عن الألم كثمنٍ باهظ

 

إلى الوحدة؛ صديقةً رقيقةً وموجعة، ووِقاءً يحمينا من مكر هذا العالم وأنيابه، وستاراً عازلاً أمام طعنات الوجود بأسره.

“يومٌ مُختلِف ومكرور” 

تصحو وكأنَّك مُشبَعٌ بالنَّوم رغم أنَّك لم تنم جيِّداً ليلة البارحة، ترفض الإذعان لضميرك العلميِّ الَّذي ينخر أحشائك ويُملي عليك أوامر يوميَّةً اعتدتها على مدار السَّنوات السَّبع الماضيَّة حتَّى أصبحت الكآبة ملاذك المُطلَق، واللَّاأحد هي التَّسمية الوحيدة لعلاقاتك في حياةٍ جفَّت فيها كلُّ الصُّور، ومازلتَ تحاول تشذيبها بابتساماتٍ تملأ العالم بأسره.

ترفض الانصياع لما هو مكرور، وترفع صوتك عالياً مُصرَّاً على أن تعطي نفسك وقتاً أطول لترتاح وتقهقه بضحكٍ مفاجئٍ ومغايرٍ للسُّكون المُؤتلَف وللوحدة الجشعة الَّتي تُشبِه شبحاً أسودَ اللَّون، ولتقرأ إحدى الكتابات القديمة الَّتي قرأتها لمرَّاتٍ عديدةٍ  لتعود وتُبكيك بكلِّ ما أوتيتَ من ضعفٍ وهشاشةٍ وصراحةٍ وإحساسٍ عميقٍ بألم هذا العالم المضني، وبلا جدواه، وباستحالته إلى العدم والعبث واللَّامعقول.

تُصِرُّ على أن تكتب شيئاً ما يُعبِّر عن بكائك وأن تُردِّد موسيقى غريبة الشَّكل والمضمون وغريبة المعنى، لتعود لحالة الجلوس السَّتاتيكيِّ دون أيِّ حراك، فتسمع دبيب كلِّ من يسير حولك دون أن تُحرِّكَ ساكناً.

يسير الزَّمن هنا ببطءٍ؛ فلا تكاد السَّاعة تتحرَّك في وقت تحسُّه يُطبِق على أنفاسك في كلِّ لحظة، وتعود لكَ تساؤلاتُكَ الدَّائمة عن الآخر وأهمِّيَّة وجوده واستحالة كلِّ شيء دونه، لكنَّ آلاف الجمل تتبعثَّر في رأسك: مقولةُ مُدرِّس الفلسفة بأنَّ المرء يستطيع اعتياد كلِّ شيء، وعبارة هيدغر بأنَّ الآخرين لن يستطيعوا إنقاذنا من الموت أو العدم فلنتوقف عن العيش من أجلهم، وتعود لتلوي برأسكَ خارج كلِّ المقولات الفلسفيَّة لتنصدم بواقعٍ يُحاصِرك من كلِّ حدبٍ وصوب، فتعجز عن قراءته وتبدأ بإلقاء الكلامِ على عواهنه لتصرخ وتبكي حينها وتحسُّ بذاتك المُتخمِّرة في الفرن أكثر ولتواجه أكبر مخاوفك، فتعيد اجترار الألم كأنَّه طبق طعامك المُفضَّل إلَّا أنَّك ترفع طرف عينك لتنظر إلى ساعة الجدار الجاثمة كالجثَّة الهامدة لتلمح أنَّ الوقت ما زال يمرُّ ببطءٍ رغم كلِّ الأفكار، وكلِّ الصَّراخ، وكلِّ العدم المحيط بك.

تحاول أن تسير علك تُهدِّأ عن نفسك قليلاً، فتتذكَّر خضرة وأبو العزِّ ثمَّ ترى باسل وبديع أفندي ماثلين أمامك، لتهرع وتُمسِك بكتابٍ ما فتقرأ في مقدِّمته “غمرته غمامات الصَّنوبر في مرتفعات العارضة الجبليَّة بعبير ذكره بما ينتظره وراء الجسر. صنوبر جرزيم. صنوبر الطُّور، صنوبر رام الله”* لتقف بلا حراك، وتغلق الكتاب، ثمَّ تُصرُّ على عدم المجازفة والسَّير، فهذا الكتاب كنتَ قد قرأته منذ ثلاث سنوات بنهمٍ لتكتشفَ فيه آهات الحزن ولتذوبَ بين ثنايا الألم القابع في جوفه.

تحاول أن تأخذ نظرة إلى ساعة الحائط من جديد، لكنَّك لا تكترث للوقت الَّذي يمشي ببطء ويدهس جسدك الطَّريَّ كأنَّه قطارٌ بخاريٌّ قديمٌ يحملُ ذكريات كلِّ من مرَّوا به وكلِّ من بعثَّروا الكلام بين ثناياه لتختالَ صورُ الرُّكابِ والمارَّةِ ذاكرتَكَ الرَّطبة، فتنسى ألم الوقت، إلَّا أنَّك تبتسم في اللَّحظة الأخيرة لاكتشافك حقيقةَ أنَّه لا أهمِّيَّة للوقت في زنزانتك، في غرفتك ومكان جلوسك المُعتاد، فتبتسم ابتسامةً خفيفة جدَّاً لتؤكِّد أنَّ لا شيءَ قدّ تغيَّر؛ فالزِّنزانة على حالها، ومكانك على حاله، والعالم الخارجيُّ مازال ساكناً بلا حراك، وبلا وجه، وبلا حياة.. لتعود إلى مكانك وتحمل العالم برمَّته وتجعله يدور في رأسك الَّذي أصبح ساكناً أيضاً وبلا وجه وبلا حياة.

9 أغسطس 2019م

“ساعةٌ واحدة من الألم والوحشة” 

ألم الواقع من حولك، ألمك الَّذي يدوي في الأفق، وساوسك الرَّيبيَّة الَّتي لا تفارق كياناتك الهشَّة، التَّساؤلات الدَّائمة الَّتي لا تفارقك، مخاوفك الضَّحلة، مخاضات طريقك، خضخضات مسارك المترنِّحة الَّتي تجعلك تتلوَّى كعادتك، الأوهام، الشَّكّ؛ سلاحك الدِّيكارتيُّ الَّذي تمدُّه إلى الأفق برمَّته مُصرَّاً على ألَّا تهادن.

لماذا الآخر؟ ولماذا نجتَّر مقولة أنَّنا اجتماعيّون؟

مجدَّداً ترفض أن تتراجع عن استحضار نيتشه في كلِّ لحظة، وكأنَّه قد عرف سرَّاً لا مناص منه “الآخر هو الجحيم”، ثمَّ تمدُّ الشَّكَّ الهوسيَّ لكلِّ شيء دون مواربة.

أذكر حينها عندما كنت في المدرسة الثَّانويَّة، وأنا أجلس في المقعد الأخير من جهة اليمين بجانب نافذة غرفة الصَّفِّ، عندها سألنا مُدرِّس الفلسفة عمَّا إذا كنَّا نستطيع العيش دون الآخر، ليجتَّر لنا ما قيل منذ زمن أنَّنا اجتماعيّون بكلِّ ما أوتينا من بلاهة العالم، إلَّا أنَّني أصرَّيتُ على مخالفته والإقرار بأنَّه بإمكاني العيش دون الآخر في محاولةٍ لإفراغ رغبتي العائمة في التَّعبير عن وحدتي الَّتي كانت تنخرُّ جسدي بهدوء حتَّى كان نُحلي الشَّديد خيرُ دليلٍ على هذه الوحدة.

لا تُقاس التَّجارب الإنسانيَّة بالوقت القصير (شكراً ماوتسي تونغ)! ما زلتُ لا أُجيد تقييم تجربتي حتَّى الآن، هل صنعتْ مني شكلاً هلاميَّاً يستحِق أن يُذكر؛ ولو قليلاً أم حطَّمتني كرمادٍ متناثر بكلِّ مكان؟

لماذا لا تكفّ الوساوس عني؟ لماذا نحتاج كلَّ هذا الطَّريق الوعر وهذا الألم المُضني لكي نتحوَّل؟

أعود كلَّ يومٍ إلى زنزانتي، غرفتي، سرُّ الأسرار؛ حاملاً معي ألم الوجود بأسره لأتحذلق به وأُبعثره بين ثنايا الجدران، ورائحة البخور والمسك تحيط بأنفي الَّذي كان مدعاةً للسُّخريَّة من أقراني، حين كنَّا بلهاء ويافعين، إلى أن أصبحَ استعارةً عن القوَّة والمنعة عند والدي الخامد في اللَّامكان واللَّازمان… من الصَّعب أن نكتب عن عيوبنا عادةً!

إنَّنا نستحق الحياة، وجديرون بأنَّ نترع سمومها وآلامها وأحقادها وأشباحها، وجديرون بأن نُجيب عن ترهاتها بأجوبةٍ غريبةِ الشَّكل والمعنى..

نتذوَّق طعم مرارة العيش دونَ وجودِ من أحببناهم، ونُصِرُّ على التَّحدِّي والاستمرار رغم وعورة الطَّريق.

تجلس مجدَّداً في مكانٍ عائمٍ في اللَّاوجود دون أن تكترث لكلِّ من يسير في شوارع المدينة المُلوَّنة والمُشعَّة بالأضواء البرتقاليَّة، والَّتي تحمل في ثناياها رعباً وهلعاً لا مجال لتفاديه.

تُعِدُّ لك الحياة وصفاتها السَّحريَّة من كلِّ شيء، وتمشي في شوارعها ممتلكاً ذاكرةَ عجوزٍ مُلتهبةٍ لعلَّ مُجمَلُ ما تحمله هو بقايا صورٍ وأغنيات.

تسير في شوارعَ خاويةٍ من كلِّ شيء؛ من الحافلات، وصوت مفاتيح منزلك، وهاتفك المحمول، وباب غرفتك، وصوت أنين المروحةِ الصَّيفيَّة في لحظات الظَّهيرة الهادئة والفارغة من الألم والصَّوت والكلام، ودفتر الملاحظات الفارغ الَّذي لم تكتب فيه أيَّ شيء، ووجهك الهلاميِّ الَّذي لا يحمل أيَّ شكلٍ متعيِّن.

لكنك في لحظةٍ وعيٍ ما تسمع صوت فيروز الَّتي تقول: “يا عُمِرْ.. يا عُمِرْ، يا رفيق السَّهر يا عُمِرْ، نبكي على المفرق، وتتوجَّع، وتروح آخر دنيِّ وترجع.. تكتب وتمحي حدود يا عُمِرْ”. إلى أنَّها لم تُطرِبك بقدر ما غرست سكاكين الألم في داخل جلدك حتَّى قطَّعت أوصالك بكلِّ نعومةٍ… فكانت استكمالاً لكلِّ شيء مضى، ولكلِّ حالاتك اللَّامفهومة حتَّى الآن!

نحن نحتاج لأن نختبر ألمنا دائماً، ولأن نتجرَّع السُّمَّ الوجوديَّ الَّذي نعيشه في محاولةٍ لتقدير قيمة الابتسامة بعد مرارة كلِّ شيء، ومجبرون على أن نتجشَّم عناء السَّير في طرقٍ مجهولة الاسم والمعالم ومجهولة النِّهايات وحدنا؛ دون أيِّ أحد.

27  يوليو 2019م

…………………………………………….

*اللَّوحة للرَّسام الإيطاليِّ ألبيرتو بوريِّ Alberto Burri (1915-1995م).

*العبارة مأخوذة من رواية “الصَّبار” للرِّوائيَّة الفلسطينيَّة سحر خليفة (1941-اليوم).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

أضف تعليق