عدت لأسقط حافظ الأسد / وائل السواح

كان البريد يصلنا بشكل أسبوعي عن طريق مراسل يأتي من دمشق، فألتقي به سريعا في مقهى في شارع أبو شاكر، نشرب قهوة إسبريسّو ونأكل كنافة بالجبن، وأستلمُ منه الرسالة، وطردا صغيرا فيه أعداد الراية الحمراء وبعض الرسائل الشخصية التي كانت تصل إلينا من محبينا، ثمّ اسلمه رسالة جوابية، يأخذها ويعود أدراجه إلى دمشق.
رسائلنا الخاصة كانت تأتي في الطرد من أهلنا، وكنت أكثر من تصله رسائل بيننا. كانت فادية ترسل لي أسبوعيا أحيانا. في إحدى المرّات، لاحظت أن طرف الرسالة ممزق ومعاد لصقه. وأدركت أن أحدا ما في دمشق كان يراقب مراسلاتنا. بعض الرسائل كانت حميمية لدرجة أن قشعريرة باردة تسري في عروقي وأنا أتخيل معالم وجه الرقيب المتلصّص وهو يقرأ بعض سطورها.
“هذا الأسلوب غير مقبول،” قلت في اجتماع ضمّني والثلاثة الآخرين في الشقّة ببيروت، أصلان وكامل وأحمد.
“هذا أسلوب أمني بامتياز.”
وافقني كامل في الاحتجاج، رغم أنه نادرا ما كانت تأتيه رسائل، ولكنه كان دائما يؤيد الحقّ في الخصوصية والحرية الفردية. أحمد لم يدلِ برأي، فلم تصله أي رسالة، بينما قال أصلان بصوته الهادئ الذي يمزج بين الجدّ والسخرية:
“مَعْليش يا رفيق. هذه أوقات استثنائية. لا نريد إن وقعت الرسالة بيد الأمن أن يكون فيها ما يؤذينا.”
صمتّ على مضض، وانتحيت ركنا في الغرفة أقرأ الرسالة بنهم.
كان يوم الأحد 17 حزيران 1979 يوما خاصّا. جاء الرفيق المراسل كعادته، وجلسنا في مكاننا المفضّل وشربنا قهوة وأكلنا الكنافة بالجبن. أعطاني الرسائل، ومضى. عدت إلى البيت ومعي الرسائل. فتحنا رسالة لجنة العمل، وبعد أخبار التنظيم والخلايا والرؤية السياسية، لفت انتباهنا فقرة بدت لنا غريبة. جدا! الفقرة يمكن استعادتها كما يلي: “وردت أنباء يوم أمس عن وقوع مجزرة في مدرسة المدفعية في حلب، ذهب ضحيتها عشرات من طلاب الضباط. ولا يوجد تفاصيل عن الحادثة بعد.”
الساعة السابعة والنصف من مساء السبت 16 حزيران 1979. كان طلاب مدرسة المدفعية في مدينة حلب قد أنهوا يوما شاقّا من التدريب في اليوم القائظ، وهجعوا في مهاجعهم، بحثا عن بعض التسلية أو التسرية أو النوم المبكّر، ولكن أمرا جاءهم من الضابط المناوب النقيب إبراهيم اليوسف يطلبهم للانتقال فورا إلى قاعة الندوة في المدرسة، لحضور اجتماع مع المدير. امتلأت القاعة بنحو 300 طالب. ولكن بدلا من دخول المدير عليهم، دخل عليهم النقيب إبراهيم نفسه ومعه مجموعة مسلّحة، وقام اليوسف بفرز الطلاب الموجودين على أساس انتمائهم الطائفي، ففرز الطلاب العلويين في زاوية القاعة، ثم بدأ الرصاص ينهال عليهم من قبل اليوسف وجماعته.
ستعرف لاحقا أن من قام بهذه المجزرة المقيتة هم جماعة الطليعة المقاتلة المنشقّة عن الإخوان المسلمين، التي كان أسسها المقاتل الإسلامي المتشدّد مروان حديد. قبل خمس عشرة سنة كان مروان قاد استعصاء في مدينتي حماة وحمص، قضت عليه حكومة البعث الوليدة آنذاك بعنف غير المبرّر. وكان خلاف قد برز داخل جماعة الإخوان في حماة بين نهج الإخوان المسلمين بطابعه الصوفي التقليدي المتداخل بالحركية الدَّعوية وبين مروان حديد الذي كان ينادي بالعمل المسلّح لإسقاط حكومة البعث. في النهاية، انفصل حديد عن التنظيم، وأسّس جماعة ذات توجّه جهادي صارخ، ستطلق على نفسها لاحقا اسم “الطليعة المقاتلة”. اعتقل حديد في دمشق في عام 1975 ومات في سجنه في العام الذي تلاه.
إلى جانب إبراهيم اليوسف، قاد عملية مجزرة المدفعية قائد التنظيم وقتها حسني عابو ومساعده عدنان عقلة الذي سيثبت أنه واحد من أسوأ رجالات العصابات المسلحة الذين لا يتمتّعون بأي وازع خُلقي يمنعهم من ارتكاب أي جريمة على الإطلاق.
ولد إبراهيم اليوسف عام 1950 في قرية تادف بريف حلب، ونشأ في أسرة فقيرة، لأب كان يعمل في بقالية وأمّ لا تحسن القراءة والكتابة. ويبدو أن هزيمة 1967 التي نقلت كثيرا إلى الفكر اليساري عموما قادت إبراهيم لتبني فكر إسلامي جهادي، فأغرم بسيد قطب. وحين لم يستطع الالتحاق بالجامعة، التحق بالكلية الحربية، وبعد تخرجه شارك في حرب تشرين/أكتوبر 1973 وانتسب ككل الضباط إلى حزب البعث، ولكنه كان دائما يحلم بشيء آخر. في حلب، التقى بزميل قديم له في المدرسة، سيصبح بعد قليل زعيم جماعة الطليعة المقاتلة. عرض عدنان عقلة على إبراهيم الانضمام لمجموعة مروان حديد، ووافق إبراهيم مطلع 1977. وفي حزيران 1979، كانت العملية قد نضجت في خيالهم، ونفذها بكلّ وحشية، دون أن يدرك أنه سوف يغيّر وجه سوريا إلى الأبد.
حين قرأنا رسالة لجنة العمل ران علينا صمت ثقيل. لقد سبق مجزرة المدفعية بعض الأعمال الإرهابية التي قامت بها جماعات متطرفة، قد تكون أخطرها اغتيال ا محمد الفاضل رئيس جامعة دمشق في شباط/فبراير 1977، ونقيب أطباء الأسنان السوريين الدكتور إبراهيم نعامة في آذار/مارس 1978 وطبيب الأعصاب شحادة خليل قبيل مجزرة المدفعية بأيام. أما أن يتمّ إعدام هذا العدد الكبير من السوريين فقط لأنهم علويون فكان فوق تصوّراتنا ومخاوفنا.
“ماذا سنفعل الآن؟ سألتُ بقلق وخوف وترقّب.
“سننتظر الرسالة القادمة من دمشق،” قال أصلان. وغرق كلّ منا في هواجسه.
ذهبت إلى الجريدة ككلّ يوم لأكتب افتتاحيتي في السياسة اللبنانية والفلسطينية، ولكن عقلي وقلبي وكياني كانت جميعها تراقب ما يحدث في سوريا. وسائل إعلام الحكومة تأخّرت ستّة أيام قبل إعلان الخبر رسميا. في 22 حزيران/يونيو، قالت وكالة الأنباء الحكومية سانا إن عدد القتلى تراوح بين 50 و83. ولئن كان هذا العدد أقلّ من العدد الذي تناهى لأسماعنا من قبل، إلا أنه لا يزال رقما مخيفا بالمقاييس السورية. آنذاك! في نفس اليوم، أعلن وزير الداخلية عدنان دباغ أن جماعة الإخوان المسلمين كانت وراء تنفيذ العملية وأن هدفها كان التسويق لاتفاقية كامب ديفيد، وهي رواية سوف نتبناها في رابطة العمل لاحقا، ربما غير مجانبين للصواب.
واهتمّت وسائل الإعلام بالخبر، كما تهتمّ بأي خبر تستطيع العثور عليه وراء السور الحديدي الذي فرضه حافظ الأسد على البلاد حتى قبيل استلامه مقاليد الأمور في 1970. فنشرت النيويورك تايمز في 23 حزيران/يونيو تقريرا موجزا من مراسلتها في بيروت مارفين هاو Marvine Howe، لم يتعدَّ تكرار ما نشرته وكالة سانا.
بيد أن الإخوان المسلمين أنكروا أي صلة لهم بالمجزرة أو معرفة باحتمال وقوعها، وردّوا على إعلان الدباغ بعد يومين في بيان وُزِّع بعد يومين، في 24 حزيران/يونيو. “فوجئت جماعة الإخوان المسلمين، تمامًا كما فوجئ آخرون بالحملة التي شنها ضدهم عدنان دباغ، وزير الداخلية السوري، متهماً إياهم بالخيانة …، متهماً إياهم بالأشياء التي يدرك جيدا أنه ليس لديهم أي علاقة مع. وألقى باللوم عليهم في المذبحة التي ارتكبت في مدرسة المدفعية وكذلك الاغتيالات التي وقعت وما زالت تحدث في سوريا. ”
تحوّلت مجموعتنا في بيروت إلى خلية نقاش دائمة، وصارت مراسلاتنا مع دمشق أكثر تواترا، وبدأنا نطوّر وجهة نظر خاصّة حول حقيقة ما جرى في الآونة الأخيرة. ورحنا نسوّق لوجهة النظر هذه مع القوى الوطنية اللبنانية والفلسطينية في بيروت. وكتبت في الجريدة افتتاحية بعنوان “هل القادم أعظم؟” ناقشت فيها إمكانية تدهور الأوضاع في سوريا أكثر من ذلك.
في إحدى المراسلات مع لجنة العمل بدمشق، وصلتنا نسخة من رسالة داخلية وزعتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي بقيادة الزعيم المخضرم رياض الترك. ولأن الرسالة كانت داخلية، فقد كانت مصوغة بدون تلاعب سياسي. راعني مضمون الرسالة التي وصفت ما يجري بأنه “أزمة” وقالت إن التحركات والانفجارات الشعبية ظهرت بأشكال ومـستويات مختلفة، وان دوائرها تتسع باستمرار في أوساط “الجماهير الشعبية”، واستبعدتْ أن يكون الإخوان وراء من نفّذ مجزرة المدفعية بحلب، وعزتها إلى سلوك شخصي من مرتكبها. وقالت الرسالة إن “الحادثة التي ارتكبها ضابط بعثي مدانة قومياً وإنسانيا وأخلاقيا”، ثمّ ربطت بين الجريمة وبين “أزمة عامة وشاملة” تعيشها سورية نتيجة غياب الديموقراطية.
وقفتُ طويلا أمام عبارة “حادثة” المحايدة، ولفتني عدم تسمية جماعة الإخوان أو الطليعة المقاتلة باعتبارهم المسؤولين عن الجريمة. كانت تلك صدمة بالنسبة لنا، وأحزننا وأغضبنا أن المكتب السياسي الذي كان لا يزال يرفض الحوار معنا يبرِّئ الإخوان المسلمين من دماء ضحايا المدفعية، بل ولا يكاد يدين المجزرة أساسا، بل يعزو العملية إلى “قمع النظام واستبداده.”
ومع ذلك، لم يكن تحرّك الإخوان المسلمين وطليعتهم المقاتلة حوادث عارضة، فهي جاءت على خلفية استياء كبير من مختلف فئات المجتمع السوري. لقد كان نظام حافظ الأسد يغرق في لجّة من الفساد والمحسوبية والانقسام المجتمعي. وكان شقيقه سيّئ السمعة رفعت الأسد يصول ويجول في طول البلاد وعرضها، مستعرضا سراياه الخاصّة ومستبيحا الأماكن والأشخاص ومحتلا جبلا بأكمله قرب دمشق المزّة، بنى عليه جنوده بيوتا مخالفة تشبه الجحور، بينما كان يجثم هو ونساؤه اللواتي تزوّج بعضهن عنوة، في بيوت فخمة في قلب دمشق.
كانت المدينة السورية تستشعر غزوا غير متكافئ من الريف، وكان السنّة في البلد يستشعرون هيمنة غير مكافئة من العلويين، وكان المثقفون والمهنيون والكتاب والصحفيون يستشعرون تضييق الخناق عليهم وعلى آرائهم وكتابتهم وإبداعاتهم، ولم تكن البلاد قد بدأت بعد تعاني من الضائقة المادية التي سوف تخنقها بعد سنوات قليلة، بل وجد في البلاد بعض البحبوحة التي أتت دعما لحافظ الأسد من دول الخليج، والتي جعلت الناس يفكرون فيما وراء لقمة الخبز.
في هذا الإطار بدأ تحرّك مثير للانتباه، هو تحرّك المدينة/الطائفة/المهنة في مواجهة الريف/الطائفة/العسكر. وقد يكون من أكثر ما كُتب تعبيرا عن ذلك التحرّك المقالة الفاتنة التي كتبها ميشيل سورا بعنوان سوريا الدولة المتوحّشة، والتي ستشكّل أيضا الفصل الأول من كتابه الذي حمل العنوان ذاته. يقول سورا: ” لقد كانت تقود هذه الحركةَ، في مكوِّنها العصري، نقابات ذوي المهن الحرة كالمهندسين والأطباء والصيادلة، وخصوصاً المحامين، وذلك حتى حل هذه النقابات في نيسان/أبريل 1980، ‏والتصفية الجسدية لبعض الشخصيات ذات التأثير ضمن القطاعات ‏المهنية المعنية. وعلى هذا المستوى أمكن تَلَخُّص المنطلق المطلبي في رفع حالة الطوارئ، النافذة منذ صبيحة “ثورة” الثامن من آذار/مارس 1963، وفي إعادة الحريات الديمقراطية الأساسية. ثم إن تجار السوق، المرتبطين بالإخوان المسلمين، كانوا يمثِّلون النظام الحضري التقليدي ومجتمعاً أهلياً يصبون إلى أن يكونوا آخر معاقل مقاومته لـ “الدولة الحديثة”. أما الدولة المعنية ـــ أو نقيضة الدولة كما رأينا ـــ فقد غدت تجسِّدها خلافاً للحداثة أقليةٌ دخيلة على النظام الحضري، هي نخبة قائدة جديدة وصلت إلى السلطة مع “الثورة” عن طريق الجيش والحزب، ذات أصول ‏ريفية شديدة التميز: عليون ودروز وإسماعيليون، وكذلك سُنّة من منطقتي حوران والفرات.”
أما أول تحرك فعلي لامس قضايا حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سورية، فكان على الأرجح تحرّك نقابة المحامين التي قامت به في نهاية السبعينات. ففي حزيران/يونيو 1978، عقد مجلس نقابة المحامين في دمشق جلسة رسمية درست فيه حالة الطوارئ والأحكام العرفية في البلاد، وأصدر بيانا طالب برفع حالة الطوارئ وتعديل قانون الطوارئ بحيث يقيد إعلان تلك الحالة بأضيق الحدود والقيود، وإلغاء المحاكم الاستثنائية تحت أي تسمية كانت، الطلب إلى الأساتذة المحامين عدم المثول والمرافعة أمامها، وتحريم جميع صور الكبت والقهر والقمع والتعذيب الجسدي والنفسي المنافية للكرامة الإنسانية والوطنية، وتطبيق مبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء.
وكان تحرّك المحامين بداية لتحرك نقابيين مهنيين آخرين، بينهم اتحاد الكتاب ونقابة المهندسين وأساتذة الجامعات. وكان من الممكن لهذه الحركة أن تسفر عن نتائج مختلفة لولا انخراط الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين في أعمال الإرهاب التي سمحت للنظام أن يخلط بين الأمرين، ويصوّر تحرك النقابات والإخوان المسلمين باعتبارهما حراكا واحدا. ولكن النظام لم يكن وحده من حمل وجهة النظر هذه.
في أيلول 1979، جاء أعضاء لجنة العمل، أو للدقّة من بقي منهم في دمشق، إلى بيروت. كنا في الصيف خسرنا علي الكردي الذي اعتقل قبل أسابيع. أما العميد فكان معتكفا لسبب من الأسباب، وقد جمّد عضويته في لجنة العمل. وعقدنا اجتماعا آخر عاصفا، ناقشنا فيه مسألتين: مجزرة المدفعية والمآلات السياسية في سوريا، و… نعم: العودة إلى سوريا. لم يكن جماعة دمشق متحمسين لعودتنا إلى البلاد، ولكننا في بيروت، أصلان وأنا، بدرجة أكبر، كنا مصرّين على ذلك. في غمرة النقاش الحاد وارتفاع الصوت، سأل منيف ملحم:
“رفاق ليش بدكم ترجعوا هلق؟”
أصلان أعطى، كعادته، جوابا هادئا، منطقيا. نعود لنتابع الأمور على الأرض فلا تسبقنا الأحداث. أما أنا فضربت بقبضتي على طاولة كانت أمامي، وهتفت:
“أنا عائد لأسقط حافظ الأسد!”

عن موقع درج

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق