الثُّقْب

 

ليس أكثر من كتلة من اللّحم المكوّم في الرّكن البارد. مجرّد أخطبوط أشبعه الصّياد ضربا وألقاه. الكدمات القديمة على الجسد تحوّلت إلى مناطق زرقاء داكنة. مستنقعات دائمة للدّم الفاسد. لم يكن يشعر بشيء. كانت الحياة أبعد من أن يجرؤ على منحها هذا الاسم. وحده نصل السّكين المغروس في جانبه الأيسر، وكلّما احتكّ بالجدار وتحرّك في الجرح القديم، أخرجه من هدأة الموت. لذلك لم يفكّر للحظة في التّخلص منه..على الجرح أن يظلّ حيّا. كي لا يموت.

إنّه جرذ في نهاية الأمر، وإن كان لا يعلم هل أنّ الجرذان يمكن أن تبلغ هذا الوزن. ولكن ومع مرور السنوات ومع الهزال الّذي أصبح عليه، فقد قام بمراجعات عديدة، حتّى أنّه خفّض تصنيفه مرّة إلى رتبة فأر منزليّ. انحصرت المنافسة بينه والذباب. لكنّ الذّباب، الّذي تكاثر حوله من العدم، كان حرّا..قذرا مثله ولكن حرا.

الفانوس يتدلّى من السّقف كقضيب شيخ مجنون يقذف زخات من الضّوء الباهت بينما تتوسّط طاولة حديديّة ممتدة الغرفة/الصندوق كتابوت. الكرسي الخشبي يكاد يبلغ في ارتفاعه السّقف المعتّم أمّا قوائمه فقد تجذّرت في البلاط الصخريّ كشجرة صبّار.

أخذ الجرذ في التّململ. انكفأ على وجهه. حاول أن يرفع رأسه فلم يقدر. كيف سيرفع هذه الرّأس الثّقيلة؟ رأس متضخمة زادتها أكمّة الشّوك الّتي لا تحرّكها ريح ضخامة. أخرج لسانه وألصقها بالأرض وبدأ يدفع إلى الأعلى ثمّ إلى الأمام. اللّسان العاطل عن الكلام أصبح عكازا. هذه هي المآرب الأخرى؟ ربّما.

سيبلغ الكرسي ولو بعد ألف عام. لا بديل عن ذلك. لا مهرب. اللّسان الدّامي مازال يحرث البلاط مقتربا، جارًّا كومة اللّحم وراءه. بقيّة الأطراف تتبعه دون أن تساعد بشيء. لا بأس فالسّاق الخلفيّة الأقرب للكرسي بدأت تظهر في مرمى بصره الضّعيف.

تصبّب العرق من وجهه واختلط بالدّماء الغزيرة النّازفة من بقايا لسانه المصهور. أغمض عينيه في ألم سافر وترك رأسه تتدحرج حتّى أحسّ بوخز الشّوك النّاتئ من ساق الكرسيّ اللّعين. رفع عينيه بآخر جهد كامن فيه. شجرة صبّار حقيقيّة بأربعة جذوع تلفّها الأشواك من كلّ جانب! تحرّكت اليدان أخيرا لتحضنا القوائم المسنّنة. انغرست الأشواك حتّى العظم. تشبّث. ارتفعت كومة اللّحم شيئا فشيئا. أصبحت الأرضيّة بركة متّسعة من الدّماء السّائلة دون توقّف. سيبلغ المقعد. سيجلس على الكرسيّ أخيرا!

لم يستطع أن يتحمّل أكثر. خارت قواه وأصابه دوّار فظيع مع حركة الفانوس الرتيبة. شعر بالغثيان. تهاوى.

حين حاول فتح عينيه وجد أنّ رموشه التصقت بالدّماء المتخثرة تحته. بكى ليحرّرها بالدّموع السّاخنة. نجح نسبيا في تبيّن موقعه بعد انقشاع أسراب الذّباب. كان في نفس المكان تحت شجرة الصبّار الّتي ارتوت بدمائه فبدت أكثر حمرة بينما مال لونه إلى الاصفرار.

لم يفكّر حينها في المحاولة مجدّدا. لم يعد قادرا. الدّوار يشتدّ ورأسه تغلي كمرجل. أحسّ بأنّه يسقط في هاوية تتصاعد منها صرخات مكتومة، مرعبة. بدت الجدران أمامه تتمايل كأنّها سكرى بدمائه ثمّ اختفت تماما. حرّك أصابعه المرتعشة ليتحسّس عينيه المطفأتين. وجدهما كدمّلتين تبزغ منهما شعيرات أعصابه البصريّة. لقد انقلبت عيناه إلى داخل رأسه !

ازداد الصّراخ والأنين المنبعث من قعر الهاوية وضوحا وهو يقترب من القاع في سقوطه السّريع خلال السرداب الحلزونيّ المظلم. بمشقة بالغة حاول أن يخفّف من سرعته ليتبيّن ما حوله. تشبّث بالفراغ. كان وكأنّه يسقط في داخله !

خشي أن تكسّر قدماه عند سقوطه فثناهما إلى مؤخّرته وطوق رأسه بذراعيه حتّى أصبح ككرة متدحرجة. أطياف لم يتبيّنها تمر به في سرعة الضّوء. وجوه لا يعرفها وأجساد بلا رؤوس. أياد تمتدّ نحوه لتمسك رقبته. حاول أن ينزع السّكين ليدافع عن نفسه. روائح تزداد كراهتها تتحوّل إلى بخائر لا تحتمل. عويل جماعي لكائنات يائسة…تكاد رأسه تنفجر. صداع لا يمكن وصفه..سيسقط الآن..سيرتطم بالقاع دون رحمة وسط هذه الحشود المعادية دون شكّ..

أخذ يتمرّغ في الغرفة ضاغطا على رأسه بشدّة غارسا أظافره الطويلة في عينيه المقلوبتين لعلّه يبصر. تمنّى أن يصرخ ملء هذا العذاب. لكنّه مختنق أبدا بلسانه. لسانه الدّامي. عليه أن يفجّر هذه الجمجمة. أن يفتتها. أن ينثرها على هذا البلاط القذر.

جسده ينتفض كجسد محتضر في النّزع الأخير. عليه أن يفرغ هذه الرّأس الملأى بالديدان. ديدان شريطيّة تثقب رأسه من الدّاخل. خيّل له وهو ينتزعها أنهّا بعدد شعره. لم يعد يحتمل. ارتطم بجدار. أخذ ينتف الديدان من كلّ أجزاء جسده ويلقي بها في وجه الألم الّذي لا ينتهي. لم يكن ذلك كافيا. وضع يديه على الحائط ودكّ رأسه عليه. تطاير الدّود العنيد. ضربات أخرى..ضربات أقوى وينتهي كلّ شيء..تفتت الحجر ولم تتفتت رأسه..بدأ الثّقب يتّسع في الحائط السّميك..خرج ثعبانان من أذنيه..ثعابين أخرى أصغر تتطاير مع شعره المنتوف..اتّسع الثّقب أكثر..ضوء مبهر يتسلّل منه مع كلّ ارتطام..نزيف غزير من جبينه ولكنّ الألم يتلاشى مع احتراق الديدان والثّعابين المتناثرة في الفضاء..أحسّ بأنّ رأسه أصبحت أخف كثيرا..توقّف..مدّ يديه من الثّقب يريد أن يمسك شيئا من هذا النّور الدّافق..مسح وجهه..عينيه..مرّر أصابعه خلال شعره..كان ناعما، رطبا، منسدلا على كتفيه، كأنّ الرّيح عالجته بمشطها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق