نظرة عامّة في تاريخ الأوركسترا السيمفونيّة وتقسيماتها

الأوركسترا و أقسامها

تعود الكلمة إلى اللّفظ اليونانيّ ( أورخسترا ) وهو مصطلح إغريقي كان يُطلق على الجزء الأماميّ من خشبة المسرح المخصّص للرّقص ضمن المسرحيات الدراميّة الإغريقيّة، ثمّ أصبح المصطلح يطلق على المكان المخصّص للفرقة الموسيقيّة المرافقة للمسرحيّة الدراميّة، وبعد ذلك ونتيجة لوجود العازفين بين الممثلين والجمهور تمّ إيجاد مكان خاصّ لهم في مكان منخفض عن المسرح لخلق الجوّ الموسيقيّ دون منع المشاهدين من متعة المشاهدة، مع وجود مكان أكثر ارتفاعاً مخصّص لقائد الأوركسترا (المايسترو) تتيح له رؤية كلّ العازفين. وتعني الأوركسترا مجموعة من الآلات الموسيقيّة التّي تنقسم إلى عائلات متجانسة في طبيعتها الصّوتيّة، لكنّها متطابقة في طبقاتها السّمعيّة.

وقد بدأ أوّل توزيع احترافيّ للأوركسترا ككيان مستقلّ ومنفصل عن العمل المسرحيّ على يد الموسيقيّ الإيطاليّ مونتفيردي (1567 – 1643) في القرن السّابع عشر، مع أوبراه ” أورفيوس “، ومن ثمّ تطوّر الأمر مع باخ (1685 – 1750) وهاندل (1685-1759)، ثمّ موزارت (1756-1791) وهايدن (1732-1809)، وقد كان عدد العازفين في تلك الفترة لا يزيد عن 40 عازف إلى أن جاء بيتهوفن (1770-1827) وأثر على تطوّر قالب الأوركسترا كماً ونوعاً، فأضاف آلات جديدة كالفلوت والتّرومبون والكونترباص، كما وسّع من عائلة الفيولن فازداد بالتّالي عدد العازفين ليصل إلى 60 عازف، كما أضاف الكورال الصّوتي بشكل استثنائي في سيمفونيته التّاسعة، وقد اتّبعه في ذلك العديد من الموسيقيين أمثال: مندلسون (1809-1847) –برامز (1833-1897) – ماهلر (1860-1911) –هولست (1874-1934) – شوينبرغ (1874 -1951.

وفي القرن التّاسع عشر بدأنا نرى فرق الأوركسترا الضّخمة الّتي تحوي أكثر من 120 عازف، وبعض العازفين أضافوا أعداد بشكل مبالغ فيه أحياناً كاستخدام ماهلر لألف عازف في سيمفونيته الثامنة (الألفيّة) وكذلك استخدام فرقة أكثر من 1200 مؤدّي و عازف في قداس بريليوز(1803-1869).

وفي الوقت الحالي يمكننا تصنيف فرق الأوركسترا تبعاً لعددها وفق أربعة أقسام:

  • الأوركسترا الصّغيرة (الحجرة) : يتراوق عدد عازفيها بين 25 – 35 عازف.
  • الأوركسترا المتوسّطة: يتراوح عدد عازفيها بين 40 – 55 عازف.
  • الأوركسترا الكبيرة: يتراوح عدد عازفيها بين 60 – 80 عازف.
  • الأوركسترا الفيلهارمونيّة الضّخمة: يتراوح عدد عازفيها بين 90 – 120 أو أكثر من العازفين.

ويطلق على النّموذجين الأخيرين اسم ” الأوركسترا السّيمفونيّة “، و كلمة ( سيمفونيّة – Symphony ) يونانيّة مؤلّفة من مقطعين ” Sym ” وتعني (في آن معاً)، و “Phony ” وتعني (صوت)، فيكون معنى الكلمة (مجموعة الأصوات التّي تسمع في آن معاً ) والأصوات هنا يُقصد بها مجموعة كبيرة من عائلات الآلات الموسيقيّة، وقد أطلق الإيطاليون اصطلاح سيمفوني في القرن السّابع عشر على الافتتاحيّة الموسيقيّة للدراما، كما استخدموه للدّلالة على المتتاليات الموسيقيّة، ومن ثمّ أتبع بكلمة الأوركسترا، ليصبح (الأوركسترا السّيمفونيّة – Symphony Orchestra) بمعناها الحالي.

ومن المكوّنات الرئيسيّة للأوركسترا السّيمفونيّة:

  1. المايسترو: قائد الأوركسترا وقد أفردنا له جزء من دراستنا.
  2. العازف الأوّل: غالباً ما يكون أبرع عازف على آلة الفيولن يجلس في مقدمة عازفي الفيولن على يسار المايسترو ويكون بمثابة المنسّق العام وصلة الوصل بين المايسترو وبقيّة العازفين. ومن مهمّاته كتابة الأقواس للوتريات، وتحضير الأوركسترا، وضبط دوزان الأوركسترا قبل دخول المايستو إلى الصّالة وبدء الحفلة.
  3. الآلات الموسيقيّة: وهي تصنف ضمن أربعة عائلات:

1- عائلة الكمان” الفيولن”:

هي العائلة الرئيسيّة في التّشكيل الأوركسترالي تشمل أكثر من نصف الفرقة وذلك لتحقيق التّوازن الصّوتي والهارموني، وقد ازدهرت صناعة الآلات الوترية مع بدايّة القرن السّادس عشر، برع فيها الإيطاليون أكثر من غيرهم لا سيّما صناعة مدينة بريشيا، ومدينة كريمونا. ومن المعروف أنّ الآلة الوتريّة ذات الصّندوق الصّوتي التّي تشملها هذه العائلة، يكون صوتها أكثر حدّة كلّما صغر حجمها، ويصبح أكثر غلظة كلّما كبر حجمها، لذلك كانت الآلة الأصغر التّي هي الفيولن” الكمان ” هي الأولى من حيث النّشأة، لكي توائم الأصوات الحادّة التّي كان المغنيون يؤدونها في أوروبا في القرون الوسطى. ومنذ منتصف القرن الخامس عشر بدأ الموسيقيون من المدرسة الفلمنكيّة يوسّعون المدى الصّوتي إلى أسفل “الجهير” لتظهر آلات كالتّشيلو والفيولا. وتشمل هذه العائلة أربعة آلات رئيسيّة:

  • الفيولن”الكمان الأوّل والثّاني”: فيولن كلمة إيطاليّة تعني تصغيرا لكلمة فيولا أي “الوتر” والفيولن هي أصغر آلات العائلة وأكثرها حدّة وإمكانيّة بالتّعبير العاطفيّ، وهي غالباً ما تضطلع بالخطوط اللحنيّة الأساسيّة ونادراً ما تستطيع آلة أخرى مضاهاتها في أداء الفوارق الدّقيقة بين الأنغام، لذلك نجدها تستهوي المؤلّفين والملحنين الموسيقيين، فنجد لهذه الآلة رصيد هائل من المؤلّفات الخالدة عبر التّاريخ فقلّما نجد مؤلفاً موسيقياً عظيماً لم يكتب أعمالاً لها. وقد أخذ الكمان أو الفيولن شكلّه النّهائي على يد أشهر عوائل صانعي الآلات في إيطاليا تحديداً كعائلة “آمانتي” وعائلة “ستراديفاري” وعائلة “كارنيري” وحصل ذلك في القرن السّابع عشر وبداية القرن الثّامن عشر، ومنذ ذلك الحين لم يطرأ أي تغيير مهمّ على شكلّها.

  • الفيولا: تكبر الفيولن قليلاً، تتّصف بأصوات أكثر غلاظة فتعطي صفات نغميّة أكثر عتمة وأكثر دفئاً، لكنّ صوتها أقلّ نقاوة من الفيولن ويتّصف بأني أنفي ذو خنة و غير غنائي. لذلك غالباً ما تؤدّي دور الأصوات الوسطى من التّآلفات الهارمونيّة في اللّحن ذلك أنّه عند مشاركتها للكمانات والفيولنسيلات فإنّ السّيادة الصّوتيّة تكون لصالح جرس الفيولن أو الفيولنسيل على حساب تماهي صوت الفيولا لمصلحة المجموعة، ونادراً ما يسند لها أدواراً منفردة باستثناء فقرات الألحان العاطفيّة الحزينة. ظهرت الآلة حوالي سنة 1535 في شمال إيطاليا، اهتمّ بها بشكل خاصّ هايدن (1809-1847) ومندلسون (1732-1809)، كما استخدمها شومان (1810-1856) بكثرة في ألحانه، كذلك برامز (1833-1897) ودفوراك (1841-1904).

في الصّورة نجد مقارنة الفيولا بالفيولن

  • الفيولينسيل” التّشيلو”: كلمة إيطاليّة تعني ” الباص الصّغير” يعتبر بمثابة الأب للعائلة الوتريّة نظراً لرزانته وعمق، أكبر حجماً من الفيولن والفيولا، تتّصف أصواتها العاليّة بالحدّة و النفوذيّة، أمّا أصواتها الخفيضة فتتّصف بالعمق والامتلاء، أمّا طبقتها المتوسطة فتتصف بالعاطفيّة والغنائيّة الفياضة تلائم الطّابع الحزين للّحن إذا عُزفت منفردة حيث توضع مستندةً على الأرض بين ركبتي العازف.ظهرت هذه الآلة في شكلّها الحديث في أوروبا سنة  1560في إيطاليا اشتهر في صناعتها الإيطالي “أندريا أماتي”، ومن أقدم الكونشرتات المؤلّفة لهذه الآلة نجد أعمال لفيفالدي (1678-1741) وتارتيني (1692-1770) في القرن السّابع عشر، ثمّ تطور الأمر مع توظيفها السّاحر في أعمال هاندل (1685-1759) وباخ (1685 – 1750)، ثمّ دفوراك الّذي وضع كونشيرتو رائع لهذه الآلة.

  • الكونترباص: هو الآلة الأضخم ضمن هذه العائلة صوته غليظ يوحي بالبطء ويصعب العزف عليه من الناحية التّقنيّة مقارنة ببقيّة أعضاء عائلة الكمان، لذلك من النّادر استعماله كآلة منفردة، بل تعتبر فقط آلة مساعدة يتكامل سمعياً مع بقيّة أفراد العائلة، لكنّه يشكّل الأعمدة الّتي يرتكز عليها البناء الهارموني للعمل الموسيقي كونه يوفّر الإسناد الصّوتي الواطئ. ظهر شكل هذه الآلة الحالي في أوروبا مع بدايات القرن السّابع عشر ودخلت إلى الأوركسترا في القرن الثّامن عشر.

تعتبر هذه العائلة أهمّ تشكيل في الأوركسترا ولا يمكن الاستغناء عن أيّ من آلاتها في أي عمل سيمفوني أو أوبرالي على عكس العائلات الأخرى.

وهناك آلات وتريّة هامّة دخلت الأوركسترا منفردة دون أن تنتمي لعائلة الكمان نذكر منها:

  • البيانو: أصبحت من أهمّ الآلات الموسيقيّة في يومنا، كبيرة الحجم وذات جماليّة مدهشة فيها أكثر من مائتي وتر مختلفة من حيث الغلاظة مصنوعة من الفولاذ، ومشدودة على إطار معدني متين، وهناك صنف منتظم من المطارق الخشبيّة ملفوفة باللباد وعندما يتمّ الضّغط على المفتاح الخارجيّ يضرب المطرق داخل الصّندوق على الوتر فيعطي صوتاً جميلاً، وتضمّ لوحة مفاتيحها الظّاهرة 88 كبسة بين اللّونين الأبيض والأسود. وفي أسفل البيانو دواستين يضغط العازف على إحداها برجليه ليغيّر أو يبدّل طبيعة الصّوت من الأقصر إلى الطول وبالعكس. ونظراً لمرونتها الفائقة فقد كُتب لها الكثير من الأعمال الموسيقيّة الخالدة لا سيّما قوالب الكوننشرتو والسّوناتا.

تطوّرت هذه الآلة عن آلة أقدم تدعى ” الكلّافسان” من عام 1703 عن طريق “غريمالدي”، ولم تكتمل في صورتها الأخيرة إلاّ في عام 1720 على يد شخص يدعة ” بارتوليميو كريستوفري” برعاية أسرة ميدتشي الإيطاليّة.

في الصّور على اليمين الكلّافسان وعلى اليسار البيانو.

                           

  • الهارب: آلة قديمة جداً ترجع إلى الحضارات الفرعونيّة والرافديّة واليونانيّة، وقد تطوّرت إلى شكلّها الحالي على يد صانع الآلات الفرنسي”سباستيان إيرارد” عام 1809 فزوّدها بالدوّاسات الميكانيكيّة السّبعة لتسهيل عمليّة النّقل والتّحويل السّلّمي، فمكّنت العازف من التّحويل على جميع السّلالم، ودخلت بعض المعزوفات في الأوركسترا لما تتمتّع فيه من سحر في الصّوت وعذوبة في التّعبير اللّحني، لكن يصعب العزف عليها في أداء الجمل الموسيقيّة السّريعة ذات التّغيرات وذلك نظراً للوقت الّذي يحتاجه العازف لتعديل النّغم بواسطة الدوّاسات.

2- عائلة آلات النفخ الخشبيّة: وهي آلات تصنع من أنواع خاصّة من الخشب وذات طبيعة صوتيّة خاصّة ترتبط بصوت النّفخ في الأنابيب الخشبيّة وتتنوع من الحدّة إلى الغلاظة وتشمل آلات:

  • الفلوت: تستخدم في الأوركسترا بشكل مزدوج “أوّل وثاني” وهي آلة تتفوّق في تقليد أصوات الطّبيعة والطّيور والعواصف. الفلوت آلة في غاية المرونة، تعطي أنغاماً غنيّة ونقيّة الصّوت. وتعتبر من أقدم الآلات النفخيّة كانت تصنع قديماً من العظام أو قصب الغاب أو الخشب، وحديثاً أصبحت تُصنع من خلائط معدنيّة، يعود شكلّها الحالي المتطور إلى سنة 1832 على يد صانع الآلات الأماني “تيوبالد بوم”. تستطيع آلة الفلوت أداء الألحان الصّعبة ممّا يمكنها من لعب الأدوار الرئيسيّة في المؤلفات الأوركستراليّة.

 الأبوا: آلة تصنع من خشب الأبنوس الصّلب، تتمتّع بصوت حزين باكٍ ولصوته له مسحة ريفيّة. وأوّل من استخدمها في الأوركسترا هو المؤلّف الموسيقي روبرت كامبير عام 1671، وتشكّل مع الفلوت من ناحية الطبقة الصّوتيّة مقابل للفيولن في عائلة الكمان. استخدم باخ هذه الآلة في مؤلّفاته لا سيّما الآلة الرديفة لها “كور انجليه”، ونادراً ما يكتب لهذه الآلة مقطوعات منفردة.

  • الكلارينيت: أكبر من الأبوا قليلاً تصنع أيضاً من الأبنوس القاسي، تقابل الفيولا في عائلة الوتريات، دخلت الأوركسترا حوالي عام 1780، تقوم بأداء الأصوات الوسطى من الخطوط اللّحنيّة وتعتبر من أكثر الآلات الهوائيّة مرونة من ناحيّة تقنيّة العزف لأنّ لها مدى صوتي واسع، وقد تؤدّي فقرات منفردة تتناسب مع إمكانياتها، مطاوعة للزّخارف اللّحنيّة، لذلك يلقب بفيولن الآلات الهوائيّة.

  

  • الباصون: كلمة فرنسيّة تعني الصّوت المنخفض الغليظ، تصنع من خشب الورد الكبير أو الإسفندان، تقابل التّشيلو في عائلة الوتريات، صوتها غني وعميق خاصّة في طبقاتها الواطئة، ويغلب على ألحانها الطّابع المرح فتلقب بمهرج الأوركسترا.

 يتمّ تشكيل الآلات الخشبيّة عددياً بشكل يتناسب مع توزيع عائلة الكمان لتحقيق التّوازن الصّوتي الدّاعم نظراً للتّباين اللّوني والصّوتي الواضح فيما بينها. وقد يشارك الآلات الخشبيّة الرئيسيّة مجموعة من آلات إضافيّة مساعدة حسب اختيار المؤلّف أو الموزع مثل (الفلوت الصّغير- الفلوت التّو – الباص فلوت- الكلّارينيت الصّغير- الباص كلّارينيت – الهورن الإنكلّيزي … )

3- عائلة آلات النّفخ النّحاسيّة: ترتبط بالطّبيعة العسكريّة نظراً لصوتها الحادّ والجهوريّ ويوجد لها فرق نحاسيّة خاصّة بها، لكنّها تشترك أيضاً في أداء المجموعة الأوركستراليّة ويعتمد عليها الكثير من الملحنين الكبارو تشمل:

  • فصيلة الهورن ” البوق- هورن تينور – هورن فرنسي “: يستخدم كثيراً في الفرق الكشفيّة والعسكريّة، وهي من الآلات متغيّرة النّغمة ذات قدرة تعبيريّة عاليّة، استعمله الموسيقي الفرنسي جان باتست لولي (1632-1687) كثيرا في أعماله الأوركستراليّة، يتّصف صوته بطبيعة عذبة مخمليّة وهو أكثر آلات العائلة النحاسيّة تعبيراً حيث تقل فيه صفة النفوذيّة الحادة الّتي تتّصف فيها الآلات النحاسيّة الأخرى، فيكون أكثر اندماجاً مع الآلات من العائلات الأخرى.

   

  • فصيلة التّرومبيت” ترومبيت سي بيمول – ترومبيت دو – ترومبيت لا”: ذات صوت حادّ ونفّاذ يعطي تنوّعا غنيّا في النّغمات امتداد أنابيب من صمامات مستقيمة هو ما يميّز هذه الآلة عن غيرها من عائلة الآلات النحاسيّة ويجعلها مطواعة من ناحيّة تقنيّة العزف ما يعطيها صوتاً لحنياً يشبه الجرس. يعود الفضل للموسيقيّ الإيطاليّ مونتفيردي (1567-1643) في إدخال هذه الآلة إلى الأوركسترا في أوبرا”أويني” سنة 1607. وقد حُسنت الآلة لتصبح ميكانيكيّة على يد صانعي الآلات الألمانيين” الأخوان أنتون وإيفانس كيرنيد” في بداية القرن التّاسع عشر فظهرت في شكلّها الحاليّ في الأوركسترا منذ عام 1831.

  • فصيلة التّرومبون: ” ترومبيت التو- ترومبون تينور – ترومبون باص “: يستخدم أيضاً في الفرق الكشفيّة والعسكريّة كما في الأوركسترا، تعرّفت أوروبا على هذه الآلة في القرن الخامس عشر، وقد طوّرت عن آلة قديمة تدعى” السّاكبوت” وأخذت شكلّها الحالي في القرن السّابع عشر، ودخلت الأوركسترا في نهايّة القرن الثّامن عشر مع الموسيقي الفرنسي لوللي، ثمّ باخ وهاندل، كثيراً ما استخدم هذه الآلة موزارت في أعماله، ونسمعه بوضوح في سيمفونيّة بيتهوفن الخامسة، يتّصف صوته بالشّدة والقوّة، ما يوحي بالجلال والتّفخيم والمهابة.

  

  • فصيلة التّوبا ” الكونترباص توبا- توبا باريتون”: وهي آلة تعطي العلامات المنخفضة من السّلّم الموسيقيّ، تمتلك الصّوت الأوطأ بين كلّ النحاسيات وتعتبر من أغلظ آلات النّفخ النحاسيّة، هي أكبر آلات العائلة النحاسيّة حجماً، اخترعها الألماني”يوهان مورتيس” سنة 1835، تقوم مقام الكونترباص في العائلة الوتريّة “الكمان” فتستخدم بالإضافة لفرق الأوركسترا في موسيقى البوب ومن النّادر أن تستخدم كآلة مفردة في العزف. استخدمها فاجنر (1813-1883) بكثرة في الأوركسترا.

  

وكما هو الحال مع مجموعة الآلات الخشبيّة، يتمّ توزيع الآلات النحاسيّة بشكلّ يتناسب مع مجموعة الكمان لتحقيق التّوازن الصّوتي، وأحيانا ما يزيد دورها في الدّعم العام للعمل السّيمفوني كما نلاحظه بشكل واضح في أعمال سترافنسكي (1882-1971) و شوستاكوفيتش (1906-1975).

4- عائلة الإيقاع: و هي من أكثر آلات الأوركسترا السّيمفونيّة تنوّعاً وتشمل:

  • فصيلة الآلات الإيقاعيّة ذات الرق (Membranophones): كالطّبل والدّف والصّنوج والمثلث، وأهمّ آلة تستخدم في الأوركسترا هي:
  • التّمباني” وهو لفظ إيطالي يطلق على طبول ” اثنين غالباً” ذات صندوق مصوت كبير تصنع من النّحاس أو أي معدن خفيف ويوضع فوقها جلد من نوع خاصّ غالباً من الأسماك، أو جلد من النايلون. تتميّز بإمكانيّة تغيير طبقتها الصّوتيّة لكي تتواءم مع طبقة السّلّم الّذي تبنى عليه المقطوعة الموسيقيّة عن طريق إرخاء أو شدّ البراغي التّي تمسك الجلد بالقاعدة النحاسيّة، لذلك لا غنى عنها في ضبط الإيقاع اللّحني في الأوركسترا.

  • الطّبل باص Bass drum : طبل كبير ذو طبقة صوت واطئة غير محدّدة، يصدر الصّوت بضرب الجلد المشدود بعصا كبيرة لينة الطرف، آلة قديمة معروفة منذ حوالي 7000 عام، يقتصر مهمته على تدوين الإيقاع المطلوب.

  • فصيلة الآلات الإيقاعيّة المصوّتة بذاتها (Idiophones) : مثل آلة الزايلوفون”الاكسيلوفون” وتعني (صوت الخشب) وهي من آلات الطرق تتكون من مجموعة قضبان معدنيّة أو خشبيّة توضع على حامل وترتب مدرجة بطرق عليها بمطرقتين فيسمع منها نغمات مختلفة لها رنين. استخدمها في الأوركسترا لأوّل مرّة الموسيقي الفرنسي سانت ساينز.

 ووظيفة هذه العائلة إجمالاً هو تنظيم الإيقاع الهارموني وتقويته، وقد تمّ استخدام هذا النّوع من الإيقاع بشكل مميّز وواضح في أعمال بريليوز (القداس) وبارتوك (كونشيرتو الأوركسترا).

إنّ تناغم الفرقة الأوركستراليّة يكون بالتّوازن الّذي يحكمه ضبط إيقاعها على التّردد الصّوتي الصّحيح. وغالباً ما يوحّد جميع العازفين أصوات آلاتهم استناداً لنغمة معيّنة من عازف البوا، أو عازف الكمان الأوّل “الرئيسي” ويتمّ ذلك على نغمة ترددها 440 ذبذبة في الثانية، حيث تمّ الاتّفاق على هذه النّغمة وترددها (تسمى نغمة لا) في مؤتمر دولي عام 1939. لكنّ هذا لا يعني بالطّبع أنّ كلّ الفرق الأوركستراليّة تلتزم بهذا التّردد بالضرورة، فمثلاً تستعمل فرقة نيويورك الفلهارمونيّة وفرقة بوسطن السّيمفونيّة تردد 442، وفرقة برلين الفلهارمونيّة تردد 443، وكثير من الفرق السّيمفونيّة تدوزن تقديم الموسيقى الكلّاسيكيّة لا سيّما موسيقى (موزارت – هايدن) على تردد 432، أمّا موسيقى العصر الباروكي فيستخدم بعضها التّردد الّذي كان سائداً في ذلك العصر و يبلغ 415 ذبذبة في الثانية.

والحقيقة أنّ لذلك التّوافق النّغمي الصّوتي أهميّة كبيرة لكي لا يحصل أخطاء في الأداء عندما يحيد الصّوت عن الطبقة المحدّدة، حيث يحدث عنها ما ندهوه ” نشازاً “، فمثلاُ: لو كانت لدينا نغمتان ترددهما 440 ذبذبة بالثانية، ستكونان في نفس الطّبقة، أي سيكونان في تجانس لحني، لكن لو عزفت إحداهما بنشاز ولو كان ضئيل كأن تؤدي بتردد 435، سيعني ذلك أن موجات النغمة الأولى أقصر من موجات النّغمة الثانية فيحصل تداخل في الموجات ما يؤدّي إلى الشّعور بضربات أو نغمات شاذة موعجة، فارقها 5 اهتزازات بالثانيّة هي فارق التّردد بين النغمتين.

المايسترو

يسمّى قائد الأوركسترا بـ(المايسترو) وهي كلمة إيطاليّة تعني الأستاذ وهو اختصاص مهمّ جدّاً في العمل الأوركستراليّ، توكلّ إليه مهمّة توجيه الموسيقيين وتوزيع أدوار العزف ليخرج العمل الموسيقي بشكلّه الجيد وبأمانة كما وضعه المؤلف. فيكون دوره بمثابة المخرج العام للفيلم السّينمائي يقوم بتوزيع الآلات وإعطاء العمل طابعه اللّحني المميّز، كما يقوم بشرح وتفسير مضمون المدونة الأوركستراليّة (البارتيتورا) للعازفين بما يضمن نقل قصد المؤلّف وغاياته. لذلك يحتاج إلى الخبرة والموهبة. ولكلّ حركة من حركاته التّي نلاحظها أثناء رؤيتنا لتأديّة فرقة موسيقيّة لها أهميّتها ومدلولها الخاصّ بالنسبة للعازفين. فالقيادة النّاجحة هي توحيد الفكر والحسّ بيم المايسترو والعازفين من خلال الإشارة ووحدة العمل عن طريق الألحان. القيادة هي الأداء الموحد الّذي يعيد خلق عمل المؤلف ويحييه من جديد وبشكل متجدّد. والواقع أنّه لم يكن في البداية هناك حاجة للمايسترو عندما كانت الفرق الموسيقيّة صغيرة تجتمع لأداء بعض المقطوعات الموسيقيّة، فقد كان أحد العازفين يتكفل بأداء هذا الدور”نسمّيه الآن العازف الأوّل” معتمداً على قوس التّه أو حركة رأسه، إلا أنه مع ظهور الفرق الكبيرة بدأ الموسيقيون يحتاجون إلى قائد متفرغ للقيام بهذه المهام.

وتعود فكرة وجود قائد الأوركسترا إلى القرن الخامس عشر في إيطاليا وألمانيا حيث كان القائد يستخدم حركات الأيدي كوسيلة للتّعبير عن شكل الألحان، أو يحمل لفافة من الورق أو قطعة خشب للتّأشير بها، أمّا في فرنسا فكان القائد يستخدم العصا الغليظة ليعمد لضرب الأرض بها لتعزيز النّبض الإيقاعيّ، ومن الطّرائف المؤلمة أنّ الموسيقي الفرنسي الشهير ” جان باتيست لوللي ( 1632 – 1687 )  كان قد هرس إصبع قدمه بهذه العصا عن طريق الخطأ أثناء قيادته للأوركسترا، الأمر الّذي أدّى لإصابتها بالتّهاب وأصيب بالكزاز وأدّى ذلك لوفاته فيما بعد. ومن المعروف أنّ الموسيقي الألماني ماندلسون كان أوّل قائد أوركسترا استخدم عصا خشبيّة دقيقة للحفاظ على الايقاع وهو التّقليد المتّبع حتّى أيّامنا هذه. وغالباً ما كان المايسترو يشارك الفرقة بالعزف على إحدى الآلات الموسيقيّة، ولكن في بداية القرن التّاسع عشر أصبح عرفاً أن يختص شخص بقيادة الأوركسترا دون أن يقوم بالعزف.

ويمكن تلخيص مهام المايسترو بتحديد الإيقاع، وإعطاء الإشارة إلى العازفين بحلول دورهم، والسّيطرة على الصّوت الصّادر عن المجموعة، إضافة إلى دراسته الدّقيقة لعناصر التّعبير الموسيقي للمقطوعة المطلوب أدائها مثل السّرعة وتغيراتها والتّباين الصّوتي وتقنيات العزف والتّوزيع الموسيقي… وإيصال ذلك إلى العازفين. وجدير بالذّكر أن بعض قادة الأوركسترا قد يقوموا بإجراء بعض التّعديلات بالإضافة أو الحذف أو التّجميل لبعض الأعمال الموسيقيّة، كما كان يفعل مثلاً جوستاف ماهلر عند قيادته لعزف أعمال غيره من الموسيقيين، لذلك نقول أنّ لكلّ مايسترو أسلوبه وطريقته الخاصّة به، تماماً كالفيلم الواحد الّذي يقوم بإخراجه مخرجان، أو ذات القصيدة الّتي يلقيها شاعران.

يقول الموسيقي النّمساوي هندميث: الموسيقى مهما كان الصّوت والبناء اللّذان يفترضانها، تبقى محض ضوضاء لا معنى لها، ما لم تمس العقل”. التّدوين الموسيقي الّذي تؤديه الأوركسترا بقيادة مايسترو هم العقل للموسيقى.

****

المراجع:

  • يوسف السّيسي: دعوة إلى الموسيقي، عالم المعرفة الكويتيّة، عدد 46، 1981.
  • أوتو كاروبي: مدخل إلى الموسيقى، ترجمة: ثائر صالح، دار نون، رأس الخيمة، الإمارات العربيّة المتحدة، عمان، الأردن، ط1، 2015.
  • علي الشوك: أسرار الموسيقى، دار مدى، دمشق، ط1، 2003.
  • إدريس مراد: من عالم الموسيقى، الأوركسترا، الهيئة السّوريّة للكتاب، دمشق، 2003.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق