أبعد من بريجيت باردو: الذبح الحلال “يهدد” علمانية فرنسا / حسن مراد

غردت النجمة الفرنسية بريجيت باردو ببيان استنكرت فيه الذبح الحلال واصفةً المناسبة الدينية (عيد الأضحى) بـ”يوم الحداد الدموي”. باردو التي ترأس مؤسسةً تعنى بالرفق بالحيوان سبق وسجلت هذا الموقف في سنوات سابقة وأحياناً بطريقة استفزازية كما بعد اعتداء نيس الإرهابي العام 2016 حين ساوت بين ضحايا الهجوم وأضاحي العيد وكأن “الجاني” واحد.
كلام باردو لاقى صدى كبيراً، ليس في وسائل التواصل الاجتماعي وحسب، بل أيضاً في الصحف اليومية. ففي اليوم التالي لصدوره، أفردت Le Figaro صفحة كاملة لبيان مؤسسة باردو بشكل ملفت للنظر.

نجاح باردو في استقطاب الأضواء الإعلامية لا يعود فقط للمكانة الفنية التي تحتلها، بل لأن البيئة الفرنسية باتت تربة خصبة متأهبة دوماً للتفاعل مع هذا الجدل. في الواقع، الذبح الحلال وتسويقه تحول إلى اشكالية فرنسية تتداخل فيها ملفات عديدة: القانون، السياسية، السلامة الغذائية، الدين، التجارة، العلمانية وفن الطهي.
لمقاربة سليمة، من الضروري البدء بتناول المسألة من جانبها القانوني: في العام 1964 صدر مرسوم ينظم عملية ذبح الحيوانات المعدة للاستهلاك. للتخفيف من آلام الذبح، ألزم القانون المسالخ الفرنسية باللجوء إلى تقنيات تُفقد المواشي وعيها قبل عملية الذبح، والتقنية الأكثر شيوعاً هي الصعق. لكن في العام 1980 صدر مرسوم آخر سمح بتجاوز تقنية الصعق هذه إذا كان الهدف هو الالتزام بتعاليم دينية، كاللحم الحلال للمسلمين ولحم الكوشر لليهود.
العدد الأكبر من المسالخ الفرنسية المنتجة للحم الحلال قرر الاستفادة من الاستثناء الممنوح، إذ يُخشى أن تؤدي عملية الصعق إلى موت الماشية قبل ذبحها. إذاً وبحسب أصحاب المسالخ والجزارين، يتلخص الاختلاف في الالتزام بعملية الصعق من عدمه، أمرٌ أدى إلى تراشق حول الطريقة الأمثل لضمان “رفاهة الحيوان”.
رغم الاطار القانوني الواضح المعالم، إلا أن الساسة الفرنسيين استخدموا الموضوع لتسجيل نقاط لا سيما في المواسم الانتخابية. أشهرها ادعاء مارين لوبان الكاذب عام 2012 أن جميع اللحوم في باريس وضواحيها هي لحوم حلال يشتريها الفرنسيون دون علمهم بذلك. واسقطت على الموضوع معزوفتها المعهودة أن في الأمر تناقضاً مع مبدأ الاندماج في المجتمع الفرنسي.

والحال أن تجاوب جزء من الشارع والرأي العام الفرنسيين مع هذا الخطاب مرده عدم إدراك ماهية الذبح الحلال إذ يظن البعض أنها لحومٌ غير صالحة للاستهلاك أو أن مذاقها يختلف عما اعتاد عليه الفرنسيون. لكن ما تجهله، أو تتجاهله، هذه الشريحة أن كل المسالخ في فرنسا تخضع لنفس الشروط: فأدوات الذبح المستخدمة في أي مسلخ يجب أن تحوز على موافقة وزارة الزراعة كما إلزامية تواجد طبيب بيطري للمراقبة والتأكد من الالتزام بمعايير السلامة الغذائية. فيما يخص المذاق، يجمع المختصون أن الاختلاف مرده إلى أصل الذبيحة وظروف تربيتها (العلف، الرعاية البيطرية…) متحدين أصحاب هذه النظرية أن يميزوا بين المذاقين.
إذاً، التقت الديماغوجية السياسية بجهل العامة لتنتج موقفاً عدائياً إزاء اللحم الحلال، دون أدنى إدراك للسبب الرئيسي الكامن وراء انتشاره: العائد المادي.
إنتاج اللحم الحلال في فرنسا بدأ في السبعينيات، في الاصل كانت هذه البضاعة معدة للتصدير للدول ذات الثقافة الإسلامية، أما طرحها في السوق الداخلي فأتى لاحقا مع ازدياد المستهلكين المحليين.

إذاً، لا يخطئ من يعتبر أن النقاش على هذا النحو فيه مجافاة للواقع، فلا توجد أي نية لتغيير هوية فرنسا، الموضوع أبسط من ذلك: نحن أمام قطاع يعرف رواجاً حيث تشير التقديرات إلى أن إيرادات المنشآت الاقتصادية الفرنسية (من مسالخ وجزارين وموزعين ومحال) تصل سنوياً إلى نحو 5.5 مليارات يورو، فـ30% من إجمالي الذبائح في فرنسا تُنتج وفقاً للقوانين الغذائية الدينية.
رغم ذلك وجد المناوئون ثغرة سمحت لهم بطرح الجدل من زاوية أخرى. فالمسالخ غير ملزمة قانوناً بوضع إشارة الذبح الحلال، وعلى اعتبار أن ثقافة المطبخ المغاربي (الذي تنحدر منه غالبية المسلمين في فرنسا) تميل إلى استهلاك أجزاء من الذبيحة أكثر من غيرها، سمح ذلك بالترويج لفكرة مفادها أن المسالخ تزود المحال بالأجزاء التي يقل فيها الطلب لدى المستهلكين المسلمين فتُباع كلحوم تنطبق عليها مواصفات الذبح الفرنسية. فرضية تستخدمها لوبان من حين لآخر للترويج لفكرة اجتياح الثقافة الإسلامية لفرنسا.
وحين طرح نيكولا ساركوزي العام 2012 إلزام المسالخ والمحال الفرنسية وضع إشارة الذبح الحلال على هذه المنتجات، ساد رأي حقوقي اعتبر هذا الاقتراح بتناقض مع قانون 1905 المؤسس لعلمانية الدولة الفرنسية، إذ ليس من المفترض أن تنخرط أي جهة رسمية في مسألة ذات شأن ديني.
إستناداً إلى ما ذكر آنفاً، فإن انتشار بيان مؤسسة بريجيت باردو في “تويتر” وتناقله في الصحف أبعد من مسألة الرفق بالحيوان، فالجدل الفعلي هو حول المكانة التي يحتلها الإسلام في المجتمع الفرنسي. ما يؤكد الأمر هو تنامي الشعور بالغبن في أوساط المسلمين في فرنسا، فعندما يُفتح هذا الجدل نجد التركيز على الذبح الحلال أكثر من لحمة الكشروت.
ببساطة، الجدل يتجاذبه منطقين اثنين: المنطق التجاري الذي يستجيب لقانون الطلب فيتعامل مع المسلمين كمكون من مكونات المجتمع الفرنسي ليوفر لهم ما يحتاجونه من خدمات تماما كما تعرض المطاعم وجبات نباتية لجذب الزبائن الذين يتبعون هذا النظام الغذائي. في المقابل نجد منطق التسييس الذي يغذي خطاب الكراهية فيصور أن ممارسة المسلمين لتعاليم دينهم يهدد العيش المشترك.

عن موقع درج

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق