هشام غصيب: موجة من الشك العدمي نخرت عقلي وروحي وقادتني إلى الفلسفة / إبراهيم غرايبة

<p>هشام غصيب: موجة من الشك العدمي نخرت عقلي وروحي وقادتني إلى الفلسفة</p>قال إن المشروع العربي التقدمي ما زال ممعنًا في الهزيمة… والحراكات العربية كارثة
الأستاذ الدكتور هشام غصيب عالم ومفكر، يمثل في المجال العام الأردني والعربي مشروعًا فكريًّا ونهضويًّا يشتغل عليه بدأب منذ أكثر من أربعين عامًا، وينتمي إلى مجموعة من المفكرين العرب الذين استوعبوا المعرفة والتجربة الغربية استيعابًا نقديًّا، ويعملون في الوقت نفسه على تقديم محتوى علمي للثقافة العربية والعمل النهضوي. ورغم انحسار المشروع الفكري العربي أمام زحف الإعلام والعمل الجماهيري المنفصل عن الفكر العميق، فقد ظلّ مؤمنًا بأهمية الفكر والعلم في المجال العام، وظل ملتزمًا برسالته هذه؛ لم ينعزل في العمل الأكاديمي، ولم تجرفه السياسة رغم أنه من عائلة سياسية، ويقيم صلات وصداقات كثيرة مع الأحزاب والاتجاهات السياسية الأردنية والعربية والعالمية، وقدم في مشروعه هذا عشرات الكتب الرصينة في خدمة الثقافة العلمية، ويواصل من دون ملل المشاركة في المحاضرات والندوات والكتابة العامة.

يعمل هشام غصيب أستاذًا في الفيزياء بجامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا التي كان أول رئيس لها، ويسمى اليوم في الجامعة «الرئيس المؤسس» وهو أيضًا يملك تكوينًا فلسفيًّا متقدمًا، ويكتب على نحو غزير مؤلفًا للكتب أو في المنابر العامة. ومن مؤلفاته: مسرحية غسق الآلهة (1976م)، والنظرية الذرية (1983م)، ومدخل مبسط إلى منطق نظرية النسبية الخاصة (1983م)، وأصول الميكانيكا الموجية (1984م)، وجولات في الفكر العلمي (1985م)، والمغزى الحضاري التاريخي للعلم (1986م)، ودراسات في تاريخية العلم (1992م)، وجدل الوعي العلمي (1992م)، وفلسفة التحرر القومي (1992م)، وثقافتنا في ضوء تبعيتنا (1993م)، وهل هناك عقل عربي (1993م)، وتجديد العقل النهضوي (2003م)، وتجديد العقل الجدلي (2003م)، وفلسفة كارل ماركس (2007م)، والعقل أولًا.. العقل لا نهائيًّا (2016م)، والعقل والمنهج في الثورة العلمية الكبرى (2018م).

هذه المقابلة لـ«الفيصل» تحاول أن تقدم المشروع العلمي الثقافي الذي اشتغل عليه غصيب، وتناقشه في مجموعة من المسائل والأفكار.

● نسعى لأنْ تكون هذه المقابلة ذات طابع فكري يتفق مع طبيعة المشروع العلمي الذي تشتغلون عليه منذ أكثر من أربعة عقود. كيف يقدم نفسه هشام غصيب للقراء والمثقفين؟

■ نعم. وُلدت عام 1950م في عمّان، لأسرة من السلط (غرب عمّان بنحو 25 كيلومترًا) حيث انتقل والدي من السلط إلى عمّان في عشرينيات القرن العشرين عندما اختيرت عاصمة لإمارة شرق الأردن التي تأسست في عام 1921م، وقبل ذلك وعلى مدى مدة تاريخية طويلة فقد كانت مدينة السلط مركز منطقة البلقاء الممتدة بين نهري اليرموك والموجب، وقد استوطنها العمونيون قبل الميلاد بنحو ألف وخمس مئة عام، ومنحوها اسمهم الباقي حتى اليوم، وكان لشرق الأردن ثلاثة مراكز حضرية وإدارية هي السلط وإربد والكرك، إضافة إلى مجموعة من المدن والبلدات مثل مادبا وعجلون والطفيلة ومعان، وأما عمّان فقد كانت مدينة تاريخية قديمة سُميت في مرحلة الدولة البيزنطية فيلادلفيا نسبة إلى الإمبراطور فيلبوس، وتحولت مع الزمن إلى بلدة تابعة للسلط، ثم زادت أهميتها وتضاعف عدد سكانها بعد اختيارها عاصمة للأردن.

كان والدي بشارة غصيب يعمل قاضيًا، وشغل مناصب وزارية وسياسية عدة؛ منها وزير العدل، ووزير المالية والمواصلات والأشغال، ورئاسة ديوان الموظفين، وانتخب عضوًا في مجلس النواب، وكان أيضًا عضوًا في مجلس الأعيان، وعمل أيضًا في المحاماة عندما لا يكون في وظيفة رسمية، وكان يستقيل كثيرًا من عمله الرسمي ثم يعود إليه. وكانت حالة استثنائية أن تُسنَد إليه وزارة العدل رغم أنه مسيحي، والحال أنني نشأت نشأة دينية وتقليدية في أسرة علمية وسياسية، وكنت كما أسرتي ممتلئًا بالانتماء العربي والإسلامي.

أنهيت دراستي الثانوية في عمان عام 1967م، وانتقلت للدراسة في بريطانيا، وكنت كما هو شأن الشباب الأردنيين أخطِّط لدراسة الهندسة، لكن جذبتني الفيزياء، وأكملت جميع مراحل الدراسة في الجامعات البريطانية حيث حصلت على الدكتوراه في الفيزياء من جامعة ليدز عام 1976م.

توافق انتقالي للحياة والدراسة إلى بريطانيا مع حرب 1967م، وهكذا اجتمعت علَيَّ الصدمة الحضارية مع الشعور المرير بالهزيمة والانتكاسة للمشروع العربي الذي كان يملأ حياتنا ويهيمن علينا. ولم يكن سهلًا أو طبيعيًّا الانتقال من بيئة زراعية دينية محافظة ومدينة صغيرة وادعة إلى لندن المدينة الكبيرة العريقة.

● كيف أسهمت هذه التجربة المبكرة التي تبدو اليوم أكثر من ذكريات في تكوينك الفكري والعلمي واتجاهك نحو المجال العام؟

■ واجهت في بريطانيا الدولة العريقة والمثقلة برأسماليتها الصناعية صدمة أقسى من أن يتحملها الوعي التقليدي الذي نشأت فيه، وواجهت أنماطًا من الوعي والفكر معقدة ومتعددة ولا نهائية الانفتاح والجوهر، وتحولت أفكاري ويقينياتي التي كانت تعصف بها ابتداء تداعيات الهزيمة المرّة (1967م) إلى ما يشبه الأدوات القديمة المتشظية، ومضيت في حوار ذاتي مُمِضٍّ وطويلٍ، وفي عزلة فكرية عذبتني كثيرًا وتركت في نفسي ندوبًا غائرة إلى الأبد، ودخلت في حيز العدمية، فلم يتشكل لديّ فورًا وعي بديل.

لقد منعتني بقايا وعيي التقليدي من الاندماج في البيئة الجديدة وتقبلها، كان وعيي التقليدي خلاصيًّا، سواء في نشأتي الدينية أو القومية، هكذا فإن هذا الوعي لم يعد يساعدني ويمنحني الثقة والتماسك، لكنه أيضًا ظلًّ قادرًا على الحيلولة بيني وبين الحضارة والأفكار الجديدة، لكني لم أتوقف عن البحث عن نظم فكرية أخرى.
أرتور شوبنهاور
فريدريش نيتشه

اجتاحتني موجة من الشك العدمي، ونخرت عقلي وروحي، وهذا ما قادني إلى الفلسفة، فبدأت أفكر فلسفيًّا، ليس بفعل الكتب الفلسفية، لكن بفعل الصدمة الحضارية ومتوالياتها، ودخلت في تجارب وخبرات فلسفية هي خليط من الفكر والوجدان والتبصُّر، وهذا ما قادني لاحقًا إلى الكتب الفلسفية، ولم أكن قارئًا نهمًا كما هو حالي اليوم، إنما كنت أمارس الفلسفة بالشعور والتفكير والتأمل والتخيل، لقد أصبحت فيلسوفًا بالفطرة.

ودفعني إلى الفلسفة إضافة إلى الصدمة الحضارية وهزيمة عام 1967م دراستي الفيزياء التي تخصصت فيها بالجامعة، وما يثيره علم الفيزياء من إشكاليات فلسفية، لكن ظلت الخبرات الفلسفية هي العامل الأهم في تجربتي الفكرية والعلمية. لقد كانت تجربتي الفلسفية تشبه تجربة روكنتان بطل رواية «الغثيان» تأليف جان بول سارتر، وربما يكون سارتر نفسه قد مر بتجربة فلسفية طويلة ومؤثرة قبل أن يؤلف كتابه المهم والشهير «الوجود والعدم».

بدأت أتساءل عن كل شيء بجدية. لم يكن يرضيني شيء ولا ترضيني إجابة، وكانت أولى المراجعات دينية، وكنت أفكك الظواهر والأفكار وأقلبها، وأتساءل حول كل جوانبها؛ بما في ذلك وجودها، هكذا في شك لا نهائي، لقد أصبحتُ مونتينيًّا وهيوميًّا (مونتين الفرنسيّ، وهيوم الأسكتلنديّ) قبل أن أقرأهما، وصرتُ أفكر محللًا في كل ما هو حولي، في الشوارع والباصات وفي الجامعة وفي كل مكان، قادني ذلك إلى الشك في إمكانية وجود العالم بصفته كيانًا موضوعيًّا، وفي إمكانية وجود الأنا أو الذات، بل في إمكانية الفعل المشروع الهادف، أي في إمكانية المعنى والهدف والمرمى.

وفي أثناء ذلك كتبت مجموعة من المقالات والمسرحيات التي لم تنشر، لكن الكتابة ساعدتني على الشفاء والتماسك الفكري، وملاحظة الخلل والخطأ، وتنظيم الأفكار، وقد نشرت عام 1976م بعد عودتي إلى الأردن مسرحية «غسق الآلهة»، نشرت في دمشق بكميات محدودة، ووزعت شخصيًّا عدة نسخ منها في عمان.

شعرت في بريطانيا بتكويني الاجتماعي البسيط أنني تائه ومصدوم مضاف إليه الهزيمة، ووجدت في خضمّ الرأسمالية المتروبوليس أن وعيي المحدود والتقليدي لا يساعدني في شيء يذكر؛ وأنني يجب أن أبحث عن مخرج من وضعي اليائس، فكانت البداية في ذلك في الأدب الرفيع، تولستوي وديستويفسكي وغوته، والموسيقا الكلاسيكية، مثل باخ وموتسارت وبيتهوفن وفاغنر وماهلر، وعلى رغم ما في الأدب والموسيقا من محركات جميلة تهز الوجدان، لكنها لم تخرجني من دوامة الشك والضياع، فواصلت البحث المحموم عن الحياة والأمل؛ قرأت كانت وأدهشتني مثاليته وعقلانيته المتعالية، ثم قرأت شوبنهاور وتأثرت بتشاؤميته، لكني ظللت عدميًّا يشعر أنه في طريق مسدود، وبالطبع، فإن شوبنهاور قادني إلى نيتشه، الذي يفترض أنه ثار على شوبنهاور وقوض أركان فلسفته أو قلبها رأسًا على عقب. وأقبلت بنهم على نيتشه، وخصوصًا «هكذا تكلم زرادشت»، لقد سحرني نيتشه بأسلوبه وفكره، وصرتُ أنادي بأفكاره حول أخلاق العبيد وأخلاق السادة والنخب الأرستقراطية وما إلى ذلك، وتأثرت بأسلوبه اللاذع إلى حد تقليده في كتابتي. لكنه لم يرحني، وإن عزز شعوري بالعدمية المطلقة والنفور من الوجود الإنساني.

ودخلت في متاهات الفلسفة اللغوية التحليلية؛ لعلي أستخرج من ذلك منهجًا لممارسة الحياة. وقادني ذلك إلى فقر فكريّ وخواء وجدانيّ، ومرة أخرى إلى طريق مسدود في فهم الحياة والتعاطي معها، بل حتى في فهم الفيزياء، وحين تسنَّى لي أن أقرأ كتاب سارتر «الوجود والعدم» بعد ذلك بسنوات، تبين لي مدى التطابق بين تصوري العدمي ذاك والتصور الأنطولوجيّ السارتري. ثم جربت الفلسفة والديانة الهندية والبوذية، لكنها تجربة لم تدم أكثر من بضعة شهور.

وقادتني أزمتي الروحية إلى التراث الظاهراتي، هوسيرل وسارتر. وبدأت بقراءة هوسيرل. لكن الذي لفت نظري فيه لم يكن نص هوسيرل في حد ذاته، إنما اقتباس في مقدمة الكتاب من هيغل. شعرت حينها كأن تيارًا كهربائيًّا مسَّ ذهني، وكأن حجبًا وقشورًا سقطت عن عيني. لم تكن معاني هيغل في حدّ ذاتها هي التي صعقتني، إنما روحيته وطريقته ومنطقه. لقد اكتشفت في هذا الاقتباس روحًا جديدة غير التي اعتدت عليها لدى الفلاسفة الآخرين، روحية خالية من العدمية المطلقة التي أفسدت حياتي وعززتها قراءة الفلاسفة المحدثين. وبدأ يتراءى لي إمكانية تخطِّي الحلقة المفرغة التي وقعت فيها؛ بهذه الروحية الجديدة، روح هيغل الجدلية.

وفي هذه الأثناء أيضًا قرأت كتاب «الماركسية والمسيحية» لديفيد مكليلان، وما لفت انتباهي هو الاقتباسات من ماركس وإنغلز وهيغل في مقدمات فصول الكتاب. ومرة أخرى وجدت هذه الروحية الطازجة الجديدة تطل عليَّ من بين ثنايا الكلمات، وتثير في ذاتي بهجة وحماسًا للحياة لم أعرف مثيلًا لهما منذ سني طفولتي. بل إن ما سبق أن وجدته في هيغل من هذه الروحية الجديدة وجدته مضاعفًا في ماركس. ثم قرأت كتاب «التاريخ والوعي الطبقي» لجورجي لوكاتش، حيث شاع هذا النمط من الكتب في الجامعات البريطانية في النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين بتأثير اليسار الجديد. وما إن بدأت بقراءة مقالة لوكاتش الأولى حتى أيقنت أني بإزاء روحية تاريخية جديدة لا تقتصر على مفكر بعينه، إنما تعبر عن حركة بكاملها، وعن طبقة تاريخية برمتها وحقبة تاريخية كاملة. وهنا أيضًا، لم تكن المعاني والأفكار في حد ذاتها هي التي صعقتني بقدر ما كان الروحية والإيقاع الثوري. وقرأت لماركس «في المسألة اليهودية» و«أطروحات حول فويرباخ» وقد توج هذان الكتابان تجربتي الفكرية الجديدة. ولم يكونا لي مجرد نصيْنِ، إنما كانا فيضًا من الشرارات اللامعة الحارقة.

مخطط لا غنى عنه للفعل التاريخي
● كيف كانت الماركسية مخرجًا من الأزمة الفكرية والروحية؟ أليست الماركسية بماديتها وجدليتها تزيد الأزمة الروحية والوجدانية؟ ماذا أيضًا عن التجارب الراديكالية المرتبطة بها؟

■ تجربتي الفلسفية عبر السنوات دلتني على أن الماركسية هي موقف من الحياة مطابق للحياة في تاريخيتها. إنها مخطط للفعل التاريخي لا غنى عنه في حقبة الحداثة وما بعد الحداثة. وهذا المخطط هو فضاء من المسارات والاحتمالات، وليس مسارًا أحاديًّا تحدد أبديًّا عام 1917م (عام الثورة الشيوعية في روسيا). وبالطبع، فإنها مسألة فلسفية في غاية الأهمية والتعقيد، وتحتاج إلى كثير من الجدل والتوضيح.

لقد وصلت إلى الماركسية بوصفها فلسفة ملائمة وكانت لي مخرجًا من الحلقة المفرغة للعدمية المطلقة، وليس من خلال الأدبيات السوفييتية أو الأحزاب الشيوعية التقليدية، ولذلك فإن الأحداث التي رافقت التجارب والتطبيقات الاشتراكية أو التي أدت إلى إلغاء المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي لم تغير في اتجاهاتي الفكرية، كما حدث لعدد كبير من المفكرين والمثقفين الماركسيين؛ ذلك أني لم أصل إلى الماركسية عبر الاشتراكية القائمة بالفعل (الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية والأحزاب الشيوعية) لكني اكتشفتُها اكتشافًا، ولم أعتنقها تلبيةً لحاجات ومصالح وعلاقات غير عقلية، ولأن اكتشافها جاء إنقاذًا لي وحلًّا لمأزق فكريّ روحيّ. وفي ذلك فإنني أميز بين الماركسية بصفتها منهجًا جدليًّا إنسانويًّا، وأيديولوجيا السلطة السوفييتيـة.

● كيف قلبت الماركسية حياتك رأسًا على عقب؟ هل كانت جاذبية الماركسية وأهميتها في رؤيتها للفضائل والقيم منبثقة من علاقة الناس بأعمالهم ومواردهم وليست عمليات تهبط عليهم أو تحل فيهم من خارج محيطهم الواقعي؟ بمعنى هل كانت ردًّا على شعورك بعدم ملاءمة الخلاصية المسيانية؟

■ نعم أحسنت، فبعد اكتشافي أسس الماركسية، انطلقت في رحابها من أجل تملك مناهجها المعرفية والعملية أداة في تملك نفسي والعالم حولي في سياق الفعل التغييري الواعي. وكانت القفزة الكبرى، التي أحرزتها في سياق انتقالي من الفلسفة البورجوازية إلى الماركسية، تمثلت في انتقالي من الوعي المسياني الخلاصي، الذي ينفي مادية العالم ومادية الإنسان، إلى الوعي المادي الجدلي، الذي يؤكد هذه المادية. فقد كنت أنظر إلى نفسي على أني روح محض معذب تقيده المادة بقوانينها الصارمة، ويصبو إلى خلاصه الأبدي. ومصدر عذاب هذا الروح هو الشهوات والحاجات الدنيوية المادية. ورغم انهيار وعيي التقليدي القومي والديني بفعل هزيمة حزيران وصدمة الانتقال إلى مجتمع رأسمالي عريق، فإن بقايا هذا الوعي، أو الكثير من أسسه، ظلت راسخة في ذاتي تعوق تقدمها وتحررها؛ إذ ظلت هذه النظرة كامنة وراء فكري وممارستي ووجداني طوال المدة التي تلت انهيار وعيي التقليدي حتى اكتشاف الماركسية والالتزام بها. ورغم دخولي في تجارب فلسفية جديدة، ومشاركتي وجدانيًّا في محيط الفلسفة الأوربية الحديثة (البرجوازية)، فإني عجزت عن تخطي هذه الأسس المسيانية الخلاصية، بمعنى أن هذه التجارب والقراءات لم تكن كافية لتخطيه.

إن الإنسان ليس روحًا محضًا يبحث عن خلاصه الأبدي في مجابهة حشد من الشهوات والحاجات المادية التي تعوق حركته. لكنه كائن بيولوجي اجتماعي عاقل فاعل يتطور ويسعد ويحقق ذاته ويتملك العالم ومصيره وتاريخه عبر توليد حاجاته وسدها بالإنتاج، أي عبر الخلق والإبداع في سياق تطويع ذاته وبيئته. فالشهوات والحاجات ليست معوقات ومشكلات، إنما هي آليات الحياة والوعي والسعادة والتاريخ. وما نفيها سوى نفي للحياة ذاتها، كما لاحظ نيتشه تحديدًا. وفي هذا التفاعل الجدلي بين حياة الإنسان وموارده وأشواقه وتجاربه وأهوائه ورغباته تتشكل القيم والأفكار المنظمة للحياة والوجود.

وجدت نفسي بفعل هذا التبصر أؤكد الحياة والحاجات ومتع الحياة والانطلاقات الخلاقة المبدعة للإنسان: تأكيد الجسد وكل ما يمتّ له بِصِلة (الحب، والرياضة، والرقص، والمسرح، والفن، والموسيقا)، وتأكيد الإنسان قوة خلّاقة مفتوحة على اللانهاية، قادرة على استيعاب الوجود بلانهائيته. ولَكَمْ أدركتُ وقتَها خطل مساري المسياني الخلاصي الذي نشأت عليه وقيد حياتي، ولَكَمْ تُقْتُ إلى الخروج منه، وكَمْ تُقْتُ إلى ممارسة الحياة بتنوعها ولانهائيتها. لقد كانت الماركسية العين التي أبصرت بها الحياة والعقل والتاريخ والطبيعة والإنسان.

لكني أدركت في الوقت ذاته أن الخروج من دائرة المسيانية الخلاصية إلى رحاب جدل الخلق والإبداع ومتعة الحياة ليس أمرًا سهلًا. إنها ليست مسألة ذاتوية إرادوية. فوعيها ليس ضمانة كافية لتحقيقها. لقد وعيت الأمر تمامًا، لكن ظل السؤال قائمًا: هل يمكن أن أعيش ما وعيتُه؟ وخيَّم علَيَّ حزن لطيف دافئ آنذاك مبعثه هذا الوعي ممتزجًا بالشعور بأني لن أستطيع أن أعيشه؛ لأن وجداني ظل خلاصيًّا مسيانيًّا، حيث إنه تشكل أصلًا على هذا الأساس وما كان بالإمكان تغيير ما اعتاد عليه أصلًا. هكذا صرتُ بعقل جدلي ووجدان خلاصيّ.

تناقضات الفلسفة البرجوازية
● أليس هذا مقلقًا أيضًا؟ أعني أنك خرجت من أزمة عقلية ووجدانية إلى حالة من عدم اليقين. هل تخدمنا الفيزياء هنا في هذه الأزمة أو في تشكيل محتوى اجتماعي وفكري؟ أتساءل عن المشروع العلمي الثقافي الذي يميز بشكل رئيسي سيرتك الفكرية والعامة، وعن إمكانية أن يمنح حتى للخلاصيين وكل الاتجاهات محتوى علميًّا لا يناقض بالضرورة أفكارهم واتجاهاتهم..

■ نعم. ظل الوضع متناقضًا، وكنت أهجس بوضعي المتناقض والتناقض القائم في ذاتي بين الحاضر والماضي، بين عقلي ووجداني، بين الماركسية والخلاصية. وفجأة هبط على ذهني القرار المصيري الآتي: لقد أدركت حقيقة العالم والإنسان. وهذا شيء حسن. كنت متوهمًا حول ماهيتهما. أما الآن، فإني أدرك تمامًا ماديتهما وجدليتهما. وهو إدراك يملؤني غبطة وحماسًا. لكني موقن بأني لا أستطيع أن أجسد هذا الإدراك ممارسة ووجدانيًّا. لم تهيئني حياتي لذلك البتة. لم تزودني بالمهارات والأدوات لكي أعيش هذا الإدراك واقعًا وفعلًا. ستظل معوقات وعيي السابق المفوّت قائمة تشلّني وتحول دون ممارستي الحياة كما يجب. فليكن! لقد وضعت نصب عيني مهمة إبراز الحقيقة التي أدركتها، وإيراد الأدلة عليها، والبرهان عليها. بل سأكرس حياتي من أجل بيان أنها الحل الجدلي لتناقضات الفلسفة البرجوازية، وأنها حقيقة المثالية الألمانية (وبخاصة كانت وهيغل) الكامنة فيها، بل إنها حقيقة ظواهرية هوسيرل الكامنة فيها أيضًا. وسأعد كل شيء ثانويًّا لهذه المهمة التي تنتظرني. سأعيش وأحيا من أجل هذا الإدراك وهذه الحقيقة. إن تكويني الذهني النفسي نظري في جوهره. فأنا مجرد ذهن يدبّ على الأرض؛ لا أكثر ولا أقلّ؛ لذلك لا أجرؤ على أكثر من ذلك. حبذا لو كان الوضع يسمح بتجسيد هذا الإدراك عمليًّا وحياتيًّا وسياسيًّا. لكنه لا يسمح بذلك. وعليه فلا سبيل إلا للفعل النظري. وهي مهمة نبيلة جليلة تستلزم بذل جهود جبارة، على أي حال.

● لنتحدث عن المشروع العلمي والثقافي لهشام غصيب.

■ عملت بعد تخرجي من جامعة ليدز عام 1976م في الجمعية العلمية، وكان يرأسها الدكتور إسحاق فرحان، الذي شغل قبل ذلك منصب وزير التربية والتعليم، ثم رئيس الجامعة الأردنية، وهو إسلاميّ الاتجاه، درس العلوم في الجامعة الأميركية في بيروت ثم أكمل دراسته في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، رحَّب بي الدكتور إسحاق، وبدأت العمل في مجال الثقافة العلمية، وهو المشروع الذي بقيت طوال حياتي المهنية والعامة مشغولًا به، وقد أنجزت في هذا السياق مجموعة من الكتب والدراسات العلمية والمقالات والمحاضرات التي كتبت بلغة عربية رصينة وتعبير دقيق، وكان في فريق العمل مجموعة من الأساتذة والباحثين المتخصصين.

كانت الفكرة بوضوح وعملية هي استيعاب وعرض وتقديم التقدم العلمي الناجز في عالم الغرب في كتب ودراسات عربية يستطيع المثقفون وطلاب العلم والأساتذة استخدامها في التعلم والتعليم والتثقيف، ثم -وعلى نحو لا يقل أهمية- تعزيز العقلانية العلمية في المجتمع، وتقديم محتوى علمي للفضاء العام والعلوم الاجتماعية والإنسانية، وتوظيف المنهج العلمي في التخطيط والتفكير والحياة، وفي عبارة مختصرة علمنة (من العلم) العمل والفضاء والحياة والتفكير على النحو الذي يمكن الشباب والمثقفين من بناء الأفكار ووجهات النظر في العمل والسياسة والاجتماع وأسلوب الحياة على أسس علمية جدلية تجعلها تملك فرص الإبداع كما هي أيضًا موضع مراجعة دائمة.

لقد بقي مشروع الثقافة العلمية يعمل في الجمعية العلمية الملكية منذ تأسيسه عام 1976م حتى عام 1991م عندما طُلب مني العمل على تأسيس كلية الأميرة سمية للتكنولوجيا، ثم صارت جامعة، وكنتُ الرئيس المؤسِّس لها، وانتقل القسم إلى الجامعة نفسها التي تملكها الجمعية العلمية الملكية، وتتميز الجامعة بالمستوى الرفيع للمناهج والمحتوى، ويقبل عليها طلاب جادّون في طلب العلم والمعرفة، ويتميزون بالجدية في الدراسة والتحضير، لكنهم وإن كانوا يبتعدون من المشاكل والأزمات الشبابية التي تحدث في جامعات أخرى؛ فإنهم أقلّ قلقًا وانشغالًا من جيلنا بالشأن العام وفي تكوين وجهات نظر في المسائل السياسية والاجتماعية،.. وربما تكون المسألة الدينية تشغل بعضهم.

الطبيعة كون فيزيائي لا نهائي
● لنركز على فلسفة مشروع الثقافة العلمية ورسالته، هل صحيح ما فهمته قبل قليل أنها إضافة التفكير العلمي وتقديم محتوى علمي للمجال التعليمي والاجتماعي؟

■ فكرة ورسالة مشروع الثقافة العلمية مستمدة من كون الطبيعة نظامًا فيزيائيًّا لا نهائيًّا تؤسس لإنتاج المعرفة، وعندما كرس غاليليو في القرن السابع عشر مشروع العلم الحديث ثم تبعه نيوتن أمكن إنتاج المعرفة بزخم هائل ثم تطورت التقنية التي حركت الاقتصاد والاجتماع، وهو ما نصفه بعصر الصناعة، هكذا فقد تحول العلم من جيوب معزولة مهمشة إلى صناعة كبرى ذات فاعلية اقتصادية وثقافية. ولكي يكون لدينا صناعة علمية ومعرفية مؤثرة يجب بناء وعي علمي جمعي يترجم الإدراك العلمي إلى مشروع ثقافي وطني. من الأفكار المتداولة كثيرًا في هذا المجال ضآلة المخصصات المالية في الدول العربية للبحث العلمي، وضعف الحريات، لكنها مقولات على صحتها لا تحل مشكلة سيادة أنماط الوعي ما قبل العلمي في المجتمعات العربية، ويشمل ذلك النخب السياسية والأكاديمية والثقافية والاقتصادية.

هكذا فإن مشروع الثقافة العلمية ينظر إلى العلم بوصفه ثقافة، أو وعيًّا اجتماعيًّا وقوة محركة للمجتمع والتاريخ، وبوصفه مشروعًا تاريخيًّا، أي أنه نشأ أو وُلد في لحظة أو لحظات تاريخية معينة، ونما وتطور في سيرورة أو سيرورات معينة، وتراجع في لحظات أخرى، وربما ذبل ومات أو اندثر في حِقَب بكاملها. فالعلم عضوية ثقافية تاريخية تنبع من قلب التاريخ بوصفها قوة تغيير رئيسية.

نشأ أول علم طبيعي دقيق في التاريخ في بابل العراقية نحو عام 500 ق.م. وقد دام هذا العلم بضعة قرون ثم تلاشى واندثر. وفي القرن الثاني قبل الميلاد، نشأ تقليد علمي دقيق آخر في علم الفلك لدى الإغريق كان عمادُه طرائق الهندسة البرهانية، وقد تراجع العلم في العالم الإغريقي، إلا أنه انتقل إلى الحضارة العربية الإسلامية، فوجد هناك تربة خصبة لاستئناف مسيرته. بل إنه تقدم إلى مستويات جديدة على أيدي العلماء العرب والمسلمين؛ مثل: الحسن بن الهيثم، ومؤيد الدين العرضي، وقطب الدين الشيرازي، والطوسي، وابن الشاطر، وغيرهم.

هكذا نشأ العلم في شرق المتوسط على شكل جيوب معزولة ومهمشة وعرضة للانكماش والزوال. وترك ذلك أثره البين في وضع العلم وطبيعته وحجم قطاعه وأثره العام. فقد ظل القطاع العلمي محدودًا جدًّا وصغيرًا من حيث عدد العاملين وحجم الاستثمار فيه وأثره في الاقتصاد والوعي والثقافة مقارنة بالقطاعات الأخرى العسكرية والتجارية والزراعية والحرفية. وكان تنظيمه أقرب إلى تنظيم الحرف. كما أنه كان ملحقًا بالمؤسسة الدينية والسياسية.

لكنه تحول في الحضارة الغربية إلى قوة جبارة، ومحورًا جوهريًّا من محاور الحياة المعاصرة. وسواء أعجبتنا طرائقه وأسسه ونتائجه أو لم تعجبنا، فإنه لا مجال لإغفاله أو صرف النظر عنه؛ لذلك فلا مفرّ للأمم التي فاتها العلم مثل الأمة العربية من السعي إلى تملُّك العلم بوصفه مشروعًا ثقافيًّا.

● كيف نملك هذا المشروع؟ كيف ننشئ صناعة معرفة عربية ترفد المجتمع العربي وصناعة المعرفة العالمية بزخم واقتدار؟

■ تأتي هنا أهمية تخصيص الموارد المالية للبحث العلمي، لكن مع ضرورة الإدراك بأهمية البعد الاجتماعي والثقافي للمشروع، وإلا فإنه يكون مثل جسد بلا روح أو حياة تدبّ فيه، وقد جرت محاولات متعددة لكن متفرقة لتأسيس المشروع العلمي في عصر النهضة العربية، لكنها ظلت محاولات فردية متفرقة فتبددت من دون أن تتحول إلى تيار مؤسسي شامل وسائد. واستمرت هذه المحاولات من جانب بعض الأنظمة القومية وبعض مؤسسات المجتمع الأهلي. وما زالت الأمة تتعثر في سعيها إلى تحقيقه. ولا شك أن هذا الإخفاق يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإخفاقنا التاريخي في تملك الحداثة وتحقيق التنمية والعودة إلى التاريخ. ذلك أني أرى مشروع الثقافة العلمية -كما وصفته لتوي- مهمة أساسية من مهمات النهوض العربي المطلوب.

بناء على تجربتي الشخصية في الثقافة العلمية أعتقد أن المشروع في حاجة إلى اهتمام كبير باللغة العربية لتكون قادرة على استيعاب التقدم العلمي ومواكبته، وتأكيد العلم بوصفه فكرًا وثقافة وإنتاجًا اجتماعيًّا رفيعًا، وتأكيد العقلانية العلمية التي تشكل المرجعية الأساسية للممارسات العلمية، وبيان جوهرها المتمثل في العلاقة الجدلية بين النظرية الرياضية والقياس الدقيق، وأن العلم لا يعتمد أساسًا له سوى العقل العلمي، وحيازة أدوات التفكير العلمي والممارسة العلمية ومعناها وشرعيتها، مثل الاستنتاج والاستقراء والاشتقاق والتركيب الجدلي والاختبار العملي والاختبار المخيالي والنقد والملاحظة الذكية. وتعميم دراسة ونشر الأفكار العلمية الثورية وتحدياتها الفكرية وأصولها الفكرية والتجريبية، كفكرة التطور في البيولوجيا وفكرة الزمكان في النسبية وفكرة اللاتحديد في ميكانيك الكم.

وأعني بالاستقراء فن التعميم السليم. أما التركيب الجدلي فهو بناء المفهومات الجديدة عبر حل التناقضات القائمة بين المفهومات القديمة. وأعني بالاختبار المخيالي تصور حالات تجريدية مثالية لاختبار الأفكار ومعقوليتها. وأعني بالنقد تفكيك الأفكار وبيان حدودها وتناقضاتها وبناها الداخلية وعلائقها. وأعني بالملاحظة الذكية قراءة الحقائق الكبرى في الفروق المقدارية الصغيرة.

● هل نتحدث هنا عن تعميم وتعليم وتطبيق الأسس الفلسفية للممارسات العلمية؟

■ نعم. ولعل المثال الأكبر في التاريخ على مشروع الثقافة العلمية بالمعنى المفصل أعلاه هو المشروع الذي نفذه فلاسفة التنوير في فرنسا في القرن الثامن عشر. وأخص بالذكر فولتير، الذي نقل إلى الفرنسية فيزياء نيوتن، ودنيس دديدرو، صاحب الموسوعة العلمية الشهيرة؛ إذ أدرك أولئك الفلاسفة الأفذاذ التحدي الذي فرضه عليهم مشروع غاليليو– نيوتن، فابتكروا مشروع الثقافة العلمية من أجل تملكه، وهو ما أسهم لاحقًا في تكوين وعي الثورة الفرنسية الكبرى.

مشروع عربي تقدمي لفهم الحضارة الغربية
● هذا المثال الفرنسي يقودنا للحديث عن مشروع طالما كتبت وتحدثت عنه، وهو الاستغراب كمشروع عربي تقدمي لفهم الحضارة الغربية، والاستيعاب النقدي للفكر الغربي

■ فكرة الاستغراب تقابل الاستشراق، بمعنى فهم ودراسة الغرب بمنظور عربي، وفي ذلك فإن الاستغراب مشروع عربي تقدمي لفهم الحضارة الغربية والاستيعاب النقدي للعلوم والفكر الغربي. نشأت الفلسفة في الحضارة الإغريقية بديلًا عن الدين، وقد استوعب الخطاب الديني في الشرق الفلسفة أو بعض عناصرها، لكنّ صراعًا بين الفلسفة والدين ظل محتدمًا في الفضاء الإسلامي والمسيحي. وقد أعطى صعود البورجوازية الأوربية دفعة كبرى للفلسفة مكنتها من الدخول في سيرورة علمنة متواصلة، ترتب عليها فك ارتباط الفلسفة والعلم بالدين، ونقل مصدر اليقين المعرفي إلى الذات الإنسانية (ديكارت)؛ ونقل مصدر الوجود إلى الخبرة البشرية المباشرة (التجريبيون، لوك، وهيوم)؛ ونقل القدرة على تنظيم العالم المحسوس إلى العقل البشري (كانت)؛ ونقل مصدر الخير والأخلاق إلى الإرادة البشرية العاقلة (كانت أيضًا)؛ وعدّ الطبيعة والتاريخ تجلِّيًا للعقل المطلق، وعدّ الفلسفة والدولة الحديثة نهايةَ التاريخ وقِمَّته (هيغل)؛ وعدّ العقل تعبيرًا عن ذات النوع الإنساني (هيغل)، أي عدّه جوهرًا كامنًا للفرد البشري (فيورباخ)؛ وعدّ العمل الاجتماعي الهادف (العقلاني) أساسَ المعرفة والتاريخ والتقدم البشريّ (ماركس)، هكذا نجحت أوربا الحديثة في بناء منظومة فكرية تتولَّى تنظيم حياة الناس وإرشادهم، وهي الحركة الفكرية والعلمية التي سُميت «التنوير» وتَعْني ببساطة بناءَ الفكر والحضارة استنادًا إلى العلم والواقع المادي وقدرة الإنسان على إنتاج ذاته وبيئته. وتوّج ماركس هذا المشروع التنويري بروحية تاريخية جديدة تومئ إلى إنسان جديد ومشروع تاريخي جديد.

أنشأت حركة التنوير استقلالًا بين الفلسفة والحكم والوعي العام والسلوك الاجتماعي واليومي وبين الدين، وصارت الفلسفة هي المحرك الرئيسي للسلوك والفكر؛ على الأقل في المراكز الرأسمالية المتقدمة. لكن توليها هذه المهمة أكسبها مع الوقت بعض الخصائص الأساسية للدين، وأفقدها جزءًا كبيرًا من رُوحها النقدية الفلسفية، وتحوَّلت إلى التوافق بين الدين والعلمانية، لكنها وإن قبلت بالدين فقد صارت أيضًا في تنافس معه على أرضه وفي ميدانه.

وقد أنشأت ردود الأفعال تجاه حركة التنوير تطورات معقدة في الفلسفة الأوربية منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر وعلى مدى القرن العشرين، وأدخلَ الفلاسفة الكبار مثل هوسيرل وهيدغر وراسل وسارتر وفوكو ودريدا وباشلار الفكر والفلسفة في الغموض واللغة الفنية المتخصصة، وهذا يجعل المشروع العربي لإكساب الثقافة العربية والوعي السائد محتوى علميًّا وفلسفيًّا عملية أكثر صعوبة وتعقيدًا.

كما يواجه المشروع العربي في استيعابه للماركسية حقيقة أنها مشروع أوربي في جوهره رغم أثره العالمي الكبير، فالماركسية في أساسها فلسفة أوربية جاءت قمة لتراث فلسفي أوربي معين وأوجًا لتطور فلسفي أوربي معين. ورغم الإسهامات غير الأوربية المهمة في مجال الفلسفة الماركسية (الصينية والعربية والأميركية اللاتينية)، فإن جوهر هذه الفلسفة وجوهر تطورها يظل أوربيًّا. وهذا لا يعني بالطبع أن الماركسية ليست عالمية المدلول والمغزى، ويذكرنا ذلك بالأديان التقليدية (اليهودية والمسيحية والإسلام) التي إن ظهرت في عالم العرب وثقافتهم وبيئتهم فإنها كانت عالمية التوجُّه، وكما أن هذه الأديان تشكل إسهامات ثقافية عربية لحل مشكلات عالمية، وكما أن الحاجة إلى هذه الأديان تعدَّت العرب إلى الأمم جميعها، فإن الماركسية وإن كانت فلسفة أوربية في منشئها فإنها تلبِّي حاجات كونية ولا تقتصر على تلبية حاجات الأمم الأوربية التي أنتجتها. لذلك، فإن كونها مستوردةً من منظورنا لا يضيرها ولا يعدّ حجة ضد استيعابها وتبنِّيها مِن جانبنا. فلا ضيرَ في استيراد ما نحتاجه فعلًا، إنما الضير في استيراد ما نتوهَّم أننا في حاجة إليه، أو ما يضرّنا، أو ما يفرض علينا من خارجنا.

● ليكن السؤال كيف ينهض العرب على أسس حديثة ملائمة، أو لنقلْ: كيف يستوعب العرب الحضارة الغربية والعالمية؟ وهل نحتاج إلى استيعاب للماركسية لأجل النهوض بالوعي العربي الجمعي؟

■ نعم. هذا هو السؤال الجوهري. وهناك شعور عام أنه لا مفر للمشروع النهضوي العربي من استيعاب المشروع الفكري والعلمي الغربي استيعابًا نقديًّا، ثم إعادة إنتاج وإبداع مشروع عربي، تكاد تكون هذه المقولة موضع إجماع التيارات والاتجاهات والمؤسسات والشخصيات المشتغلة بالنهضة.

يتناقض الموقف الرافض لاستيراد الفكر مع ذاته وينخره الاضطراب في الصميم إضافة إلى أنه مشروع عدمي. وقد ظل الفكر العربي الحديث مرتبطًا بنيويًّا بالتراثيْنِ العربيّ الإسلاميّ والتراث الأوربيّ، وذلك بحكم الاستمرار التاريخي والتواصل السياسي والجغرافي مع المراكز الإسلامية الغربية الكبرى، لكنه أيضًا لم ينفتح عليهما على نحو نقدي يمنحه أدوات الحداثة، ويمكنه من تجاوز التخلف الموروث من عصور الانحطاط، وظل يتعامل مع التراثيْنِ محكومًا بعقد تمنعه من الاستيعاب الإيجابي، وتكوين وعي عصري فعّال. فلئِنْ كانت الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية متمحورة حول العلاقة بين الله والعالم والإنسان، ولئن تمحورت الفلسفة الأوربية الحديثة حول العلاقة بين الذات والموضوع، فإن الفكر العربي الحديث ظل يدور حول الموقف من التراث العربي الإسلامي والتراث الغربي الحديث، ويتمحور حول إشكالات العلاقة معهما.

يمكن القول: إن الفكر العربي الحديث، في علاقته بالفكر الغربي الحديث، يتأرجح بين ثلاثة مواقف رئيسية: الموقف الاستشراقي، وموقف الاستشراق المعكوس، والموقف الاستغرابي. الموقف الاستشراقي هو الموقف الذي ينطلق من مسلمات المؤسسة الاستشراقية الغربية ومقولاتها الأساسية بصدد الغرب والشرق كليهما. إنه موقف ممثلي الاستعمار الغربي من العرب في الثقافة العربية الحديثة. وهو ليس نابعًا من خبرة العرب بالغرب بقدر ما ينبع من مطامع الغرب في العرب وديارهم. ومع ذلك، فإن هذا الموقف كبير الأثر في الوسط الفكري العربي الحديث.

والاستشراق المعكوس هو موقف يقسم التراث العربي الإسلامي إلى جوهر أصيل مقدس برمته، وإلى دخيل مدنس مصدره أعداء الأمة الأزليون والأبديون. ولا يعرّف هذا الدخيل على أساس واقعه الفعلي المدروس، إنما يعرّف سلبًا بوصفه النقيض الكامل للجوهر المقدّس. فلا حاجة لمعرفة هذا الدخيل ومصدره معرفة واقعية بدراستهما علميًّا، فهو مجرد النقيض الشيطاني للجوهر المقدّس المعروف مسبقًا. هناك إذًا افتراض مسبق بمعرفة مسبقة ورفض مسبق لكيان نقيض.

وهناك الموقف الاستغرابي بما هو نقيض الاستشراق، وينطلق هذا الموقف من الإدراك التاريخي للجماهير العربية للغرب بوصفه خصمًا متفوقًا، تمكن بانطلاقته الحداثوية اللانهائية الطابع ليس فقط من السيطرة على العالم، إنما أيضًا من الهيمنة ثقافيًّا عليه وإعادة تركيبه بما يحقق مآربه. لذلك، يسعى أصحاب هذا الموقف إلى معرفة الخصم باستيعاب فكره نقديًّا، بوصف هذا الفكر ثورة على آلاف السنين من أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية، وتعبيرًا عن الرأسمالية في اندفاعتها المركزية. ويدرك المستغربون أن وعيهم في حاجة إلى تأهيل وتثوير حتى يتمكن من ممارسة الاستغراب، أي استيعاب الفكر الغربي الحديث نقديًّا؛ لذلك فهم يدركون أن الاستغراب يشكل مغامرة فكرية مُمِضَّة وثورة ثقافية دائمة تفكك الوعي العربي السائد وتعيد تركيبه باستمرار. والغرض من ذلك هو بناء عقل حركة التحرر القومي العربية وتملك هذه الحركة الأدوات الفكرية التي تمكنها من الانفتاح على الحقبة الحديثة والواقع الذي تعيشه بالفعل من جهة، وعلى تراثها الممتد في أعماق التاريخ من جهة أخرى.

الواقع أن الاستغراب في سيرته وتشكله ليس سوى معركة تحديث «الإنتلجنسيا» العربية ورفع وعيها وممارساتها إلى مستوى تحدي العصر؛ تلك المهمة التي عدّها ياسين الحافظ الشرط الأساسي والجوهري للانتصار في معركة الاستقلال والتحرر القومي.

● هل يمكن ملاحظة علاقة بين انحسار الفلسفة وصعود التطرف؟ هل تصلح الفلسفة للتعبئة أو العمل لأجل حركة علمية وإصلاحية في مواجهة التطرف؟

■ مؤكد بالطبع أن انحسار الفلسفة مرتبط بصعود التطرف والعنف؛ وسواء كان هذا الارتباط سببيًّا أو ظرفيًّا، فإن الحاجة إلى الفلسفة كبيرة في التعليم والتفكير والتنشئة، لكن الحركة الفلسفية العربية تعاني التهميشَ والانحسار، ومشروعات الثقافة العلمية أيضًا تواجه تحديات كبرى تهدد استمرارها ووجودها. ورغم ما يبدو في شبكات الإنترنت والتواصل الاجتماعي من فرص كبرى للتعليم والتثقيف والمشاركة في التشكيل العلمي والفلسفي للأجيال والناشئة، فإن الحال يبدو غير ذلك، بل إن الشبكات تكرس الفوضى والشائعات والتطرف، وتبعد فئة كبرى من الأجيال عن التعليم الجاد والفكر الرصين.

● أخيرًا. دكتور هشام، هل ترى في الأحداث الأخيرة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي ثم الأزمة المالية العالمية الكبرى في عام 2008م والأحداث التي عصفت بالدول العربية وسُميت الربيع العربي تحولات إيجابية أم سلبية؟ هل غيرت أفكارك أو أنشأت رؤية جديدة مختلفة؟ هل أنت متفائل؟ هل أسهمت الحركة العلمية في مضمون الوعي الاجتماعي والديني؟ وفي تشكيل الحركات التحررية والنهضوية العربية؟

■ يبتسم الدكتور هشام ابتسامة تشي بالإجابة وتكاد تُغنِي عنها،.. ويقول بأسى: نعم. هزمت الثورات العربية وأحبطت، حتى الأزمة المالية العالمية وإن كانت هزيمة النيوليبرالية الرأسمالية، فإن المشروع العربي التقدمي ما زال ممعنًا في الهزيمة، وكانت الحراكات العربية التي صعدت منذ نهاية عام 2010م كارثة على العرب، وصرنا نشعر بالخوف على جميع الدول العربية حتى التي نختلف معها من الضعف والتهديد والمؤامرات على وَحْدتها ومواردها، وصارت سلامة الدول العربية هدفًا ضروريًّا للحفاظ على استمرار وجود العرب وفرصتهم المستقبلية في الإصلاح، لكننا لا نملك سوى أن نواصل العمل فيما نعتقد أنه الحل الصائب والأفضل، وهي حلول بطبيعتها تحتاج إلى وقت وصبر، وبخاصة أن الحركات الفلسفية والعقلانية والعلمية تعرضت للتهميش والضمور، فقد هزم العقل العربي منذ القرن الثالث عشر الميلادي أربعة قرون من الصعود السريع الباهر، ثم ثلاثة قرون في صعود متعثر ومصحوب بالتراجع والفشل، لكنه في المحصلة هزم نهائيًّا، وهزمت حركة النهضة التي بدأت في القرن التاسع عشر وتواصلت حتى منتصف القرن العشرين، ثم هزمت الحركة التحررية التي صعدت في القرن العشرين وبلغت أوجها في أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، وفي ذلك فإن العمل النهضوي يحتاج إلى وقت وعمل كبير حتى يكون على مستوى من الكفاءة والتأثير.

 

عن مجلة الفيصل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق