البعد الاجتماعي للنبوّة (2/2)

من منظور تحليلنا تبدو نبوّة محمد حلاّ شخصيا لمشكلات اجتماعيّة، ولا علاقة لها بأيّ كائن فوق بشري، مؤثرة ومتأثرة بمكوّنات المجتمع الكليّة. عمليّة تأقلم، وتأثّر بحتميات أساسيّة. لم تنشأ من فراغ ثقافي، ولا من تكليفات فوق بشريّة، تنسج من وراء ما تراه قطيعة مع المجتمع الجاهليّ خيط استمراريّة يتيح للمجتمع أن يبقى متماسكا. وفي هذا الإطار أتفهم (قصة الغرانيق) فحدوثها أكثر منطقيّة عندي من عدم حدوثها كما يدّعي البعض، والشّيطان الّذي غرّر بمحمد عند آخرين لم يكن شيطانا؛ إنّما هو محمد في حالة من التّفاوض مع ثقافة المجتمع المكيّ.

كأيّ مصلح يعرف محمد أنّ ما من مصلح يمكنه أن يتنصل تماما من المعتقدات الّتي تسود مجتمعه، والّتي يخضع لها أفراده يوميا. تتكوّن هذه المعتقدات من أفكار ومفاهيم تتعلّق بحياتهم اليوميّة وتعاملهم مع بعضهم البعض، يتقبّلها النّاس كما لو أنّها ذات طابع فكري محض. بعض هذه المعتقدات يثق بها النّاس ثقة عمياء، ويؤمنون بها من غير أدنى شكّ؛ لأنّها تأخذ صيغا دينيّة أو قيميّة، وتصدر عن مرجعيات مؤثّرة، فلا يستطيع أحد مناقشتها. وبشكل عام يمكن القول: إنّ محمدا عرف كيف يستفيد من هذه المعتقدات المرتبطة بتقاليد وعادات وتجارب، بعضها موروث تلعب المرجعيات دورا في نشوئها أو تكريسها، وفي ظروف ممارساتها.

ثمّ إنّنا يجب ألّا ننسى معتقدات محمد الشخصيّة؛ فهو كأيّ إنسان يوجد عنده شبكة من المسلّمات تشكّل خلفيته المعرفيّة؛ فحين يتصرّف، أو يفكّر، أو يتحدّث، فهو يسلّم بوجود طريقة معيّنة يوصفها جون سيرل على أنّها ” شبكة من الأحكام “. وكما يضيف فإنّ شبكة الأحكام هذه يمكن أن توصّف بأنّها نظريّة وربّما مجموعة من النّظريات، لكن حين تؤدّي الخلفيّة عملها أي تقوم بوظيفتها، فليس الإنسان في حاجة إلى نظريّة؛ لأنّ مسلماته تسبق نظرياته. ليست تصوّراته وفرضياته وآراؤه، فحسب، بل ما هو جزء ممّا يُسمّى بخلفيّة فكره.

لقد دُرست خلفيّة أفكار محمد، والرّأي السّائد بين دارسيه لاسيّما من المستشرقين أنّه يصدر عن فكر ديني يهودي أو مسيحي أو عنهما معا. كتب نولدكه ” سيفضي بنا البحث المتعمّق عمّا هو يهودي ومسيحي في القرآن إلى الاقتناع بأنّ التّعاليم الأساسيّة الّتي يشترك فيها الإسلام والمسيحيّة هي ذات صبغة يهوديّة[1]“ثمّ يضيف في الصفحة التاليّة ” الإسلام هو الصيغة الّتي دخلت بها المسيحيّة إلى بلاد العرب كلّها[2]“. وكما يبدو فإنّ نولدكه نفسه غير متأثر بما استنتجه فقال بعد صفحات قليلة: ” أحد أهمّ مصادر تعاليم محمد كانت الاعتقادات الّتي اعتنقها قومه، وما من مصلح يمكن أن يتنصل تماما من المعتقدات الّتي تربى عليها[3]

على أي حال؛ نحن لا نوافق كلّ الّذين قالوا بتأثر محمد باليهوديّة والمسيحيّة أو هما معا. الأمر عندنا يتعلّق بكون النبوّة مؤسّسة عناصرها الأساسيّة تكرّر من نبوة إلى نبوة بحيث تتحكّم في تعاليم الأنبياء. يمكن أن نوضّح هذه الفكرة بالأدب من جهة أنّه مؤسّسة اجتماعيّة. فلا أحد رأى أنّ المتنبي مادح لأنّه تأثر بالشعراء المادخين قبله، ونقول الأمر ذاته مع الغزل عند عمر بن أبي ربيعة. يتعلّق الأمر فيما نرى بثيمتين معروفتين في مؤسّسة الأدب هما المدح والغزل. كذلك هي نبوّة محمد؛ لا يمكننا أن نقول إنّها متأثرة باليهوديّة والمسيحيّة لمجرّد أنّها تتّفق معهما في الوحدانيّة وأفكار أخرى، فهناك أفكار أساسيّة للنبوّة من حيث هي مؤسّسة تبقى ولا تفنى. هنا من المناسب أن نثير الانتباه إلى فقرة في كتاب نولدكه غير مستثمرة في المنظور الّذي تفتحه. يقول: إذا اُعتبر المقياس الوحيد للنبوّة أن يأتي النّبي بأفكار جديدة لم يسمع بها من قبل، أفلا تُنزع النبوّة من كلّ رجال الله ومؤسّسي الأديان؟ إنّ محمدا حمل طويلا في وحدته ما تسلمه من الغرباء، وجعله يتفاعل وتفكيره. ثمّ أعاد صياغته بحسب فكره حتّى أجبره أخيرا الصّوت الدّاخلي على أن يبرز لبني قومه رغم الخطر والسخريّة اللّذين تعرض لهما؛ ليدعوهم إلى الإيمان[4]“.

ماذا حمل محمد في وحدته؟ من هم الغرباء؟ لماذا أعاد صياغة ما حمله من الغرباء؟ في ضوء هذه الأسئلة يمكنني أن أوضّح عبارة نولدكه. يتعلّق الأمر بمحمّد الّذي تمكّن من مستودع الأفكار في النبوّات الّتي سبقته (ما حمله محمد من الغرباء؛ أي الأنبياء قبله). ببطء بدأ محمد في استخدام هذه الأفكار من أجل نبوّته الخاصّة (إعادة الصّياغة). العمليّة بطيئة جدّا (حمل الأفكار طويلا). ومن هذه الزّاوية أتفهّم نبويته في الأربعين من عمره؛ ففي هذا العمر يمكنه أن يستعمل الأفكار الّتي حملها طويلا من التّقليد الموجود قبلا. إنّ مؤسّسة النبوّة ليست صارمة إلى الحدّ الّذي يجعل من النّبي مقلّدا فقط. مؤسّسة النبوّة مرنة تستحق أن يعيد خلق وبناء أفكارها الأساسيّة قلّة من الأفراد المتميزين ندعوهم الأنبياء، ومن هؤلاء محمد.

محمد نبيّ حقّا؛ لكن من وجهة النّظر الّتي تعنينا. إنّ الرؤية الّتي لا ترى في محمد سوى أداة في يد كائن علوي يوجّهه أنّى شاء فكرا وعملا. أقول إنّ هذه الرؤية تجعل من محمد فردا عاديا أدّى دورا يمكن أن يؤدّيه آخرون إذا ما تمتّعوا بدعم كائن سماوي؛ أي أنّ مفهوم الاصطفاء يغمط ما لمحمد من قدرات نادرة. أمّا الرؤية الّتي ترى في محمد إنسانا واعيا استغلّ قدراته الخاصّة الفكريّة والعمليّة. أقول إنّ هذه الرؤية تجعل منه فردا جديرا بأن يكون في مقدمة أبطال التّاريخ.

*****

[1] – نولدكه، تيودور، تاريخ القرآن، نقله إلى العربيّة وحققه: جورج تامر (بيروت، مؤسسة كونوسراد إدناور، الطبعة الأولى، 2004) ص 7.

[2]  – نفسه، ص 8.

[3] – نفسه، ص 18.

[4]  – نفسه، ص 4.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق