لماذا ما يزال العقل العربي مستقيلاً؟ / مصطفى عباس

هذا المقال هو الجزء الثاني، الذي أتناول فيه تكوين العقل العربي حسب ما جاء في الكتاب الذي يحمل ذات الاسم للباحث والمفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، في الجزء الأول تناولنا موضوع اللغة العربية، وتأثيره على التفكير عند العرب، وإليكم الجزء الثاني.

أصول الفقه كالمنطق بالنسبة للفلسفة

إذا كان الفقه عنصراً مهماً في بنية العقل العربي، إلا أن علم أصول الفقه لهو أكثر أهمية في هذا السياق، “والحق أن أصالة الفقه الإسلامي وبالتالي خصوصية العقل المنتج له، العقل العربي، إنما ترجع على هذا العلم المنهجي الذي لا نجد له مثيلاً في الثقافات السابقة أو اللاحقة”. إنه القواعد التي يتوصل من خلالها لاستنباط الحكم من الأدلة الشرعية، وهو كالمنطق بالنسبة للفلسفة، ويعتبر الشافعي أحد مؤسسي هذا العلم، وإذا كانت مهمة الفقه التشريع للمجتمع فإن مهمة أصول الفقه هي التشريع للعقل.

أهل الرأي والأثر

وعند بداية الفكر الإسلامي كان هناك تياران، الأول يتمسك بالموروث الإسلامي، ويدعو إلى اعتماده أصلاً وحيداً للأحكام، وهؤلاء من يسمون أهل الأثر، والثاني يتمسك بالرأي ويعتبره الأصل الذي يجب اعتماده والثاني يسمى أهل الرأي.

بعد هذا ظهر المعتزلة وقولهم بخلق القرآن، وهي القصة التي سجن وعذب لأجلها أحمد بن حنبل، أحد أئمة الفقه الأربعة عند السنة، في عهد ثلاثة خلفاء المأمون والمعتصم ثم الواثق، إلى أن جاء المتوكل وأخرج ابن حنبل من السجن، ولكن بين فكري المعتزلة وابن حنبل، ظهر أبو الحسن الأشعري الذي

أحد العلوم المهمة في هذا السياق هو علم البلاغة، ونشأته هو مثل علوم العربية الأخرى، بدافع حاجة داخلية في هذه الثقافة نفسها

وُصف بإمام المتكلمين، فهو معني بالرد على المعتزلة في أمور العقيدة، وعلى الشيعة في أمور الإمامة، وبالتالي التنظير لعقائد أهل السنة، بوضع أصول لعلم العقيدة الذي يتألف من علم الكلام زائد علم التوحيد السني، على غرار ما فعل الشافعي بالنسبة لعلم الفقه.

أحد العلوم المهمة في هذا السياق هو علم البلاغة، ونشأته هو مثل علوم العربية الأخرى، بدافع حاجة داخلية في هذه الثقافة نفسها، ويجمع علماء البلاغة على أن أساليب البيان في اللسان العربي كلها ترجع للتشبيه.

المعقول الديني واللامعقول العقلي

بعد أن عرض الجابري أسس تكوين العقل العربي داخل الدائرة العربية الإسلامية المحضة، دائرة البيان العربي كما قننته وكرسته علوم اللغة والدين، بعد ذلك ينتقل إلى الفصل السابع الذي سمّاه “المعقول الديني واللامعقول العقلي”، ويتحدد المعقول الديني العربي بثلاثة عناصر أساسية:

القول بإمكانية -بل بوجوب- معرفة الله من خلال تأمل الكون ونظامه، (دلالة الشاهد على الغائب).
القول بوحدانية الله، أي نفي الشريك عنه، وبالتالي فلا خالق ولا مدبر للكون إلا هو (الشيء الذي يعني عدم الاعتراف بأي تأثير سواء للكواكب أو السحر ..إلخ)
القول بالنبوة، بمعنى إن الاتصال بالله، وبالتالي بالحقيقة ليس ميسراً لكل الناس، والنبي محمد هو خاتم النبيين.
هذه العناصر التي يتحدد بها المعقول الديني العربي يتحدد بها عكسياً اللامعقول (العقلي) الذي كان يجره معه الموروث القديم.

والموروث القديم يتحدد بثلاثة عناصر: 1-المعتقدات المجوسية والمانوية وما تفرع عنهما، وهي تقول بمبدأين اثنين يتمثلان بالخير والشر والنور والظلمة. 2- مذاهب الصابئة، وهي ما يعرف في تاريخ الأديان والفلسفة بالهرمسية، وهي تصور الله بأنه لا يعلم الكون ولا يدبره. 3- مذاهب الفلاسفة، وهي في وفاق تام مع الهرمسية التي تتعارض مع المعقول الديني العربي.

العقل المستقيل والهرمسية

إن الحركة العلمية التي جرت بعد ازدهار الترجمة في العصر العباسي، فتحت المجال واسعاً للصراع بين المتكلمين المدافعين عن الموروث العقلي العربي وبين المروجين لأفكار ومعتقدات وعلوم تنتمي إلى الموروث القديم، الذي يحاول أن يفرض نفسه باسم العقل، “إنه العقل المستقيل الذي سيكون علينا تحديد ملامحه الرئيسية في الموروث القديم قبل العودة إلى تحديد مواقعه في الثقافة العربية الإسلامية والتعرف على أشكال حضوره فيها”.

وبالفعل ظهرت الهرمسية -التي هي مجموعة أفكار ومعتقدات ومجموعة من النصوص دونت بين القرن الثالث ق. م والقرن الثالث بعده – لدى بعض الطوائف كالمتصوفة الذين قالوا بالحلول، وبعض السلفية الذين قالوا بالتجسيم، وبعض فرق الشيعة الذين ألّهوا أئمتهم، كما ينقل الكاتب عن ابن خلدون.

الباطنية والهرمسية

وظهرت كذلك من خلال تفسير القرآن تفسيراً باطنياً، وهو أن للقرآن معاني لا يعرفها إلا الأئمة الشيعة، ” لقد اتجه المأمون إلى أرسطو لمقاومة الغنوص المانوي والعرفان الشيعي، وهما من طبيعة واحدة، فكلاهما يريد أن يؤسس معارضته للدولة العباسية على سلاح لا يملكه العباسيون، الذين يتزعمون الخلافة السنية”.

بنية العقل العربي

قسم الجابري البنى التي يقوم عليها العقل العربي إلى ثلاثة أنواع، البيان وهو النص المنقول، والبرهان وهو الدليل العقلي، والعرفان وهي علوم الباطن، المأخوذة من الهرمسية.

هكذا إذاً ظهرت أزمة في الفكر العربي، أزمة أسس، تعود إلى تداخل وتصادم النظم المعرفية المتنافسة داخله، (البيان) مع (البرهان) من جهة، و(البرهان) مع (العرفان) من جهة ثانية، ثم (البيان) مع (العرفان) من جهة ثالثة.

ويطرح الجابري أبا حامد الغزالي كمثال على هذا التصارع بين النظم، فهو المتصوف الأشعري الذي انتدبته الدولة السلجوقية للدفاع بمؤلفاته عن الإسلام، أمام المذاهب الباطنية من جهة، والفلاسفة من جهة أخرى، ولكنه تأثر بالعقيدة الهرمسية أيما تأثر، ” لقد انتصرت فيه الهرمسية الهاربة من الدنيا على الفقيه المتكلم المناضل من أجل الدنيا والدين”. حتى إنه في آخر حياته بدأت الحروب الصليبية، ولكنه اعتزل الناس، ولم يحرضهم على القتال ضد الصليبيين، فهو كان كمتصوف يرى أن حملات الفرنجة ما هي إلا عقاب من الله لكثرة الذنوب!

التكوين الفكري في الأندلس

بعد ذلك ينتقل الكاتب للحديث عن التكوين الفكري في الأندلس، تلك الدولة التي أسسها الأمويون، الذين كان عليهم أن يواجهوا العباسيين في بغداد والفاطميين في القاهرة، فالعباسيون اعتمدوا البيان والبرهان، في حين اعتمد الفاطميون العرفان (الباطن) لذلك لجأ الأندلسيون إلى الظاهر، وكان منهم الفقيه البارز ابن حزم الظاهري، الذي يفسر كل النصوص بظاهرها، “إذا نظرنا إلى ظاهرية ابن حزم من الزاوية الإبستمولوجية (المعرفية) المحضة، وجدناها مشروعاً فلسفياً فكري الأبعاد، يطمح إلى إعادة تأسيس البيان، وإعادة تأسيس العلاقة بينه وبين البرهان، مع إقصاء العرفان إقصاءً تاماً”.

إلقاء اللوم على السياسة

في خاتمة الكتاب يتساءل الكاتب لماذا لم تتمكن الثقافة العربية من تجاوز بداية

اللحظات الحاسمة في تطور الفكر العربي الإسلامي لم يكن يحددها العلم، وإنما كانت تحددها السياسة

البداية والانطلاق لتحقيق النهضة التي نجحت في أوروبا؟ وبعبارة أخرى لماذا فشلت هذه التجربة الثقافية العربية فيما نجحت فيه التجربة الأوروبية، مع ضمان التقدم المطرد؟

ويرمي الكاتب باللوم، كل اللوم على السياسة، “ففي التجربة الثقافية العربية يجب أن نضع السياسة مكان العلم في التجربتين اليونانية والأوروبية الحديثة. وبعبارة أخرى إن الدور الذي قام به العلم عند اليونان وفي أوروبا الحديثة في مساءلة الفكر الفلسفي والديني ومخاصمته، وفك بناءاته وإعادة تركيبها.. إلخ قد قامت به السياسة في الثقافة العربية الإسلامية. (..) فاللحظات الحاسمة في تطور الفكر العربي الإسلامي لم يكن يحددها العلم، وإنما كانت تحددها السياسة”.

لماذا يصر العقل العربي على الاستقالة؟

“أما أسباب إصرار العقل العربي على تقدم استقالته فبعضها يرجع إلى الموروث القديم السابق للإسلام، وبعضها يرجع إلى الموروث الإسلامي الخالص(..) فقد ورث العرب مركباً جيولوجياً من الآراء والفلسفات والمعتقدات تعلوه قشرة سميكة من منتجات العقل المستقيل الهرمسي، فكان دورهم التاريخي العلمي يتمثل بتجاوز هذه القشرة إلى معادن العلم والعقل، إلى العقلانية اليونانية التي كانت تمثل الخلاصة لتطور العقل البشري ومعارفه إلى عصرها. وقد فعلوا ذلك جزئياً وجزئياً فقط بسبب أحد معطيات الموروث الإسلامي الخالص ذاته”.

عن موقع سوريا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق