فابيين فيردييه على أرض سيزان: الرّسم على إيقاع الموسيقى ثورة حقيقيّة

يحتار المرء من أين يبدأ مع الفنّانة فابيين فيردييه، FABIENNE VERDIER، هل من الرسم نفسه الذي يشكّل مهنتها الأساسيّة – متعدّدة الأبعاد، أم من الكتابة، أم من الموسيقى وعلاقتها بالريشة، أم من وسائل الرّسم المتعدّدة الّتي تؤلف بحدّ ذاتها ورشة تشبه ورش الأعمال الشّاقة. قد نبدأ معها من الخطّ وجماليته وسعيها لطلب العلم ولو في الصين. تلك هي الفنانة التشكيليّة الفرنسيّة المولودة في باريس العام 1962، والّتي أصبحت هذا الصيف حديث السّاعة في المشهد الفنيّ- الفرنسيّ، خصوصاً في الجنوب، حيث تستضيف مدينة إكس أون بروفانس ثلاثة معارض للفنّانة تحت عنوان “على أرض سيزان”،” SUR LES TERRES DE CÉZANNE”.

 

تتبع فيردييه خطى الرسّام الشّهير الرّاحل بول سيزان، لمدّة عامين، معاينة آثاره الفنيّة الرائعة بأسلوبها الغنيّ بالمعطيات والثقافة ووسائل التّعبير. ثمة معالم  كثيرة تحكي قصّته مع هذه المدينة وجبلها “سانت فكتوار” الّذي أبدع الرّجل في رسمه من خلال ما يزيد عن ثمانين لوحة. وبذلك توزعت أعمال فيردييه على ثلاثة مواقع مهمة في مدينة سيزان، هي متحف غرانيه، مدينة الكتاب (مكتبة ميجان العامة) ومتحف بافيون دو فاندوم.

 

معرض بأثر رجعي

تبدأ رحلة الاستكشاف من متحف غرانيه (MUSÉE GRANET) وسط مدينة إكس، حيث يتمّ عرض لوحات كبيرة وجداريات تحت عنوان “معرض بأثر رجعي”، بين 21 يونيو و13 أكتوبر من هذا العام. يتضمن المعرض نحو 50 لوحة ضخمة. فعلى مساحة تزيد عن 700 متر مربع من المتحف، يتتبع المعرض مسار فيردييه منذ عودتها من الصين ووصولاً إلى مشروعها الجديد في الأشهر الأخيرة بالعمل في محاجر Bibémus، في قرية Saint-Antonin المواجهة لجبل Sainte-Victoire.

يتيح هذا المعرض للزّائر أن يفهم عمل الفنّانة بمجمله، وأن يفهم بشكل أفضل تعلمها مع أساتذة صينيين بعد الثورة الثقافيّة هناك، وكيف طوّرت فيردييه، جماليّة جديدة متغذيّة بالتيّارات الرئيسيّة في الرّسم الغربيّ (من البدائيّة الفلمنكيّة إلى التعبيريّة التجريديّة). كما يسلّط الضّوء على إبداعاتها الجديدة من تجربتها في الهواء الطلق على أرض سيزان، حيث عشرات الآثار والمعالم تشهد على مسيرة الرسّام الرّاحل وكيف تعامل فنياً مع جبل “سانت فيكتوار”.

اللاّفت في أعمال الفنّانة التشكيليّة أنّها تبتعد جداً عن التقليديّة في الفكر وفي العمل، لدرجة أنّها ابتكرت مدرسة خاصّة بها. مدرسة لها فلسفتها وإيحاءاتها وأدواتها (مثل الريشة الّتي تتعدّد أشكالها وأحجامها لتصل أحياناً إلى مستوى ضخم يشبة آليات تنظيف الشوارع). أمّا الموسيقى فهي المُلهم الأساسي لعلمها، حيث تحرّك ريشتها وألوانها بحسب إيقاع موسيقي كلاسيكي غالباً، فتصبح  آداة الرّسم في يدها مثل راقصة تتمايل على الأنغام بألوان ثيابها الزاهية.

لعلّها توظّف فلسفتها حول أهميّة الحوار بين عناصر الفنّ المختلفة، بما يتناسب مع روح عصر النّهضة، الّذي بنى جمالياته على فكرة الحوار مع الفكر والأشكال والموسيقى والكتابة. من هنا يتجلّى الخطّ الصيني الجمالي في بعض لوحاتها ضمن معرض متحف غرانيه. لذلك ظلت فابيين مُستبعدة نحو تسعة عشر عامًا من ورش العمل المتعلّقة بكلاسيكيات الفنون الجميلة في تولوز، حيث درست ونالت الدبلوم في الرّسم. ذلك لأنّها ترفض الرّسم التقليدي. في موازاة ذلك، هي تتبع مقررات الأكاديميّة، المتعلّقة بفنّ الرّسم (Scriptorium)، على شكل الحروف والكلمات.

النهاية البعيدة

ربّما كانت طريقة جديدة تفسح المجال أكثر أمام التّفكير في الحركة. وهذا ما شجّعها للسفر إلى الصين، حيث تقول “لقد فكّرت بنفسي ربّما، إذا كان لديّ الشّجاعة للذّهاب إلى النهاية البعيدة إلى الصين، يمكن أن أقابل أساتذة عظام مع هذه المعرفة التقليديّة”.

لذلك غادرت في العام 1983 إلى مدينة تشونغتشينغ في مقاطعة سيتشوان، عند سفح التيبت. هناك بدأت مسيرتها مع تعلم الرّسم  بما يشبه خوض معاركها الأولى في معهد الفنون الجميلة، حيث فنّ الرّسم أكثر صرامة.

كما قامت بالعديد من الرّحلات الدراسيّة لاكتشاف تعدّد الثقافات والتّقاليد الصينيّة: في قويتشو، مع مجموعة مياو العرقية أو يي. لكنها في العام 1992، أُجبِرت على مغادرة الصين بعد أحداث ميدان تيان انمن، إذ عادت إلى فرنسا حيث تعيش وتعمل في مجالها. وكانت حصيلة تجربتها هناك كتاب “Passagère du silence “(2003) والّذي باعت منه أكثر من 300،000 نسخة. هذه المسيرة تحكيها بالتّفصيل من خلال خطوط وألوان وأفلام وشروحات مكتوبة في كلّ قاعة من قاعات المتحف.

 

ورشة بدويّة

وسط الحديقة الجميلة الغنيّة بالأشجار والزّهور، تستكمل فابيين فيردييه عروضها في متحف بافيون دي فيندوم MUSÉE DU PAVILLON DE VENDÔME ، واضعة أمام الزّائر تقنيات عملها. في هذا المبنى الجميل من أعمال القرن الثامن عشر والمخصّص للفنّ المعاصر، عرضت الفنّانة الفرنسيّة أعمالها تحت عنوان “ورشة التّرحال” أو الورشة البدويّة، حيث تشرح فيه رحلاتها وتنقلاتها خلال قيامها بمشروعها الأخير حول آثار سيزان. تتطرّق إلى كيفية نقل معدّات الرّسم الضّخمة حتّى قمّة جبل سانت فكتوار على ظهور الحمير. في هذا المعرض المتواضع نسبة إلى ما يمكن مشاهدته في متحف غرانيه، ثمّة لوحات وآلات عرض فيديو صغيرة مع صور وشروحات تشمل كلّ ما يتعلّق بتقنيات وأعمال وفلسفة فيردييه والمشقّات الّتي واجهتها في الطّبيعة نفسها. سنرى هنا فرشاة ضخمة مرفوعة على رافعة حديدية مثل تلك المُستخدمة في ورش البناء، كما سنشاهد ريشة على شكل ذبابة أو ذات شعر تشبه الفئران أو مصنوعة من ريش الديك. ثمّة غرفة مُخصّصة بأكملها للرّسومات والأدوات الّتي استخدمتها خلال عملها في الجزء العلوي من جبل سانت فكتوار.

عمل سينمائي أيضاً

أمّا في صالة زولا للمعارض  التّابعة لمدينة الكتاب، CITÉ DU LIVRE فهناك معرض من نوع آخر بدا في 21 يونيو ويستمر حتّى 14 سبتمبر. يتمّ تقديم 4 مجموعات من الأفلام الرباعيّة عن طريقة عمل فيردييه. ثمّة عمل سينمائي هو نتيجة إقامتها خلال صيف العام 2017 بدعوة من أكاديمية مهرجان الفنّ الغنائيّ في إكس أون بروفانس.

يرافق هذه المعارض برنامج واسع جداً لجميع الجماهير: مؤتمرات، اجتماعات، حفلات موسيقيّة، ورش عمل تعليميّة، جولات مصحوبة بمرشدين، رقص وقراءات. كما يقام معرض عن هذا المشروع في كنيسة الزيارة الّتي تقع في قلب المدينة.

 

تجربة غنيّة

هذا النّشاط الواسع والمُكثّف الّذي تشهده مدينة AIX-EN-PROVENCE، ليس الأوّل لكنّه قد يكون الأوّل من نوعه وتنوّع موضوعاته. لكنّ الفنّانة لها باع طويل في تنظيم معارض والمشاركة في معارض جماعيّة كثيرة على امتداد قارّة أوروبا والولايات المتّحدة وبعض دول العالم الأخرى. ففي العام 2017، ساهمت في تركيب مختبر ورشة مهرجان إكس أون بروفانس. وكان لها  “تجربة اللّغة”، في متحف فولتير التّابع لمكتبة جنيف.

هي بالفعل تعمل بطريقة جديدة تشبه الحوار الثنائي بين الموسيقى والرّسم. بل هي “رحلة بصريّة وصوتيّة تسمح للمتفرّج بأن يشعر بالموسيقى والرّسم وفقًا لإيقاع خياله”، حسبما تصف هي نفسها هذه المعارض.

وتضيف في الدّليل الخاصّ بالمعارض، “منذ 30 عاماً، كانت لدي رؤية معينة لما كان خطاً متناسقاً، ولقد صنعت أشكالي الخاصّة وهياكلي الخاصّة. عندما قابلت هؤلاء الموسيقيين، أغلقت عيني وسمعت شيئًا جديدًا تمامًا. ظهرت بنية جديدة في ذهني: اكتشفت أشكالًا جديدة وديناميكية جديدة تسبّب ثورة حقيقيّة في رسوماتي”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق