محنة السّؤال النّقدي في فكر طيب تيزيني( ج4)

خامسا : في محاولة يائسة لتجذير السّؤال النقديّ

بناء على ما أشرنا إليه في التّمهيد على مستوى الفشل الذّريع لكلّ مشاريع النّهوض الاجتماعيّ الاقتصاديّ والسّياسيّ، والتّحرريّ بشكلّ خاصّ، من التّهديد الامبرياليّ والمشروع الصهيونيّ الّذي فرض واقع الانكسار والهزيمة والانهيارات، اتّجه طيب تيزيني صوب الأرضيّة الفلسفيّة والفكريّة النظريّة الّتي يمكن أن تحتضن شرعيّة السّؤال النقديّ في التّأسيس لمشروع النّهوض انطلاقا من رؤية جديدة ضدّ ما ساد وانتشر في الفكر والواقع كحقائق وبداهات رسّخها تخلّف المناهج التّقليديّة والفكر الاستشراقيّ والسّوسيولوجيّة الكولونياليّة. لذلك في نظر تيزيني فإنّ نقد هذه الأوضاع في وجهها النظريّ والواقعيّ الاجتماعيّ التّاريخيّ تحتاج إلى تفاعل جدليّ لرؤية نقديّة ومنهج علمي تتأسّس أرضيتهما الفلسفيّة والمعرفيّة والإيديولوجيّة على السّيرورة التّاريخيّة للفكر الفلسفيّ الماديّ في ولادته ونشأته وتكوّنه وتطوّره من الفلسفة اليونانيّة مرورا بالفكر العربيّ الفلسفيّ في العصر الوسيط وصولا إلى العصور الحديثة والمعاصر67. واستراتيجيّة السّؤال النّقديّ في هذا كلّه، هو البحث عن شرعيّة تاريخيّة وفكريّة للخلفيات الفلسفيّة والنظريّة للرؤية والمنهج الماديّ في تعامله مع مشكلات وإشكاليات وقضايا الرّاهن العربيّ بكلّ تعقيداته الاقتصاديّة والسّياسيّة والإيديولوجيّة داخليا وخارجيا. بمعنى أنّ الكفاحيّة النظريّة الفكريّة والسّياسيّة للفكر الماديّ اليوم في شخص المقاربة الماركسيّة وتحديدا الجدليّة التّاريخيّة التّراثيّة ليست دخيلة، أو نتيجة فقط للتّفاعل الثّقافيّ الحضاريّ بين الغرب والمجتمعات العربيّة، كما أنّها ليست وليدة تبعيّة فكريّة موازية للتبعيّة الاقتصاديّة أو شيء من هذا القبيل. وبعبارة واضحة تقول أسئلة السّؤال النقديّ كما يفكّر فيه وبه طيب تيزيني: إنّ المقاربة الماديّة تجد شرعيتها ومشروعيتها التّاريخيّة والعلميّة في قراءة نقديّة لتطوّر الفكر الانسانيّ، في جدل التّكامل الّذي يحكم تطوّره وسيرورة تفاعلاته النظريّة التّاريخيّة، خلافا للخصوصيّة الماضويّة السّلفيّة والعلمانيّة الإيديولوجيّة العربيّة، وللمركزيّة الأوروبيّة الاستشراقيّة والاستعماريّة.

” إنّ المشاريع الثّقافيّة السّياسيّة الأربعة الكبرى الّتي أخذت تفصح نوعيا عن إخفاقها التّطبيقيّ المشخّص في عدد من البلدان العربيّة في بداية السّبعينات (وهي الليبرالي التّحديثي والاشتراكي والقومي والديني غير المؤسّسي السّياسي) مع تناثر حاملها الاجتماعي (الفئات الوسطى أساسا) بدأت تخضع لعمليّة تفحّص نقديّ جديدة وبطيئة ضمن شروط وظروف مختلفة عن شروط وظروف نشأتها، وذلك في إطار مجموعة من التّساؤلات والأطروحات والآراء القديمة والجديدة. ولعلّ التّساؤل المركّب التّالي كمن- ويكمن- في طليعة الموقف: أين تكمن إشكاليّة النّهوض العربيّ، المتعثّر حتّى الآن؟ لماذا الوضع العربي الرّاهن في حالة نكوص مطّرد عموما وإجمالا، بينما يفصح وضع مجتمعات أخرى غربيّة وآسيويّة عن آفاق وإمكانات ملحوظة السّبل الكفيلة بتحقيق حدّ مّا من النّهوض أو التّوازن، خصوصا ونحن نواجه تحدّيا إستيطانيا صهيونيا إلى جانب التّحدي الحضاري؟”68

فهل السّؤال النّقدي الّذي وجد المثقّف العربي نفسه أمامه وجها لوجه، وهو يعيش حالة مرعبة من حقائق الفشل والهزيمة والسّقوط الاجتماعيّ والسّياسيّ والأخلاقيّ الحضاريّ تجاه العدوّ الامبرياليّ والصهيونيّ، إنّها حقائق تستّر عليها الطّغيان الإيديولوجي البرّاق الّذي سرعان ما تلاشى وظهر مدى عري خرافة “الدولة المستقلّة الوطنيّة الحديثة” والمجتمع والثّقافة…، والتّواطؤ الفكريّ والسّياسيّ والوعي الاجتماعيّ الرّسمي والمعارض في ترسيخ وتكريس أسس الانهيار والهزيمة، كما ظهرت ديناصوريّة الإيديولوجيّة القوميّة واليساريّة على أنّها ليست أكثر من ظلّ قزم ينط في أضواء المشهد السّياسيّ الاعلاميّ والثّقافيّ السّلطويّ السّائد، فهل هذا السّؤال النقدي يجد أسس إجاباته الموضوعيّة في مسارات هذا الأفق النقديّ الّذي دشّنه طيب تيزيني بمشروع رؤية جديدة للفكر العربيّ في العصر الوسيط، تتابعت حلقاته من التّراث إلى الثّورة، وصولا إلى بيان في النّهضة والتّنوير؟ هل كان السّؤال النّقدي، بضرورة فكريّة سياسيّة، يستلزم ربط الجسور بتراث الفكر الماديّ في نشأته وتطوّره عبر سيرورة تاريخيّة معرفيّة اجتماعيّة من تاريخيّة الفكر الفلسفيّ اليونانيّ إلى تمثّله واستيعابه ثمّ إعادة إنتاجه وفق الوسط الثّقافيّ والفكريّ، والاجتماعيّ التّاريخيّ للمجتمعات العربيّة الاسلاميّة في العصر الوسيط؟ وبمعنى آخر هل الأزمة في شموليتها بعد الهزيمة بكلّ تعقيداتها الاجتماعيّة والسّياسيّة والفكريّة…، وبسياقاتها التّاريخيّة الاجتماعيّة المحليّة والإقليميّة والدوليّة كانت تقبل بهذا الحصر لأبعاد عمق السّؤال النقديّ في رؤية نقديّة ثقافويّة لحقيقة صراعات بنى التّركيب الاجتماعيّ الاقتصاديّ، خاصّة على المستوى السّياسيّ لطبيعة السّلطة السّائدة والقوى السّياسيّة الفاعلة في هذا الصّراع بشكل أو بآخر؟ وما طبيعة بنى ذلك التّركيب الاجتماعيّ في مستوياته الاقتصاديّة والسّياسيّة والإيديولوجيّة، أي في تحوّلاته الاجتماعيّة والثّقافيّة والقيميّة الحضاريّة، المدنيّة والسّياسيّة والديمغرفيّة…؟

أغلب المفكّرين العرب حاولوا مقاربة هذه الأسئلة بتفاوت في اكتشاف وصياغة السّؤال النقديّ، فظهرت مجموعة من الكتابات النقديّة تحمل بشكل صريح عناوين النّقد: نقد الفكر الديني، النّقد الذاتي، النّقد الحضاري، نقد الفكر العربيّ الاسلاميّ، نقد العقل العربي ونقد العقل الاسلامي…، هكذا كان سؤال النّقد حاضرا بقوّة ومتأثرا بالظروف التّاريخيّة الاجتماعيّة وما يحيط بها من ملابسات وصراعات سياسيّة اجتماعيّة محليّة داخليّة، تلبست أقنعة الوطنيّة والتّحرر، والتّقدميّة والقوميّة والاشتراكيّة، نتيجة الحضور الاستعماريّ والامبرياليّ داخل الصيرورة التّاريخيّة لتطوّر الحركة التّاريخيّة لبنى المجتمعات العربيّة، وهو حضور اقتصادي وسياسي وإيديولوجي وحضاري متعدّد الأبعاد ومتفاوت الخطورة والإيجابيّة والسّلبيّة في تفاعلات جدل العمليات التّاريخيّة للتّأثر والتّأثير غير المتوازنة وغير متكافئة في إطار وحدة التّاريخ ألرأسمالي الّذي ولّدته الضّرورة التّطوريّة لتمركز وانتشار وتوسّع النّمط الانتاجيّ الرأسماليّ وما حمله من أسس وأطر وقيم فكريّة فلسفيّة علميّة اجتماعيّة وثقافيّة…، تعبّر عمّا صار يعرف بالحداثة. في هذا السّياق ظهر المشروع الفكري للطيب تيزيني مسكونا بهواجس أسئلة المرحلة التّاريخيّة ومخاضات تحوّلاتها العنيفة باحثا عن شرعيّة تاريخيّة فلسفيّة فكريّة قادرة على احتضان وتخصيب ولادة ونشأة وتطوّر السّؤال النقدي القادر على تعرية فكر الهزيمة والانكسار والتّخلف السّائد، والقادر أيضا على تحرير ديناميات جدل  الواقع المأزوم. وبسبب هذه السّياقات المترابطة والشّديدة التّعقيد، بالإضافة إلى التّباسات كثيرة وهي فكريّة سياسيّة بالدرجة الأولى نتيجة الحضور القويّ الماديّ المتمثّل في مستوى تطوّر وتقدّم الغرب الكولونيالي والامبريالي، والحضور القويّ كذلك للفكر السّوسيولوجي والأنتروبولوجي الاستعماري والممارسة السّياسيّة للصراع الجيوسياسي لفرض السّيطرة والهيمنة عبر أشكال سياسيّة بديلة للاستعمار العسكريّ المباشر توافقا مع المعطيات الجديدة لاستقلال المستعمرات، وجد المثقّف العربي نفسه تحت وطأة السّياسة بلغة وفكر ورؤية ومناهج إيديولوجيّة، إمّا بدافع سقفه الفكريّ السّياسيّ وحدود ومحدوديّة رؤيته النقديّة، أو بسبب التّطبيع مع الإجماع العام الّذي أنتجته تلك السّياقات السّابقة. كما أنّ هناك من سار على الخطّ العام الصّحيح للسّلطة السّياسيّة احتواء أو خوفا أو قناعة بالأفق السّياسيّ للأنظمة الوطنيّة والقوميّة والتّقدميّة… بعيدا عن أن تطال هواجس أسئلة السّؤال النقدي بنى التّركيب الاجتماعيّ الاقتصاديّ للسّقف السّياسيّ السّلطويّ لهذه الأنظمة ولمنظومتها الإيديولوجيّة. ونحن نعتقد انطلاقا من قراءتنا لمشروع طيب تيزيني أنّه انطلق في ممارسته الفلسفيّة الفكريّة وفق هذه القناعة الأخيرة للصراع السّياسيّ السّلطويّ في قوميته وتقدميته واشتراكيته، الشّيء الّذي جعلنا نرى في ذلك محنة للسّؤال النقديّ لأنّ صاحبه زجّ به – السّؤال النقدي – في صراع إيديولوجي أساسه التّمييز والتّصنيف والتّجزيء والانتقاء والتّبرير…وما شابه ذلك من المنطلقات والأدوات والآليات الإيديولوجيّة، فكان مفكّرا إيديولوجيا بامتياز كبير، حيث أنفق الرّجل مرحلة خصبة من عمره في حديث الكتب عن الكتب بعيدا عن جدل الواقع وما يتطلّبه من ممارسة فلسفيّة فكريّة سياسيّة تعي خطورة وهم الأرضيّة السّياسيّة المشتركة بين المفكّر العربيّ والأنظمة الوطنيّة التّقدميّة. وبدل الارتماء في أحضان الصّراع الإيديولوجي على التّراث وهو الوجه الآخر للسلفيّة السّياسيّة رغم العباءة الماركسيّة العلمانيّة، حيث كان على السّؤال النقديّ كي يكون علميا ومعرفيا وواضحا منهجيا تجاه السّلفيات السّياسيّة والاستشراقيّة كما شاء له طيب لتيزيني في مقدمات ومفاصل كتبه أن لا يكون من زاوية الصّديق والحليف، أو المتوافق مع الشكل السّياسيّ السّلطويّ السّائد، وهذا ما تداركه في كتاباته الأخيرة، خاصّة مقالاته على صحيفة الاتّحاد

سادسا/:طيّب تيزيني، الشّجاعة وقول الحقيقة

” جاء سقوط الوحدة مقدمة لعدد من الانقلابات العسكريّة، الّتي انتهت بتأسيس ديكتاتوريّة حزب “البعث” عام 1963 حتّى عام 1970، وتوقّفت هذه التّغيرات مع الانقلاب الّذي حقّقه حافظ الأسد، تحت اسم “الحركة التّصحيحيّة”. ومع تكرُّس هذه الأخيرة يكون الانتقال قد تمّ من “ديكتاتوريّة الحزب” إلى “ديكتاتوريّة الفرد”، أي حافظ الأسد، الّذي أصبح بعدئذ “قائد المسيرة إلى الأبد”، عام 1970.ها هنا، يتوقّف التّاريخ عن أن يكون إطاراً لحافظ الأسد، ليصبح حقل تجلّي التّاريخ وعقله.”69 هذه سيرورة واقع سياسيّ اجتماعيّ تاريخيّ عربيّ، إلى حدّ مّا، بشكل عام. فأمام الانهيار الكبير، أو الحطام، بلغة تيزيني، الّذي ترزح المجتمعات العربيّة تحت وطأة عذابات مآسيه، بصورة متفاوتة، تبرز الضّرورة الفكريّة والسّياسيّة لمحنة السّؤال النقديّ: لماذا لم يتحل المفكر العربي بقدر كبير من الشّجاعة الفلسفيّة والمعرفيّة والسّياسيّة في قول الحقيقة عوض إفناء الذّات والمجاهدة في مقامات التّراث بحثا عن الثّورة والنّهضة والتّنوير إلى درجة هدر عمر أجيال وأجيال من عصر النّهضة إلى اليوم والموات الأبدي يكرّر نفسه باستمرار في الصّراع على التّراث بين الظّلاميين و”التّقدميين”؟ “وإذا كان الأمر كذلك، فإنّنا أمام إرهاصات التّراجع إلى القرن التّاسع عشر، وسط تعقيدات هائلة، عرقلت وتعرقل عمليّة الانتقال من فضاءات ذلك القرن إلى القرن الـ21. وإذا كنّا مخوَّلين بالتّحدث عن حطام جديد، فهو حطام يجمع بين ماضيه وحاضره، كما قد يجمع بين حاضره ومستقبله، وجميعها ملطَّخة بدماء الصّراعات الداخليّة، الّتي حالت دون إنجاح الدول الوطنيّة وتهيئتها للدّخول في عالم الحداثة والديمقراطيّة والوحدة.”70 فهل كانت حقّا صراعات داخليّة أم أنّ الأمر يتعلّق بأنظمة سياسيّة لا وطنيّة ولا ديمقراطيّة. ولم تكن الحداثة ولا الديمقراطيّة واردة في ممارستها السّياسيّة، لأنّها بكلّ بساطة لم تكن تملك مشروعا مجتمعيا لذلك كرّست كلّ ما هو متخلّف وفاسد وما دون الدّولة والمجتمع والثّقافة لتضمن ديمومتها الأبديّة في القهر والطّغيان. وهذا ليس غريبا أن يصدر كممارسة سياسيّة اقتصاديّة وإيديولوجيّة من قبل هذه الأنظمة، لكنّ الغرابة هو قبول المفكّر العربيّ بهذا الاغتراب، والقبول بالثّقافوي فيما الاجتماعي السّياسي يهيئ مجتمعاتنا للموت والخراب. فلماذا تمّ القبول بالسّقف الإيديولوجيّ السّلطوي الاستبدادي أساسا للصّراع السّياسيّ، والانغماس في بؤس التّراث بخلفيات إيديولوجيّة شكّلت سندا ودعما، من حيث تدري أو لا تدري، لبداية السّيرورة التّاريخيّة ” لانبثاق النّموذج الأعظم للتّاريخ الأسديّ بذاته، الّذي راح يفصح عن نفسه فيما لا يحصى من النّماذج، الّتي ستكتمل في النّموذج المهيئ لحافظ الأسد نفسه، نعني جلجامش، الّذي نصفه إله ونصفه الآخر بشر ومع تشخيص ذلك في قلب الأحداث، نجد جلجامش الأسد ملكا ومالكا وإلها، في السّياسة والاقتصاد واللاّهوت، وقد تحدّد الأمر وتشخّص أكثر، حين تشخّص وتحدّد في المكوّنات الّتي قام عليها الاستبداد الأسدي (لدى الأب أوّلا ولدى الابن ثانيا).71″ ؟ والأسديّة ا ليست حالة عائليّة أو حزبيّة وطائفيّة ومناطقيّة فقط، بل هي نظام سياسي شامل وشمولي للواقع السّياسيّ العربي بتفاوت في التّحدّد البنيويّ والتّطور التّاريخيّ للصّراع السّياسيّ الاجتماعيّ، وبالتّالي هي تصلح أن تكون أداة بحثيّة في مقاربة طبيعة النّظام السّياسيّ الاقتصاديّ والإيديولوجي العربي. وإزاء هذه السّيرورة التّاريخيّة للتّخلف والتّخليف والفساد والإفساد على حدّ تعبير تيزيني، يفرض السّؤال نفسه: لماذا تمّ كبت السّؤال النقدي والزّج به في سرداب التّراث حيث البؤس الفلسفي والفكري واحد، والأقنعة متعدّدة بين: نحن والتّراث، تجديد التّراث، من العقيدة إلى الثّورة، من التّراث إلى الثّورة، نقد العقل العربيّ، نقد نقد العقل…في حرب هامشيّة ضدّ قوى الظّلاميّة استفاد منها تكون وتطوّر جلجامش النظام السّياسي العربي؟ وقد تحوّلت المكتبات العربيّة إلى ركام هائل من الكتب المتجاوزة الصلوحيّة والمفجعة للقارئ وهو يشعر بالنّدم الفكريّ والخيبة الفلسفيّة والسّياسيّة، حين يدرك العمر الكامل الّذي أنفقه مفكّرون ومستنيرون كبار من أجل مشاريع فكريّة وهميّة نكوصيّة من نقد العقل إلى تفسير القرآن، ومن نقد النّقد إلى إسلام القرآن72، ومن بؤس تراث الثّورة إلى الحطام المفتوح لجلجامش… أسئلة وإشكاليات مغلوطة كان فيها لصمت الذّاكرة ألف معنى على محنة السّؤال النقدي على يد أهله من المفكّرين والمثقفين، دون أن تكون لهم الشّجاعة الفكريّة والفلسفيّة في قول الحقيقة ودقّ جدران الخزان الاستبدادي. ” فإنّ حضور الأسئلة في فكر ما لا يمثل ظاهرة إيجابيّة على الدّوام، لأنّ منها ما يمكن أن يكون زائفاً أو ملفّقاً أو غير مستكمل لشرائط الاتّساق المنطقيّ والمطابقة النسبيّة مع الواقع”73. هل في هذا التّصريح نوع من النقد الذاتيّ الخجول، أم مجرّد اعتراف بمرارة الواقع أمام نتائج الرقابة الذاتيّة في حقّ السّؤال النقدي الحقيقيّ، والانهمام بالتّراث بحثا عن إمكانيات الثّورة والنّهوض والتّنوير؟

وإذا كنّا نقدّر باحترام كبير مجهود المفكّر النقديّ العربيّ، كطيّب تيزيني، فإنّنا لا نجد مبرّرا معقولا وموضوعيا يسمح لهذا المفكّر ونحن نتصفّح كتبه وحضوره الفكري والسّياسي والاعلامي بهذا الصّمت المريب تجاه التّركيب الاجتماعيّ الاقتصاديّ لمجتمعاتنا، الآن هنا راهنا، وما يحرّكه من صراع سياسي إيديولوجي يسود فيه ” الاضطراب الهائل وشبه المستديم لواقع الحال في العالم العربي- الإسلامي. وهو يتجلّى في الظّلم والاستبداد والإفقار المفتوح في هذا العالم. فعلى مدى سنين طويلة سيطر فيه ما نلخّصه بـ«قانون الاستبداد الرباعي» بصيغ متعاظمة من الظّلم والاستفراد وابتلاع المجتمعات القائمة اقتصاداً وسياسة وثروة وقراراً وغيره.”74

وللأمانة نقول: بأنّ المفكّر طيّب تيزيني كان مع الثّورة السوريّة في التّوقيع والفعل البناء انطلاقا من ربيع دمشق، مرورا ببيان النّهضة والتّنوير، وفي الحضور الحقوقيّ والاعلاميّ، وصولا إلى الانحياز الكامل والصّريح إلى ثورة الشّعب، مع تحميل النّظام مسؤوليّة شرّ المأساة الّتي تعيشها سورية شعبا ووطنا. ” لقد ارتكب بشّار الأسد خطأً تسونامياً قاتلاً، حيث وضع في رأسه ورؤوس حُماته خطّة تدمير سوريا، لقد أخطأ خطأ لا يرقى إلى مستوى خطأ ربّما في التّاريخ كلّه، نقول ذلك حتّى إذا انتصر ولن ينتصر، إنّها المأساة الّتي لا يرقى إلى مستوى بنيتها وفصولها أي حدث آخر، لقد علّق «الرّئيس بشّار» على جدران دمشق وسوريا ما يتجاوز أكبر الكبائر في التّاريخ على الإطلاق، وذلك بصيغة ملهاة مأساة مجسّدة بما تبقى من سوريا: بشّار أو حرق البلد، لا وجود لسوريا دون بشّار، وهذا ما لا يمكن مغفرته”75.

محنة السّؤال النقديّ في فكر طيّب تيزيني تذكرني بمحنة  فكر سقراط حول الشّجاعة في قول الحقيقة عن الذّات ومعرفة الذّات حين قال في محاورة الدّفاع ” هل تعتقدون أنّني كنت سأعمّر كلّ هذه السّنين لو أنّني حشرت نفسي في الشّؤون العامّة. لو أنّني تعاملت معها كرجل شريف، واضعا مسألة العدالة فوق كلّ اعتبار”… ” لو حاولت منذ زمن طويل، أن أشغل نفسي بالسّياسة، كنت قد مت، ولو مت لما أمكن أن أقدّم لكم ولي أي نفع. وأرجو ألاّ تغضبوا إذا قلت لكم الحقيقة. فأنا واثق من أنّه لا يوجد أي إنسان على وجه الأرض يستطيع، إذا ما قاومكم بصورة واعية أو تصدى لأيّة ديمقراطيّة منظّمة، ومنع جهارا نهارا وقوع العديد من الشّرور والأعمال غير المشروعة في دولة ينتمي هو بالذّات إليها، يستطيع النّجاة بحياته. لذلك فإنّ البطل الصّادق العزم على الدّفاع عن العدالة، إذا ما أراد أن تكتب له الحياة، ولو لفترة قصيرة من الزّمن، توجّب عليه أن يحصر نشاطه داخل الحياة الخاصّة، وأن يترك السّياسة وشأنها. (أفلاطون: آخر أيّام سقراط، ترجمة: أحمد الشيباني)75

ورغم ذلك فطيّب تيزيني عرّض حياته للخطر في مواقف مختلفة وتمّ التّنكيل به والتّضييق عليه، وكان صريحا وشريفا، وهو يغامر بحياته من أجل الحقيقة.

وكما قلت في هذا البحث المتواضع بأنّ  السّؤال النقدي لا يرحم حتّى بحثنا هذا، حيث لا يمكن للنّقد أن يوجد ويكتمل إلاّ حيث يستحيل وجوده أي اكتماله، فإنّني لا أستطيع أن أخفي في هذا السّياق تساؤل هايدجر في كتابه عن كانط” ألا يتستر مجهودنا نحن كذلك وراء أشياء لا ندركها”.

********

الهوامش:

67- هذا ما ناقشه طيب تيزيني في مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر.

68- طيب تيزيني: من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي، ص12. مرجع مذكور

69- طيب تيزيني: الفكر النقدي والمعارضة، صحيفة الاتحاد. مرجع مذكور

70- طيب تيزيني: حطام الواقع العربي، المرجع نفسه.

71- طيب تيزيني: الفكر النقدي والمعارضة، المرجع نفسه.

72- لحسن وزين: أسئلة النقد ونقد النقد وعلاقتها بالتّراث العربي في فكر جورج طرابيشي، مجلة قلمون العدد7، س2018.

73- طيب تيزيني: قصور الفكر، صحيفة الاتّحاد.

74- طيب تيزيني: وجهات نظر داعش والاستبداد الرباعي، المرجع نفسه.

75- طيب تيزيني: تأسيس الاستبداد السّياسي، المرجع نفسه.

76- ميشيل فوكو: سقراط، الشجاعة وقول الحقيقة، ترجمة: توفيق رشد، مجلة نجمة، ع2، س 1987، ص45و47.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق