ابن رشد الجَدّ في زمن الدولة المرابطيّة أو الفقيه مرآة المالكيّة الأندلسيّة

 

شكل تاريخ الإسلام في الأندلس (711-1492) حقبة بارزة في الحضارة الإسلامية، نتيجة ثراء المكوِّن الاجتماعي والثقافي والديني وتفاعلاته، على الرغم من التوترات السياسية وأحياناً الدينية التي عرفتها الجماعات.

نُشرت كتب ومؤلفات كثيرة حول الحضور الإسلامي الأندلسي، وغطت جوانب مختلفة، وإن غلب عليها أحياناً الطابع التأريخي؛ ومن بين الإصدارات اللافتة “الإفتاء بين سياج المذهب وإكراهات التاريخ: دراسة في فتاوى ابن رشد الجَدّ” (تقديم: عبدالمجيد الشرفي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2014) للأكاديمية والباحثة التونسية زهية جويرو، درست فيه الفتاوى الرشدية، وحلَّلت أطرها وسياقاتها الاجتماعية والثقافية؛ وهذا حقل معرفي قلة من الكتّاب والكاتبات يعطونه الأهمية المطلوبة. 

جاء الكتاب في ثلاثة أقسام رئيسة: الأول: الإفتاء والمذهب الفقهي ومسار المأسسة. والثاني: الإفتاء وسياج المذهب الفقهي: الآليات، المراجع، الدلالات. والثالث: إكراهات التاريخ: المجتمع والدين والثقافة. قدمت جويرو في مادتها التي هي في الأصل أطروحة دكتوراه أشرف عليها المؤرخ التونسي عبدالمجيد الشرفي، ونوقشت في حزيران (يونيو) 2003، عملاً رصيناً بذلت فيه جهداً ملحوظاً على مستويين: دراسة فتاوى ابن رشد الجَدّ في زمن الدولة المرابطية بالأندلس، وقراءة الفتاوى بأبعادها المختلفة الكاشفة عن طبيعة المجتمع.

أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (450 – 520 هـ = 1058 – 1126 م)، هو قاضي الجماعة بقرطبة، ومن أعيان المالكية. وهو جد ابن رشد الفيلسوف (محمد بن أحمد) ولد في قرطبة، وبها نشأ وتعلم على يد أعلام علماء الأندلس: كفقيه قرطبة أبي جعفر بن رزق، والفقيه الحافظ أبي عبد الله محمد بن خيرة الأموي المعروف بابن أبي العافية، والمحدث المسند أبي العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري الدلائي، ورئيس المحدثين بها أبي على حسين بن محمد الغساني الجياني. وغيرهم من كبار الشيوخ. وأخذ عنه عدد لا يحصى من طلبة الأندلس والمغرب، من أشهرهم: قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن أصبغ الأزدي، وجامع نوازل ابن رشد الفقيه أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن الوزان، والحافظ المفسر أبو الحسن علي بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن النعمة، والمؤرخ خلف بن عبد الملك ابن بشكوال صاحب الصلة. من مؤلفاته: البيان والتحصيل، المقدمات، نوازل ابن رشد، في مجلد ضخم، جمعها تلميذه أبو الحسن ابن الوزان (وتسمى أيضاً الفتاوى، والأجوبة، وحجب المواريث، وغيرها من المؤلفات.[i]

تعالج صاحبة “الإسلام الشعبي” (2007) الفرضية التالية: منظومة الإفتاء، وإن حرص الفقهاء وعلماء أصول الفقه على إظهارها بمظهر المنظومة المتعالية الإلهية المصدر، فإنها كانت من حيث مضمونها الإجرائي ومن حيث آليات تشكلها واشتغالها نتاج تفاعل العقل البشري مع نصوص الوحي حيناً، ومع الواقع وظروفه ومستجداته ومع ما اكتسبه المسلمون على مرّ تاريخهم من خبرات في مجال التنظيم في غالب الأحيان.

“أدب النوازل” في العصر المرابطي

يندرج اختيار المؤلفة لــ “فتاوى ابن رشد الجَدّ[ii] استناداً إلى معايير عدة حددتها في المقدمة أبرزها: المكانة التي احتلها في تاريخ المالكية عموماً والمالكية الأندلسية خصوصاً. وانتساب هذا الأثر إلى نمط من التأليف الفقهي اختص بغايات نفعية، فهو أسئلة موضوعها نوازل حصلت فعلاً، منها ما كان معروضاً على القضاء، وأجوبة عيّن فيها الفقيه أحكاماً عملية هدفها حلّ المشاكل وفكّ النزاعات الواقعية والمحددة في الزمان والمكان. وأخيراً، عُدّ هذا النمط من التأليف الفقهي أكثر أنماط التأليف الفقهي انتشاراً في الغرب الإسلامي عموماً وفي الأندلس خصوصاً وهو: “أدب النوازل”.

تطرقت جويرو إلى محددات الإفتاء مفهوماً ومؤسسة في الأندلس خلال الحقبة المرابطية، سعياً إلى الكشف عن دورها في ما أفتى به الفقيه من أحكام. أبرزت الأسباب التي مكّنت لمذهب الإمام مالك في الأندلس حيث أدرجتها في سببين: أسباب خارجة عن نطاق المذهب ذاته تتصل بعوامل مختلفة منها السياسي ومنها الاجتماعي والثقافي _ الفكري. وأسباب متصلة بالمذهب ذاته، بطبيعته ومكوِّناته وبالوظائف التي أدّاها أو كان يُراد منه أن يؤدّيها.

عملت الباحثة على تبيان المنهج المعتمد في كتابي ابن رشد الجَدّ “البيان والتحصيل” و “المقدمات”. استند المؤلَّف الأول على ثلاث أدوات منهجية: بناء الأحكام على المسائل؛ الاعتماد المكثف على النقول والرّوايات؛ كثرة التفريع. بينما قام المنهج في المؤلَّف الثاني على: شرح معاني الألفاظ التي تمثل عناوين الأبواب الفقهية؛ بناء الأبواب على مقدمات من الاعتقادات في أصول الديانات؛ بيان الأصول الفقهية التي تُبنى عليها الأحكام؛ تحصيل مختلف الأقوال؛ تقسيم المسائل وتفريعها.

لا ينحصر اهتمام جويرو في دراسة منهج ابن رشد الجَدّ، إذ تحيطنا بالتحولات السياسية التي عاصرها في الأندلس انطلاقاً من طبيعة الدور الذي لعبه الفقهاء إبان العصر المرابطي. شكلت ثورة عامّة قرطبة سنة 515 هـــــ وعبور ابن رشد الجَدّ إلى مراكش سنة 520 هــــ أبرز حدثين سياسيين في حياة فقيهنا. هنا تعرض الباحثة للدوافع التاريخية والسياسية التي أنتجتهما، وتخلص إلى أن مواقف ابن رشد الجَدّ التي عبر عنها من خلال فتاويه تبرهن على كونه كان شاهداً وطرفاً فاعلاً في الأحداث ضمن مستويين: ثقافي وسياسي.

التقليد والاجتهاد في الفتاوى الرشدية

درست جويرو حدود التقليد والاجتهاد في فتاوى ابن رشد وبيَّنت “أن هذين المفهومين كما تحددا نظرياً في إطار الموروث الأصولي وعملياً في سياق الموروث الفقهي _ النوازلي لا يعبّران عن حقيقة العملية التي تمّ وفقها التشريع للمجتمع وضبط الأحكام المنظمة له” لذلك بحثت ” عن دوالّ جديدة تكفل وصفاً موضوعياً لتلك العملية” فوجدت ” أن طبيعة ما أفتى به الفقيه من أحكام تحددت طبقاً لموقعها من المرجعية المذهبية التي كان يُفتي في نطاقها. فهي إما متماثلة تماثلاً تاماً مع مرجعيتها تلك، عندما تقيد الفقيه تقيداً حرفياً بما استقر في نطاقها من أحكام وبما ضبطته من أصول ومن قواعد في الاستدلال فكان منطق المماثلة هو المتحكّم في أكبر نسبة مما أفتى به، وإما مختلفة عنها جزئياً عندما خالف الفقيه مذهبه في الحكم أو في علّته أو في أسلوب الاستدلال عليه أو في الأصل المعتمد في تعيينه، أو هي قائمة على القطع مع تلك المرجعية قطعاً كاملاً فلم يلتزم الفقيه بالحكم المستقر في نطاقها ولا بأسلوبها في الاستدلال، فكان منطق المباينة متحكماً في عدد _ محدود طبعاً _ مما أفتى به من أحكام، ومبرراً لما وصف به من اجتهاد”.

تبحث جويرو في مصادر الأحكام في فتاوى ابن رشد. وقد أدرجتها في ثلاث مجموعات: الأولى: المصادر النصية المتعالية (القرآن الكريم والسُنّة). الثانية: الأصول الاجتهادية (الإجماع والقياس). الثالثة: الأصول التاريخية: أي المصادر المرتبطة تاريخياً بأوضاع المجتمع. تتخذ نماذج تطبيقية من فتاوى الفقيه الأندلسي وتجري مقارنة في ما بينها على أسس آليات الاستدلال، وتضع الجداول بناءً على المسائل المطروحة، وتحلل بعض الفتاوى مثل: المسألة التي تتعلق بحكم الغسل والوضوء بمياه آبار الصحارى، ومسألة تتعلق بالحكم في تلثيم المرابطين، ومسائل الأنكحة. وتخرج بخلاصات هامة وفقاً لتحليل فتاوى ابن رشد ومنهجها ومصادرها فوضعتها ضمن خاصيات ثلاث:

  • الحرص على تحقيق التواصل بين ما أفتى به من أحكام استدل عليها بالإجماع أو القياس، والأصول النصية لهذه الأحكام، وذلك من طريق التذكير بالدليل الذي انعقد عليه الإجماع أو بالأصول التي قاس عليها النوازل المعروضة عليه وبأن تلك الأصول منصوص على أحكامها في المصادر النقلية.
  • الخاصية الثانية تطبع الاستدلال بالإجماع وبالقياس معاً. إذ يسوق الفقيه أحكاماً تبدو في نظره بديهية، ما دام مصدرها إما الإجماع أو القياس وما دامت تستمد منها مشروعيتها.
  • الخاصية الثالثة المشتركة بين الاستدلال بالإجماع والاستدلال بالقياس فهي أنهما معاً “استدلال مذهبي”. ومعنى ذلك أن المذهب هو المحدد الحقيقي للأحكام سواء كانت الأحكام المجمع عليها أو من الأحكام المستخلصة بواسطة القياس.

فتاوى المجتمع وفتوى “تغريب النصارى”

يبدو الباب الثالث من الكتاب الذي جاء في فصلين الأكثر حيوية، كونه يبرز التاريخ الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للأندلس في فترة الحكم المرابطي والفترة السابقة له أي عصر الطوائف، وذلك عبر قراءة تحليلية أجرتها المؤلفة لفتاوى ابن رشد الكاشفة عن خصائص “الإسلام الأندلسي” وتمثلاته الدينامية. تعتبر الفتاوى باباً معرفياً ومصدراً غنياً لأنماط الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية والدينية في التارخ الإسلامي، قلّما يدرك الباحثون المتخصصون في الأنثروبولوجيا الدينية وعلم الاجتماع الديني أهميته.

ترصد الباحثة طبيعة النظام الاجتماعي في الأندلس من خلال الدراسات الحديثة، فتناقشها وتعلق عليها. أبرزت هذه الدراسات أنماطاً ثلاثة مختلفة ومتداخلة من النظم الاجتماعية الأندلسية: النظام القبلي والتنظيم الإقطاعي والمجتمع الحضري. وقد اختلفت تبعاً للمصادر التاريخية التي اعتمد عليها واضعوها من أمثال: المؤرخان الفرنسيان: بيار غيشار (Pierre Guichard) (1939) وغابريال مارتينيز (Gabriel Martinez) (1950) والمؤرخ الإسباني بيدرو شالميتا (pedro chalmeta) وغيرهم.

تهتم جويرو من خلال قراءتها لفتاوى ابن رشد بإظهار الطابع الاقتصادي الذي طغى على المجتمع الأندلسي خلال الفترة المرابطية وتدرسها ضمن سياقين: نظام ملكية الأرض ووسائل الإنتاج، والأنشطة الاقتصادية الأخرى: التجارة وأساليبها وأنواع المعاملات داخل السوق والأنشطة الحرفية. تتخذ نماذج تطبيقية من الفتاوى الرشدية لا سيما تلك التي تميط اللثام عن النزاع حول ملكية الأراضي ومشاكل المياه المشتركة وغيرها من القضايا التي كان يُستفتئ بها ابن رشد الجَدّ.

عسكت فتاوى ابن رشد على المستوى الاجتماعي مشاغل العائلة الأندلسية ضمن الفئة العامة والفئات الوسطى. شكل تكوين الأسرة وشروط الزواج المادية والمعنوية معطيات مهمة في الفتاوى التي تُظهر مسألتين: ضرورة التكافؤ المادي والاجتماعي والعلمي خصوصاً لدى الخّاصة، ونفوذ الأب على ابنته الذي لا ينقطع بزواجها بل يستمر بعده. ومن المسائل التي تشير إليها جويرو خلال تحليلها لفتاوى الفقيه المالكي قولها: إن انعدام التكافؤ المادي في الزواج عُدّ من دواعي إبطال الزواج.

إلى جانب العلاقات الأسرية والزواج تتناول جويرو عبر المدونة الفقهية الرشدية علاقة المسلمين بغير المسلمين. وتلفت إلى أن “المسائل الواردة على ابن رشد في هذا الموضوع هو أنها تعلقت بالنصارى أساساً، ولم يذكر اليهود إلاّ في مسألة واحدة رغم أنهم مثلوا طائفة لها أهميتها العددية في المجتمع الأندلسي، قدرها أحد الأندلسيين بعشرين إلى ثلاثين ألف يهودي في بداية القرن الخامس هجري، كما كان لها وزنها الاقتصادي إذ هيمن اليهود خلال عصر الطوائف على المناصب الإدارية والاقتصادية”.

تُعد “فتوى ابن رشد بتغريب النصارى المعاهدين سنة 520 هـــ إبان عبوره إلى مراكش أشهر فتاويه. وقد صدرت على خلفية تورطهم في مساعدة ألفونسو المحارب في غزوته التي عمّت الأندلس سنتي 519 هـــ و 520 هـــ. تضعنا جويرو في الأسباب الشرعية التي دفعت ابن رشد لإصدار هذه الفتوى على قاعدة ” أخف ما يؤخذ به من عقابهم لأنهم نقضوا العهد وثبت تآمرهم ضد المسلمين، إلاّ أنه لم يفتِ طبقاً للحكم الشرعي بإباحة دمهم، لأن يدرك بأن التقيد الحرفي بهذا الحكم سيكون وبالاً على الأندلس وأهلها بسبب ارتفاع عددهم وتشابك مصالح المسلمين مع مصالحهم“.

تستخلص جويرو صورتين طبعتا أوضاع الطوائف غير المسلمة كما برهنت عليها الفتاوى الرشدية:

  • صورة أوضاع تحددت حسب موقع تلك الطوائف وموقفها من النظام السائد اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. فكانت عادية لا تختلف اختلافاً بيِّناً عن أوضاع سائر الفئات كلما التزمت بما فرضه ذلك النظام من حدود، بينما اهتزت أوضاعها وتعرضت للاضطهاد كلما بدر منها تمرد على ذلك النظام ونقض للعهود.
  • صورة علاقات غير المسلمين بالمسلمين تراوحت بين الانسجام الذي يظهر من خلال أصناف من المبادلات الاقتصادية والاجتماعية بين الطرفين، وتوتر مرجعه الأساسي اختلاف مصالحهما وسلبية الصورة التي حملها كلّ طرف عن الآخر.

تأتي أهمية الكتاب من عاملين: الأول، الخلاصات الجديدة على مستوى قراءة الدلالات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية للإسلام الأندلسي كما عبرت عنها المدونة الإفتائية الرشدية. والثاني: التبادل الوظيفي بين الفقهاء والسلطة السياسية؛ وهي خاصية تاريخية لازمت وتلازم الإسلام الغابر والحاضر.

*******

[i] انظر: الموقع الرسمي للمكتبة الشاملة، على الرابط التالي:

 https://shamela.ws/index.php/author/1105

[ii] فتاوى ابن رشد الجَدّ، تقديم وتحقيق وجمع وتعليق المختار التليلي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1987، 3 مج، 1932 صفحة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق