاناة جيل الوعي الشّقي:” أنتمي إلى جيل الرّهانات الخاسرة. فجيلنا قد راهن على القوميّة وعلى الثّورة وعلى الاشتراكيّة- وهو يراهن اليوم على الديمقراطيّة- لا لقيم ذاتيّة في هذه المفاهيم، بل كمطايا إلى النّهوض العربي وإلى تجاوز الفوات الحضاري، الجارح للنرجسيّة في عصر تقدّم الأمم.”54 وهذا ما جعلنا نصف إشكاليّة البحث في فكر طيب تيزيني بأنّها محنة السّؤال النقديّ الّتي تضافرت فيها الكثير من العوامل والأسباب والسّياقات في كبت وقمع وقهر وإرجاء اشتغال السّؤال النقدي، ممّا أدّى إلى نوع من التّموج في تكون وتبلور وتطوّر الفكر العربيّ الحديث والمعاصر، أي كان يركب الموجات الآتية من الغرب، أو من الشّرق الاشتراكي سابقا، من القوميّة إلى الثّورة والاشتراكيّة، ثمّ إلى النّهضة، والبروسترويكا، مرورا  بركوب موجات تحوّلات مجتمعات شرق أوروبا الّتي رفعت شعارات الديمقراطيّة والمجتمع المدني…، دون أن يتمكّن – الفكر النقدي العربي- من إنتاج واكتشاف السّؤال النقديّ القادر على التّفكير عالميا والتّصرف محلّيا استجابة للتّحديات، بدل السّقوط في التّكرار القهري في دائرة ردود الأفعال المرضيّة. ” إنّ الفكر العربي المعاصر منذ عصر النّهضة هو فكر عقيم، لأنّه دائري الطّابع يدور على نفسه بشكلّ مقفل، فهو ليس منفتحاً فعلياً على المشاكلّ الحقيقيّة الّتي تتخبّط فيها المجتمعات العربيّة. وذلك لأنّ الفكر النهضوي العربي يرفض الأخذ في الاعتبار الواقع الاستعماريّ الّذي يسود المجتمعات العربيّة ويولّد تبعيّة للفكر الغربي تحول دون إيجاد الحلول الجذريّة وأساليب الخروج من التّخلف. ولهذا السّبب أرى في كثير من الأحيان أنّ هناك استنزافاً فكرياً عند المثقفين العرب الّذين يناقشون باستمرار المواضيع نفسها والإشكاليات نفسها في تحليل التّخلف وبتكرار رتيب لا يؤدّي إلى أيّ نوع من النتيجة. ويقول مهدي عامل مرّتين أو ثلاث مرّات في كتابه ما معناه أنّه إذا كانت هذه المشكلة لا حلّ لها فهذا يعني أنّ المشكلة مطروحة بطريقة غير صحيحة، وهو في ذلك على حقّ تماماً. وهذه ممارسة لا نزال نعمل بها حيث نغلق على أنفسنا لأنّنا نضع إشكاليات لا يمكن أن نجد لها حلاً أو حلولاً، لأنّ معطيات الإشكاليّة هي أساساً غير صالحة وغير متجذرة في الواقع المجتمعيّ الّذي نعيشه.”55

نقول هذا دون أن يعني ذلك التّقليل من شأن المفكر النقديّ العربيّ، ولا من تبخيس قيمته الفكريّة والنضاليّة، بل هو مدعو باستمرار إلى ممارسة النّقد وتجذير أسئلته النقديّة كما هي حاضرة بقوّة في الواقع السّياسي وبنى تركيبه الاجتماعيّ الاقتصاديّ.” لا نستطيع أن نتمثّل بسهولة المعاناة الّتي يعيشها هذا الجيل ولا مدى شقاء وعيه عندما يدرك البون الشّاسع بين ما كان يعلّقه على المستقبل وبين الخلل الّذي وصلت إليه الأمور حيث يعمّ احتقار الشّعب والاستهانة بأبنائه، وحيث لا ينظر إلى الوطن إلاّ كمصدر للثّروات. لم يكن هذا الجيل ليتساءل عمّن هو المثقّف، ولا ليعقد النّدوة تلو الأخرى لبحث علاقة المثقّف بالسّلطة. لكنّه كان يعيش حركة ثقافيّة فعليّة، حركة تشكّل سلطة ضدّ سلطة، حركة مغروسة في المجتمع، تحلم بأحلامه، وتفصح عن رغباته، وتعبّر عن مطامحه، وتنطق لغته”.56

وانطلاقا من هذا الفهم والتّحليل يمكن فهم دموع المفكّر طيب تيزيني خلال المحطّات الأخيرة من حياته وهو يرى حجم الدّمار والخراب الّذي قامت به الدولة الأمنيّة لنظام الأسد الّذي حرق البلد ووالد وما ولد

ثالثّا نقد المفاهيم في فكر طيب تيزيني

ليس سهلا تناول فكر طيب تيزيني لأنّ الأمر يتعلّق كما قلنا سابقا في التّمهيد بسيرورة تاريخيّة لتكوّن البنيات  الفكريّة، حيث تضافرت مجموعة من الشّروط والعوامل والجدليات الفرديّة والمجتمعيّة والعلميّة…، لتمنح فكره تركيبا مفهوميا تسنده رؤى فكريّة نظريّة وطرائق منهجيّة بخلفيات فلسفيّة معرفيّة سوسيولوجيّة سياسيّة…، وهذا ما أهله للكتابة في التّراث الفكري واللاّهوتي، وفي تشخيص تاريخ البنى الاجتماعيّة الاقتصاديّة من الجاهليّة مرورا بالتّاريخ الاسلامي، وصولا إلى الفترة الحديثة والمعاصرة في مناقشته مشروع النّهضة والتّنوير. لهذا فإنّ دراسة ومناقشة فكر طيب تيزيني تستلزم إحاطة شاملة بالبعد النقديّ لجهازه المفاهيميّ، الّذي يستعمله في إنتاج معرفة بالواقع والفكر في جدليتهما. رغم ما يمكن تسجيلة من ملاحظات نقديّة، فهو لايسعتمل المصطلحات التّالية” الثّورة، التّراث، التّاريخ،

الاجتماع، الثّقافة، النّهضة…، بنوع من القصور النّظري والمنهجي، حيث يقدّم تعريفات دقيقة ومحدّدة فلسفيا ومعرفيا لما يؤسّس له من فكر علمي نقدي سواء في إنتاج الأدوات المعرفيّة النقديّة القادرة على إنجاز دراسته التّشخيصيّة الميدانيّة للواقع التّاريخيّ الاجتماعيّ في سياقاته وترابطاته الجدليّة الاقتصاديّة والسّوسيو ثقافيّة والسّياسيّة، أو في تناوله النقدي للسّيرورة التّاريخيّة للفكر العربيّ في تعثراته وأزماته المستمرّة. يستعمل تيزيني المفاهيم السّابقة إلى جانب الكثير من الجدليات: جدليّة التّابث والمتغيّر، المتّصل والمنفصل، الدّاخل والخارج، السّابق واللّاحق، النّهضة والتّنوير، الوجود والموت…، بنوع من الحذر المنهجيّ والمعرفيّ في ضبط المعاني المقصودة.

ففي غياب إلمام حقيقي بالمضمون المعرفيّ والفكريّ النقديّ، والإيديولوجيّ السّياسيّ بالأدوات الفكريّة الّتي تؤسّس وتؤطّر فكر تيزيني سيكون مصير أي قراءة أو دراسة لفكره مجرّد مدح مجانيّ، أو عدوانيّة نقديّة لن يكون لفعلها النقديّ أي قيمة مضافة في إثراء وإخصاب، أو تجاوز فكره. فهو يستعمل مفاهيمه بعيدا من جهة عن أيّة قداسة لاهوتيّة تمنع نقد الماضي وتعرية متخيله التّاريخي الأسطوري، نقدا فلسفيا ونظريا وتاريخيا ومنهجيا، وبعيدا من جهة أخرى عن صنميّة  مفاهيم المقاربة الماديّة الّتي يستعين بها في قراءة جدليّة الفكر والواقع، وما ينتج عنهما من أسئلة مؤرّقة ومتحديّة للفكر العربيّ الحديث والمعاصر. ففكر تيزيني ليس بسيطا كما قد نعتقد، خاصّة عند من يعانون من حساسيّة التّحليل الماديّ التّاريخيّ الاجتماعيّ ومستلزماته الطبقيّة، إنّنا إزاء فكر محكم علميا له تماسكه النظري الصّارم والدّقيق. فهو عندما يتحدّث عن التراث، العقلانيّة النقديّة، الثّورة، التّاريخ والنّهضة…، فانطلاقا من آليتين، ففي الأولى يشرع في تشخيص بنى التّركيب الاجتماعيّ الاقتصاديّ والثّقافي، بالموازاة مع نقد الأمر الواقع السّائد في مسلّماته وبديهياته، معتمدا استنطاق الواقع والنّصوص، وفي الآليّة الثّانية يعتمد الفكر الجدلي المادي التّاريخي مطعما في كتبه الأخيرة: الإسلام المبكر، وقراءة النّص، بمنهجيات حديثة في العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة. هكذا يتناول مثلا التّراث في تشخيص الواقع الحيّ في مستوياته الاقتصاديّة والسّياسيّة والإيديولوجيّة، ثمّ ينظر إلى التّراث من زاوية نقد المقاربات اللاّتاريخيّة واللاتراثيّة، وهو نقد للتّصورات اللاهوتيّة والقطعيّة في الاعتقاد بالحقيقة والخطّ الصّحيح، سواء في جذورها السّلفيّة، أو المتلبسة بالثّقافة العلمانيّة. وبهذا الفعل المنهجيّ، الّذي نجده حاضرا بقوّة في جميع كتبه مضمرا أو واضحا صريحا في محور خاصّ، بل خصص لهذا البعد المنهجيّ كتابا يحمل عنوان: على طريق الوضوح المنهجيّ،  استطاع كشف التّعدد والتّنوع والاختلاف والمنسيّ الثّوري والتّقدمي…، وهو في منهجه هذا ينسجم مع الخلفيات الفلسفيّة المعرفيّة والإيديولوجيّة للمنهج الماركسيّ كما يفهمه ويمارسه  (تحت مظلّة السّقف السّياسي لما يسميه الدولة الامنيّة ” لحزب البعث العربي الاشتراكي التّقدمي والممانع” في وجه الحريّة والعقل والعقلانيّة والنهضة والتّنوير…)،  في الاقرار بجدل السّابق واللاّحق، المتّصل و المنفصل، الدّاخل والخارج، النّهضة والتّنوير، الفكر والواقع…، مدعما تصوّراته وتفسيره المادي وأفق استراتيجيّة الكتابة، الّتي ينظر من خلالها إلى أسئلة الرّاهن، بمجموعة من نصوص الفكر الماركسيّ كما هي عند ماركس، أو غيره من المفكّرين والباحثين. هكذا استطاع الجمع بين المستوى العلميّ الأكاديميّ والسّياسيّ الإيديولوجيّ، كما استطاع نقد الفهم اللاّهوتي السّلفي وخطاب التّماثل والوحدة والتّطابق بنزعاته المختلفة، حيث جميع هؤلاء ينظرون إلى التّراث كواحد متجانس، وفي الوقت نفسه استطاع تيزيني أن يرسّخ مفاهيم نقديّة جديدة في قراءة إشكاليات وأسئلة الواقع والفكر العربيين، وبالتّالي تمكّن من خلخلة الفكر السّائد في وجوهه اللاتاريخيّة واللاتراثيّة، كما مارس طرقا منهجيّة في التّفكير والتّحليل والنّقد والنّقض…

لذلك لم يكن مفهوم التّراث عنده ماض نموذجي ولا خرقة بالية نرميها في أقرب مزبلة، ولم يكن مفهوم الثّورة والعقل والعقلانيّة النقديّة والحريّة… ،أشياء منثورة على قارعة الطّريق، أوسهلة التّهريب من السّوق الفكريّة الغربيّة، بل هي وليدة نقد مستمرّ لكلّ هذه المفاهيم في كلّ كتبه وهو يعري النّزعات اللاّتاريخيّة واللاّتراثيّة من السّلفيين والعلمانيين والمستشرقين والامبرياليين وصولا إلى المفكّرين العرب مثل الجابري. لهذا كانت هذه المفاهيم بمثابة آليات وفاعليات نقديّة في صيرورة مستمرة. بمعنى أنها لم تكن شعارات ومجرد مبادئ.

رابعا محنة السّؤال النقدي في فكر طيب تيزيني

”  موقع المنبوذ، أو موقع خادم السّلطان، سواء أكان شاعرا أم فقيها، حليما، فيلسوفا أم أديبا. وما كان الفكر، في الموقعين، بقادر على أن يغيرّ. كان يرفض، أحيانا، أو يبُرَرّ. يهجو أو يمدح، وفي الحالتين يرتزق. أو يتصعلك، إن خرج على السّائد ونظامه، كأنّه محكوم بموت يتأجّل. يحتجّ على الشّرع ويثور، لكن، من موقع العاجز عن نقض الشّرع. فيتصوفّ. يستبدل الأرض بالسّماء، ويزهد. أو يستكين للدنيا وللآخرة، فيَعُقلنِ الاثنتين في نظام الاستبداد، لسلطته يرضخ.
والسّلطة، بالدّين، تبدو مطلقة. وهي المقدّسة، في الغيب وبالغيب. وهي السّلطة فوق الرّفض وفوق النّقض، سيفها على الرّقاب مسلّط والرّقاب خاضعة راضية. فمن تمرّد، فعلى سلطة الدين يتمرّد. إذاّك يحُلَ دمهُ. حتىّ لو كان الحلاج،َ أو السّهر وردي. أمّا ابن تيميه، أو الغزالي، أو من شابههما، فعلى التّمرد والمتمردين، في كلّ عصر، يشهران سلاح الدّين، سلاح السّلطة، فيكبّلان العقل، يرهبان الرّوح، ويئدان الجسد.”57انطلاقا من هذا النّص الّذي دفع صاحبه حياته بسبب تمسّكه بروح السّؤال النقديّ في تكوين الفكر والمجتمع والثّقافة والسّلطة…، يمكننا القول بأنّ تاريخ الفكر النقديّ هو تاريخ محنته، حيث لم يكن سهلا عبر التّاريخ العربيّ الاسلاميّ ولادة وتكون وتطوّر السّؤال النقدي. كان النّقد روح السّؤال مرفوضا منبوذا كافرا، وغالبا ما كان مهمّشا مقهورا…، ومع ذلك كان حاضرا متمرّدا مشاكسا ناقدا، لكن في لحظات تاريخيّة من صيرورة المجتمعات العربيّة الاسلاميّة كان قويّا فاعلا نهضويا وتنويريا، ليس محليّا فقط، بل استثمرت نتائجه عالميا، لأنّ  من طبيعته أن يكون إنسانيا أو أن لا يكون في مستوى امتلاك جدارة تسمية نفسه بـ” السّؤال النقديّ”. حدث هذا ويحدث كلّما وجد متّسعا من الحريّة والعقل والعقلانيّة ومقوّمات النّهوض. وهذا هو المقصود بالحضارة العربيّة الاسلاميّة عند المفكّرين النّقديين في الثّقافة العربيّة الاسلاميّة، أو في الكتابات الغربيّة. إنّ الأمر يتعلّق بالنّهضة الأولى كما قال طيب تيزيني، أو ما سمّاه محمد أركون في أطروحته “بنزعة الأنسنة”.  هكذا كانت محنة طيب تيزيني من محنة السّؤال النقديّ لأنّه روح الفكر وتقواه، فضدّ الصّمت والنّبذ والموت تشبت بالكلام لأنّه يعرف محنة السّؤال الصّعب: الكلام أو الموت الّذي عنون به مصطفى صفوان أحد كتبه، فاختار الكتابة في ظلّ السّقف السّياسي للدولة الأمنيّة ومخلفاتها. ” انكسار الكرامة الوطنيّة والقوميّة في هزيمة حزيران…انهيار الارهاصات النهضويّة الّتي حملتها أربعة مشاريع هي: القومي والاشتراكي والاسلامي المستنير غير المؤسّسي والليبرالي التّحديثي، وذلك عبر انهيار حاملها الاجتماعي ممثلا بالفئات الوسطى.. تعاظم المشكلات الاقتصاديّة…مع انقسام المجتمع إلى فريقين يستقطب الأوّل منهما السّلطة والثّروة، في حين يعيش الآخر حالة مفتوحة من الإفقار الاقتصادي والتّهميش السّياسي والإقصاء الثّقافي الاعلامي.

وتعاظم وتائر التّحول من التّخلف إلى التّخليف، أي محاولة تأبيده، ومن الفساد إلى الإفساد، أي محاولة تأييده، ومن الحراك السّياسيّ الأوليّ إلى الاستفراد السّياسي، ومن التّسامح إلى التّكفير، ومن التّنوير إلى الظلاميّة، ومن الوطن إلى الطّوائف والمذاهب والإثنيات…ومن التّطبيع العربيّ إلى التّطبيع العربيّ الاسرائيليّ.”58 هكذا كان طيب تيزيني يفكّر، لمن كان يحسن الإنصات، في بداية الألفيّة الثّالثة، في زمن طغى فيه الخنوع والاستسلام والأوصاف القدحيّة من طرف الكثير من النّزعات الايديولوجيّة الّتي أفرزتها هذه الأزمات، وقد قام بنقدها نظريا ومنهجيا وبين حدود رؤيتها الضيّقة وخطورتها السّياسيّة والاجتماعيّة على تفاؤل الإرادة في النّهوض من جديد. لذلك لم يتقبّل خطاب الأزمة هذا من طرف كثير من المثقفين، من بينهم محمد عابد الجابري الّذي قال:”  الزمن العربي زمن ميت أو قابل لأن يعامل كزمن ميّت.. فإنّه يمكن النّظر إلى قضاياه لا بوصفها قضايا ذات تاريخ بل بوصفها عناصر في بنيّة فكريّة ظلّت كما هي من بدء اليقظة الحديثة إلى اليوم.”59 ثمّ تتالت كتبه من التّراث إلى الثّورة مرورا بالمشكلات والفساد والاستبداد وصولا إلى النّهضة والدولة الأمنيّة. فكّر وحاور وجادل كلّ النّزعات والاتّجاهات الفكريّة والدينيّة والسّياسيّة من المغرب إلى المشرق، فتحمّل مشقة وعبء وعذابات محنة السّؤال النقديّ بسخريّة لاذعة من بعض “النّقاد” بوصفه أنّه شيوعي بقناع بعثيّ، أو تحريفي بعيد عن الخطّ الصّحيح للتّفسير الاجتماعيّ التّاريخيّ، أو كافر علماني في جبّة مؤمن. فمن يقرأ على سبيل المثال لا الحصر تعقيب البوطي على نصّ التيزيني في كتاب : “الإسلام والعصر تحديات وآفاق” سيجده محاكمة صريحة للانحراف عن الخطّ المستقيم بلغة البوطي مدعما بحديث نبوي كما لو في ردّه يقول: أنت متّهم إلى أن تتمّ براءتك، تخفيفا للقول الصّريح الّذي تنضح به كتابة البوطي: أنت مرتد إمّا التّوبة أو القتل. دون الحاجة إلى تنبيه قارئ نصّ التّعقيب إلى أنّ القاتل، أو الإنسان الوحش، كان مخبأ بين سطور البوطي.

ورغم ذلك كان فكر تيزيني مسكونا بحرقة السّؤال النقدي: لماذا الهزيمة وهذا السّقوط والموات الأبدي، من سقطة لأخرى، من تفكك إلى تفكك وانهيار أكثر عمقا في الدّولة والمجتمع والثّقافة والذّاكرة التّاريخيّة والعمق والوعي التّاريخيين…؟ كيف يمكن تخطّي الحطام،  وتحقيق النّهوض  والتّنوير المستحيلين؟ وفي كلّ مرة كان يجد نفسه أمام رعب السّؤال”تكتب أو تقتل احذر أن تفهم أنّ هذا الانذار موجّه إليك من جلاد مّا. إذا تجاوزت سطحيّة الرّمز ستعرف أنّ صوت التّاريخ هو الّذي يتكلّم. وهو يعبّر عن أحد أعنف قوانينه، كلّ صمت تقصير في حقّ الحياة. كلّ يوم يمر دون أن تكون على موعد مع الكلمة يمثّل إنكسار فرع من شجرة الحياة. وبعبارة بسيطة كلّ كلمة تضيع هي صوت يخنق، صرخة يائسة لا تجد لها صدى، فضيحة تسقط في مستنقع الأحداث التّافهة.”60 فكانت محنة السّؤال النقديّ ترمي به من كتاب لآخر في صيرورة لا تهدأ من التّراث إلى الثّورة وصولا إلى من التّراث إلى النّهضة. وأيضا من مقال أو حوار لآخر، وعلى صفحات نيت، لأنّ روح معاناة السّؤال النقديّ جعلته ينتبه لما سمّاه البنيّة الخفيّة، تحت سطوة اليأس والهزيمة والحطام، في صيرورة المجتمعات، كما لو كان يقول مع دريدا” ما يواجهنا

اليوم إنّما هو قديم مخبأ في التّاريخ”61 لذلك استطاع أن يرى الرّبيع العربي الّذي تخفيه مفارقات التّفكك والحطام والاستبداد، فكتب سنة2001 بيانا جميلا في النّهضة والتّنوير العربي:” بيد أنّ المفارقات من تلك الصيغة غالبا ما تخفي وراءها أوضاعا واحتمالات قد تنطوي على مفاجآت تتأبى على إدراك من ينظر إلى المعلن دون المخفي، وإلى المهيمن المعمّم دون المقصي والمسكوت عنه. ها هنا، يطل برأسه نمط من العقل التّاريخيّ المراوغ، معلنا أنّ التّاريخ سيبقى تاريخا أي سياقا مفتوحا لا سبيل إلى تحويله إلى دائرة مغلقة. وهو من موقع مقاربة نظريّة معرفيّة، يصحّ القول بأنّ الحدث الاجتماعي أغنى من أيّ تنظير له.”62 إلّا أنّه كان يدرك أنّ التّغيير والنّهوض القادم لا بدّ أن يدعم بالتّنوير، في نوع من التّلازم البنيويّ الجدليّ بين النّهضة والتّنوير. وعمق تفكيره هذا في أسئلة تناسل الهزائم والحطام هو ما دفعه إلى محاولة إنتاج معرفة علميّة أكاديميّة، وهي في الوقت نفسه سياسيّة، ليست ترفا فكريا، بل هي معرفة مرتبطة بأسئلة سياسيّة تاريخيّة وسوسيوثقافيّة، تستلزم الجمع الجدلي بين النّهضة والتّنوير وهو  ما بدا واضحا كضرورة تاريخيّة في خريف الثّقافة بعد الرّبيع العربيّ،” إلّا أنّه يبدو خريفا غير بارد، يطبعه غليان يعتمل في قلب كلّ مثقف يدرك عسر التّبدل، ومرارة اللّحظة، ويعيش أشكالا متنوّعة لابتعاد الواقع عمّا ينبغي أن يكون عليه.”63 من هنا نفهم قوّة كتبه في ارتباطها المعرفي والسّياسي بعذابات ومرارة السّؤال النقدي: كيف وبأيّة أدوات معرفيّة وخلفيات فلسفيّة نظريّة إبستيمولوجيّة وسياسيّة يمكننا التّملك المعرفي لواقع السّقوط والتّخلف والهزيمة والانهيارات وصولا إلى سرّ الحطام…؟

لهذا كما قلنا سابقا في نقده المفاهيمي عبر جدله النقديّ العميق للسّائد والموروث، وللنّهضة والتّنوير في حدوده ومحدوديته وفي أزماته وقصوره، بل في تواطؤاته وتهميشه للسّؤال النقديّ، لم يكن التيزيني مهتما بلغة الشّعارات البرّاقة في تلك المفاهيم، بل فعله كان تعبيرا عن محنة السّؤال النقدي إزاء هذا الرّعب المتواصل للحطام، إنّها ممارسة حيويّة للفكر النقديّ تجاه خلفياته وأدواته ومساءلة مسلّماته عبر المسافات النقديّة، أي ممارسة نقديّة في كلّ كتبه تبتعد/تنفصل عن الذّات لتقترب/ تتّصل بها، وهي قد تخفّفت من عبء يقين الحقيقة المطلقة، ومن الوثوقيّة، وفق جدل المتّصل والمنفصل، بمعنى تبتعد عن حقائقها، الّتي تطاولت مع الزّمن قرونا، وزادها التّسييج الإلهي للفكر الديني البشري قداسة من جهة، ورسخها التّماهي العلماني مع الفكر الاستشراقيّ غير العلمي من جهة أخرى، لتقترب من نفسها والآخر. إنّها منهجيّة التّفكير الفلسفيّ الّذي لا يسعى إلى التّفاهم الكاذب بقدر ما يهدف إلى مزيد من سوء التّفاهم، والنّقد في التّستر على سوء التّفاهم الّذي يصيب الفكر بالدوّار إزاء بداهاته ومسبقاته، وكلّ ما يقيّد الثّورة في التّراث، وما يكبّل اللاّحق في السّابق ويقاوم المنفصل في المتّصل… كما لو أنّ تحرّر الفكر يكون عند نقاط التّأزم والتّأزيم. هاجسه وحرقته هي نابعة من هواجس ومحنة السّؤال النقدي الّذي لا يقبل بالطمأنينة والرّضا، بل همّه شقّ دروب الفكر وإبداع الأسئلة لغاية التّراضي حول ما لا يطمئن ولا يرضي في هذا الحطام المفتوح. إنّه معني بخطاب السّؤال، لا بخطاب الأجوبة. هكذا فهم وفكّر ومارس طيب التيزيني الثّورة والنّهضة والتّنوير، بعيدا عن لغة الشّعارات والمبادئ، حيث نظر إلى النّهضة والتّنوير كتجذر للسّؤال النقديّ الفلسفيّ المعرفيّ والسّياسي، ” وهو سؤال يؤشكلّ في آن واحد كلّا من مسألة الارتباط بالحاضر، مسألة نمط الوجود التّاريخيّ، ثمّ مسألة بناء الذّات كذات مستقلّة”.64 هذا ما ألحّ عليه التيزيني في كتبه، خاصّة في كتاب ” بيان في النّهضة والتّنوير العربيّ”، فهذه الرّوح الفلسفيّة والنقديّة والنضاليّة جعلته يرى إلى الحطام العربيّ كحالة تاريخيّة مفتوحة على امكانيات كثيرة في النّهوض. الشّيء الّذي يجعلنا نقول بأنّ التيزيني يوافق تأكيد ميشيل فوكو  على ” أنّ الخيط  الّذي يربطنا بالتّنوير، ليس الوفاء لمبادئ المذاهب، بقدر ما هو بالأحرى التّفعيل الدّائم لموقف مّا، أي تفعيل روح فلسفيّة يمكننا أن نحدّدها من حيث هي نقد مستمر لوجودنا التّاريخي” 65 ومن يقرأ كتب طيب التيزيني يجد محنة السّؤال النقديّ في أزماته وهزائمه، وفي خيباته وانهياراته، قد تلبّست فكره وسكنته حتّى أعمق أعماقه.

لكن ما الّذي ظلّ قابعا في دائرة الصّمت، في ذاكرة فكر طيب تيزيني؟ ولماذا تمّ الزّج بالسّؤال النقديّ في دهاليز السّجن القديم لأسئلة التّراث، والصّراع ضدّ الظلاميّة بما يخدم الوحش الإنسان في النّظام والإرهاب، والحلم بالنّهضة والتّنوير في ظلّ الإطار التّاريخيّ المعرفيّ السّياسيّ للدولة الأمنيّة؟ ما نوع القمع المعرفيّ والعلميّ والسّياسيّ الّذي مورس بصمت في حقّ السّؤال النقديّ، وهو يرى فكر التيزيني قد احمرت يداه من كثرة التّصفيق ليس فقط عندما ضرب خصومه، بل عندما تمّ حرق مدينة بكاملها بالآلاف، كانت محرقة بيروت أقرب إليه  من حبل الوريد حماة. وكيف استطاع عنف مجرم الأبد أن يتستر وراء شرعيّة فكر لا يرى غير الامبرياليّة والصهيونيّة، ولا صوت يعلو فوق صوت وهم المعركة؟ والغريب في الأمر أن يشهد التيزيني في إحدى صفحات كتابه “بتقدميّة الفكر النقدي” للدولة الأمنيّة: ” ومن الملفت حقّا أنّ هذه الماركسيّة التّأمليّة الّتي رفضت من جمع من الأوساط  الفكريّة والسّياسيّة القوميّة بعد إدانتها بصفتها “استسلاميّة علميّة” جعلت هذه الأوساط (اُنظر مثلا من بعض المنطلقات النظريّة لحزب البعث العربي الاشتراكي الصادر عام 1963) تتحفّز في البحث عن صيغة أخرى للماركسيّة تتيح تفهم الوضعيّة العربيّة”.66 وها نحن نعيش مأساة غضّ البصر وإعطاء الأولويّة للتّناقض الرئيسيّ الامبرياليّ الغربيّ والصهيونيّ في الوقت الّذي نما التّناقض الثّانوي النّظام السّياسيّ حتّى صار وحشا فحرق البلد ووالدٍ وما ولدَ.

*******

الهوامش

51- طيب تيزيني صحيفة الاتّحاد

https://www.alittihad.ae/wejhatwriter/75/%D8%AF-%D8%B7%D9%8A%D8%A8-%D8%AA%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D9%86%D9%8A

52 طيب تيزيني: من التّراث إلى الثّورة، ص 11.

53 طيب تيزيني: من الاستشراق الغربيّ  إلى الاستغراب المغربيّ، ص 9و10.

54 طرابيشي جورج: من النّهضة إلى الرّدة، دار السّاقي، ط1، س2000، ص 7.

55 جورج قرم: في فكر مهدي عامل

https://mehdiamel.wordpress.com

56 عبد السّلام بنعبد العالي: منطق الخلل، دار توبقال، ط1، س2007، ص22.

57 مهدي عامل الثّقافة والثّورة

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=599224

58 طيب تيزيني: بيان في النهضة والتّنوير العربي، مجلة عالم الفكر، ع:3، س2001، ص49.

59 أورده طيب تيزني في المرجع السّابق، مجلة عالم الفكر، ص57.

60 عبد اللطيف اللعبي: مجنون الأمل، ط1، س1982، ص14.

61 عبد السّلام بنعبد العالي: أشياء سبق الحديث عنها، دار توبقال، ط1، س2014، ص7.

62 طيب تيزيني: مجلة عالم الفكر، ص 49.

63 عبد السّلام بنعبد العالي: أشياء سبق الحديث عنها، ص57.

64 عبد السّلام بنعبد العالي: أشياء سبق الحديث عنها، ص 109و110.

65 المرجع نفسه، ص 109.

66 طيب تيزيني: على طريق الوضوح المنهجي، دار الفارابي، ط1، س1989، ص263.

وأنظر موقفه من التّحزب المعرفيّ من التّراث إلى الثّورة، ص247.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق