وهم الصحافة الثقافية / روجيه عوطة

حين تنقبض الصحافة اللبنانية، وتحاول ان تنكر التحول الذي منيت به، والذي لا بد أن تتقبله، تبرز فيها مقولة كاريكاتورية للغاية، مفادها ان مواقع التواصل الاجتماعي هي مجرد مصنع ضوضاء يشغلها عما يسمى عملها.

طبعاً، ما أشاع هذه المقولة هي الزاوية الثقافية من الصحافة إياها. إذ كان لمواقع التواصل وقع الصدمة على محرريها، وللحظة، وهي لحظة طويلة، تهيبوا منها، بداية، كتقنية، ثم لأنها، وعلى ما صار بديهياً منذ عقد تقريبا، أعطت للمواطنين فيها موضع القول، وقبله، حقه، ليكونوا، لا محررين فقط، بل صحافيين وكُتّاباً أيضاً. وبذلك، انتهى زمن الأسماء والمناصب، التي صارت، وفي تلك الزاوية تحديدا، بمثابة خردوات لا تصلح لأي ارتزاق أو إيجار.

على هذا النحو، مانعت الزاوية مواقع التواصل، وبعد ممانعتها، وكما في حال كل ممانعة، مضت إليها، لا بالتكيف، والتأقلم، والتصارع، ولاحقا، التعدي، وقبله، التسوية، إنما، بهجائها، وفي الوقت ذاته، اللهاث خلف الانتفاع منها.

من هنا، أبدى محررو الزاوية أمرين على الاقل: امر الصحافة عندما غدت، وبوصفها المحتكرة لصناعة الرأي العام، وهماً. وأمر هذا الوهم عندما لا يريد أن يكون وهما في فضاء معد أساساً لتلاشيه.

عملانيا، الأمر الأول يعبر عنه المحرر الذي ينشر مقالته، لا بالتطرق الى موضوع متداول في مواقع التواصل فحسب، انما، وايضا، حين يرادف بين تطرقه هذا وجمعه لآراء مواطنيها، منتجا رأيه، أو “خلاصته”، من تطابقه معها، أو استنساخه لها. بالتالي، تصير مقالته مجموع “بوستات” عمد إلى “صفه” و”تحريره”، قبل أن ينشرها، وهذه من معجزات الصحافة وبدائعها، وإلى جانبه: مقالة من بوستات منشورة إلى جانب البوستات نفسها، وتنتظر من أصحابها ان يشاركونها لان بوستاتهم فيها. في النتيجة، المحرر لا يكتفي بجعلهم مؤلفي مقالته ذاتها، ولكن، يطلب منهم ان يكونوا قراءها، أو بالأحرى مشاهديها، ثم ناشريها، أو بالاحرى عارضيها ايضا.

بعبارة اخرى، دور المحرر أخذ الآراء من الذين أدلوا بها مسبقاً ثم ردها لهم كرأي، لا يكون عاما الا حين يكون ذائعا، ولذلك، يطلب منهم ان يشاركوه من خلال مشاركة مقالته: لكي تصير آرائكم، التي جعلتها رأياً، رأياً عاماً، عليكم أن تشاهدوها وتعرضوها. ولكن، من يشاهد ويعرض مقالة مؤلفة من بوسته على أساس أنها ليست كذلك؟ فعلياً، هناك من يشاهدها، ويعرضها، لكي يؤكد على بوسته، اي للقول “انظروا ثمة مقالة تدلي ببوستي، وهذا يعني ان بوستي ممتاز”، وهكذا، يعرضها على صفحته لكي يعود الرأي العام فيها رأيه الخاص، أو رأيه البروفايلي على وجه الدقة.

في هذه الجهة، يدرك المحرر ان كل اجرائه لا يؤدي سوى الى السدى، لأن الرأي العام، أو ما يعتقد انه كذلك، سرعان ما يعود آراءً، اي أن ما جمعه يعود ويفرط. عندها، وهذا هو الأمر الثاني، لا مناص له من التمسك بوهم الصحافة السابقة، بوهم انها لا تزال كما كانت، لا مناص له من تقييده، وهذا، في وقت تلاشيه. لكي يفعل ذلك، يلاحق مواطني المواقع من حيز إلى غيره، طالبا منهم، وملحا عليهم، أن يشاهدوا ويعرضوا مقالته، مقالة رأيه العام. ينشئ صفحة، يدعوهم اليها، ثم صفحة ثانية، ويدعوهم إليها مجددا، ثم صفحة ثالثة، ورابعة، وخامسة، مرة بما يدعى، ومرة بتنويع على ما يدعى، ومرة بتنويع على التنويع. ولكن، وفي كل المرات، لا يكاد يتمسك بالوهم حتى يتبدد، وعلى هذا المنوال، ينتقل من التمسك به الى تقييده. تقييده للوهم؟ اي رفضه انه وهم بتسليم نفسه له كخبر من الاخبار. فيصرخ المحرر: “انا خبر من الاخبار، شاهدوني، واعرضوني، لكي اتأكد بأن وهمي ليس وهما”. تقييد الوهم؟ السبيل الاقصر لكي يضرب الوهم طوقه على مقيده.

بعد ذلك، لا يمكن للصحافة اللبنانية، وفي وقت تقهقرها إلى ممانعتها للتواصل الاجتماعي، سوى أن تكون كاريكاتورية. أما، وعندما تصدر ممانعتها من زاويتها الثقافية، فتصير كاريكاتوريتها مجرد تشكيل لما يتركه الوهم في حين التمسك به وتقييده بعد زواله: السخافة.

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق