انتحار أميركي على طريقة الأسد / وائل السواح

لا ندري من اكتشف جثّة الملياردير الأميركي جيفري إيبستين وهي تتدلّى كأرجوحة من سقف زنزانته في سجنه في نيويورك. ولا نعرف إن كان إيبستين قد شنق نفسه بقطعة حبل أم بحزام سرواله الذي كان السجانون قد صادروه قبل دخول الزنزانة، كما يفعلون مع كلّ نزيل. ولكننا نعرف أشياء أخرى: أن خبر موت الرجل انتحارا وقع كالصعقة على الأميركيين الذين كانوا ينتظرون محاكمته بتهمة الاتجار بالبشر وممارسة الجنس مع فتياتٍ قاصراتٍ وإعارتهن لأصدقائه. نعرف أيضا أن إيبستين صديق مقرّب للرئيس دونالد ترامب وعائلته، وللصديق الأسبق بيل كلينتون الذي كان يهوى صغيرات السن. ونعرف أن من بين أصدقاء إيبستين الأمير إدوار ابن ملكة بريطانيا الذي ورد اسمه في التحقيقات واحدا من المستفيدين من هدايا إيبستين. ونعرف قبل كلّ شيء أن اليوم الذي تلا “انتحار” إيبستين كان موعد إطلاق وثائق فيها أسماء وأرقام وتواريخ، يمكن أن تشير إلى كثيرين في سدّة السلطة والثروة في الولايات المتحدّة، وأخيرا نعرف أن من المستحيل أن ينتحر رجل بأهمية إيبستين من دون مساعدة سجانيه.
ولد إيبستين (66 عامًا)، في كوني آيلاند في بروكلين، وعمل في البداية مدرّسا في مدارس خاصة في مانهاتن، قبل أن يبدأ حياته المهنية في “وول ستريت”. ومن غير الواضح لدينا كيف حصل في ما بعد على ثروته، ولكنه أصبح ثريًا بعد تشكيل شركته الخاصة “إيبستين وشركاه”. أقام علاقات صداقة مع شخصيات بارزة في مجالات الترفيه والسياسة والأعمال والاقتصاد، ولكن أسلوب حياته بدأ في الانهيار في عام 2005 عندما بدأت الشرطة في بالم بيتش في فلوريدا بالتحقيق، حين اشتكى أحد الآباء من تحرّش إيبستين بابنته البالغة من العمر 14 عامًا، وقيل إنها تلقّت مبلغا لتقوم بتدليك الرجل الذي كان يبلغ وقتها 52 سنة.
توسّط محامو إيبستين في صفقة مشبوهة في فلوريدا في عام 2008، أنهت تحقيقًا فيدراليًا
“لم يتّحد الأميركيون منذ تولّي الرئيس ترامب الحكم مثلما اتحدّوا حول قضية إيبستين” شمل 40 فتاة على الأقل دون سن 18 عامًا. بموجب هذه الصفقة، وافق الرجل على تسجيل نفسه معتديا جنسيا مسجّلا، وأقر بأنه مذنب في التهم الموجّهة إليه، ما خفّف من حكمه وقتها، ومكنه من الذهاب إلى عمله خمسة أيام في الأسبوع، ويقضي إجازة نهاية الأسبوع في السجن. وكان النائب العام الذي عقد معه الصفقة المشبوهة هو ألكساندر آكوستا، وزير العمل في حكومة الرئيس ترامب الذي اضطر إلى الاستقالة قبل فترة بسبب ذلك.
في أعقاب التحقيق الصاعق الذي أجرته صحيفة ميامي هيرالد في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، تمّ القبض على إيبستين الشهر الماضي (يوليو/ تموز 2019)، ووجهت إليه تهمة الاتجار بالجنس. وقال إنه غير مذنب، وكان يستعد للمحاكمة عندما توفي في السجن يوم السبت. وكان يواجه عقوبة تصل إلى 45 عامًا في السجن بتهمة الاتجار الجنسي والتآمر الفيدرالي الأميركي. وتقول وثائق المحكمة إن الرجل قد أساء جنسيا إلى عشرات الضحايا. ولم يوافق القاضي المكلّف بمحاكمته على إخلاء سبيله بكفالة، على الرغم من أن محاميه عرضوا مبلغا خياليا.
من بين أصدقاء إيبستين الرئيس السابق بيل كلينتون الذي اصطحبه في رحلة على متن طائرته الخاصة إلى أفريقيا، ودونالد ترامب الذي وصف إيبستين يوما بأنه “رجل رائع”، والمحامي الجمهوري القريب من العنصريين آلان ديرشويتز، والأمير أندرو ابن ملكة بريطانيا وشقيق الأمير تشارلز، ولي العهد، والذي تقول وثائق المحكمة إن إيبستين أهداه فتاةً قاصرا وطلب منها أن تفعل “كل ما يطلبه الأمير منها”.
صباح السبت 10 أغسطس/ آب الحالي، عثر على هذا الرجل “منتحرا” في زنزانته. من المفترض أن يقوم الحراس بفحصه، كل 30 دقيقة، ولكنّ هذا الإجراء لم يُتّبع في الليلة التي سبقت العثور عليه ميتا. كان إيبستين قد وضع على قائمة مراقبة الانتحار منذ ثلاثة أسابيع بعدما وجد فاقدًا للوعي في زنزانته في السجن مع كدمات على رقبته، وكان أي عاقل يدرك أن الرجل يمكن أن يقتل نفسه ليخلص من العار، ومع ذلك رفع من قائمة المراقبة الانتحارية بعد أقل من أسبوع، لسبب لا يعلمه إلا الله ومن أمر بذلك، فخبراء العدالة يقولون إن هذا القرار بدا غريبا لهم، لأن أمر رفع المراقبة يجب أن يأتي من طبيبٍ يضمن أن الشخص المعني لن يقدم على الانتحار، وهو ما لم يحدث هنا. بالإضافة إلى ذلك، نقلت إدارة السجن زميله في الزنزانة إلى مكان آخر قبل أيام من انتحاره، وسُمح لإيبستين أن يقيم بمفرده في الزنزانة بعد أسبوعين فقط من رفع مراقبة الانتحار عنه، وهو قرارٌ ينتهك أيضًا الإجراء المعتاد في السجن.
لم يتّحد الأميركيون منذ تولّي الرئيس ترامب الحكم مثلما اتحدّوا حول قضية إيبستين. وحّد
“سادت بين السوريين دعابة أن الزعبي انتحر “بثلاث رصاصات في رأسه” خطرُ ذِكْر أسماء كبيرة في واشنطن زعماء الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، للوقوف معا أمام هذا الخطر. ولكن اعتقاله ومحاكمته ووفاته الغامضة وحّدت الشعب الأميركي الذي عصف به، بغض الطرف عن الانتماء السياسي والإيديولوجي، الغضب والسخط والاشمئزاز.
لم نستغرب، نحن في سورية، كثيرا وفاة إيبستين انتحارا، فلدينا حالات مشابهة كثيرة. في 21 مايو/ أيار 2000، أعلنت السلطات السورية انتحار رئيس الوزراء السابق آنذاك، محمود الزعبي، في شقته، حيث كان تحت الإقامة الجبرية، في حين رجّح كثيرون اغتياله لتحميله عبء الفساد في الدولة، وتمهيدا لتنصيب رئيسها الجديد بشار الأسد. وسادت بين السوريين دعابة أن الزعبي انتحر “بثلاث رصاصات في رأسه”. كان في بيته حين طرق الباب ضباط لاعتقاله، فاستأذنهم بالصعود إلى الطابق الأعلى لتبديل ثيابه ثم سُمع إطلاق نار. وتفيد الرواية المتداولة بأنه أطلق على رأسه رصاصة، ثم أطلق ضابط المخابرات الذي جاء لاعتقاله “رصاصتي رحمة” عليه.
بعد خمس سنوات من “انتحار” الزعبي، وُجِد وزير الداخلية السوري، غازي كنعان، ميتا في مكتبه وسط دمشق، في وقت كان نظام بشار الأسد يمرّ بمرحلة حرجة وعزلة دولية، بسبب اتهامه باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، ففي صبيحة يوم 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2005، قالت الوكالة العربية السورية للأنباء إن كنعان “انتحر في مكتبه بطلقة في الفم”. وفي رواية لمدير مكتبه، كان كنعان قد غادر مكتبه في وزارة الداخلية ثلث ساعة إلى منزله، ثم عاد ودخل مكتبه، وبعد عدة دقائق، سُمع صوت طلق ناري، وكانت الطلقة من مسدس في فمه. وصرح وزير الإعلام السوري وقتها، مهدي دخل الله، بأنه “حتى الآن، نحن لا نعرف أسباب (الحادث) لكن محققينا سوف يطلعوننا بسرعة”، ولكنّ المحقّقين لم يصلوا إلى نتيجة، غير أن سوريين كثيرين وصلوا إلى النتيجة بأنفسهم: فقد كان محقّقو الأمم المتحدة قد استجوبوا قبل أسبوعين كنعان بشأن مقتل رفيق الحريري.
رواية الانتحار ممجوجة: محمود الزعبي أضعف وأجبن من أن ينتحر. وغازي كنعان أقوى وأصلب من أن ينتحر. وحتى لو أن الرجلين أطلقا النار على نفسيهما، فإن ثمّة من جعلهما بشكل أو بآخر يفعلان ذلك. وبالتأكيد لا تريد هذه المقارنة مع انتحار إيبستين استخلاص أي نتيجة تصادر التحقيق الجاري في الولايات المتحدة، فنحن نأمل أن تكون سيادة القانون لا تزال مصونة في الأخيرة، ومع ذلك لا يمكننا سوى النظر بانتباه إلى عشرات ألوف التغريدات والتصريحات والمنشورات والمقالات التي تشكّك بعملية انتحار إيبستين، وتطالب بكشف حقيقة ما جرى، ولسوف ننتظر وقتا طويلا قبل أن نعرف ذلك.

عن العربي اجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق