“بنت الخيّاطة”: رسالة إلى جُمانة حدّاد

 

انتهيتُ للتّو من قراءة رواية الكاتبة جمانة حدّاد الجديدة “بنت الخيّاطة” (2019) ولا أزالُ إلى هذه اللّحظة أرزحُ تحتَ وطأة الغيمة السّوداء لا بل التسونامي الدّامي الّذي يجتاح هذه الرواية من بدايتها إلى نهايتها؛ تسونامي من الحروب العالميّة والأهليّة والإبادات الجماعيّة الّتي لا تُحصى ولا تُعدّ والّتي لا أريدُ أن أخوض بها على عكس جمانة – وأرجو أن تسمحَ لي المُفكّرة والكاتبة والنّاشطة في حقوق الإنسان والدكتورة والشّاعرة أن أدعوها جمانة فقط دون ألقاب – ربّما هو الحياد (أو الرّماديّة كما يسمّونها) الّذي اخترتُه واختارَني إلى الآن حتّى هذه السّاعة. ولدتُ في منطقة لم تعرف سوى الحروب وأعيشُ في بلدٍ دمّرته وتدمّره الحرب ولذا لم أعد أشاهد نشرات الأخبار فهي أشبه بالنّعوات الجماعيّة تشحنُ المُشاهد سلباً إلى أن ينفجرَ كراهيةً وحِقداً وانتقاماً. الخروج من حلقة النّار. الخروج من جحيم ما فعله ويفعله أرباب الحرب ولو بالهروب إلى الأدب لنطبطبَ على جراحِنا. الأدب الّذي لم يَعُد يقوى على احتِمال ما فعلته وتفعله أيدينا. عمليّةٌ أشبه بالغسيل أو التطهير – كأن نقول: ها أنا أغسلُ يداي من الماضي، من السَّلَف، من الجثث القابعة في جوف الأرض وما تركته خلفها من أحلام مَبتورة ومَخاوف وآلام – أو قد يكون أشبه بعمليّة مَسح للذّاكرة وما علِقَ بها عبرَ مِئات بل آلاف السّنين. هل منَ المُمكن حقاً أن نمسَحَ ذاكرتنا ونفُرِغَ حمولتنا بكتابة الأدب بينما نُسطّرُ شهادتنا على ما حدثَ ويحدثُ من خراب وتخريب، هجرة وتهجير؟ أريدُ لهذا النّزيف أن ينتهي الآن. الأدب … يحتضننا حقّاً بكلّ ما أوتيَ من ورق وبكلّ ما تفعله امرأة استثنائية (جُمانة حدّاد) بإعادة كتابتها للتاريخ ليكونَ قصّتها هي بدلاً من قصّة الغازي والفاتِح والمُغتصِب. اعترافات أديبة باسم مَلكاتِها وباسم الإنسانيّة وباسم هذه الأرض الّتي تستحقُ السّلام. آمين. الأدب اللّجوء. الأدب صوتُ من لا صوتَ له. الأدب الخروج. الأدب بطاقة لجوء إنساني خارجَ المُخيّمات بعيداً عن الحواجز والأسلاك الشّائكة وجوازات السّفر الخانقة و”الهُويّات القاتلة”. ولكن، دعيني أخبركِ عن الحياد ولو قليلاً. أعلمُ أنّكِ لا تُحبّينَ الحياد كما أوضحتِ في “استطراد غير ضروري” عقبَ ما طرّزته يداكِ في “بنت الخيّاطة” أردتِ من خلال هذا الاستطراد أن تُضيفي ما يختلجُ في قلبكِ وروحكِ وفكركِ ووعيكِ من مكنونات. نعم الرّماديّة يا جُمانة قد تكونُ لون اللاقرار ومنطقة التردّد لكنّها أيضاً منطقة وسطى بين الأبيض والأسود، منطقة أمان أو هُدنة بين طرفين لم يصلا بعد في الشرق الأوسط وربّما في العالم إلى تناغم الين واليانغ yin and yang. الرّمادية لأنّي لا أريدُ أن أخوضَ في السّياسة فلا أمل برأيي من حدوث أي تغيير (قريب) على كل من المستوى العالمي والإقليمي. لا فائدة من اجتراع الألم ومِنْ ثمّ الانتحار. أريدُ فقط لهذه الكارما أن تتلاشى شيئاً فشيئاً من منطقة الأنبياء والرُّسل. لا أدري لماذا يدعونَ بلاد الشام أو ما يُسمّى اليوم بسوريا ولبنان والأردن وفلسطين بالأراضي المُباركة؟

أعتقد أنّ هذه البقعة من الأرض ملعونة وتعود هذه اللّعنة إلى مِئات بل آلاف السّنين، وأتساءل ماذا تُراهُ حدَثَ أو ماذا فعَلنا لشاكرا chakra  هذه المنطقة ولماذا لم تعُد مُباركة ومفتوحة وفاعِلة؟ هي بالفعل شربَتْ الكثير من الدّماء وشهدَتْ الكثير من القتل واحتوتْ الأشلاء وسمعتْ النحيب والعويل ولم يعُد باستطاعتها أن تستوعبَ أكثر. فماذا نفعل وإلى متى نُسدّدُ فواتيرَ اللاوعي الجمعي؟ إلى كم جيلٍ وجيل؟ وكم من ميتةٍ سنموت ومتى سنرى الضّوء ونستحقُّ الاستنارة؟ أليسَ هذا ما تطلبين بصوتِ شيرين؟ “رأيتُ، رأيتُ، رأيتُ. كم من ميتاتٍ أخرى عليَّ أن أتحمّلَ أيتها الظلمات قبلَ أن يتسنّى لي الخروج أخيراً من رحمكِ؟ كم حيواتٍ بعد عليَّ أن أرثي قبلَ أن أستحقَّ الضوء؟” (حدّاد، 236) نعم كم من مرّةٍ ستولدُ سيرون صرّافيان بهيئاتٍ مُختلفة؟ الانعتاق. الانفلات من هذا الجّسد دون عودة. النيرفانا. الخروج من دائرة الولادة والمَوت. وهنا أسمعُ صوتَ محمود درويش ينادي من ترابِ هذه الأم “على هذه الأرض ما يستحقُّ الحياة.” كيف لنا أن نرسمَ نهايةً جميلة لهذه القصّة التي ندعوها التاريخ في الكتب المَدرسيّة؟ هل علينا أن نشغلَ أنفسنا بالنّهايات؟ مِن الوعي بمكان أن نُعيدَ كتابة التاريخ وأن نملأ الفجوات ونَخرُجَ عن الصّمت ونحتضِنَ أرواح المَوتى. لكن ماذا عن الحاضر؟ كيف نضمّدُ جِراحنا المَفتوحة ونوقِفُ دماءنا الجّارية مثل أنهارٍ لا تنضب؟ ماذا فعلنا وماذا لم نفعل لنحصدَ هذا الحصاد؟ البداية هي النهاية والنهاية هي البداية. الجدّة. الأم. الإبنة. الحفيدة. جميعنا واحد. البوذي. الهندوسي. اليهودي. المسيحي. المُسلم. المُلحِد. اللاديني. جميعنا واحد. الأرمني. السّوري. اللبناني. الفلسطيني. التّركي. جميعنا واحد. المُغاير الجنس. المِثلي. مزدوج الميول الجنسية. الليزبيان. جميعنا واحد. أنتَ أنا وأنتِ أنا. نحنُ لا نختارُ أقفالنا لكنّنا نختار المفاتيح في هذا التّيه الكونيّ العظيم. التّكوين. بدايةُ البدايات. بدايةُ النهايات. هذه القنبلة الموقوتة التي زرعنَاها في عُمق وعينا الأوّلي تنحرُنا وتنحرُ أولادنا وأحفادنا وستبقى تطلبُ المزيد من الأشلاء لتروي عطَشها إلى أن نُصبِحَ على صَحوةٍ تليقُ بإنسانيّتنا وألوهيّتنا: “سيبقى أبناء قايين وهابيل يذبحُ بعضهم بعضاً إلى أن نتصوّر قصّة تكوينٍ أكثر رقيّاً لجنسنا، ونخترع آلهة أكثر إنسانويّة. أو لا آلهة على الإطلاق” (حدّاد، 249). آمين. ومع كلّ حرف آ – ام – اي – ان أتمنى أن يصلكِ تردّدات مانترا الوعي الكوني – الأوم – مانترا الخلق علّنا نغيّرُ ذبذات ما حدثَ ويحدثَ.

أحببتُ مَلكاتكِ – ملكة الديناري، ملكة الكوبة، ملكة البستوني، ملكة السباتي – والعرّافة التي تقفُ خلف ورقَ اللّعب تكشفُ الماضي وتقرأ الحاضر وتتنبّأ بالمستقبل. هل من فرق بين العرّافة وموزّع الورق؟ وهل من المُمكن أن نفكّر بهذا المَلهى الكوني بعيداً عن مبدأ الرّبح أو الخسارة؟ وإذا كان الخزّان الجمعي هو البنك أو الموزّع الكوني، هل لنا دورٌ في توزيع أوراق اللّعب رغم الجبرية أو القدرية؟ ولماذا لا نكفُّ عن السَّفر عبر الزّمن؟ التراكمات العاطفيّة والعُقد النفسيّة المتوارثة. الأفعال والأفكار. الأفكار والأصوات العميقة الدّفينة المَحفورة في اللاّوعي والأفكار المَحكيّة المُتطايرة. لعبة الدومينو. المرأة التقليديّة والمرأة العصريّة. البطريركيّة. مَلِكات دون عروش. نساء من ورق. السّبايا. ضحايا العنف الأسري. الناجيات. اللاّجئات. ماذا بعد؟  “هل النّاجون من الحروب سوى جثث حيّة  أو قتلى مؤجلين؟” (حدّاد، 245) نحنُ لسنا هُويّاتنا القاتلة. بإمكاننا تغيير الموروثات الاجتماعيّة والمورّثات الجينيّة عبر الأجيال المُتعاقبة. مِن النّاجين والنّاجيات اليوم يا جمانة منْ يرسمُ عبوره من ميقاتية التّكوين ومعادلة قايين-هابيل إلى معادلات واهتزازات جديدة وقد وصلني من خلال صوتكِ المكتوب بعضاً من هذه الاهتزازات. تردّدات جديدة بذبذات عميقة وصادقة من القلب المادي إلى القلب السّماوي (أوشو 92) علّنا نفتحُ معاً شاكرا هذه المنطقة دون خسائر أو انتصارات دمويّة. حتماً سيتّهمنا البعض بالجنون لكنّ الانتقال إلى أبعاد جديدة من الوعي الفرديّ والجمعيّ والكونيّ يحدث وسينضمّ المزيد من المُريدين. وربّما بهذا سنضعُ في البنك أو الخزّان الجمعي ودائعَ جديدة لا تُشبه الودائعَ القديمة الّتي وضعَتْها هيئاتنا السّابقة وسنحطّم تلك الحلقة المُفرغة المَعيبة.

نمسكار

******

المراجع:

أوشو: سرّ الأسرار، الأنيما والأنيموس، ترجمة: متيم الضايع، اللاذقية، دار الحوار، 2019.

حدّاد، جمانة: بنت الخيّاطة، ترجمة: نور الأسعد، بيروت، نوفل، 2019.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق