مصر تحنّ إلى السلفية وتعيد أمجادها إلى المنابر / أحمد حسن

وقف الخطيب الأزهري الشاب بعمامته وقفطانه الناصعين، يتحدث عبر مكبر صوت، تصدح منه أغاني المهرجانات الصاخبة، أمام حشد من الشباب والفتيات يستلقون بثياب البحر على رمال المتوسط، ويحملون في أياديهم المشروبات الكحولية، في طقس اعتيادي لأبناء الساحل الشمالي، ليحثهم على فضائل ارتداء الحجاب وستر العورات.

دار هذا المشهد التخيلي في الأذهان عند سماعنا عن القوافل الدعوية التي تستعد الأوقاف المصرية إلى تسييرها إلى منطقة الساحل الشمالي ومدينة العلمين الساحلية، فلم تكد تمر أيام على الحفل الصاخب للمغنية الأميركية جينفيز لوبيز في مدينة العلمين، الذي حضره آلاف في مقدمهم وزيرات وفنانون بارزون، حتى أعلنت وزارة الأوقاف عن قرارها.

الهدف من القوافل، وفق بيان مقتضب وغامض للوزارة، هو “الرد على الاستفسارات الدينية” لرواد الساحل والعلمين، كونهما من الأماكن التي تشهد ازدحاماً طوال فترة الصيف. إلا أن الوزارة المكلفة من رئيس الجمهورية نفسه تجديد الخطاب الديني، ضلت البوصلة هذه المرة باختيارها الجمهور غير المقصود، والبعيد كل البعد من فكرة الإرشاد الديني المزعومة.

وتشتهر منطقة الساحل الشمالي بأنها مصيف الأثرياء في مصر، فيقصدها النخبة ورجال الأعمال والفنانون والرياضيون، لما توفره من خصوصية ورفاهية عالية المستوى. وفيها تعيش هذه الطبقة حياتها الاجتماعية المتحررة بأريحية، من خلال ارتداء الفتيات السراويل القصيرة واحتساء الكحول على شواطئها وإقامة الحفلات الصاخبة في ملاهيها.

خبر تسيير القافلة الدعوية قوبل بسخرية شديدة من جمهور الساحل، ما دعا البعض إلى استخدام مصطلح “الإسلام يدخل الساحل الشمالي” في خضم التعليق على الخبر، ونشر آخرون صوراً لفتيات منقبات على شواطئ الساحل بعدما زارتها القافلة.

أكشاك الفتوى

قافلة الساحل الشمالي أعادت إلى الذاكرة المصرية الجدل الذي أنتجه إنشاء الوزارة قبل عامين، أكشاك للفتوى في محطات مترو الأنفاق، الذي يقصده 3 ملايين مصري يومياً، فكلها قرارات تنطوي على سطحية الخطوة ومحاولات تغليف الدين داخل أكشاك وقوافل ورسائل نفر منها العامة.

القرار كشف أيضاً عن العقلية “السلفية” النافذة في وزارة الأوقاف، وكأنها تريد فرض سيطرتها على بقعة “متحررة”، بدلاً من محاربة الأفكار الظلامية التي تسود المناطق الفقيرة في صعيد مصر وريفها، نتيجة الفقر وارتفاع معدلات الأمية وتغذية عقول ناسها بالفكر السلفي الجهادي المحرك لأعمال العنف في البلاد.

وتعيد أمينة خيري، وهي كاتبة صحافية، أخطاء قوافل الساحل الشمالي إلى أن “طبيعة شعب الساحل الصيفي، ليست من النوع الذي يهرع إلى أكشاك الفتوى للسؤال عن حكم وضع القطرة في العين، ومآل من دخل الحمام بالرجل اليمنى لا اليسرى”.

وعما إذا كان هدف القافلة هو تجديد الخطاب الديني، الذي يطالب به السيسي في كل مناسبة دينية، توضح خيري أن “رواد الساحل الشمالي ليسوا المصدر الرئيسي للمفجرين والمكفرين وتجار الدين ومغسولي الأدمغة الذين يصدقونهم ويسلمونهم عقولهم”.

في الإسكندرية أيضاً، وتحديداً في منطقة سموحة، أطل السلفيون بأنفسهم هذه المرة، ليس من خلال أفكارهم أو بالمواربة، لكن بعودة شيخهم البارز ياسر برهامي، القيادي في الدعوة السلفية، إلى الخطابة في مسجد الخلفاء الراشدين في منطقة أبو سليمان، معقل الدعوة، بعد إيقافه 4 سنوات عن ممارسة نشاطه الدعوي، في خطوة أثارت التساؤلات بشأن حقيقة هدف وزارة الأوقاف في اعادة احياء الفكر السلفي الذي خيضت ضده حرب تطهير المنابر على مدار السنوات الماضية.

برهامي، نائب رئيس مجلس الدعوة السلفية، عاد إلى الواجهة مقابل الالتزام بخطب وزارة الأوقاف وعدم الترويج لأي أفكار سياسية أو إطلاق فتاوٍ فقهية مثيرة للجدل، كعادته في الفتاوى التي تخص المرأة والمسيحيين، وتمّ التنبيه عليه بعدم الترويج لأي منهج دعوي خلاف المنهج الأزهري الوسطي الأشعري. شروط وضعتها الوزارة لتبرر موقفها المفاجئ بإعادة برهامي إلى الخطابة.

عودة برهامي

بزغ نجم الطبيب السلفي عقب ثورة 25 يناير، بعد اهتمام السلفيين المفاجئ بمنازعة الإخوان المسلمين على الحضور السياسي واقتسام المناصب، فذهبوا إلى صناديق الاستفتاء وأسسوا حزباً يحمل اسم “النور”، حصدوا به المركز الثاني في البرلمان المصري بعد الإخوان، خلافاً لمواقفهم السابقة برفضهم الثورة على الحاكم قبل ثورة 25 يناير، واعتبارهم الديموقراطية “كفراً”، وتحريمهم إجراء الانتخابات كونها “تخالف شرع الله”.

واشتهر برهامي، وهو الأب الروحي لـ”حزب النور”، بفتاويه وتصريحاته المثيرة للجدل، فاعتبر المسيحيين من “الكفار” ولا تجوز تهنئتهم بأعيادهم، وتوعدهم بدفع الجزية مقابل حمايتهم حال توليه الحكم، كما اتهم الليبراليين بالخروج عن دين الله، لأنهم يرفضون تطبيق الشريعة الإسلامية.

ولنائب رئيس الدعوة السلفية فتاوٍ رجعية تخص المرأة مثل إلزامها بارتداء جوربين أسفل الصندل لعدم كشف عوراتها، كما طالب بتأديب المرأة التي ترفض معاشرة زوجها الذي يتناول عقاقير منشطة جنسياً، كما ألزم النساء بإطاعة أزواجهن طوال الوقت من دون اعتبار لمزاجهن الخاص، حفاظاً على تماسك الأسرة كما يقول.

وعلى رغم فتاويه المتطرفة، إلا أن برهامي لم يتخل عن النسق السلفي الموالي للسلطة، إذ أظهر حزبه، الذي يعد هو قائد سفينته الأولى، براغماتية شديدة في الحفاظ على مكتسباته السياسية، باعتباره الحزب الإسلامي الوحيد الذي تعترف به السلطة، فضحوا بالإخوان في اختبار 30 حزيران/ يونيو الصعب، بالوقوف مع الجيش والليبراليين في الإطاحة بمحمد مرسي من سدة الحكم، مروراً بتأييد السيسي في استحقاقين رئاسيين متتالين، وصولاً إلى مواقف الحزب المتماهية مع الحكومة والأغلبية البرلمانية.

ووصف برهامي قرار دعم السيسي في الانتخابات الرئاسية الأولى التي أجريت عام 2014، بأنه “تعبد لله”، لأنه اختيار أقرب إلى حفظ حقوق المسلمين وغيرهم، ووحدة مصر ومنع الفتنة والاضطرابات، ما يكشف منهج الدعوة في التعامل مع الملفات الحاسمة في علاقتها بالدولة، كدعم السيسي في 2014 و2018.

وصمد الحزب على مدار السنوات الماضية أمام حملات استهدافه إعلامياً في ظل المطالبة بإقصاء الحزب الإسلامي، واحتواء أزمات منعهم من الخطابة.

سلفيون براغماتيون

تمتلك الدعوة السلفية نحو 300 مسجد وزاوية في جميع المحافظات، يلقي فيها شيوخهم البارزون خطب الجمعة ويقدمون الاستشارات الدينية، قبل أن تضع الأوقاف أياديها على معظمها وتعين خطباء من الأزهر. وخاض وزير الأوقاف محمد مختار جمعة، حرباً شرسة ضد الجماعة السلفية لاسترداد المساجد والزوايا التي سيطروا عليها لسنوات في معاقلهم في محافظات الإسكندرية ومطروح والبحيرة، حيث منع شيوخهم من صعود المنابر، من بوابة اقتصار الخطابة على الأزهريين والأئمة المعروفة انتماءاتهم، بحسب قانون ممارسة الخطابة.

براغماتية الشيوخ حافظت على وجود الحزب حليفاً للسلطة، بوجوده داخل مجلس النواب بـ12 مقعداً، والحفاظ على حياة أبناء التيار السلفي من التنكيل الأمني الذي طاول الإسلاميين، بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي في صيف 2013، وهو الرصيد الذي ترك الباب موارباً أمام برهامي وقيادات الدعوة السلفية للعودة إلى منابرهم من جديد.

“اللافت أن الدولة لا تعادي السلفيين لأنهم مطيعون ويلتزمون الخط السياسي المحدد لهم من قبل الأمن والحكومة، فلم نلحظ تذمرهم سوى في إدراج كلمة “مدنية” في التعديلات الدستورية الأخيرة التي مررها مجلس النواب”، تقول الباحثة في الفكر الديني رباب كمال.

وترى كمال أن “عودة برهامي وقبل ذلك السماح للقطب السلفي محمد سعيد رسلان بالخطابة ما هي إلا محاولات لشرعنة عودة السلفيين إلى الخطابة من جديد، في إطار دور مرسوم لهم لاحتوائهم، أو بالأحرى هو نوع من المكافأة لهم على التزامهم طوال الفترة الماضية”.

عودة برهامي أثارت حفيظة أنصار التيار العلماني في مصر، خصوصاً الذين لا يعترفون بوجود حزب قائم على أساس ديني، وقال الكاتب والصحافي حمدي رزق، إنه “يخشى من وجود من كان هواه سلفياً في وزارة الأوقاف، ولا يقوى على بقاء شيخه بعيداً من المنبر، واشتاق إلى ظهوره على المنابر الرسمية، في إثبات وجود سلفي بامتياز على الساحة المصرية”.

خالد منتصر، وهو أحد أبرز منتقدي السلفية في مصر، تحدث عن دوافع وزارة الأوقاف لإعادة برهامي إلى الخطابة، وهو المعروف بفتاويه ضد المرأة والأقباط، “الرهان على التزامه الشروط رهان خاسر، لأنه سبق أن تفاخر بأنه تلاعب بلجنة الدستور كلها ومرر المادة التي تتيح للسلفيين إقامة دولة دينية”. وسأل: “لماذا تستميل وزارة الأوقاف ود برهامي وهي تعرف جيداً أن الحركة السلفية تتبنى الفكر التكفيري الذي هو بذرة الدعشنة؟”.

لم تكتف الأوقاف بإظهار “حنينها” إلى خطب السلفية، بل بدت متسامحة مع أصحاب الأفكار المتطرفة بين رجالها، إذ أعادت أيضاً الداعية عبدالله رشدي إلى عمله إماماً مرة أخرى في مسجد السيدة نفيسة، بعد نقله إلى عمل إداري، بموجب حكم قضائي، عقاباً له على تصريحاته المسيئة للأقباط وتكفيرهم بشكل علني في برنامج تلفزيوني، وهو الرأي الذي يتشبث به حتى الآن.

واشتهر رشدي الذي يقدم برنامجاً تلفزيونياً بآرائه المثيرة للجدل ومغالاته في التدين وتطبيق النصوص الشرعية، إذ سبق أن صرح بأن المسيحيين كفار وأصحاب عقيدة “فاسدة”، ونصح الفتيات بعدم نشر صورهن على شبكات التواصل الاجتماعي درءاً للفتن، ودعا إلى تشريع قانون لمعاقبة المجاهرين بالإفطار في رمضان.

ورأت كمال أنه “من الواضح وجود تيار سلفي يجنح بالقرارات وآخر تنويري متجدد يريد التغيير، فمؤسسات الدولة ليس على قلب فقيه واحد، ولا تستطيع أن تحكم عليها من عقلية الرئيس أو الحكومة أو البرلمان”.

ترفض كمال “ترويج فكرة انتشار السلفية في مصر بدءاً من الغزو الوهابي الذي بدأ في سبعينات القرن الماضي، فمصر لم تكن ليبرالية الهوى قبل تلك الغزوة، بل متجذرة في الفكر الديني ومنها الأزاهرة الأشاعرة منذ زمن طويل، فضلاً عن إيمان المؤسسات الرسمية بالسلف الصالح وتشدق البعض بفتاوٍ رجعية إلى الآن”.

وتشير كمال إلى أن “علاقة السلطة والثقافة الجماهيرية متماهية وغير منفصلة، فالدولة تضغط أحياناً لفرض طريقة تديّن معينة، وتنحاز للناس أيضاً في حال أيد الشارع صعود خطاب سلفي في شكل إسلامي محافظ، كما حدث في فترة السبعينات حين تغير أسلوب حياة قطاع من المصريين بارتداء الحجاب والنقاب، بدلاً من التنانير القصيرة، سمة الستينات”.

تخشى كمال من تنامي أفكار أصولية داخل المؤسسات الدينية “بمحاربة الشيوخ المتطرفين بغيرهم من الشيوخ المؤيدين، وهو النوع الأكثر رواجاً الآن، باختيار فقهاء يدحضون آراء الإسلاميين بأفكار أخرى لا تقل أصولية عنها، وهو ما يعني أن الدولة ستظل أسيرة الحكم الديني، حتى بعد تخلصها من حكم الإسلام السياسي”.

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق