الباحثة المغربية أسماء المرابط: لا يوجد آيات تمييزية ضد المرأة /حاورها حميد زناز

1-كيف ولماذا جاء اهتمامك بإشكالية المرأة والإسلام؟
جاء اهتمامي بهذه الإشكالية من خلال واقعي وحياتي الشخصية؛ حيث أنني عشت في سن المراهقة ما عاشته ولا تزال تعيشه العديد من النساء في العالم العربي؛ وهو نوع من الازدواجية في الفكر والثقافة، التي تدفعنا إلى خيارين اثنين لا ثالث لهما، إما القبول والصبر على التقاليد الذكورية أو الانسياق مع إغراء “التحرر” في ظل الحداثة، وبلغة أخرى ترى المرأة نفسها في مجتمعاتنا مضطرة لأن تنتقي بين الخضوع للأعراف الاجتماعية باسم الدين أو الخضوع للحداثة المبهمة… ولا وجود لخيار آخر أمامها… وفي كلا الحالتين يبقى في آخر المطاف مفهوم “الخضوع” هو المطلوب بالنسبة للمرأة… وما زال هذا النوع من الاختيار صعبا، حيث يجعلنا مضطرين للتخلي إما عن هويتنا وديننا أو عن الحرية واستقلالية الذات. ولم أكن شخصيا مستعدة لا للتخلي عن ديني ولا للتخلي عن حريتي، وكنت لا أستوعب و لا أفهم لماذا علينا أن نختار ما بينهما؟؟ ولماذا هناك أصلا تناقض بينهما؟ ولكن لم يكن لدي في ذلك الوقت حجج ولم تكن لي إمكانية التعبير عن تلك القناعات… وكانت الإجابة التي وجدتها عند طرح هذه الأسئلة المحرجة في الخطاب الديني أو الحداثي غير مقنعة… ولذلك قررت منذ 20 عام تقريبا، البحث بنفسي في هذا الموضوع لكي أتمكن من فهم وإدراك ما يقوله حقا الوحي والنصوص الدينية وما تم تأويله من منظور بشري وما يقوله الفكر الحداثي أيضا، وهل هنالك حقا تعارض ما بين الدين و الحداثة؟

2- هل تعتبرين نفسك “نسوية” ؟ لماذا؟

لا يمكننا الإجابة عن هذا السؤال بدون توضيح مفهوم “النسوية”، لأنه مفهوم “ملغوم” وسلبي في غالب الأحيان، و التبس فهمه عند معظم الناس. وبصراحة لا أرتاح شخصيا لمصطلح “النسوية”، وأُفضل مصطلح “نسائي”، كبديل وكمفهوم يرمز إلى حركة نسائية تناضل من أجل الدفاع عن حقوقها، وتؤمن بالمبادئ الكونية الإنسانية كالمساواة في الحقوق والعدل، ورفض التميز، والكرامة الإنسانية للمرأة. فهذه إذن أسس كونية تتقاسمها جميع الحركات النسائية في العالم، وعبر التاريخ، وأنا شخصيا أؤمن بها، ولكن لا أؤمن بنموذج “نسائي” موحد أو كوني. فلكل سياق نموذجه ومنهجه الخاص، فبصفتي امرأة مغربية ومسلمة لدي سياقي الخاص، وإيماني بالمبادئ الكونية يكون نابعا من مرجعيتي الثقافية والتاريخية الخاصة، فهي إذن قناعة نسائية بمبادئ كونية ضمن نموذج ثقافي نسائي مرتبط بمرجعيتي الثقافية والدينية التي لها خصوصيتها.

3- تقولين بأن النص القرآني ليس نصا تمييزيا؟ ألا توجد في المتن آيات تمييزية صريحة؟

هنالك آيات تبدو وكأنها تميزية مثل الشهادة، التعدد، الميراث، أو الدرجة، وهذا إذا تمت قراءتها قراءة حرفية، أو تم تأويلها خارج السياق التاريخي، وبدون مراعاة للمقاصد الكبرى للوحي. وهذا بالضبط هو ما فعلته التأويلات والتفاسير الذكورية التقليدية التي نزعت بعض المفاهيم من سياقها ومن المنظور الشمولي لرسالة الوحي، وأولتها ضمن الإطار المعرفي لذلك الزمان، وحسب البيئة الثقافية والعرف السائد للمفسرين، وليس هنا مجال لشرح كل هذه الآيات، ولكن الإشكالية لا تكمن أبدا في النصوص بذاتها، ولكن في كيفية مقاربة تلك النصوص، فإذا قمنا بقراءة تلك الآيات حسب المقاربة السياقية والمقاصدية، سنرى بالعكس، أن أغلب تلك الآيات كانت تأخذ بعين الاعتبار مصلحة المرأة وكان مقصدها العدل والإنصاف وتحسين وضعيتها في ذلك الوقت.

4- في رأيك ، ما هو سبب عدم إنصاف المرأة في التفاسير السابقة؟

في اعتقادي، يرجع ذلك أولا إلى البيئة الثقافية العامة السائدة آنذاك، والتي في أغلب الأحيان، كانت أبوية، أي تخضع إلى تلك النظرة الدونية للمرأة، والتي نجدها في جميع الديانات والثقافات، وأساسها هو علاقة الهيمنة الذكورية الأزلية، وثانيا، نرى أن الرسالة الروحية التحررية للإسلام قد تم اختطافها تدريجيا بعد موت النبي (صلى الله عليه وسلم) من لدن الفقه السياسي، حيث تم تدريجيا تغييب مفهوم العدل القرآني كمفهوم كوني يلزم تحقيقه، وتم استبداله بمفهوم الطاعة العمياء للحاكم في الفضاء العام، ومن هنا وقع انزلاق مفهوم الطاعة من الفضاء السياسي العام إلى الفضاء الخاص الأسري، وأصبحت طاعة الزوجة من أركان الإسلام والإيمان، ومن ثم غرست منابع الاستبداد الأسري، لكي تنمي وتحمي الاستبداد السياسي عبر التربية والبيئية الاسرية…

5- الإسلام و المرأة / الطريق الثالث، عنوان أحد مؤلفاتك، هلا تفضلت بشرح هذا الطريق الثالث للقراء العرب؟
الطريق الثالث هو منهج الوسطية والعدل، بين المقاربة “التقليدية”، التي تركن إلى التقليد الأعمى لسلف، دون مراعاة تطور الفكر الإنساني، وترفض أي تجديد، وبين المقاربة التي ترى في الحداثة المنفذ الوحيد لأزمتنا، وتريد إقصاء المرجعية الدينية، معتبرة إياها أساس مشكلتنا وتأخرنا الحضاري… الطريق الثالث هو طريق الرؤية الإصلاحية لتراثنا، التي تأخذ بعين الاعتبار لب الرسالة القرآنية وبُعدها الكوني والإنساني، و الذي يعتبر إقامة العدل من أهم المبادئ الإسلامية، وأهم مقصد جاء به الوحي. الطريق الثالث هو محاولة الملاءمة – و ليس الخضوع – بين تراثنا والمعرفة الإنسانية المعاصرة وكل ما قدمه الفكر العالمي للإنسان. فالمساواة في الحقوق بين النساء والرجال أصبحت اليوم من أسس منظومة حقوق الإنسان، ولا نرى أي تعارض بين المساواة في الحقوق والكرامة ومبادئ الإسلام، طبعا هنا مفهوم المساواة يعني المساواة والعدل في الحقوق والواجبات في نطاق الفطرة التي فطر الله عليها كل من المرأة والرجل في الخلق.

6- هل يمكن تحقيق مساواة حقيقية بين المسلمة والمسلم في إطار الدين الاسلامي؟
يعطينا الدين الإسلامي إطارا ومنهجا للحياة العادلة والمنصفة والرافضة لأي ظلم أو تمييز ضد أي إنسان كيفما كان امرأة أو رجلا. مقياس الأفضلية ليس الذكورة أو المال أو الأصل أو الجاه، بل التقوى والعلم والعمل الصالح. و لهذا فتحقيق المساواة ممكن في ظل الرؤية الإسلامية، والإشكالية لا تكمن في النص، بل في تنزيل هذه المساواة على أرض الواقع، وتجاوز الفكر الذكوري المهيمن الذي اتخذ الدين كذريعة لفرض سلطته على المرأة وعلى كل المستضعفين في الأرض.

7- هل تعاني المرأة في بلداننا من الذكورية أم من التراث الديني؟ لماذا تعطلت المساواة طيلة كل هذه القرون؟
تعاني المرأة من النظرة الذكورية المتجذرة في الأعراف والذهنيات، والتي تأثر بها مفسرون وفقهاء التراث الديني. وبالتالي تعطلت المساواة بسبب تعطل الإصلاح السياسي والديني والثقافي في مجتمعاتنا. فليست الإشكالية إشكالية مساواة بين الرجل والمرأة لوحدها، لأن المعضلة أكبر وأعقد، فهي متشابكة… وهي قبل كل شيء أزمة مجتمع برمته وفي جميع المجالات. وهي نتاج تراكم للتراجع الحضاري، والفكري، والعلمي، وتعطيل المساواة هو حصيلة لكل هذه الأزمات التي لازلنا نتخبط فيها في عالمنا العربي…

8-كيف تردين على الذين يقولون بأن التفسيرات و التأويلات الجديدة للإسلام ليس هي الإسلام وإنما هي دين جديد؟

كان دائما هناك عبر تاريخ الإسلام تيار تقليدي محافظ، مسمى بأهل الأثر في مقابل أهل الرأي، يحارب أهل الرأي، ويمثل الأغلبية، لأنه كان ولا يزال دائما خاضعا للمصالح السياسية وقوة السلطة والنفوذ والامتيازات، يخاف من التجديد لأنه يهدد مصالحه، أما التأويلات الجديدة فهي ليست بمثابة دين جديد، بل هي تجديد لفهم الدين، بهدف البحث في إمكانية تفعيله مع مقتضيات المجتمع المتغير، ولكي يبقى صالحا لكل زمان و مكان… وهذا مبدأ نابع من قلب الدين الاسلامي…

جريدة العرب

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق