إسرائيل التي أخافتها زيارة رشيدة طليب وإلهان عمر / أدهم مناصرة

“ستدخلان بشروط.. لا، لن تدخلا.. بل ستكون زيارة إنسانية”. هذا هو اللغز الذي شغل الإعلام الإسرائيلي طيلة مواكبته للموقف المنتظر مِن حكومة نتنياهو بشأن الدخول المقرر، الجمعة، للعضوين في الكونغرس الأميركي، الديمقراطيتين رشيدة طليب وإلهان عمر إلى الأراضي الفلسطينية عبر إسرائيل، قبل أن تحسم بالنهاية قرار منع إلهان من الحضور، في مقابل السماح لرشيدة بـ”زيارة إنسانية لجدتها”.
وبعدما أثار قرار المنع المطلق للأميركية من أصل فلسطيني رشيدة طليب، وزميلتها إلهان عمر وهي صومالية الجذر، انتقاداً وشجباً كبيرين، حتى من المنظمة اليهودية الأميركية الداعمة لإسرائيل “إيباك”، جاء القرار الإسرائيلي بـ”التكرم” على طليب بـ”زيارة إنسانية” لجدتها البالغة من العمر 90 عاماً والتي تتحدر من قرية بيت عور الفوقا في محافظة رام الله.

لكن الدولة العبرية حاولت أن تسجل لنفسها “إنتصاراً إعلامياً ومعنوياً” بعد الانتقادات الشديدة التي طاولتها، وما بدا من صورة ضعيفة وهزيلة لإسرائيل، فراحت تقول “على عكس ذلك.. فهي دولة قوية ومتسامحة”، وذلك من منطلق “ضرر منع زيارة طليب أكبر من السماح بها وفق الشرط الإسرائيلي”.

إسرائيل انتهزت الفرصة كي تدعي أن الموافقة على “زيارة طليب الإنسانية”، جاء بعد قبول طليب بالإشتراطات والقيود الإسرائيلية.. فأظهرتها وكأنها “رضخت للقانون الإسرائيلي وتراجعت عن جدول الزيارة المخطط له سلفاً ويندرج في سياق دعم منظمة BDS الداعية إلى مقاطعة اسرائيل”، وفق المزاعم العبرية.

الحجة التي ساقها اليمين الحاكم ونشرها في الإعلام، الخميس، في بادئ الأمر لتبرير منع عبور رشيدة طليب وزميلتها الهان عمر، كانت جاهزة ومعلومة سلفاً، ومفادها “أنهما متهمتان بمعاداة السامية ودعم الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل BDS”.

“المنع الأوّلي”
والواقع، لم يكن مفهوماً الدافع الذي جعل اليمين الحاكم بزعامة بنيامين نتنياهو، صامتاً ومتكتماً طيلة فترة التخمينات الإعلامية التي سبقت “حسم المنع” قبل التراجع جزئياً عنه ووضع الزيارة في سياق “إنسانية بحتة لطليب”.. فهل كانت مجرد تمثيلية بأن القرار ليس جاهزاً وإنما كان خاضعاً للتقييم، كي لا يُفهم أنه موقف انتقامي مسبق اتجاه الحزب الديموقراطي، ما يسبب أزمة؟.. أم أن ثمة مقايضة أجرتها إسرائيل مع النائبين الديمقراطيتين في الساعات الأخيرة مقابل السماح لهما بالعبور، علها تكون “إنتصاراً معنوياً” لنتنياهو، عبر الإعلان أن طليب وعمر قد رضختا للشروط الإسرائيلية؟

بالرغم من محاولة بائسة لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، لإظهار نفسه مستقلاً عن تأثير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في قراره بعدم السماح للديموقراطيتين سالفتي الذكر من الدخول، إلا أن نتيناهو طبق بالمحصلة مقولة “لا أرفض طلبَ عزيزٍ”، فتواطأ مع ترامب.. لكن، ربما هذا كان دافعاً آخر لنتنياهو كي يتراجع عن منع طليب على الأقل، وحصرها تحت عنوان تمثيلي هو “إنساني”، كي لا يُقال إن قراراته رهينة للرئيس الأميركي الجمهوري.

استمرار ترامب بتعليقاته على الأمر حتى بعد قرار المنع الأوّلي، قد أضعف نتنياهو ومعه إسرائيل، فلم يكتفِ بإعطاء “أمر” لنتنياهو بعدم السماح لهما بالمرور، بل راح يغرّد أيضاً: “إذا سمحت إسرائيل بدخول رشيدة وإلهان إلى أراضيها، فإن ذلك سيظهر ضعفها”.

ترامب لم يُظهر نتنياهو أسيراً لقراره، بل كشف كم أن إسرائيل ضعيفة، لدرجة أن زيارة لرشيدة وإلهان، لا تلتزم بالجدولة الإسرائيلية، ستتسبب بوهن شديد لهذه “الدولة”!.. فضعف إسرائيل بائن في هذه الحالة ولو غُلّف بسطوة “قوة المنع”!.

ورصدت “المدن” منشوراً فايسبوكياً لناشط إسرائيلي، سخر فيه من نتنياهو، فكتب: “إذا كان نتنياهو يخشى عضوين في الكونغرس، فكيف له أن يدمر حماس؟!”.

لكن، رغم هذا المنشور الناقد لنتنياهو، فإن الشعبوية اليمينية كانت طاغية على طبيعة ومضامين تفاعلات الإسرائيليين في السوشال ميديا. فمنذ البداية، كانت غالبية الدعوات عبر “فايسبوك” و”تويتر” ضد السماح لإلهان عمر، ورشيدة طليب بدخول إسرائيل وبعدها الضفة الغربية.

وكالعادة، ذهبت المنشورات والتغريدات المُعارِضة لنتنياهو، حتى ولو انسجمت مع قرار المنع، إلى اعتبار أم الأخير اتُّخذ بناء على مصلحة نتنياهو الإنتخابية دونما أي إعتبار آخر.

إنقسام الإعلام الإسرائيلي
وبالإنتقال إلى تحليل تغطية ومتابعات الاعلام الاسرائيلي للقرار الرسمي لتل أبيب حيال الزيارة، والذي شابه الإرباك، فقد انقسم هذا الإعلام على نفسه، وإن تقاطع في جانب معين.
فوسائل إعلامية يمينية مثل القناة “السابعة” و”العشرين” بموازاة صحف ومواقع أخرى ذات توجه يميني، ظهر موقفها الرافض مطلقاً للسماح بدخول النائبين رشيدة والهان.

لكن قنوات ومواقع اسرائيلية معينة، حاولت الظهور بمستوى معين من الموضوعية، فعرضت آراء ووجهات نظر مختلفة لمسؤولين من الحكومة والمعارضة.

وكانت القناة العبرية الأولى صريحة عندما ذهبت إلى خلاصة مفادها: “ترامب صديق إسرائيل يتحكم فيها من بعد ويتسبب لها بإحراج وضرر عالميين”. فيما أبرزت صحيفة “هآرتس” اليسارية شجب العديد من المنظمات والأطر السياسية والإجتماعية اليهودية الأمريكية لقرار المنع، وعلى رأسها منظمة “إيباك” الداعمة لإسرائيل.

كما رأت القناة “الثانية” أن إسرائيل “وضعت نفسها في دائرة الإنتقادات والشجب، وبشكل أضر بسمعتها لدى الرأي العام الأميركي. وستدفع ثمن ذلك إذا فاز الديموقراطيون في الإنتخابات المقبلة”.
إسرائيليون انتقدوا رشيدة وإلهان.. لكنهم مع دخولهما!
وفيما وقفت غالبية وزراء اليمين ونوابه في الكنيست، ضد زيارة طليب وعمر، إلا أن معارضة “يمين الوسط” بالرغم من ذمها للديمقراطيتين ووسمهما بـ”معاداة السامية”، فقد دعت إلى السماح بدخولهما. وقد مثّل هذا الرأي يائير لابيد، الذي يعتبر شريك بني غانتس في زعامة حزب “أزرق أبيض”.
ويتبنى لابيد موقفاً مزدوجاً تجاه عضوي الكونغريس الديمقراطيتين، فبينما يصفهما بمعاديتين وكارهتين لإسرائيل، يدعو إلى السماح بعبورهما؛ لسببين لم يفصح عنهما صراحة: الأول، أن ذلك يضمن الحفاظ على “صورة اسرائيل كمتسامحة وتفتح أبوابها حتى أمام منتقدي سياستها”. أما السبب الثاني، وفق أصحاب وجهة النظر هذه؛ أنهم لا يريدون أن تتسبب “موقعة المنع” بخسارة إسرائيل للحزب الديموقراطي الأميركي الذي ستكون فرصته قائمة برئاسة الولايات المتحدة كنتيجة للمعركة الإنتخابية المقبلة أو التي يليها، خصوصاً أن العلاقة توترت على نحو غير مسبوق بين حكومة نتنياهو والرئيس الديموقراطي السابق باراك أوباما.
والواقعية، لا تستبعد أن يكون السببان سالفا الذكر، دافعين لتراجع إسرائيل عن منع زيارة طليب.

طليب تردّ بصورة جدتها
قبل أن يتم السماح لها بـ”زيارة إنسانية لجدتها”، ردت رشيدة طليب على قرار منعها الأوّلي عبر “تويتر”، إذ نشرت صورة لجدتها الثمانينية بينما هي واقفة مبتسمة في قلب مدينة رام الله، وقد ارتدت ثوبها التراثي الذي عمره أطول من عمر الإحتلال، ثم غردت بالإنجليزية: “قرار إسرائيل منع حفيدتها وهي عضو كونغريس أميركي، يعد علامة ضعف وخوف من كشف الحقيقة إزاء ما يحدث للفلسطينيين”.

فلسطينياً وعلى الصعيد الرسمي، خرج التعليق الأبرز على قرار المنع، على لسان رئيس الوزراء محمد شتية الذي قال إن “منع الزيارة والتحريض ضد رشيدة طليب وإلهان عمر يعكسان الخوف من فضح الاحتلال وإجراءاته الجائرة بحق شعبنا وأرضنا أمام الجمهور الأميركي والعالمي”.

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق